Indexed OCR Text

Pages 1-20

إِطَبَرَى
تفسِيرَالة
جَامِعُ الْبَّيّانِ عَنْ تَأْوِيلِ آَ الْقُرآنِ
لِأَبِ جَعَفَر ◌ُحَدِبنِ جَرِيْرِ الطَّيَرِيّ
(٢٢٤هـ - ٣١٠ هـ )
تحقيق
الدكتور /عدالَّد بن عبدالحسن التركي
بالتعاون مع
مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية
بدار هجر
الدكتور عبد السنة حسن عامة
الجزء الثامن
هجر
للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان

تَفَيُ الطَّرِىُ
٧٥ ٪
جَامِعُ البَيّانِ عَنْ تَأْوِيلِ آَ القُرآنِ

حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
القاهرة ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م
مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية
بدار هجر
الدكتور عبد السند حسن يمامة
مكتب : ٤ ش ترعة الزمر - المهندسين - جيزة
ت : ٣٢٥١٠٢٧
مطبعة : ٣٢٥٢٥٧٩ - فاكس : ٣٢٥١٧٥٦

٥
سورة المائدة : الآية ١
-3
تفسيرُ السورةِ التى يُذكَرُ فيها المائدةُ
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوَفُواْ بِآلْعُقُودِ﴾ .
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ رحِمه اللَّهُ: يعنى جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾: يا أيها الذين أقرُوا بوحدانيةِ اللَّهِ وَأَذْعَنوا للَّهِ(١) بالعبودةِ، وسلَّموا
له الأُلوهةَ، وصدَّقوا رسولَه محمدًا عَ لَّهِ فى نبوَّتِه، وفيما جاءهم به من عندِ ربِّهم
من (١٢) شرائعٍ [١٠٢/١٣ و] دينهِ، ﴿أَوْفُواْ بِالْعُقُودٍ﴾. يعنى: أَوْفُوا بالعهودِ التى
عاهد تموها ربَّكم، والعقودِ التى عاقدتموها (٣) إِيَّه، وأَوْجَبتم بها على أنفسكم
حقوقًا ، وألزَمتم بها أنفسكم للَّهِ فروضًا ، فَأَتُوها بالوفاءِ والكمالِ والتمامِ منكم للَّهِ بما
أَلْزَمكم بها، ولمن عاقد تموه منكم بما أوجبتُموه له بها على أنفسِكم، ولا تَتْكُثوها
فتَنْقُضوها بعدَ تو كيدِها .
واختلف أهلُ التأويلِ فى ((العقودِ)) التى أمَر اللَّهُ جلّ ثناؤه بالوفاءِ بها
بهذه (٤) الآيةِ، بعدَ إجماع جميعِهم على / أن معنى العقودِ العهودُ؛ فقال ٤٧/٦
بعضُهم: هى العقودُ التى كان أهلُ الجاهليةِ عاقَدَ بعضُهم بعضًا على النصرةِ
(١) سقط من ت ٢، وفى ص، م: ((له)).
(٢) فى الأصل: ((ومن)).
(٣) فى الأصل: ((عاهد تموها)).
(٤) بعده فى الأصل: ((فى هذه)).

٦
سورة المائدة : الآية ١
والمؤازرة والمظاهرةِ على من حاول ظلمَه أو بغاه سوءًا. وذلك هو معنى الحِلْفِ
الذى كانوا يتعاقَدونه بينَهم .
ذكرُ من قال : معنى العقودِ العهودُ
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
علىّ بنِ أبى طلحةً، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾. يعنى: بالعهودِ(١).
حدثنى محمدُ بنُّ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
تَجِيحِ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ جلَّ ثناؤه: ﴿أَوَفُواْ بِالْعُقُودِ﴾. قال: العهودُ(٢) .
حدثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال : ثنا شِبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ مثلَه .
حدثنا سفيانُ ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ)، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ مثلَه .
حدثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا عبيدُ اللهِ(٤)، عن(٥) أبى جعفرٍ الرازىِّ، عن الرَّبِيعِ بنِ
أنسٍ، قال: جلَسنا إلى مُطَرِّفٍ بنِ الشِّخِيرِ وعندَه رجلٌ يحدِّثُهم، فقال: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ ﴾. قال: هى العهودُ .
[١٠٢/١٣ ظ] حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ،
عن أبيه، عن الرّبيع: ﴿أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾. قال: العهودُ(٦).
(١) أخرجه البيهقى فى الشعب (٤٣٥٦) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٥٣/٢ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم. وستأتى بقيته فى ص ٩.
(٢) تفسیر مجاهد ص ٢٩٨.
(٣ - ٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((ابن أبى سفيان)).
(٤) فى الأصل: ((الرحيم)). وينظر تهذيب الكمال ١٦٤/١٩.
(٥) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((ابن)).
(٦) ينظر التبيان ٣/ ٤١٤.

٧
سورة المائدة : الآية ١
حدثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدِ الأحمرُ، عن مجوييرٍ، عن الضَّحَّاكِ:
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ ﴾. قال: بالعهودِ (١).
حُدِّثت عن الحسينِ بنِ الفرج، قال : سمِعت أبا معاذٍ يقولُ : أخبرنا عُبِيدُ بنُ
سليمانَ ، قال: سمِعت الضَّحاكَ يقولُ: ﴿أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾: بالعهودِ .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن
قتادةً فی قوله : ﴿ أَوفُوا پالعُقُودِ ﴾. قال : بالعهودِ
٠
حدثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال : ثنا أحمدُ بنُ المفضَّل، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُّدىِّ: ﴿أَوَفُواْ بِالْعُقُودِ﴾. قال: هى العهودُ(٣) .
حدثنى الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: سمِعت سفيانَ الثورىَّ يقولُ :
أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ ﴾: بالعهودِ(٣) .
(٤
حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريج، عن
مجاهدٍ ) مثلَه .
قال أبو جعفرٍ : والعقودُ جمعُ عَقْدٍ ، وأصلُ العَقْدِ : عقدُ الشىءِ بغيرِه، وهو
وصلُه به ، كما يُعْقَدُ الحبلُ بالحبل ، إذا وُصِل به شدًّا ، يقالُ منه : عقَد فلانٌ بينَه وبينَ
فلانٍ عَقْدًا، فهو يعقِدُه . ومنه قولُ الحُطَيئةِ (٥):
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((هى العهود)). وينظر التبيان ٤١٤/٣، وتفسير ابن كثير
٥/٣.
(٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٨١، وليس فيه ذكر معمر. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٣/٢ إلى عبد بن
حميد . وستأتى بقيته فى ص ٩ .
(٣) ينظر التبيان ٤١٤/٣.
(٤ - ٤) سقط من: الأصل .
(٥) ديوانه ص ١٢٨.

٨
سورة المائدة : الآية ١
شدُّوا العِنَاجَ(١) وشدُّوا فَوْقَه الكَرَّبَا(٢)
/قومٌ إذا عقَدوا عَقْدًا لجارِهمُ
وذلك إذا واثَقه (٢) على أمرٍ وعاهَده عليه عهدًا بالوفاء له بما عاقَده عليه، من
أمانٍ أو (٤) ذمَّةٍ، أو نصرةٍ، أو نكاح، أو بيع، أو شَرِكةٍ ، أو غير ذلك من العقودِ.
ذكر من قال المعنى الذى ذكرنا عمَّن قاله فى المرادِ
من قولِه: ﴿أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ
[١٠٣/١٣و] حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً قولَه:
يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾. أى: بعقدِ(٥) الجاهلية . ذُكِر لنا أن نبيَّ
اللهِ مٍَّ كان يقولُ: ((أَوْفُوا بعقدِ الجاهليةِ، ولا تُحْدِثوا عقدًا فى الإسلامِ))(٦). وذُكِر
لنا أن قُرَاتٌ بِنَ حِيَّنَ العِجْلِيَّ سأل رسولَ اللهِ عَِّ عن حِلْفِ الجاهليةِ، فقال نبىُّ
اللهِ يٍَّ: ((لعلَّك تسألُ عن حِلْفِ ("لَخْ وتَيْمِ اللهِ﴾؟)) فقال: نعم يا نبيَّ اللهِ.
(١) العناج : خيط خفيف يشد فى إحدى آذان الدلو الخفيفة إلى العرقوة - خشبة معروضة على الدلو - التاج (ع ن ج).
(٢) الكرب: الحبل الذى يشد على الدلو بعد المنّين، وهو الحبل الأول، فإذا انقطع المَنِين، بقى الكرب. التاج
(ك ر ب).
(٣) فى الأصل: ((وافقه)).
(٤) فى م: ((و)).
(٥) فى الأصل: (( بعهد)).
(٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٣/٢ إلى المصنف وابن المنذر. تقدم المرفوع فى ٦٨٣/٦ وما بعدها نحو
ذلك .
(٧ - ٧) فى الأصل: ((لجيم وتيم اللات)). وفى مصدر التخريج: ((لخم وتميم)). ولخم: حى من جذام،
وقيل: حى من اليمن. ومنهم كانت ملوك العرب فى الجاهلية وهم آل عمرو بن عدى بن نصر اللخمى .
وقيل : ملوك لخم کانوا نزلوا الحیرة ، وهم آل المنذر . وتیم الله : حی من بكر بن وائل، يقال لهم اللهازم ، وهو
تيم بن ثعلبة بن عُكابة ، ومعنى تيم الله: عبد الله. من قولهم: تيمه الحب . أى عبّده وذلله . أما تيم اللات -
وهم المقصودون هنا - فهى تيم اللات بن ثعلبة بطن من الخزرج، وقد سماهم النبى مائر تيم الله . اللسان (ل
خ م، ت ی م)، معجم قبائل العرب ١٣٩/١.
٤٨/٦

٩
سورة المائدة : الآية ١
قال: ((لا يَزِيدُه الإِسلامُ إِلَّ شِدَّةً))(١).
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ: ﴿ أَوْفُواْ بِالْعُقُودٍ﴾ . قال: هى(٢) عقودُ الجاهليةِ، الحِلْفُ(٣) .
وقال آخرون : بل هى العهودُ(٤) التى أخذ اللهُ على عباده بالإيمان به وطاعتِه فيما
أخَلَّ لهم وحرّم عليهم .
ذكرُ من قال ذلك
حدثنى المثنى، قال : أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ صالح، قال : ثنى معاويةُ بنُ صالح،
عن علىّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿أَوَقُواْ بِالْعُقُودِ﴾. يعنى: ما أحَلَّ وما
حرَّم ، وما فرَض وما حدَّ فى القرآنِ كلِّه، فلا تَغْدِروا، ولا تَنْكُثُوا، ثم شدَّد ذلك
فقال: ﴿ وَاُلَّذِّيْنَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِشَقِهِ، وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ- أَنْ
يُوَصَلَ﴾. إلى قوله: ﴿سُوَّهُ الدَّارِ ﴾ [الرعد: ٢٥].
حدثنى المثنى، قال : ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نَجيح، عن
مجاهدٍ: ﴿أَوَفُواْ بِالْعُقُودِ﴾: ما (٦) عقَد اللهُ على العبادِ مما(٧) أحَلَّ لهم وحرَّم عليهم.
(١) أخرجه الطبرانى فى الكبير ٣٢٢/١٨ (٨٣٢) من طريق سعيد، عن قتادة ، عن الحسن، عن فرات بن
حيان . وينظر المجمع ١٧٣/٨.
(٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٣) تقدم أوله فى ص ٧.
(٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((الحلف)).
(٥) تقدم أوله فی ص ٦.
(٦) فى الأصل: ((قال)).
(٧) فى الأصل: ((بما)).

١٠
سورة المائدة : الآية ١
وقال آخرون : بل هى العقودُ التى يتعاقدُها الناسُ بينَهم، ويعقِدُها المرءُ على
نفسِه .
ذكرُ من قال ذلك
[١٠٣/١٣ ظ] حدثنا سفيانُ بنُ وكيع، قال: حدثنا أبى، عن موسى بنِ عُبیدةً،
عن أخيه عبدِ اللهِ بنِ عُبيدةَ ، قال : العقودُ خمسٌ ؛ عُقْدةُ الأيمانِ، وعُقْدةُ النكاح،
وعُقْدةُ العهدِ، وعُقْدةُ البيعِ، وعُقْدةُ الحِلْفِ(١).
حدثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسینُ ، قال : ثنا و کیٹ، عن موسى بنِ عُبیدةً، عن
محمدِ بنِ كعبِ القُرَظىِّ، أو عن أخيه عبدِ اللهِ بنِ عُبيدةَ ، بنحوِه (١) .
٤٩/٦
/ حدثنی یونسُ بنُ عبدِ الأعلی ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال : قال ابنُ زیدِ فی
قولِه: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوَفُواْ بِالْعُقُودٍ﴾. قال: عَقدُ العهدِ ، وعَقدُ اليمينِ ،
وعَقدُ الحِلفِ، وعَقدُ الشركةِ، وعَقدُ النكاح. قال: هذه العقودُ خمسٌ.
حدثنى المثنى ، قال : ثنا عُثْبةُ بنُ سعيدِ الحِمْصىُّ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ زيد
ابنِ أسلمَ ، قال: ثنى أبى فى قولِ اللهِ جلَّ ثناؤه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ
بِالْعُقُودٍ﴾. قال: العقودُ خمسٌ؛ عُقْدةُ النكاح، وعُقْدَةُ(٢) الشركةِ، وعُقْدَةُ
اليمين، وعُقْدةُ العهدِ، وعُقْدةُ الحِلْفِ (٤) .
وقال آخرون : بل هذه الآيةُ أمرٌ من اللهِ تعالى ذكرُه لأهل الكتابِ بالوفاءِ بما أخَذ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٣/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) ینظر تفسير ابن كثير ٥/٣.
(٣) فى ص، م: ((عقد)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٣/٢ إلى المصنف.

١١
سورة المائدة : الآية ١
به ميثاقَهم من العملِ بما فى التوراةِ والإنجيلِ فى تصديقِ محمدٍ عَ ◌ِّ ، وما جاءهم به
من عندِ اللهِ .
ذکژ من قال ذلك
حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابنِ نجريج: ﴿ أَوَفُواْ
بِالْعُقُودِ﴾. قال: العهودُ التى أَخَذها اللهُ على أهلِ الكتابِ أن يعملوا بما جاءهم".
حدثنى المثنى ، قال : ثنى أبو صالح ، قال : ثنا الليثُ ، قال : ثنى يونسُ ، قال :
قال محمدُ بنُ مسلم: قرَأْتُ كتابَ رسولِ اللهِ عَلَّهِ الذى كتَب لعمرو بنِ حَزْمِ حينَ
بعثَه على(٢) نَجْرَانَ(٣) ، فكان الكتابُ عندَ أبى بكرٍ [١٠٤/١٣ و] بنِ حَزْمِ ، فيه : هذا بيانٌ
من اللهِ ورسولِه: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ ﴾. فكتَب الآياتِ منها،
حتى بلَغ: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾(٤) [المائدة: ٤]
وأولى الأقوالِ فى ذلك عندَنا بالصوابِ ما قاله ابنُ عباسٍ ، وأن معناه : أَوْفُوا
أيها المؤمنون بعقودِ اللهِ التى أَوْجَبها عليكم وعقَدها ، فيما أحلٌّ لكم وحرّم عليكم ،
وأُلْزمكم فَوْضَه ، وبينَّ لکم حدوده .
وإنما قلنا : ذلك أولى بالصوابِ من غيرِهِ من الأقوالِ ؛ لأن اللهَ جلَّ ثناؤه أتْبَع
ذلك البيانَ عما أحلَّ لعبادِه وحرّم عليهم، وما أوجب عليهم من فرائضِه، فكان
معلومًا بذلك أن قوله: ﴿أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ ﴾. أمرٌ منه عبادَه بالعملِ بما أَلْزَمهم من
(١) ينظر التبيان ٤١٥/٣، وتفسير البغوى ٦/٣.
(٢) فى م: ((إلى)).
(٣) نجران : قبيلة فى مخاليف اليمن من ناحية مكة. معجم البلدان ٤/ ٧٥١.
(٤) ينظر تاريخ المصنف ١٢٨/٣، ودلائل النبوة للبيهقى ٤١٣/٥، وتفسير ابن كثير ٣/ ٥.

١٢
سورة المائدة : الآية ١
فرائضِه وعقودِه عَقِيبَ ذلك، ونَهْىٌ منه لهم عن نقضٍ (١) ما عقَده " عليهم منه)،
مع أن قوله: ﴿ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾. أمرٌ منه بالوفاءِ بكلِّ عقدٍ أذِن فيه ، فغيرُ جائزٍ أن
يُخَصَّ منه شىءٌ حتى ١١ تقومَ حجةٌ بخصوصٍ شىءٍ منه يجبُ التسليمُ لها .
فإذا كان الأمر فى ذلك كما وصَفنا، فلا معنى ("لقولٍ من" وجَّه ذلك
إلى معنى الأمرِ بالوفاءِ ببعضِ العقودِ التى أمَر اللهُ جل ثناؤه بالوفاءِ بها دونَ
بعضٍ.
وأما قولُه: ﴿أَوْفُواْ﴾. فإن للعربِ فيه لغتين: إحداهما: ((أَوْفُوا)). من قولٍ
القائل: أَوْفَيْتُ لفلانٍ بعهدِهِ، أُوفِى له به. والأُخرى: ((فُوا))(٥) من قولهم : وَفَيْتُ له ٥٠/٦
بعهده، أَفِى .
والإيفاءُ بالعهدِ(١): إتمامُه على ما ◌ُقِد عليه من شروطِه الجائزةِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ﴾ .
قال أبو جعفرٍ: اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى ((بهيمة الأنعام)) التى ذكر اللهُ جل ثناؤه
فى هذه الآيةِ أنه أحلَّها لنا ؛ فقال بعضُهم: هى الأنعامُ كلُّها .
ذكرُ من قال ذلك
حدثنا سفيانُ بنُ وكيع، قال : ثنا عبدُ الأعلى ، عن عوفٍ ، عن الحسنِ ، قال :
(١) فى الأصل: ((بعض)).
(٢ - ٢) فى الأصل: ((فيه)).
(٣) فى الأصل: ((حين)).
(٤ - ٤) فى الأصل: ((لمن)).
(٥) سقط من : ص، م.
(٦) فى ص، ت ١، ت ٢، ت٣: ((بالعقد)).

١٣
سورة المائدة : الآية ١
بهيمةُ الأنعامِ : مِن (١) الإبلِ والبقرِ والغنمِ(٧) .
حدثنا الحسنُ بنُ يحبى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةً فى قوله: ﴿ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ﴾. قال: الأنعامُ كلُّها(٣).
حدثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشّدِّىِّ: ﴿ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ ﴾. قال: الأنعامُ كلُّها .
حدثنى المثنى، قال : ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن
أبيه، عن الرّبيع بنِ أنسٍ فى قولِه: ﴿ أُحِلَّتْ لَكُمْ تَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ﴾. قال:
الأنعامُ كلَّها .
حدثت عن الحسين بنِ الفرج، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ : أخبرنا عُبيدُ بنُ
سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ يَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ﴾: هى
الأنعامُ .
وقال آخرون: بل عنَى بقولِه: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ ﴾. أجنَّةَ الأنعام
التى تُوجدُ فى بطون أمهاتِها - إذا نُحِرت أو ذُبِحت - مَيَِّةٌ .
ذكرُ من قال ذلك
حدثنى الحارثُ بنُ محمدٍ ، قال : ثنا عبدُ العزيزِ، قال : ثنا أبو عبدِ الرحمنِ
الفَزارىُّ، عن عطيةَ العوفىِّ، عن ابنِ عمرَ فى قولِه: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ يَهِيمَةُ
(١) فى م: ((هى)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٣/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٨١. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٣/٢ إلى عبد بن حميد. وستأتى بقيته
فى ص ١٦.

١٤
سورة المائدة : الآية ١
اُلْأَنْعَمِ﴾. قال: ما فى بطونِها. قال: قلت: إن خرَجَ ميًِّا آكُلُهُ(١)؟ قال: نعم (١).
حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: أخبرنا يحيى بنُ زكريا، عن إدريسَ
الأَوْدِىِّ، عن عطيةَ، عن ابنِ عمرَ نحوَه، وزاد فيه: قال: نعم، هو بمنزلةِ رِقَتَّها وكَبِدِها(٣).
حدثنا ابنُ محُميدٍ وابنُ وكيع، قالا : ثنا جريرٌ، عن قابوسَ ، عن أبيه ، عن ابنٍ
عباسٍ، قال : الجنينُ من بهيمة الأنعامِ ، فَكُلوه(٤).
حدثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن مِشْعرٍ وسفيانَ، عن قابوسَ ، عن أبيه ، عن
ابنِ عباسٍٍ، أن بقرةً نُحِرت ، [١٠٥/١٣ و] فؤُجِد فى بطنها جنينٌ، فأخَذ ابنُ عباسٍ
بذَنَبِ الجنين، فقال: هذا من بهيمة الأنعامِ التى أُحِلَّت لكم(٥).
حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ ، عن سفيانَ، عن قابوسَ ، عن أبيه ، عن
ابنِ عباسٍ، قال : هو من بهيمةِ الأنعام .
حدثنا ابنُ بشّارٍ ، قال : ثنا أبو عاصم ومؤمَّلٌ ، قالا : ثنا سفيانُ ، عن قابوسَ ،
عن أبيه، قال : ذبَحنا بقرةً ، فإِذا فى بطنِها جنينٌ، فسألنا ابنَ عباس ، فقال : هذه
بهيمةُ الأنعامِ .
قال أبو جعفرٍ : وأولى القولين بالصوابِ فى ذلك قولُ من قال : عَنى بقولِه :
﴿أُحِلَتْ لَكُمْ يَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ﴾. / الأنعامَ(١) كلّها، أجِنَّتَها وسِخالَها وكبارَها؛ لأن
٥١/٦
(١) فى الأصل: ((أكلته)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٣/٢ إلى المصنف.
(٣) أخرجه البيهقى ٣٣٦/٩ من طريق يحيى بن زكريا به بنحوه.
(٤) أخرجه سعيد بن منصور - كما فى الدر المنثور ٢٥٣/٢ - ومن طريقه البيهقى ٣٣٦/٩ عن جرير، عن منصور،
عن قابوس به. وعزاه السيوطى إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه. وينظر المحلى ١٢٢/٨.
(٥) تفسير سفيان ص ٩٩.
(٦) زيادة من: م.

١٥
سورة المائدة : الآية ١
العربَ لا تمتنعُ من تسميةٍ جميع ذلك بهيمةً وبهائمَ، ولم يَخْصُصِ اللهُ منها
شيئًا دونَ شىءٍ ، فذلك على عمومِه وظاهرِهِ حتى تأتىَ حجةٌ بخصوصِه يجبُ
التسليمُ لها. وأما النَّعَمُ فإنها عندَ العربِ اسمٌ للإبلِ(١) والبقرِ والغنمِ خاصَّةً،
كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿وَالْأَنْعَمَ خَلَقَهَاْ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَفِعُ وَمِنْهَا
تَأْكُلُونَ ﴾ [النحل: ٥]. ثم قال: ﴿ وَالْخَيَّلَ وَاَلْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِّكَبُوهَا
وَزِينَةً﴾ [النحل: ٢٨ ففصَل جنسَ النَّعَم من غيرِها من أجناسِ الحيوانِ .
وأما بهائمُها فإِنها أولادُها . وإِنما قلنا : يلزَمُ الكبارَ منها اسمُ بهيمةٍ كما يلزَمُ
الصغارَ؛ لأن معنى قولِ القائلِ: بهيمةُ الأنعامِ. نظيرُ قولِه: ولدُ الأنعام. "فكما لاً)
يسقُطُ معنى الولادةِ عنه بعدَ الكِبَرِ ، فكذلك لا يسقُطُ عنه اسمُ البهيمةِ بعدَ الكِبَرِ .
وقد قال قومٌ: بهيمةُ الأنعام: وَحْشُها (٢) ؛ كالظِّباءِ وبقرِ الوحشِ والحُمُرِ.
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه وتَقدَّست أسماؤه: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ .
قال أبو جعفرٍ: اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى الذى عناه اللهُ جل ثناؤه بقوله: ﴿إِلَّا مَا
يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾؛ فقال [١٠٥/١٣ ظ] بعضُهم: عنَى اللهُ بذلك: أَحِلَّت لكم أولادُ الإبلِ
والبقرِ والغنم، إلا ما بينَّ اللهُ لكم فيما يُتْلى عليكم بقولِه: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ
وَالدَّمُ ﴾ الآية [المائدة: ٣].
ذكرُ من قال ذلك
حدثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عیسی ،عن ابنٍ أبى
(١) فى الأصل: ((الإبل)).
(٢ - ٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فلما لا))، وفى م: ((فلما كان لا)).
(٣) فى م: (( وحشيها)).

١٦
سورة المائدة : الآية ١
تَجِيح، عن مجاهدٍ: ﴿يَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ إِلَّا مَا يُغْلَى عَلَيْكُمْ﴾: إلَّ المَةَ وما ذُكِر
معها (١).
حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:
﴿أُحِلَتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيَّكُمْ﴾. أى: من الميْتَةِ التى نهَى اللهُ عنها
وقدَّم فيها .
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ: ﴿ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾. قال: إلا الميْتَةَ وما لم يُذْكَرِ اسمُ اللهِ عليه(٢) .
أخبرنا محمدُ بنُ الحسين، قال: أخبرنا أحمدُ بنُ مفضَّل، قال : أخبرنا أسباطُ ،
عن السُّدِّىِّ: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾: الميتةُ والدَّمُ ولحم الخنزيرِ(١).
حدثنى المثنى ، قال : أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ صالح، قال : ثنى معاويةُ ، عن علىِّ بنِ
أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾: هى
الميتةُ والدَّمُ ولحم الخنزيرِ وما أُهِلَّ لغيرِ اللهِ به (٤) .
وقال آخرون: بل الذى اسْتَثنى اللهُ عز وجل بقولِه: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ
الخنزير.
(١) تفسير مجاهد ص ٢٩٨. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٣/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) تفسير عبد الرزاق ١٨١/١.
(٣) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((حدثنى المثنى، قال: ثنا عبد الله ، قال: ثنى معاوية، عن على
ابن أبى طلحة، عن ابن عباس ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم﴾: الميتة ولحم الخنزير)).
(٤) ذكره ابن كثير ٦/٣ عن على بن أبى طلحة به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٣/٢ إلى المصنف وابن
المنذر وابن أبى حاتم والبيهقى فى شعب الإيمان .

١٧
سورة المائدة : الآية ١
٥٢/٦
/ ذكرُ من قال ذلك
حدثنى علىُ(١) بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ ، عن
علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾. قال: الخنزيرُ(١).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال : سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: [١٠٦/١٣و] أخبرنا
عُبيدُ بنُ سليمانَ ، قال: سمِعتُ الضَّّاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿ إِلَّا مَا يُتْلَ عَلَيْكُمْ﴾:
يعنى الخنزيرَ ().
قال أبو جعفرٍ : وأولى التأويلين عندى (٢) بالصوابِ تأويلُ من قال: عنَى بذلك:
إلا ما يُقْلَى عليكم من تحريم اللهِ ما حرَّم عليكم بقوله(٤): ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ
اَلْمَيْنَةُ وَاَلَّمُ﴾ الآية؛ لأن الله تعالى ذكرُه اسْتَثْنَى مما أباح لعبادِه من بهيمةٍ
الأنعام ما(٢) حرَّم عليهم منها. والذى حرَّم عليهم منها ما بيَّنه فى قولِه:
◌ْ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ وَاَلَّمُ وَلَمُ الْخِزِيرِ﴾. ( والخِنْزِيرُ) وإن كان مما (٧)
حرَّمه اللهُ جلَّ وعزَّ علينا فليس من بهيمة الأنعام فيُسْتَثنى منها. فاستثناءُ( ما
حرَّم علينا مما دخَل فى جملةِ ما قبلَ الاستثناءِ، أشبهُ من استثناءِ ما حرَّم مما لم
يدخُلْ فى جملةِ ما قبلَ الاستثناءِ .
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((عبد الله)). وينظر تهذيب الكمال ٤٢٣/٢٠.
(٢) ينظر التبيان ٤١٦/٣.
(٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فى ذلك)).
(٤) فى الأصل: ((لقوله)).
(٥) فى ص: ((مما)). وفى ت١: ((فيما)).
(٦ - ٦) سقط من النسخ، ولا يستقيم السياق إلا به. واستدركناه من التبيان ٤١٦/٣.
(٧) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٨) فى الأصل: ((ما استثنى)).
( تفسير الطبرى ٢/٨)

.
١٨
سورة المائدة : الآية ١
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه: ﴿غَيْرَ يُحِلِّ الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرٌُ ﴾
اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلٍ ذلك ؛ فقال بعضُهم : معنى ذلك : يا أيها الذين
آمَنُوا أَوْفوا بالعقودِ غيرَ مُحِلِّى الصيدِ وأنتم حُرُمٌ، أَحِلَّت لكم بهيمةُ الأنعامِ.
فذلك على قولِهم من المؤخَّرِ الذى معناه التقديمُ، فـ﴿ٍ غَيْرَ ﴾ منصوبٌ ، على
قولٍ قائلى هذه المقالةِ، على الحالِ مما فى قوله: ﴿أَوَفُواْ ﴾ من ذكرِ ((الذين آمنوا)).
وتأويلُ الكلام على مذهبهم: أوْفُوا أيها المؤمنون بعقودِ اللهِ التى عقَدها عليكم
فى كتابِهِ، لا مُحِلِّين الصيدَ وأنتم مُرُمٌ .
وقال آخرون: معنى ذلك: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ ◌َهِيمَةُ الْأَنْعَمِ ﴾ الوحشيّةِ من الظُّاءِ
والبقرِ والحُمُرِ، ﴿غَيْرَ مُحِلِىِ الصَّيْدِ﴾، غير [١٠٦/١٣ظ] مستحلَّى اصطيادِها، ﴿
وَأَنْتُمْ حُمٌ﴾، إلا ما يُتْلَى عليكم. فـ﴿ غَيْرَ﴾ على قولِ هؤلاء منصوبٌ على الحالِ
من الكافٍ والميم اللتين فى قوله: ﴿لَكُمْ﴾ بتأويل: أَحِلَّت لكم أيها الذين آمنوا بهيمةُ
الأنعام لا مستحلِّى اصطيادِها فى حالٍ إحرامِكم .
وقال آخرون: معنى ذلك: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ تَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ ﴾ كلِّها، ﴿ إِلَّا مَا
يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾، إلا ما كان منها وحشيًّا، فإنه صيدٌ فلا يحِلُّ لكم وأنتم حُمٌ . فكأنَّ
من قال ذلك وجَّه الكلامَ إلى معنى: أَحِلَّت لكم بهيمةُ الأنعام كلِّها (١) ، إلا ما
يُبيَّنُ لكم من وحشيّها، غيرَ مستحلِّى اصطيادِها فى حالِ إحرامِكم. فتكونُ
﴿ غَيْرَ ﴾ منصوبةً - على قولهم - على الحالِ من الكافِ والميم فى قوله: ﴿إِلَّا مَا
يُتْلَى عَلَيْكُمْ ﴾ .
(١) بعده فى ص، م: ((إلا ما يتلى عليكم)).

١٩
سورة المائدة : الآية ١
ذكرُ من قال ذلك
حدثنا سفيانُ بنُ وكيع، قال: أخبرنا عبيدُ اللهِ، عن أبى جعفرِ الرازىِّ، عن
الربيع بن أنسٍٍ ، قال: جلَسنا إلى مطرّفٍ بنِ الشِّخِّيرِ وعندَه (٢) رجلٌ فحدَّثهم(٣)،
فقال: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ تُحِلِّ الصَّيْدِ﴾. قال: إلا
ما كان مِن الأنعامِ صَيدًا)، فهو عليكم حرامٌ. يعنى بقرَ الوحشِ والظُّاءَ وأشباهَهُ(٥).
حدثنى المثنى ، قال : أخبرنا إسحاقُ ، قال : ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه،
عن الرّبيعِ فى قوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ يَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلَى الصَّيْدِ
وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾. قال: الأنعامُ كلُّها حِلٌّ إلا ما كان منها وحشيًا، فإنه صيدٌ ، فلا يجِلُّ
إذا كان مُخْرِمًا(٥) .
/ قال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ - على ما تظاهرت به ٥٣/٦
تأويلُ أهلِ التأويلِ فى قوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ﴾. من أنها الأنعامُ و(
أُجِنَّتُها وسِخالُها، وعلى دلالةِ ظاهرِ التنزيلِ - قول من قال: معنى [١٠٧/١٣ و] ذلك:
أَوْفُوا بالعقودِ غيرَ مُحِلِّى الصيدِ وأنتم حُرُمٌ، فقد أَحِلَّت لكم بهيمةُ الأنعام فى حالٍ
إحرامِكم وغيرِها من أحوالِكم ، إلا ما يُتْلَى عليكم تحريُه من الميتةِ منها والدم وما أُهِلٌ
(١ - ١) فى الأصل: ((عبد الله بن)). وينظر تهذيب الكمال ١٩٢/٣٣.
(٢) فى الأصل: ((عندهم)).
(٣) فى الأصل: ((يحدثهم)).
(٤ - ٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((صيدًا)). وفى م: ((صيدًا، غير محلى الصيد وأنتم حرم)).
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٣/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٦) فى الأصل، م: ((تظاهر)).
(٧) فى الأصل: ((أو)).

٢٠
سورة المائدة : الآية ١
لغيرِ اللهِ به. وذلك أن قوله: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾. لو كان معناه: إلا الصيدَ. لقيل:
إلا ما يُتْلَى عليكم من الصيدِ غيرَ مُحِلِّيه. وفى تركِ اللهِ جل ذكره وصلَ (١) قوله: ﴿إِلَّا
مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ بما ذكَرتُ، وإظهارِ ذكرِ الصيدِ فى قوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّ الضَّيْدِ﴾.
أوضح الدليلِ على أن قوله: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾. خبر١ٌ متناهيةٌ قصتُه، وأن معنى
قوله : ﴿ غَيْرَ مُحِلِىِ الصَّيْدِ﴾ منفصلٌ منه، وكذلك لو كان قولُه تعالى ذِكرُه :
﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ﴾ مقصودًا به قصدُ الوَحْشِ، لم يكنْ أيضًا لإعادةِ ذ کرٍ
الصيدِ فى قوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِ الصَّيْدِ﴾ وجهٌ، وقد مضَى ذكرُه قبلُ، ولقيل: أُحِلَّت
لكم بهيمةُ الأنعامِ إِلا ما يُتْلَى عليكم غيرَ مُحِلِّيه وأنتم حُمٌ . وفى إظهارِه ذكرَ الصيدِ
فى قوله: ﴿غَيْرَ مُحِلّى الصَّيْدِ﴾ أبينُ الدلالةِ على صحة ما قلنا فى معنى ذلك.
فإن قال قائلٌ : فإن العرب ربما أظهرت ذكر الشىءِ باسمِه ، وقد جری ذکرُه
باسمِه "قبلُ. قيل) : ذلك من فعلها فى(٥) ضرورةٍ شعرٍ، وليس ذلك بالفصيحِ
المستعملِ من كلامِهم، وتوجيهُ كلام الله جل ثناؤه إلى الأفصح من لغاتٍ من نزَل
كلامُه بلغتِهِ أَوْلَى ما وُجِد إلى ذلك سبيلٌ مِن صرفِه إلى غيرِ ذلك.
فمعنى الكلام إذن : يا أيها الذين آمنوا أَوْفُوا بعقودِ اللهِ التى عقَد عليكم فيما (١)
حرَّم وأحلَّ ، لا مُحِلِين الصيدَ فى حرَمِكم؛ ففيما أَحِلَّ لكم من بهيمة الأنعام المذكّاةِ
دونَ ميتتِها متسَعٌ لكم، ومُشْتَغْنَى عن الصيدِ فى حالٍ إحرامِكم(١).
(١) سقط من : الأصل.
(٢) فى الأصل: ((غير)).
(٣ - ٣) فى الأصل: ((بذكره اسمه)).
(٤ - ٤) فى ص: ((قبل))، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((قيل)).
(٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٦) فى م، ت ١، ت ٢، ت٣: ((مما).
(٧) فى الأصل: ((حرمكم)).