Indexed OCR Text

Pages 701-720

٧٠١
سورة النساء : الآية ١٧١
وأصلُ الغُلُوٌّ فى كلِّ شىءٍ مجاوزةُ الحدِّ(١) الذى هو حدُّه، يقالُ منه فى الدينِ :
قد غلا فهو يَغْلُو غُلُوًّا. و: غلا بالجاريةِ عظمُها ولحمُها. إذا أسرعتِ الشبابَ،
فجاوزتْ لِداتِها، يغلو بها غُلُؤَّا وغَلاءً. ومن ذلك قولُ الحارثِ بنِ "خالدٍ
٢)
المخزومي٢ّ) :
خُمْصَانَةٌ قَلِقٌّ مُوَشِّحُها رُؤْدُ الشبابِ غَلا بها عَظْمُ
وقد حدَّثنا المثنى، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن
الرَّبيعِ، قال: صاروا [٩٢/١٣و] / فريقين؛ فريقٌ غَلَوا فى الدينِ، فكان غلوُّهم فيه ٣٥/٦
الشكَّ فيه، والرغبةَ عنه . وفريقٌ منهم قصَّروا عنه، ففسقوا عن أمرِ ربِّهم .
القولُ فى تأويلٍ قوله: ﴿ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ:
أَلْقَلِهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنَةٌ﴾ .
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ رحمه اللّهُ: يعنى جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿إِنَّمَا
الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَریم ﴾ . ما المسيح أيها الغالُون فی دینھم من أهلِ الكتابِ بابنِ
اللَّهِ ، كما تزعُمون ، ولكنه عيسى ابنُ مريمَ دونَ غيرِها من الخلقِ ، لا نسب له غيرُ
ذلك. ثم نعَته اللَّهُ جلَّ ثناؤه بنعتِه، ووصَفه بصفتِه، فقال: هو رسولُ اللَّهِ، أرسَلَه
بالحقِّ إلى مَن أَرْسَله إليه مِن خلقِه (٣).
وأصلُ المسيحِ الممسوح، صُرِّف من ((مفعولٍ)) إلى ((فَعِيلٍ))، وسمَّاه اللّهُ
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((حده).
(٢ - ٢) فى الأصل: ((حلزة)). والبيت فى مجاز القرآن ٤٢/١، واللسان (غلو)، الأغانى ٩/ ٢٢٦.
والخمصانة ضامرة البطن. اللسان (خ م ص) ولذلك يتحرك وشاحها . والرُّؤْد : الشابة الحسنة السريعة
الشباب مع حسن غذاء. تاج العروس (رأد).
(٣) فى ص، ت ١: ((أصله)).

٧٠٢
سورة النساء : الآية ١٧١
بذلك لتطهيره إيَّه من الذنوبِ، فقيل(١): مُسِح من الذنوب والأدناسِ التى تكونُ فى
الآدميِّين، كما يُمْسَحُ الشىءُ من الأذَى الذى يكونُ فيه ، فيطهّرُ منه، ولذلك قال
مجاهدٌ ومَن قال مثلَ قوله : المسيح الصِّدِّيقُ .
وقد زعم بعضُ الناسِ أن أصلَ هذه الكلمةِ عِبْرانيةٌ أو سُرْيانيةٌ ((مَشِيحًا))(٢)
فعرِّبت، فقيل: المسيحُ. كما عُرِّب سائرُ أسماءِ الأنبياءِ التى فى القرآنِ، مثلُ
إسماعيلَ ، وإسحاقَ ، وموسى ، وعيسى .
قال أبو جعفرٍ: وليس ما مثَّل به من ذلك للمسيح بنظيرٍ، وذلك أن إسماعيلَ
وإسحاقَ وما أَشْبَهَ ذلك، أسماءٌ لا صفاتٌ ، والمسيحُ صفةٌ ، وغيرُ جائٍ أن تُخاطَبَ
العربُ وغيرها من أجناسِ الخلقِ فى صفةِ شىءٍ إلا بما (٢) يُفهَمُ عمَّن خاطَبها ، ولو
كان [٩٢/١٣ظ] المسيح من غيرِ كلامِ العربِ ولم تكنِ العربُ تعقِلُ معناه ما خوطبت
به، وقد أتيْنا بالبيانِ على نظائرٍ ذلك فيما مضى بما فيه الكفايةُ من إعادتِه(٤) .
وأما المسيح الدجالُ، فإنه أيضًا بمعنى الممسوحِ العينِ، صُرِّف من مفعول(٥)
إلى فَعِيلٍ، فمعنى ((المسيحِ)) فى عيسى عَِّ: الممسوحُ البدنِ(١) من الأدناسِ
والآثامٍ ، ومعنى ((المسيحِ)) فى الدجّالِ: الممسوح العينِ اليمنى أو اليسرى كالذى
رُوِى عن رسولِ اللَّهِ تَّمِ فى ذلك(٧).
(١) فى م: (( وقيل)).
(٢) فى الأصل، ص، ت ١: ((مسيحا)). بالسين المهملة، وينظر تاج العروس (م س ح).
(٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت٣: ((بمثل ما)).
(٤) ينظر ما تقدم ٤٠٩/٥، ٤١٠.
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ت٣: ((مفعل)).
(٦) فى ص، ت ١، ت ٢، ت٣: ((الدرن)).
(٧) أخرجه البخارى ٩٠/١٣ (٧١٢٣) من حديث نافع عن ابن عمر أراه عن النبى منثم قال: ((أعور العين
اليمنى كأنها عنبة طافية))، ومسلم ٢٢٤٨/٤ (٢٩٣٤) من حديث حذيفة قال: قال رسول الله حيث :
((الدجال أعور العين اليسرى))، وينظر مسند الطيالسى (١٢٠٢).

٧٠٣
سورة النساء : الآية ١٧١
وأما قولُه: ﴿ وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَنِهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾. فإنه يعنى بالكلمةِ الرسالة التى
أمَرِ اللَّهُ ملائكته أن تأتى مريم بها ، بشارةً من اللَّهِ لها ، التى ذكَر جلّ ثناؤه فى قولِه:
﴿ إِذْ قَالَتِ الْمَلَبِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ﴾ . يعنى: برسالةٍ منه ،
وبشارةٍ من عندِه .
وقد قال قتادةُ فى ذلك، ما حدَّثنا به الحسنُ بنُ يحيى ، قال : أخبرنا عبدُ
الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ عن قتادةَ: ﴿ وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَنِهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾. قال: هو
قولُه : كُنْ. فكان .
وقد بيَّنا اختلافَ المختلفين من أهلِ الإسلامِ فى ذلك فيما مضى " قبلُ مع
البيانِ عن الصحيح من القول فيه فيما مضى٢ ، بما أغنى عن إعادتِه فى هذا
(٢)
الموضع (٢).
وقولُه: ﴿أَلْقَلِهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾. يعنى: أَعْلَمها بها وأَخْبَرِها، كما يقالُ:
أَلْقِيتُ إليكٌ كلمةً حسنةً. بمعنى أخبرتُكَ بها ، وكلَّمتُك بها .
وأما قولُه: ﴿وَرُوحٌ مِنَةٌ﴾. فإن أهلَ العلم اختلفوا فى تأويله؛ فقال
بعضُهم: معنى قوله: ﴿وَرُوحٌ مِّنْهٌ﴾: ونفخةٌ منه(٢)؛ لأنه حدث عن نفخةٍ
جبريلَ فى دِرْعٍ مريم بأمرِ اللَّهِ عز وجلّ إِيَّاه بذلك، فتُسِب / إلى أنه روحٌ من اللَّهِ؛ لأنه ٣٦/٦
بأمرِه كان. قالوا: وإنما سُمِّى النفخُ رُوحًا؛ لأنها رِيحٌ تخرُجُ عنْ) الرُّوحِ،
٠
(١ - ١) سقط ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) ينظر ما تقدم فى ٤٠٦/٥ .
(٣) بعده فى الأصل: ((وقالوا : قال: وروح منه)) .
(٤) فى م: ((من)).

٧٠٤
سورة النساء : الآية ١٧١
واسْتَشْهَدوا على ذلك من قولهم بقولٍ ذى الرُّمَّةِ فى صفةٍ نارٍ نعتها (١):
بِطَلْساءً(٢) لم تكمُلْ(٣) ذِراعًا ولا شِبْرًا
فلما بدَتْ كَفَّنْتُها وَهْىَّ ◌ِفْلَةٌ
بِرُوحِكَ واقْتَتْهُ(٥) لها قِيتةٌ قَدْرًا
[٩٣/١٣ و] وقلتُ له (٤) ازْفَعْها إليكَ وَخْيِها
عليها الصَّبًا واجْعَلْ يَدَيْكَ لها سِتْرًا (٨)
وظاهِرْ لها من يابسٍ(١) الشَّخْتٍ(٧) واسْتَعِنْ
وقالوا : يعنى بقوله: وأَخْيِها بُرُوحِكَ. أى: أَحْيِها بنفخِك.
وقال بعضُهم: يعنى بقوله: ﴿ وَرُوحٌ مِنْهٌ﴾. أنه كان إنسانًا بإحياءِ اللَّهِ إياه
بقوله: كُنْ. قالوا: وإنما معنى قوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهٌ﴾. وحياةٌ منه، بمعنى إحياءِ اللَّهِ
إيَّاه بتكوينه .
وقال آخرون(٩): معنى قوله: ﴿وَرُوحٌ مِّنْهٌ﴾. ورحمةٌ منه، كما قال جلّ
ثناؤُه فى موضعٍ آخرَ: ﴿وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]. قالوا: ومعناه فى
هذا الموضعِ: ورحمةٌ منه . قال: فجعَل اللَّهُ عیسى رحمةً منه على مَن اتَّبعه وآمن به
وصدَّقه؛ لأنه هداهم إلى سبيل الرشاد .
(١) ديوانه مع الشرح ١٤٢٨/٣ - ١٤٣١.
(٢) قوله: بطلساء متعلق بـ ((كفنتها))، والمراد: ((صيرتها فى خرقة وسخة تَضرِب إلى السواد. شرح الديوان
١٤٢٩/٣.
(٣) فى الأصل: ((تكفل)).
(٤) فى ص، ت ١: ((لك)).
(٥) فى م ((واقتته)) وهو خطأ بين. ((واقتته)) افتعِلْه من القوت. المصدر السابق.
(٦) فى م: ((بائس)). أورد السيوطى فى المزهر ٥٥٦/١، عن أبى عبيد عن الأصمعى أنه أخبر عيس بن عمر
أن ذا الرمة أنشده البيت باللفظين جميعا .
(٧) فى الأصل: الشحب. والشخت: ما دق من الحطب المصدر السابق.
سنا البرق أحدثنا لخالقها شكرًا)).
(٨) بعده فى م: ((فلما جرت للجزل جريا كأنه
(٩) فى م: ((بعضهم)) .
...-..

٧٠٥
سورة النساء : الآية ١٧١
وقال آخرون: معنى ذلك: وروحٌ من اللَّهِ خَلَقها فصوَّرها، ثم أَرْسَلها إلى
مريمَ، فدخلت فى فِيها، فصيّرها اللَّهُ تعالى روحَ عيسى عليه السلامُ.
ذكر من قال ذلك
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ سعدٍ ،
قال : أخبرنى أبو جعفرٍ الرازىُّ، عن الرَّبيع، عن أبى العاليةِ ، عن أَبيِّ بنِ كعبٍ ، فى
قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِيّ ءَآدَمَ مِن ◌َظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]. قال:
أخذهم فجعلھم أرواحًا ، ثم صوَّرهم، ثم استٹطَقهم ، فکان رومځ عيسى من تلك
الأرواح التى أخذ عليها العهدَ والميثاقَ، فَأَرْسَل ذلك الروح إلى مريمَ، فدخَل فى فيها
فحمّلت الذى(١) خاطَبها، وهو (٢) روح عيسى(١).
وقال آخرون: معنى الرُّوحِ ههلنا: جبريلُ عليه السلام. قالوا : ومعنى الكلام:
وكلمتُه ألقاها إلى مريمَ، وألقاها أيضًا إليها رُوحٌ من اللَّهِ . قالوا: فالروحُ معطوفٌ به
على ما فى قولِه: ﴿أَلْقَنِهَا﴾(٤)، من ذكرِ اللَّهِ، بمعنى: أن إلقاء الكلمةِ إلى مريمَ
كان من اللَّهِ جلَّ ثناؤه، ثم من جبريل عليه السلامُ.
ولكلِّ [٩٣/١٣ظ] هذه الأقوالِ وجه ومذهبٌ غيرُ بعيدٍ من الصوابِ (١).
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَاِنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِّهِ، وَلَا تَقُولُواْ ثَثَةٌ أَنْتَهُواْ
(١) فى م: ((والذى)) .
(٢) فى م، ت ٢، ت ٣: ((هو)).
(٣) سيأتى مطولًا فى سورة الأعراف ، فانظر تخريجه هناك .
(٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٥) قال ابن كثير فى تفسيره ٤٣١/٢، ٤٣٢: والأظهر الأول أنه مخلوق من روح مخلوقة ، وأضيفت الروح
إلى الله على وجه التشريف، كما أضيفت الناقة والبيت إلى الله فى قوله: ﴿هذه ناقة الله﴾، وفى قوله :
﴿وطهر بيتي للطائفين﴾. وكما ورد فى الحديث الصحيح: ((فأدخل على ربى فى داره)). أضافها إليه إضافة
تشريف لها ، وهذا كله من قبيل واحدٍ ونمط واحدٍ .
( تفسير الطبرى ٤٥/٧ )

٧٠٦
سورة النساء : الآيتان ١٧١، ١٧٢
خَيْرًا لَكُمْ﴾ .
٣٧/٦
/ قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ رحِمه اللَّهُ: يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿فَامِنُواْ
بَِّهِ وَرُسُلِّهِ﴾: ( فصدّقوا يا أهل الكتابِ بوحدانيةِ اللّهِ وربوبيته، وأنه لا ولد له) ،
وصدَّقوا رسلَه فيما جاءوكم به من عندِ اللَّهِ، وفيما أخبرتُّكم به أن اللَّهَ واحدٌ لا
شريكَ له ، ولا صاحبةً له، ولا ولدَ له، ﴿ وَلَا تَقُولُواْ ثَلَاثَةٌ﴾. يعنى: ولا تقولوا:
الأربابُ ثلاثةٌ .
ورُفِعت الثلاثةُ بمحذوفٍ دلَّ عليه الظاهرُ، وهو هم، ومعنى الكلامِ: ولا
تقولوا: هم ثلاثةٌ. وإنما جاز ذلك؛ لأن القولَ حكايةٌ ، والعربُ تفعَلُ ذلك فى
الحكاية، ومنه قولُ اللَّهِ جلَّ ثناؤه: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾
[الكهف: ٢٢]. وكذلك كلَّ ما ورَد من مرفوعٍ بعدَ القولِ لا رافعَ معه، ففيه إضمارُ
اسمٍ رافعٍ لذلك الاسمِ .
ثم قال لهم جلَّ ثناؤُه متوعّدًا لهم فى قولِهم العظيم الذى قالوه فى اللَّهِ جلَّ
وعزّ: انْتَهُوا أيها القائلون: اللَّهُ ثالثُ ثلاثةٍ(٢) . عما تقولون من الزورِ والشركِ باللَّهِ؛
فإن الانتهاءَ عن ذلك خيرٌ لكم من قيلِه؛ لما لكم عندَ اللَّهِ من العقابِ العاجلِ لكم
على قيلِكم ذلك ، إن أقمتم عليه ولم تُنِيبوا إلى الحقِّ الذى أمَرتُّكم بالإنابة إليه،
والآجل فی معادٍ کم .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿إِنََّا اللَّهُ إِلَهٌ وَحٌِ سُبْحَتَهُ: أَن يَكُونَ
لَهُ وَلَدٌّ لَّهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضُِّ وَكَفَى بِلَّهِ وَكِيلًا﴾ .
(١ - ١) سقط من: الأصل.
(٢) بعده فى الأصل: ((تعالى الله)).

٧٠٧
سورة النساء : الآية ١٧٢
[٩٤/١٣ و] قال أبو جعفرٍ رَحِمه اللَّهُ: يعنى بقوله جلَّ ثناؤه: ﴿إِنَّمَا اَللَّهُ إِلَهٌ
وَجِدٌ﴾. ما اللَّهُ أيها القائلون: اللَّهُ ثالث ثلاثةٍ. کما تقولون ؛ لأن من كان له ولدٌ
فليس بإلهٍ ، وكذلك مَن كان له صاحبةٌ ، فغيرُ جائزٍ أن يكونَ إلهًا معبودًا، ولكنّ اللَّهَ
الذى له الأُلُوهةُ والعبادةُ إلهٌ واحدٌ (١ ومعبودٌ واحدٌ)، لا ولدَ له، ولا والدَ، ولا
صاحبةَ ، ولا شريكَ، ثم نزَّه جلَّ ثناؤه نفسَه، وعظَّمها، ورفَعها عما قال فيه أعداؤُه
الكفرةُ به، فقال: ﴿سُبْكَانَهُ: أَنْ يَكُونَ لَهُ(٢) وَلَدُّ﴾. يقولُ: تعالى اللَّهُ وتعظّم
وتنزَّه عن أن يكون له ولدٌ أو صاحبةٌ .
ثم أَخْبَر٢) جلّ ثناؤه عبادَه أن عيسى وأمَّه ومَن فى السماواتِ ومَن فى الأرضِ
عبيدُه ومُلْكُهُ(٣) وخلقُه، وأنه رازقُهم وخالقُهم، وأنهم أهلُ حاجةٍ وفاقةٍ إليه؛
احتجاجًا منه بذلك على مَن ادَّعى أن المسيحَ ابنُه ، جلَّ ذكره ، وأنه لو كان كما قالوا
لم يكن ذا حاجةٍ إليه، ولا كان له عبدًا مملوكًا، فقال: ﴿لَّهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى
اُلْأَرْضُِ﴾ . يعنى: للَّهِ ما فى السماواتِ وما فى الأرضِ من الأشياءِ كلِّها، مُلْكًا
وخلقًا، وهو يرزُقُهم ويقُوتُهم ويدبُّهم، فكيف يكونُ المسيح ابنًا له، وهو فى
الأرضِ أو فى السماواتِ غيرُ خارجٍ من أن يكونَ(٤) فى بعضٍ هذه الأماكنِ ؟!
وقولُه: ﴿وَكَفَى بِاَللَّهِ وَكِيلًا﴾ . يعنى: وحَشبُ ما فى السماوات وما فى
الأرضِ باللَّهِ قَيِّمًا بها ومدبّرًا ورازقًا، من الحاجةِ معه إلى غيرِه.
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه : ﴿لَّنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ
(١ - ١) فى م: ((معبود)).
(٢ - ٢) سقط من: ص.
(٣) فى ص: ((ماله)).
(٤) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( له).

٧٠٨
سورة النساء : الآية ١٧٢
وَلَ اُلْمَلَبِّكَةُّ الْمُقْرَبُونَ﴾
قال أبو جعفر محمدُ بنُ جريرٍ رحِمه اللَّهُ: يعنى جلَّ ثناؤه بقوله: ﴿لَّن
يَسْتَنْكِفَ [٩٤/١٣ظ] الْمَسِيحُ﴾: لن يأْتَفَ ولن يستكبرَ المسيح، ﴿ أَنْ يَكُونَ
عَبْدًا لِلَّهِ﴾. يعنى: من (١) أن يكونَ عبدًا للَّهِ.
٣٨/٦
/ كما حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَن
يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَبِكَةُّ الْقُرَّبُونَ﴾. لن يحتشمَ
المسيح أن يكونَ عبدًا للَّهِ ولا الملائكةُ(٢) ..
وأما قولُه: ﴿ وَلَا الْمَلَبِكَةُ الْمُغَرَبُونَ﴾. فإنه يعنى: ولن يستنكفَ أيضًا من
الإقرارِ اللَّهِ بالعبودةِ، والإذعانِ له بذلك، رسلُه المقرَّبون الذين قد قرّبهم اللَّهُ ورِفَع
منازلَهم على غيرهم من خلقِه .
ورُوِى عن الضحاكِ أنه كان يقولُ فى ذلك ما حدَّثنی به جعفرُ بنُ محمدٍ
البُورىُّ(١)، قال: ثنا يَعْلَى بنُ عبيدٍ، عن الأَجْلَح، قال: قلتُ للضحَاكِ : ما
المقرَّبون؟ فقال : أقربُهم إلى السماءِ الثانيةِ(٤).
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَيَسْتَكْرٍ
111٠٠٠٠
فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ رحِمه اللّهُ: يعنى جلَّ ثناؤُه بذلك: ومن يتعظّمْ
(١) سقط من : الأصل.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٢٤/٤ (٦٣١٨) من طريق يزيد بن زريع ه.
(٣) فى الأصل: ((المروزى)، وينظر ما تقدم فى ١/ ٥٠٨.
(٤) ذكره الطوسى فى التبيان ٣/ ٤٠٤.
1

٧٠٩
سورة النساء : الآيتان ١٧٢، ١٧٣
عن عبادته ربّه، ويأنف من التذلّلِ والخضوع اله بالطاعة من الخلقِ كلِّهم، ويستكبر
عن ذلك، ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾، يقولُ: فسيبعَثُهم يومَ القيامةِ جميعًا،
فيجمَعُهم لموعدهم عنده .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّلِحَاتِ
فَيُوَفِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ، وَأَمَّا الَّذِينَ أَسْتَنْكَفُوا وَأَسْتَكْبَرُواْ
فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا [٩٥/١٣ و] أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَيَّا وَلَا
نَصِيرًا (
(١٧)
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ، رحِمه اللَّهُ: يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: فأما المؤمنون
المقرُّون بوحدانيةِ اللَّهِ، الخاضعون له بالطاعةِ، المتذلِّلون له بالعبودية، والعاملون
الصالحاتِ من الأعمالِ، وذلك أن يردوا على ربّهم ، قد آمنوا به وبرسله (١) ، وعيلوا
بما أتاهم به رسُه من عند ربّهم ، من فعل ما أمرهم به ، واجتنابٍ ما أمرهم باجتنابِهِ،
﴿فَيُوَفِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾، يقولُ: فيوفِيهم جزاءَ أعمالهم الصالحةِ وافيًا تامًّا،
﴿ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ﴾، يعنى جلَّ ثناؤُه: ويزيدُهم على ما وعَدهم من الجزاءِ
على أعمالهم الصالحةِ، والثوابِ عليها من الفضلِ والزيادةِ ما لم يعرّفْهم مبلغَه ولم
يَحِدَّ لهم مُنْتهاه، وذلك أن اللَّهَ جلَّ ثناؤه وعَد مَن جاء من عباده المؤمنين بالحسنةِ
الواحدةِ عَشْرَ أمثالِها من الثوابِ والجزاءِ ، فذلك هو أجرُ كلّ عاملٍ على عمله الصالحِ
من أهلِ الإِيمانِ، المحدودُ مبلّغُه، والزيادةُ على ذلك تفضّلٌ(٢) من اللَّهِ عليهم، وإن
كان كلُّ ذلك من فضله على عبادِه، غيرَ أن الذى وعَد عبادَه المؤمنين أن يوفِّتهم فلا
ينقُصُهم من الثوابٍ على أعمالهم الصالحةِ ، هو ما حدَّ مبلغَه من العَشْرِ، والزيادةُ
(١) فى ص: (( برسوله)).
(٢) فى ص ، ت ١: (( بفضل)).

٧١٠
سورة النساء : الآيتان ١٧٣، ١٧٤
على ذلك غيرُ محدودٍ مبلَّغُها ، فيزيدُ مَن شاء من عباده على ذلك على قَدْرٍ ما يشاءُ،
لا حدَّ لقَدْرِهِ يُوقَفُ عليه .
وقد قال بعضُهم: الزيادةُ إلى سبعمائةٍ ضِعْفٍ . وقال آخرون : إلى ألفينْ .
وقد ذ کرتُ اختلاف المختلفِین فی ذلك فیما مضی قبلُ بما أغنى عن إعادته فى
هذا الموضعِ().
وقولُه: ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُواْ وَاُسْتَكْبَرُواْ﴾ فإنه يعنى: وأما الذين
٣٩/٦ تعظّموا عن الإقرارِ للَّهِ / بالعبوديةِ ، والإذعانِ له بالطاعةِ ، واستكبروا عن التذلّل
لألوهتِه وعبادته، وتسليم الوحدانية [٩٥/١٣ ظ] والربوبية له، ﴿فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا
أَلِيمًا﴾. يعنى: عذابًا مُوجِعًا، ﴿ وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ ،
يقولُ: ولا يجدُ المستنكفون عن(١) عبادتِه، والمستكبرون عنها إذا عذَّبهم اللَّهُ(٣)
الأليم من عذابه، سوى اللَّهِ لأنفسِهم ﴿ وَلِيًّا﴾ يُنْجِيهم من عذابِهِ، ويُنقِذُهم منه،
﴿ وَلَا نَصِيرًا﴾ ، يعنى : ولا ناصرًا ينصُئهم، فتشتتقِذُهم من ربِّهم ، ويدفَتُ عنهم
بقوّتِه(٤) ما أحلّ بهم من نقمتِه، كالذى كانوا يفعلون بهم إذا أرادهم غيرُهم من أهلٍ
الدنيا فى الدنيا بسوء من نصرتهم ، والمدافعةِ عنهم.
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿يَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَءَكُمْ بُرْهَانُ مِّن رَّبِّكُمْ
(١٧٤)
وَأَنَزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُّ جريرِ رحِمه اللَّهُ: يعنى جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿يَيُّهَا النَّاسُ
(١) ينظر ما تقدم فى ٦٥٣/٤، ٦٥٤ .
(٢) فى م: ((من)).
(٣) بعده فى الأصل: ((العذاب)).
(٤) فى الأصل: ((بقوتهم))، وفى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((نصرته).
-----------

٧١١
سورة النساء : الآية ١٧٤
قَدْ جَكُمْ بُرْهَنُ مِّن ◌َّيِّكُمْ﴾: يا أيها الناسُ مِن جميعِ أصنافِ الأمِ(١)؛ يهودِها
ونصاراها ومشركيها ، الذين قصَّ اللَّهُ جلَّ ثناؤه قَصَصَهم فى هذه السورةِ، ﴿قَّدْ
جَاءَ كُمْ بُرْهَانُ مِنِ زَّيِّكُمْ﴾، يقولُ: قد جاءتْكم حُجَّةٌ من اللَّهِ تُبْهِنُ لكم بُطولَ ما
أنتم عليه مقيمون من أديانِكم ومللكم، وهو محمدٌ عٍَّ، الذى جعله اللَّهُ عليكم
حَّةٌ فقطَع بها عذرَكم ، وأَبْلَغ إليكم فى المعذرةِ بإرسالِه إليكم ، مع تعريفِه إِيَّا كم
صحةً نبؤَّتِه ، وتحقيقَ رسالتِه، ﴿ وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُورًا ◌ُّبِينًا﴾، يقولُ: وأنزلنا إليكم
معه نورًا مبينًا ، يعنى: بيِّنُ لكم المحبّةَ(٢) الواضحةَ، والسبيلَ(٢) الهاديةَ إلى ما فيه
لكم النجاةُ من عذابِ اللَّهِ وأليم عقابِهِ إن سلَكتموها، واستنرتم [٩٦/١٣ و] بضَوْئِه،
وذلك النورُ المبينُ هو القرآنُ الذى أَنْزَله اللَّهُ على محمدٍ عَِّ .
وبنحوِ ما قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابنٍ أبى نَجِيحِ،
عن مجاهدٍ، فى قولِ اللَّهِ: ﴿بُرْهَانٌ مِّنْ زَّيَّكُمْ﴾. قال: حجّةٌ(٤).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَأَيُّهَا
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: الملل)).
(٢) فى ص، ت ١: ((الحجة)).
(٣) فى م، ت ٢، ت ٣: ((السبل)).
(٤) تفسير مجاهد ص ٢٩٧، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٢٥/٤ (٦٣٢٣)، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٢٤٩/٢ إلى ابن المنذر.
س٩٩

٧١٢
سورة النساء : الآيتان ١٧٤ ، ١٧٥
النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانُ مِّن رَّيَّكُمْ﴾. أى: بينةً من ربّكم، ﴿ وَأَنَزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُورًا
◌ُّبِينًا﴾، وهو هذا القرآنُ(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشدىِّ: ﴿قَدّ ◌َءَ كُمْ بُرْهَانٌ مِّنْ زَّيَّكُمْ﴾. يقولُ: حجةٌ(٢) .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ:
﴿بُرْهَانٌ﴾، قال: بينةٌ. ﴿ وَأَنَزَلْنَآَ إِلَيْكُمْ نُورًا تُبِينًا﴾. (" قال: القرآنُ(٣) .
/ القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَأَعْتَصَمُواْ بِهِ،
٤٠/٦
١٩٧٥
فَسَيُدْيِلُهُمْ فِ رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِِهِمْ إِلَيْهِ صِرَطًا مُسْتَقِيمًا
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ، رحِمه اللَّهُ: يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: فأما الذين
صدَّقوا اللَّهَ، وأقرُوا بوحدانيته، وما بعَث به نبيّه محمدًا عَلَّهِ، من أهلِ المللِ،
﴿ وَأَعْتَصَمُواْ بِهِ،﴾، يقولُ: وتمسكوا بالنورِ المبينِ الذى أَنْزَله إلى نبيّه.
كمااحدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجّاجٌ، عن ابن جريج:
﴿ وَأَعْتَصَمُواْ بِهِ،﴾. قال: بالقرآنِ(٤).
﴿ فَسَيُّدْيِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ ﴾. يقولُ: فسوف [٩٦/١٣ظ] تنالُهم
رحمتُه التى تُنْجِيهم من عقابِهِ ، وتوجبُ لهم ثوابَه ) وجنته ، ويَلْحَقُهم من فضلِهِ ما
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٢٥/٤ (٦٣٢٥، ٦٣٢٦) من طريق يزيد بن زريع به، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٩/٢ وابن المنذر.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٢٥/٤ عقب الأثر (٦٣٢٣) من طريق أسباط به .
(٣ - ٣) سقط من: الأصل. وينظر التبيان ٤٠٦/٣.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٩/٢ إلى المصنف وابن المنذر ..
(٥) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((ورحمته).

٧١٣
سورة النساء : الآيتان ١٧٥، ١٧٦
لحِقٍ (١) أهلَ الإيمانِ به والتصديقِ بُرُسُلِه، ﴿وَيَهْدِيِهِمْ إِلَيْهِ صِرَطًا مُسْتَقِيمًا﴾ .
يقولُ : ويوفِّقُهم لإصابةِ فضلِه الذى تفضَّل به على أوليائِه، ويسدِّدُهم لسلوكٍ منهجٍ
مَن أَنْعَم عليه من أهلِ طاعته ، ولاقتفاءِ آثارِهم ، واتباعٍ دينهم، وذلك هو الصراطُ
المستقيمُ، وهو دينُ اللَّهِ الذى ارتضاه لعبادِه، وهو الإسلامُ، ونُصِب الصراطُ
المستقيمُ على القطعِ من الهاءِ التى فى قوله: ﴿إِلَيْهِ﴾ .
القولُ فى تأويلِ قولِه جلِّ ثناؤه : ﴿يَسْتَقْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِ الْكَلَلَةِ إِنِ
أمُّ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ: أُخْتُ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكْ﴾.
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللَّهُ : يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿يَسْتَقْتُونَكَ﴾: يسألونك
يا محمدُ أن تُفتيّهم فى الكَلَالةِ ، وقد بيّنا معنى الكَلَالةِ فيما مضى بالشواهدِ الدالةِ
على صحتِه، وذكرنا اختلافَ المختلِفين فيه، فأغنى ذلك عن إعادته، وبيّا أن
الكلالةَ عندَنا ما عدا الولدَ والوالدَ(٢) .
﴿ إِنِ آَمُ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ: أُخْتُ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكْ﴾. يعنى بقوله:
﴿ إِنِ آمُّْ هَلَكَ﴾: إن إنسانٌ من الناسِ مات .
كما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ ،
عن الشّدئِّ: ﴿إِنِ أُمُؤْ هَكَ﴾. يقولُ: مات وليس له ولدٌ؛ ذكر ولا أنثى.
﴿وَلَهُ, أُخْتٌ﴾. يعنى: وللميَّتِ أُختُ لأبيه وأمَّه، أو لأبيه، ﴿فَلَهَا نِصْفُ
مَا تَرَكٌ﴾. يقولُ: فلأختِه التى تركها بعدَه بالصفةِ التى وصَفنا نصفُ تَرِكتِه ميراثًا
عنه دونَ سائرٍ عَصَبتِه، وما بَقِی فلعصبتِه .
(١) فى م، ت ٢، ت٣: ((ألحق)).
(٢) ينظر ما تقدم فى ٤٧٥/٦ وما بعدها .

٧١٤
سورة النساء : الآية ١٧٦
[٩٧/١٣ و] وذُكِر أن أصحاب رسولِ اللَّهِ وَلِ هَمَّهم شأنُ الكَلَالةِ، فَأَنْزِل اللَّهُ
تبارك وتعالى فيها هذه الآيةً .
٤١/٦
/ ذكر من قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ
قُلِ اللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِ اَلْكَلَةِ﴾: ( وهئهم شأنُ الكلالةِ وسألوا) عنها نبيَّ اللَّهِ عَ ل
فَأَنْزِّل اللَّهُ فى ذلك القرآنَ: ﴿إِنِ آَمُّ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾. فقرَأ حتى بَلَغ: ﴿ وَاللَّهُ
بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾. قال: وذُكِر لنا أن أبا بكرِ الصدِّيقَ رضى اللَّهُ عنه قال فى
خُطبِهِ: أَلَا إِن الآيةَ التى أَنْزَل اللَّهُ فى أولٍ سورةِ النساءِ فى(٢) شأنٍ الفرائضِ، أَنْزَلها فى
الولدِ والوالدِ، والآيةَ الثانيةَ أَنْزَلها اللَّهُ فى الزوج والزوجةِ والإخوةِ من الأمّ ، والآيةَ التى
ختَم بها سورةَ النساءِ أَنْزَلها اللَّهُ فى الإخوة والأخواتِ من الأَبِ والأُمّ، والآيةَ التى خَم
بها سورةَ الأنفالِ أَنْزَلها اللَّهُ فى أُولِى الأَرْحامِ بَعْضُهُم أوْلَى بِبَعْضٍ فى كتابِ اللَّهِ، مما
جرّت الرحِمُ من العَصَبةِ(٢) .
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن الشيبانىٌّ، عن عمرٍو بنِ مُرَّةَ، عن سعيد
ابنِ المسيَّبِ، قال: سأل عمرُ بنُ الخطابِ النبىّ ◌َّهِ عن الكلالةِ، فقال: ((أليس قد
بيَّ اللَّهُ ذلك؟)). قال: فنزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُقْنِيكُمْ فِى الْكَلَلَّةِ﴾(٤).
حدَّثنا مُؤَمَّلُ بنُ هشامٍ أبو هشامٍ، قال : ثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، عن هشامٍ
(١ - ١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فسألوا)).
(٢) فى الأصل، ص: ((من).
(٣) أخرجه البيهقى ٢٣١/٦ من طريق سعيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥١/٢ إلى ابن المنذر وعبد
ابن حميد .
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٣٦/٢ عن المصنف .

٧١٥
سورة النساء : الآية ١٧٦
الدَّسْتُوائيّ، قال : ثنا أبو الزُّبيرِ، عن جابرٍ، قال: اشتكيتُ وعندى تسع أخواتٍ لى
أو سبع - أنا أشكُ - فدخَل علىَّ رسولُ اللَّهِ عَمِ، فنفَخُ(١) فى وجهى، فأفقتُ
فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، أَلَا أُوصِى لأُخَوَاتى بالنِّثين(٢)؟ قال: ((احتِسْ())).
قلتُ: الشَّطْر؟ قال: ((احیس))(٢). ثم خرج وترکنی، ثم رجع إلىَّ فقال: (( يا
جابر(٤)، إنّى ("لا أَرَاكْ) [٩٧/١٣ ظ] ميًّا من وجعِك هذا، وإن اللَّهَ قد أَنْزَل فى
الذى لأُخَوَاتِك، فجعَل لهن الثُّلُثِين)). قال: فكان جابرٌ يقولُ: أَنْزِلت هذه الآيةُ
فىٍّ: ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِىِ الْكَلَّةِ﴾(٦).
مھ،
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال : ثنا ابنُ أبى عدىٍّ، عن هشامٍ ، يعنى الدَّسْتُوائيّ،
عن أبى الزُّبِيرِ، عن جابرٍ، عن النبيِّ ◌َّمِ مثلَه .
وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا (" إسحاقُ، قال: حدثنا ابنُ عيينةَ، عن ابنِ المنكدرِ،
سمِع جابرَ بنَ عبدِ اللَّهِ يقولُ: مرِضتُ فأثانى النبيُّ عَمِ يعودُنى (٨) هو وأبو بكرٍ، وهما
ماشيان، فوجَدنى(٤) قد أُغْمِىَ علىَّ، فتَوضَّأَ رسولُ اللَّهِ عَمِ، ثم صبَّ علىَّ من
(١) فى مسند أحمد وسنن البيهقى: ((نضح)).
(٢) فی م: « بالثلث)). وهو موافق لما فی سنن أبى داود .
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أحسن)). والمثبت من الأصل يناسب السياق، وهو أيضا لفظ إحدى
نسخ سنن البيهقى . وما فی باقی النسخ يناسب ما فی سنن أبى داود .
(٤) فى الأصل: ((جرير)) وهى خطأ محض.
(٥ - ٥) فى الأصل: ((لأراك)). وهو لفظ رواية أبى داود الطيالسى، ورواية عند البيهقى.
(٦) أخرجه الطيالسى فى مسنده (١٨٤٨)، وأحمد فى مسنده ٣٧٢/٣ وعبد بن حميد (١٠٦٢) وأبو داود
(٢٨٨٧) والنسائى فى الكبرى (٦٣٢٤)، (٦٣٢٥)، (٧٥١٣) وأبو يعلى (٢١٨٠) والبيهقى ٢٣١/٦
وغيرهم من طريق هشام الدستوائى به .
(٧ - ٧) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((سفيان)).
(٨) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٩) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فوجدونی).

٧١٦
سورة النساء : الآية ١٧٦
وَضوئِه، فأفقتُ ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ ، كيف أَقْضِى فى مالى، أو : كيف أصنَعُ
فى مالى؟ وكان له (١) تسعُ أخواتٍ، ولم يكنْ له والدّ ولا ولدٌّ. قال: فلم يُجِثنى بشىءٍ
حتى نزّلت آيةُ الميراثِ: ﴿يَسْتَقْتُونَكَ قُلِ اَللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِ اَلْكَلَةِ﴾. إلى آخرٍ
السورة . قال ابنُّ المنكدرِ: قال جابرٌ: إنما أَنْزِلت هذه الآيةُ فىٍ(٢).
وكان بعضُ(٣) أصحابٍ رسولِ اللَّهِ وَلَّهِ يقولُ: إن هذه الآيةَ هى (٤) آخر آيةٍ
نزلت من القرآنِ .
ذكرُ من قال ذلك
حدّثنا ابنُ حُمیدٍ ، قال : ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال : ثنا الحسینُ بنُ واقدٍ ، عن
أبى إسحاقَ، عن البَرَاءِ / بنِ عازبٍ، قال: سمِعتُه يقولُ: إن آخرَ آيةٍ نزلت(٥):
يَسْتَقْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُقْتِكُمْ فِىِ الْكَلَلَةِ﴾ .
٤٢/٦
حدّثنا ابنُ وكيعٍ، قال : ثنا أبى، عن ابنِ أبى خالدٍ ، عن أبى إسحاقَ ، عن
البَرَاءِ، قال: آخرُ آيةٍ نزلت من القرآنِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اَللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِى
الْكَلَةُ﴾(٦).
حدَّثنا محمدُ بنُ خَلَفٍ ، قال : ثنا عبدُ الصمدِ بنُ النعمانِ ، قال: ثنا مالكُ بنُ
مِغْوَلٍ، عن أبى السَّفَرِ، عن البَزَاءِ، قال: آخرُ آيَةٍ أَنْزِلَت) من القرآنِ: ﴿يَسْتَقْتُونَكَ
(١) فى م: ((لی)).
(٢) أخرجه البخارى (٦٧٢٣)، ومسلم (١٦١٦/٥)، من طريق سفيان به .
(٣) سقط من : الأصل .
(٤) فى الأصل: ((فى)).
(٥) بعده فى م: ((من القرآن)).
(٦) أخرجه مسلم (١٦١٨/١٠) والبيهقى ٦/ ٢٢٤، من طريق وكيع به .
(٧ - ٧) فى الأصل: « شیء نزل)).

٧١٧
سورة النساء : الآية ١٧٦
قُلِ اللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِ الكَلَلَةِ﴾(١).
حدَّثنا هارونُ بنُ إسحاقَ الهَمْدانىُّ، قال: ثنا مصعبُ بنُّ المِقْدَامِ [٩٨/١٣ و]
قال : ثنا إسرائيلُ، عن أبى إسحاقَ، عن البراءِ، قال: آخرُ سورةٍ أَنزِلت كاملةً براءةُ ،
وآخر آيةٍ أُنزِلت خاتمةُ سورةِ النساءِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُقْنِيكُمْ فِى
الكَلَةِ﴾(٢).
واخْتُلِف فى المكانِ الذى نزَلت فيه الآيةُ؛ فقال جابرُ بنُ عبدِ اللَّهِ: نزلت
بالمدينةِ . وقد ذكرتُ الروايةَ بذلك عنه فيما مضى ؛ بعضُها فى أوَّلِ السورةِ عندَ فاتحةٍ
آيةِ المواريثِ(٣)، وبعضُها فى مبتدأُ الإخبارِ عن السببِ الذى نزّلت فيه هذه الآيةُ(٤).
وقال آخرون: بل أُنْزِلت فى مسيرٍ كان فيه رسولُ اللَّهِ مَا﴾ وأصحابُه.
ذكرُ الروايةِ بذلك
حدّٹنا ابنُ و کیعٍ، قال : ثنا محمدُ بنُ محمیدٍ ، عن معمرٍ ، عن أيوب ، عن ابنِ
سيرينَ، قال: نزّلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِى الْكَلَةِ﴾. والنبىُ عَلَے
فى مسيرٍ له، وإلى جَنْيِهِ محُذيفةُ بنُّ اليمانِ ، فبلغها النبيُّ ◌َلِ حذيفةَ، وبلَّغها حذيفةٌ
عمرَ بنَ الخطابٍ وهو يسيرُ خَلْفَه، فلما اسْتُخْلِف عمرُ سأل عنها حذيفةً، ورجا أن
يكونَ عندَه تفسيرُها، فقال له حذيفةُ: واللَّهِ إنك لعاجزٌ إن ظننتَ أنَّ إِمارتَك
تحملُنى(٥) أن أُحدِّثَك فيها بما لم أحدِّثْك يومَئذٍ. فقال عمر: لم أُرِذ هذا رحِمك اللّهُ.
(١) أخرجه مسلم (١٦١٨/١٣) من طريق مالك بن مغول به.
(٢) أخرجه البخارى (٦٧٤٤) من طريق إسرائيل به .
(٣) ينظر ما تقدم فى ٤٦٠/٦ .
(٤) تقدم فى ص ٧١٤.
(٥) فى ص: ((يحلنى)) غير منقوطة، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((تخلنى)).

٧١٨
سورة النساء : الآية ١٧٦
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
أيوب، عن ابنِ سيرينَ ، بنحوِه ، إلا أنه قال فى حديثه: فقال له حذيفةُ: واللَّهِ إِنك
لأحمقُ إن ظننتَ(١).
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال : ثنا ابنُ عُلَيَّةَ ، قال : ثنا ابنُ عَوْنٍ ، عن محمدٍ
ابن سیرین، قال: کانوا فی مسيرٍ ورأسُ راحلةٍ حذيفةً عندَ رِئْفٍ(٢) راحلةٍ رسول
اللَّهِ عَهِ، ورأسُ راحلةٍ عمرَ عندَ رِدْفٍ راحلةٍ حذيفةً، قال: ونزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ
قُلِ اللّهُ يُقْتِيكُمْ فِى الْكَلَلَةِ﴾. [٩٨/١٣ ظ] فلقَّاها رسولُ اللَّهِ مَّحِ حذيفةً ، فلقَّاها
حذيفةُ عمرَ، فلما كان بعدَ ذلك سأَل عمرُ عنها حذيفةً ، فقال: واللَّهِ إنك لأحمقُ
إن كنتَ ظننتَ أنه لقَّانيها رسولُ اللَّهِ وَمِ، فلقَيتُكها(٣) كما لقَّانيها، واللَّهِ لا أزيدُك
عليها شيئًا أبدًا. قال: فكان عمرُ يقولُ: اللهم مَن(٤) كنتَ بيَنتَها له، فإنها لم تبيَّنْ
(٥)
لى(٥).
واختلف عن عمر فی الکلالةِ ؛ فژوی عنه أنه قال فيها عند وفاته : هو مَن لا ولد
(١) تفسير عبد الرزاق ١٧٧/١.
(٢) ردف کل شیء: مؤخره. تاج العروس (رد ف).
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فلقنتكها)). والمثبت من الأصل يناسب السياق. ولقَّ ولقَّن كلاهما
بمعنى . يقال: تلقى العلم عن فلان . أخذه. الوسيط ( ل ق و).
(٤) فى م، ت ١، ت ٢: ((إن)).
(٥) أخرجه البزار (٢٢٠٦ - كشف) من طريق محمد بن سيرين عن أبيه قال : نزلت آية الكلالة ، فذكره .
وقال البزار: لا نعلم رواه إلا حذيفة ولا له عنه إلا هذا الطريق. وأورده الهيثمى فى المجمع ١٣/٧ وقال : رواه
البزار، ورجاله رجال الصحيح غير أبى عبيدة بن حذيفة ووثقه ابن حبان .
وأخرجه محمد بن يحيى بن أبى عمر العدنى فى مسنده كما فى المطالب العالية (٣٩٤٤) وقال البوصيرى :
هذا إسناد رواته ثقات ، رواه البزار بسند متصل رواته ثقات .
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٠/٢ للعدنى والبزار فى مسنديهما وأبى الشيخ فى الفرائض بسند جيد.
وأعاده فى ٢٥١/٢ فعزاه إلى المصنف وعبد الرزاق وابن المنذر مرسلا عن ابن سيرين.

٧١٩
سورة النساء : الآية ١٧٦
له " ولا والدً» . وقد / ذكرنا الروايةَ عنه بذلك فيما مضى فى أولٍ هذه السورةِ فى آيةٍ ٤٣/٦
(٢)
المواريث(٢).
ورُوِى عنه أنه قال قبلَ وفاتِه : هو ما خلا الأبَ .
ذکرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُّ عرفةَ ، قال: ثنا شَبابةُ ، قال: ثنا شعبةُ(١)، عن قتادةَ ، عن سالم
ابنِ أبى الجَعْدِ ، عن مَعْدانَ بنِ أبي طلحةَ اليَعْمَرِىِّ، قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ: ما
أَعْلَظ لى رسولُ اللَّهِ وَهِ، أو ما نازعتُ رسولَ اللَّهِ سَمِ فى شىءٍ ما نازعتُه فى آيةٍ
الكلالةِ، حتى ضرَب صدرى، وقال: ((يكفيك منها آيةُ الصيف" ("التى أُنْزِلت
فى آخرِ سورةِ النساءِ : ﴿يَسْتَقْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِىِ الْكَلَّةِ﴾ )) . وسأَقْضِى
فيها بقضاءٍ يعلَمُه مَن يقرأُ، ومَن لا يقرأُ؛ هو ما خلا الأبَ. كذا أَحْسَبُ . قال ابنُ
عرفةَ : قال شبابةُ : الشكُّ من شعبةً(٦) .
ورُوِى عنه أنه قال: إنى لأستحيى أن أخالفَ فيه أبا بكرٍ . وكان أبو بكرٍ يقولُ:
هو ما خلا الولدَ والوالدَ. وقد ذكّرنا الروايةَ بذلك عنه فيما مضى فى أولِ السورةِ(١).
ورُوِى عنه أنه قال عندَ وفاتِه : قد كنتُ كتبتُ فى الكلالةِ كتابًا ، وكنتُ
(١ - ١) سقط من : الأصل.
(٢) تقدم فى تفسير الآية (١٢).
(٣) فى الأصل: ((سعيد)).
(٤ - ٤) فى الأصل: ((النصف)).
(٥ - ٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٦) أخرجه مسلم ١٢٣٦/٣ (١٦١٧)، وابن سعد ٣٣٥/٣، وابن حبان (٢٠٩١)، وأبو يعلى (٢٥٦)،
والبيهقى ٢٢٤/٦ من طريق شبابة به مختصرًا ومطولًا .
(٧) تقدم فى ٢٨٦/٤ مطبوع.

٧٢٠
سورة النساء : الآية ١٧٦
أستخيرُ اللَّهَ فيه، وقد رأيتُ أن أترككم على ما كنتم عليه . وأنه كان يتمنّى فى حياتِه
أن يكون له بھا علم
[٩٩/١٣و ] ذكرُ الرواية عنه بذلك
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ حُميدِ المَغَمَرِىُّ، عن معمرٍ ، عن الزهرىِّ،
عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ ، أن عمرَ بنَ الخطابِ كتَب فى الجَدِّ والكَلالةِ كتابًا، فمكث
يستخيرُ اللَّهَ فيه ، يقولُ: اللهمّ إن علِمتَ فيه خيرًا، فأَمْضِه. حتى إذا طُعِن دعا
بالكتابٍ(١) فمُحِى، فلم يَدْرِ أحدٌّ ما كتَب فيه، فقال: إنى كنتُ كتبتُ فى الجدّ
والكلالةِ كتابًا وكنتُ أستخيرُ اللَّهَ فيه، فرأيتُ أن أترككم على ما كنتم عليه (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا معمرٌ، عن
(٢)
الزهرى، عن سعيدٍ ، عن عمرَ بنحوه
حدَّثنا ابنُّ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ ، قال: ثنا عمرُو بنُ مُرَّةَ، عن مرةً
الهَمْدانيّ، قال: قال عمرُ: ثلاثٌ لأن يكونَ النبى عليه السلامُ بيَّنَهن لنا ، أحبُّ إلىَّ
من الدنيا وما فيها؛ الكلالةُ، والخلافةُ، وأبوابُ الرّبا(٣) .
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عنَّامٌ، قال: ثنا الأعمشُ، قال: سمِعتُهم
(١) فى الأصل، ص: ت ١، ت ٢، ت ٣: ((بكتاب)). والمثبت من (( م)) يناسب السياق وموافقه وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٠/٢ لعبد الرزاق.
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى المصنف ١٠/ ٣٠١.
(٣) أخرجه ابن ماجه (٢٧٢٧) من طريق وكيع، وعبد الرزاق فى المصنف (١٩١٨٤)، والحاكم ٣٠٤/٢
من طريق الثورى، وصححه الحاكم ووافقه الذهبى، وأخرجه الطيالسى فى مسنده (٦٠) - ومن طريقه
البيهقى ٣٢٥/٦ - من طريق عمرو بن مرة، به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٠/٢ إلى العدنى وابن
ماجه والساجى .