Indexed OCR Text
Pages 501-520
٥٠١
سورة النساء : الآية ١١٩
﴿ وَلَّمُهَنَّهُمْ فَيُغَيُِّكَ خَلْقَ اللَّهِ ﴾ . فكتَب أنه دينُ اللَّهِ .
وقال آخرون : معنى ذلك: ولآمُرنَّهم فليُغَيُّنَّ خلقَ اللَّهِ بالوَشْم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنا عمرُو بنُّ علىٍّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِىٍّ، قال : ثنا حمادُ بنُ
سلمةً، عن يُّونسَ، عن الحسنِ فى قوله: ﴿ وَلَّمُهَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرَُ خَلْقَ اللَّهِّ﴾.
(١)
قال : الوشمُ().
حدّثنا ابنُّ و کیع، قال : ثنا یزیدُ ، عن نوح بن قيسٍ" ، عن خالد بن قيسٍ ، عن
الحسنِ: ﴿فَيُغَيِّكَ خَلْقَ اَللَّهِ﴾. قال: الوَشْمُ.
[١٨/١٣ و] حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى هُشَيمٌ، قال : أخبرنا
يونسُ بنُ عبيدٍ أو غيرُه، عن الحسنِ: ﴿فَلَيُغَيْرُكَ خَلْقَ الَّهِ﴾. قال : الوَشْمُ .
حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعَيم، قال: ثنا أبو هلال الراسبىُّ،
قال: سأَل رجلٌ الحسنَ: ما تقولُ فى امرأةٍ فَشَرت وجهَها(٣)؟ قال: ما لها
لعَنها اللَّهُ، غيّرت خلقَ اللَّهِ!
حدَّثنى أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةً، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ ، قال :
قال عبدُ اللَّهِ: لعَن اللَّهُ المُتَفَلِّجاتِ والمُتَمِّصاتِ والْمُتُوشِّماتِ (٤) المُغَيّراتِ خَلْقَ
٠
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٧٠/٤ (٥٩٨٦) من طريق حماد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٢٤/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢ - ٢) فى م: ((يزيد بن نوح عن قيس)). وانظر تهذيب الكمال ٣٠/ ٥٣.
(٣) قشرت وجهها: أى عالجته بالغُفرة - قيل الزعفران، وقيل غير ذلك - ليصفوا لونها. النهاية ٤/ ٦٤.
(٤) فى م: ((المستوشمات)). والوشم: أن يغرز الجلد بإبرة، ثم يحشى بكحل أو نيل ، فيزرق أثره أو يخضر.
والنمص : نتف شعر الوجه . والفلج: فرجة ما بين الثنايا والرباعيات، والمتفلجات: النساء اللاتى يفعلن ذلك
بأسنانهن رغبة فى التحسين. النهاية ٣/ ٤٦٨، ١١٩/٥، ١٨٩.
٠٫٠٠
٥٠٢
سورة النساء : الآية ١١٩
﴾ (١)
اللَّهِ(١).
حدثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال : ثنا سفيان ، عن منصورٍ ،
عن إبراهيمَ، عن علقمةً، عن عبدِ اللَّهِ، قال: لَعَن اللَّهُ الواشراتِ(٢) والمُشْتَوشِماتِ
والمُنمِّصاتِ والمُتُّفَلِّجاتِ للحسنِ، المغيّراتِ خلقَ اللَّه(٣).
حدَّثنی ابنُ المثنی ، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ ، قال : ثنا شعبةُ ، عن منصورٍ ، عن
إبراهيمَ، عن علقمةً، عن عبدِ اللَّهِ، قال: لعَن اللَّهُ المُتَمِّصاتِ والمتُّغَلِّجاتِ. قال
شعبةُ : وأحسَبُه قال : المغيراتِ خلقَ اللَّهِ(٤) .
قال أبو جعفرٍ : وأولى الأقوالِ بالصوابِ فى تأويلِ ذلك قولُ مَن قال : معناه:
ولأَمُرنَّهم فَلَيْغَيَّرْنَّ دينَ اللَّهِ. وذلك لدلالةِ الآيةِ الأخرى على أن ذلك معناه ، وهى
قولُه: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِّ ذَلِكَ الّذِينُ
اَلْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠]. وإذا كان ذلك معناه دخَل فى ذلك فعلُ كلِّ ما نهَى اللَّهُ عنه
مِن خِصاءٍ ما لايَجُوزُ خِصاؤُه، ووَشْمِ ما نهَى عن وشيِه ووَشْرِهِ، وغير ذلك مِن
المعاصى ، ودخَل فيه تَركُ كلِّ ما أمَرِ اللَّهُ جلَّ ثناؤه به ؛ لأنَّ الشيطانَ لاشكَّ أنه يَدْعو
إلى جميعِ معاصى اللَّهِ ، ويَتْهَى عن جميعٍ طاعته، فذلك معنى أمرِه نصيبَه المفروضَ
مِن عبادِ اللَّهِ ، بتغييرٍ ما خلَق اللَّهُ مِن دينِه .
(١) أخرجه النسائى (٥١١٥) من طريق أبى معاوية، لكن بلفظ: ((لعن رسول اللّه)).
(٢) الواشرة : المرأة التى تحدد أسنانها وترقق أطرافها. تفعله المرأة الكبيرة تتشبه بالشواب. النهاية ١٨٨/٩.
(٣) أخرجه البخارى عقب حديث (٥٩٤٤)، ومسلم (١٢٠/٢١٢٥) عن محمد بن بشار به، وأخرجه
أحمد ١٩٧/٧ (٤١٢٩)، والبخارى (٥٩٤٨)، ومسلم (٢١٢٥)، وابن ماجه (١٩٨٩) من طرق عن
عبدالرحمن بن مهدی به .
(٤) أخرجه مسلم (١٢٠٠/٢١٢٥) عن ابن المثنى به مرفوعًا .
وأخرجه أحمد ٤٣٤/٧ (٤٤٣٤)، والنسائى (٥٢٦٧) عن محمد بن جعفر عن شعبة به .
٥٠٣
سورة النساء : الآيات ١١٨ - ١٢٠
فلا مَعنى لتوجيهِ مَن وجَّه قولَه: ﴿وَلَ مُرَنَّهُمْ فَيُغَيْرَُ [١٨/١٣ ظ] خَلْقَ
اللهِ ﴾، إلى أنه وعدُ الآمرِ بتَغْبِيرِ بعضٍ ما نهَى اللَّهُ عنه دونَ بعضٍ، أو بعضٍ ما أمر به
دونَ بعضٍ . فإن كان الذى وجَّه معنى ذلك إلى الخِصاءِ والوَشْمِ دونَ غيرِهِ، إنما فعَل
ذلك ؛ لأن معناه كان عنده أنه عنی تغییرَ الأجسامِ ، فإنَّ فی قوله جلَّ ثناؤُه إخبارًا عن
قِيلِ الشيطانِ: ﴿وَلََّمُرَنَّهُمْ فَيُبَيْكُنَّ ءَاذَانَ اُلْأَنْعَِ﴾ ما يُنْبِئُ أن معنى ذلك
على غيرِ ما ذهَب إليه؛ / لأن تَبِيكَ آذانِ الأنعامِ مِن تغييرِ خلقِ اللَّهِ الذى هو أجسام، ٢٨٦/٥
وقد مضَى الخبرُ عنه أنه وَعْدُ الآمرِ بتَغْيِيرِ خلقِ اللَّهِ مِن الأجسامِ مفسَّرًا، فلا وجهَ
لإعادةِ الخبرِ عنه به مُجمَلًا، إذ كان الفصيحُ من كلامِ العربِ أن يُتَرْجَمَ عن المجملِ
مِن الكلامِ بالمفسّرِ، وبالخاصّ عن العامّ، دونَ الترجمةِ عن المفسّرِ بالمجملِ ، وبالعامّ
عن الخاصِّ. وتوجيهُ كتابِ اللَّهِ إلى الأفصحِ مِن الكلامِ أولى مِن توجيهِه إلى غيرِه ما
وُجِدَ إليه سبيلٌ .
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ
اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا قُّبِينًا ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُعَنِّيِمّ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَرُ
إلَّا غُرُورًا ﴾
قال أبو جعفرٍ رحمه اللَّهُ: وهذا خبرٌ مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤه عن حالٍ نصيبِ الشيطانِ
المفروضِ (١) الذين شاقُّوا اللَّهَ ورسولَه مِن بعدٍ ما تَبيَّنَ لهم الهدى، يقولُ اللَّهُ: ومَن
يتبعِ الشيطانَ فيُطِعْه فى معصيةِ اللَّهِ وخلافٍ أمرِه ، وُوالِهِ فِيَتَّخِذْه وليًّ لنفسِه ونصيرًا
دونَ اللَّهِ، ﴿فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ يَقُولُ : فقد هلَك هلاكًا ، وبخّس
نفسَه حظّها [١٩/١٣ و] فَأَوْبَقَها بَخْسًا مبينًا ببيِّنُ عن عطَبِهِ وهلاكِه ؛ لأن الشيطانَ لا
يَمْلِكُ له نصرًا مِن دونِ اللَّهِ، إذا عاقَبه على معصيتِه إياه وخلافِه أمرَه، بل يَخْذُلُه عندَ
(١) بعده فى م: ((من).
٥٠٤
سورة النساء : الآيتان ١١٩، ١٢٠
حاجتِه إليه، وإنما حالُه معه مادام حيًّا تُمْهَلًا بالعُقوبةِ، كما وصَفه اللَّهُ جلَّ ثناؤه
بقوله: ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَّنِّيِهِمّ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرًُّا﴾ . يَغْنى بذلك جلَّ
ثناؤه: يَعِدُ الشيطانُ الَرِيدُ أولياءَه الذين هم نصيبُه المفروضُ أن يَكُونَ لهم نصيرًا ممن
أرادهم بسوءٍ، وظهيرًا لهم عليه، يَمْنَعُهم منه، ويدافعُ عنهم، ويُمَنِّهم الظَّفَرَ على مَن
حاول مكروهَهم والفَلْجَ(١) عليهم، ثم قال: ﴿ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّ غُرُورًا﴾.
يَقُولُ: وما يَعِدُ الشيطانُ أولياءَه الذين اتَّخَذوه وليًّا مِن دونِ اللَّهِ إلا غُرورًا، يَغْنى: إلا
باطلاً، وإنما جعَل ◌ِدَتَه إياهم ما وعدَهم غُرورًا؛ لأنهم كانوا يَخْسَبون أنهم فى
اتخاذِهم إياه وليًّا على حقيقةٍ (٢) من عِدائِه الكاذبةِ(٢) وأمانيّه الباطلةِ، حتى إذا
خَصْحَصَ الحقُّ وصاروا إلى الحاجة إليه (٤)، قال لهم عدوُّ اللَّهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ
وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحِّ وَوَعَدَتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مِن سُلْطَانٍ إِلَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ
فَأَسْتَجَبْتُمْ لِى فَلاَ تَلُومُونِى وَلُومُوَاْ أَنْفُسَكُمْ مَّا أَنَا بِمُصْرِحِكُمْ وَمَا أَنْتُم بِمُفْرِىٌَ إِ
كَفَرْتُ بِمَآ أَثْرَكْتُونِ مِن قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢]. وكما قال للمشركين ببدرٍ وقد
زيَّن لهم أعمالَهم: ﴿لَ غَالِبَ لَكُمُ اَلْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِى جَارٌ لَكُمّ فَقَا
تَرَآءَتِ اَلْفِئَتَانِ﴾. وحَصْحَصَ الحقُّ، وعاينَ جِدَّ(٥) الأمرِ ونُزولَ عذابِ اللَّهِ بحزبه
﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِِّ بَرِىٌّ مِنكُمْ إِّ أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنَّ أَخَافُ الله
وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٤٨]. فصارَت عِداتُه - عدوَّ اللَّهِ - إياهم عندَ
حاجتهم إليه غُرورًا ﴿كَمَرَبٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُ الفَّمْشَانُ مَآءَ حَقََّ إِذَا جَآءَّهُ لَمْ يَجِدْهُ
(١) الفلج: الظفر والفوز. التاج (ف ل ج).
(٢) فى م: (( حقيقته) .
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، س: ((الكذب)).
(٤) فى الأصل: ((إليهم)).
(٥) فى ص، م: ((حد)).
٥٠٥
سورة النساء : الآيات ١٢٠ - ١٢٢
شَيْئًا وَوَجَدَ اَللَّهَ ◌ِنْدَمُ فَوَقَّنَهُ حِسَابَةٌ﴾ [النور: ٣٩].
القولُ فى تأويل قولِه جل ثناؤه: ﴿أُوْلَكَ مَأْوَنَهُمْ جَهَنَّهُ [١٩/١٣ ظ] وَلَا
١٢١
يَجِدُونَ عَنْهَا يَحِيصًا
قال أبو جعفرٍ رحمه اللَّهُ: يَغْنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿أُوْلَيْكَ ﴾. هؤلاء الذين
اتَّخَذُوا الشيطانَ ولِيًّا مِن دونِ اللَّهِ ﴿مَأْوَنهُمْ اجَهَنَّمٌ﴾ يَغْنى: مصيرهم الذى ٢٨٧/٥
يَصيرون إليه جهنمُ: ﴿ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ . يَقُولُ : لا يَجِدُون عن جهنم -
إذا صيَّرهم اللَّهُ إليها يومَ القيامةِ - مَعْدٍلًا يَعْدِلون إليه . يُقالُ منه: حاص فلانٌ عن هذا
الأمرِ يَحِيصُ خَيْصًا وخُيُوصًا: إذا عَدَل عنه، ومنه خبرُ ابنِ عمرَ أنه قال: بعثنا رسولُ
اللّهِ عَمِ سريةً كنت فيهم، فلقِينا المشركين فحِصْنا خَيْصَةٌ (١) . وقال بعضُهم:
فجاصوا جَيْصَةٌ . والخَيَصُ والجَيْصُ مُتَقاربا المعنى.
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤُه: ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصََّلِحَتِ
سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَدُ خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ
أَصْدَقُ مِنَ اُللِّ قِيلًا
قال أبو جعفرٍ رحمه اللَّهُ: يَغْنى جلّ ثناؤُه بقولِه: ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ﴾ والذين صدَّقوا الله ورسولَه، وأقرُوا له بالوحدانيةِ ولرسولِه بالثُّبُّوَّةِ
وعمِلوا الصالحاتِ، يَقُولُ: وأدّوا فرائضَ اللَّهِ التى فرضها عليهم ﴿مَنُدْخِلُهُمْ
جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ ﴾ يَقُولُ: سوف تُدْخِلُهم يومَ القيامةِ إذا صاروا إلى
اللَّهِ ، جزاءً بما عمِلوا فى الدنيا مِن الصالحاتِ ﴿جَنَّتٍ﴾. يَعْنى بساتينَ تَجْرِى مِن
تحتها الأنهارُ ﴿خَلِينَ فِيهَ أَبْدًا﴾. [٢٠/١٣ ] يَقُولُ: باقين فى هذه الجناتِ التى
(١) أخرجه الحميدى (٦٨٧)، وأحمد ٢٨١/٩ (٥٣٨٤)، والبخارى فى الأدب المفرد (٩٧٢)، وأبو داود
(٢٦٤٧)، والترمذى (١٧١٦) من طرق عن يزيد بن أبى زياد عن عبد الرحمن بن أبی لیلی عنه به .
٠٫٠ ٠٠
٥٠٦
سورة النساء : الآيتان ١٢٢،١٢١
وصَفها أبدًا دائمًا، وقولُه: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّاً﴾. يَغْنى: عِدَةٌ مِن اللَّهِ لهم بذلك فى
الدنيا ((حقًّا)). يَعْنى: يقينًا صادقًا، لا كعِدَةِ الشيطانِ الكاذبةِ التى هى غرورُ مَن
وُعِدها مِن أوليائِه، ولكنها عِدةٌ ممن لا يَكْذِبُ ولا يَكُونُ منه الكذبُ ولا يُخْلِفُ
وعدّه .
وإنما وصَف جلَّ ثناؤه وعدَه بالصدقِ والحقِّ فى هذه، لما سبق مِن خبرِه جلَّ
ثناؤه عن قولِ الشيطانِ الذى قصَّه فى قولِهِ: ﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا
مَّفْرُوضًا (١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِيَنَّهُمْ وَلَ هُرَنَّهُمْ فَيُبَيِّكُنَّ ءَاذَانَ الْأَنْعَمِ﴾ ثم
قال جلّ ثناؤه: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيِهِمٌ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلََّّ غُرًا﴾. ولكنَّ اللَّهَ
يَعِدُ الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ أنه سيُدْخِلُهم جناتٍ تجرى مِن تحتها الأنهارُ
خالدين فيها أبدًا، ﴿ وَعْدَ اَللَّهِ حَقًّاً﴾. لا كوعدِ الشيطانِ الذى وصَف صفته،
فوصَف تعالى ذِكْرُه صفةَ الوَعْدَين والواعِدَيْنَ(١)، وأخبرَ بحكم أهلِ كلِّ وعدٍ
منهما؛ تَنْبِيهًا منه جلَّ ثناؤُه خلقَه على ما فيه مصلحتُهم، وخَلاصُهم مِن الهلكةِ
والعَطَبِ؛ لِيَتْزَجِروا عن معصيتِه ويَعْمَلوا(٢) بطاعتِهِ، فيتفوزوا بما أعدَّ لهم فى جناتِه
من ثوابِه .
ثم قال جلّ ثناؤه: ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اَللَّهِ قِيلًا﴾. يَقُولُ: ومَن أصدقُ أيُّها
الناسُ مِن اللَّهِ قِيلًا: أى لا أحدَ أصدقُ منه قِيلًا، فكيف تَتْوُكون العملَ بما وعَدكم
على العملِ به ربّكم جنات تجرى مِن تحتها الأنهارُ خالدِين فيها أبدًا، وتَكْفُرون به ،
وتُخالِفون أمرَه ، وأنتم تَعْلَمُون أنه لا أحدَ أصدقُ منه قِيلًاً، وتَعْمَلون(٣) بما يَأْمُؤُكم به
(١) فى الأصل: ((الوعيدين)).
(٢) فى م: ((يعلموا)).
(٣) فى الأصل: ((تعلمون)).
.... .-
٥٠٧
سورة النساء : الآيتان ١٢٣،١٢٢
الشيطانُ - رجاءً لإدراكِ ما يَعِدُكم مِن عِداتِه الكاذبةِ ، وأمانيّه الباطلةِ ، وقد علمتم
أن عِداتِه غرورٌ لا صحةً لها ، ولا حقيقةَ - وَتَتَّخِذُونه وليًّا مِن دونِ اللَّهِ ، وتَتْرِكُون أن
تُطِيعوا اللَّهَ فيما يَأْمُرُكم به ويَنْهَاكم عنه، فتَكُونوا له أولياءَ. ومعنى القِيلِ والقولِ
واحدٌ .
/ [٢٠/١٣ ظ] القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِّكُمْ وَلَآ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٢٨٨/٥
الْكِتَبُ﴾.
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ رحمه اللَّهُ: اختلف أهلُ التأويلِ(١) فى الذين عُنُوا
بقولِه: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيَّكُمْ وَلَآ أَمَانِيّ أَهْلِ الْكِتَبُ﴾ ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بقولِه :
﴿لَيْسَ بِأَمَانِيَّكُمْ﴾: أهلُ الإسلامِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن
منصورٍ، عن أبى الضُّحَى، عن مَشروقٍ ، قال: تَفَاخَر النصارى وأهلُ الإسلامِ،
فقال هؤلاء: نحن أفضلُ منكم . وقال هؤلاء: نحن أفضلُ منكم . فأنزل اللَّهُ جل
ثناؤه: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَآَ أَمَانِيَ أَهْلِ الْكِتَبُّ﴾.
حدّثنا ابنُ بشارٍ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ، قال : ثنا سفيانُ ، عن الأعمش، عن
أبى الضُّحَى، عن مسروقٍ ، قال: لما نزلت: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِّ أَهْلِ
الْكِتَبُ﴾. قال أهلُ الكتابِ: نحن وأنتم سواءٌ، فنزلت هذه الآيةُ: ﴿ وَمَنْ
يَعْمَلْ مِنَ الصَِّحَتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ (١).
(١) فى الأصل: ((الكتاب)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٧٢/٤ (٦٠٠٠) من طريق أبى عوانة عن الأعمش به . وعزاه =
-------- - -
٥٠٨
سورة النساء : الآية ١٢٣
حدَّثنى أبو السائبِ وابنُ وكيع، قالا : ثنا أبو معاويةً، عن الأعمشِ، عن
مسلمٍ، عن مسروقٍ فى قوله: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَّ أَمَانِيّ أَهْلِ الْكِتَبِ﴾.
قال : احتجَّ المسلمون وأهلُ الكتابِ ، فقال المسلمون: نحن أهدى منكم. وقال
أهلُ الكتابِ: نحن أهدى منكم. فأنزل اللَّهُ جل ثناؤه: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَآ أَمَانِيّ
أَهْلِ الْكِتَبُ﴾ قال: ففلَج عليهم المسلمون بهذه الآيةِ: ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ
القَلِحَتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِرٌ﴾ إلى آخرِ الآيتين(١).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا [٢١/١٣ و] يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً،
قال: ذُكِر لنا أن المسلمين وأهلَ الكتابِ افتخَروا، فقال أهلُ الكتابِ : نبيّنا قبلَ
نبيِكم، وكتابنا قبلَ كتابِكم، ونحن أولى باللّهِ منكم . وقال المسلمون : نحن أولى
باللَّهِ منكم: ونبيًا خاتَمُ النبيِّين، وكتابنا يَقْضِى على الكتبِ التى كانت قبلَه، فأنزَل
اللَّهُ: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيّ أَهْلِ الْكِتَبِّ مَن يَعْمَلْ سُوْءًا يُجْزَ بِهِ،﴾ إلى
قوله: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَأَتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ
حَنِيفًا﴾ [النساء: ١٢٥] فأفلَجِ اللّهُ حُجّةَ المسلمين على مَن ناوَأَهم مِن أهلٍ
الأدیانِ(٢) .
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن
السدئِّ: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَآ أَمَانِيّ أَهْلِ الْكِتَبُّ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَّ
بِهِ﴾. قال : التقى ناسٌ مِن اليهود والنصارى، فقالت اليهودُ للمسلمين: نحن خيرٌ
منکم، دینُنا قبلَ دینکم ، و کتابُنا قبلَ کتاپِکم ، ونبئنا قبلَ نبێکم، ونحن علی دینِ
= السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٥/٢ إلى ابن المنذر.
(١) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٦٩٣ - تفسير ) عن أبى معاوية به .
(٢) فى الأصل: ((الأوثان)). والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٥/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن
المنذر .
HARVARD COLLEGE LIDI
٥٠٩
سورة النساء : الآية ١٢٣
إبراهيمَ، ولن يَدْخُلَ الجنةَ إلا مَن كان يهوديًّا. وقالَت النصارى مثلَ ذلك، فقال
المسلمون : كتابُنا بعدَ كتابِكم، ونبيّنا بعدَ نبيّكم، وقد أُمِرْتم أن تَتَّبعونا، وتَتْزُكوا
أمرَكم، فنحن خيرٌ منكم، نحن على دينٍ /إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ، ولن ٢٨٩/٥
يَدْخُلَ الجنةَ إلا مَن كان على ديننا ، فردَّ اللَّهُ عليهم قولَهم، فقال: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ
وَلَّ أَمَانِيّ أَهْلِ الْكِتَبُّ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ، ﴾ ثم فَضَّل اللَّهُ المؤمنين عليهم،
فقال: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَأَتَّبَعَ مِلَ إِبْرَهِيمَ
حَنِيفًا﴾(١).
حُدِّثت عن الحسينِ بن الفرج، قال: سمِعت أبا معاذٍ يَقُولُ : أخبرنا عبيدُ بنُ
سليمانَ ، قال: سمِعت الضحاكَ تَقُولُ فى قوله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيَّكُمْ وَلَّ أَمَانِيّ أَهْلِ
الْكِتَبِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ، ﴾: تخاصَم أهلُ الأديانِ ، فقال أهلُ التوراةِ:
كتابنا أوَّلُ كتابٍ وخيرُها ، ونبيِّنا خيرُ الأنبياءِ . وقال أهلُ الإنجيلِ نحوًا مِن ذلك.
وقال أهلُ الإسلامِ: لا دينَ إلا الإسلامُ، وكتابنا نسَخ كلَّ كتابٍ، ونبينا خاتمُ
النبيِّين، وأَمِرنا أن تَعْمَلَ بكتابِنا، وتُؤْمِنَ بكتابِكم، فقضَى اللَّهُ بينَهم، فقال:
﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَآ أَمَانِيّ أَهْلِ الْكِتَبُّ مَن [٢١/١٣وا يَعْمَلْ سُوْءًا يُجْزَ
بِهِ﴾. ثم خيَّر بينَ أهلِ الأديانِ، فَفَضَّل أهلَ الفضلِ، فقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا
مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ إلى قوله: ﴿ وَأَتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ
(٢)
خَلِيلًا﴾(٢).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٧٠/٤ (٥٩٨٩) من طريق أحمد بن مفضل به، دون قوله: ثم فضل
اللَّه المؤمنين ... إلخ .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٥/٢ إلى المصنف.
مدين البيـ
١٠٫
٥١٠
سورة النساء : الآية ١٢٣
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی ابی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍٍ قوله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَآ أَمَانِيّ أَهْلِ اُلْكِتَبِّ﴾ إلى:
﴿وَلَا نَصِيرًا﴾: تخاصم (١) أهلُ الأديانِ ، فقال أهلُ التوراةِ: كتابُنا خيرُ الكتبِ،
أُنْزِل قبلَ كتابِكم، ونبينا خيرُ الأنبياءِ. وقال أهلُ الإنجيلِ مثلَ ذلك. وقال أهلُ
الإسلام: لا دينَ إلا الإسلامُ، كتابُنا نسَخ كلَّ كتابٍ ، ونبيّنا خاتم النبيِين، وأُمِرْتم
وأُمِرْنا أن نُؤْمِن بكتابِكم ونَعْمَلَ بكتابنا. فقضَى اللّهُ بينَهم فقال: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِّكُمْ
وَلَآَ أَمَانِيّ أَهْلِ الْكِتَبِّ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ،﴾. وخيَر بينَ أَهلِ الأديانِ
فقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَأَتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ
حَنِيفًا وَأَتَّخَذَ اَللَّهُ إِبْرَهِيمَ خَلِيلًا﴾(٢).
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا إسحاقُ، قال: ثنا يعلى بنُ عبيدٍ وأبو زهيرٍ، عن
إسماعيلَ بنٍ أبى خالدٍ ، عن أبى صالحٍ، قال : جلَس أناسٌ مِن أهلِ التوارةِ وأهلِ
الإنجيلِ وأهلِ الإيمانِ ، فقال هؤلاء: نحن أفضلُ . وقال هؤلاء: نحن أفضلُ . فأنزّل
اللَّهُ جل ثناؤه: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِّكُمْ وَلَآَ أَمَانِيّ أَهْلِ الْكِتَبُ مَنْ يَعْمَلْ سُوْءًا يُجْزَ
◌ِهِ﴾. ثم خصَّ اللَّهُ أهلَ الإيمانِ فقال: ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّلِحَتِ مِن ذَكَرٍ
أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾(٣).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةً، عن إسماعيلَ، عن أبى صالحٍ، قال :
(١) فى م: ((تحاكم)) .
(٢) أخرج ابن أبى حاتم بعضه فى تفسيره ١٠٧٣/٤ (٦٠٠٤) عن محمد بن سعد به. وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٢٢٦/٢ إلى المصنف .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٧٣/٤ (٦٠٠١) من طريق يعلى وأبى أسامة عن إسماعيل به . وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٦/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
٥١١
سورة النساء : الآية ١٢٣
جلَس أهلُ التوراةِ وأهلُ الإنجيلِ وأهلُ الزَّبورِ (١) فتفاخَروا، فقال هؤلاء: نحن
أفضلُ. وقال هؤلاء: نحن أفضلُ. (" وقال هؤلاء: نحن أفضل٢ُ) فأنزل اللَّهُ:
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الضَلِحَتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُؤْلَتِكَ يَدْخُلُونَ
اُلْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ .
I
حدَّثنا يحيى بن أبى طالبٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: حدثنا جويبرٌ، عن الضحاكِ
فى قوله: ﴿ لَّيْسَ بِأَمَانِيَّكُمْ وَلَا أَمَانِيّ أَهْلِ الْكِتَبُّ﴾. قال: افتخَر أهلُ
الأُديانِ ، فقال اليهودُ : كتابُنا خيرُ الكتبِ / وأكرمُها (٢٢/١٣ و] على اللَّهِ، ونبئنا أكرم
الأنبياءِ على اللَّهِ، موسى كلَّمه اللَّهُ قِبَلًا(٣) ، وخلا به نجيًا، وديتنا خيرُ الأديانِ.
وقالت النصارى: عيسى ابنُ مريمَ خاتمُ الرسلِ، وآتاه اللَّهُ التوراةَ والإنجيلَ، ولو
أدركه موسى(٤) لاتَّبَعَه، ودينُنا خيرُ الأديان. وقالت المجوسُ و کفارُ العرب : دینُنا
أقدمُ الأديانِ وخيرُها . وقال المسلمون: محمدٌ نبيّنا خاتمُ النبيِّين وسيدُ الأنبياءِ،
والفُرقانُ آخِرُ(٥) ما أُنْزِلْ مِن الكتبِ مِن عندِ اللَّهِ، وهو أمينٌ على كلِّ كتابٍ،
والإِسلامُ خيرُ الأديانِ، فخيّرِ اللَّهُ بينَهم، فقال: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِّكُمْ وَلَآ أَمَانِيّ أَهْلِ
الْكِتَبِّ﴾().
٢٩٠/٥
وقال آخرون: بل عنَى اللَّهُ بقوله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيَّكُمْ وَلَّ أَمَانِيّ أَهْلِ
اُلْكِتَبِ﴾ : أهلَ الشركِ به مِن عبدة الأوثانِ .
(١) بعده فى م: ((وأهل الإيمان)).
(٢ - ٢) سقط من: الأصل، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) فى م: ((قيلا)). وقبلًا: أى عيانًا ومقابلة، لا من وراء حجاب. النهاية ٨/٤.
(٤) فى الدر المنثور: ((محمد)).
(٥) فى الأصل: ((خير)).
(٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٦/٢ إلى المصنف وابن المنذر.
.
٥١٢
سورة النساء : الآية ١٢٣
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال: حدَّثنا عيسى ، عن ابن أبى
نجيحِ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيّ أَهْلِ اَلْكِتَبِ﴾ .
قال : قريشّ قالت : لن نُّبْعَثَ ولن نُعذّب .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيَّكُمْ﴾. قال: قالت قريشٌ: لن نُبْعَثَ ولن نُعَذَّبَ ، فأَنْزَّل
اللَّهُ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾.
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةً، قال: " ثنا ابنُ أبى نَجيجٍ() ، عن
مجاهدٍ فى قوله: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَّ أَمَانِيّ أَهْلِ الْكِتَبُّ مَن يَعْمَلْ سُوءًا
يُجْزَ بِهِ،﴾. قال: قالت العربُ: لن نُبْعَثَ ولن نُعَذَّبَ . وقالت اليهود والنصارى:
﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَرَىٌ﴾ [البقرة: ١١١]، أو (١) قالوا: ﴿لَنْ
تَمَثَنَا النَّارُ إِلََّ أَيَّامًا تَعْدُودَاتٍ﴾ [آل عمران: ٢٤] شكَّ أبو بشرٍ(٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى [٢٢/١٣ظ] حجاجٌ، عن ابنٍ
جريج، عن مجاهدٍ، قال: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾: قريشٌ وكعبُ بنُ الأشرفِ
وحدَه (٤): ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾(١).
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنى ابنُ وهبٍ ، قال : سمِعت ابنَ زيدٍ يَقُولُ فى قوله :
(١ - ١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((قال ابن جريج)).
(٢) فى الأصل: ((و)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٧٠/٤ (٥٩٩٠) من طريق ابن علية به.
(٤) سقط من: م. وفى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((نحوه)).
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٦/٢ إلى ابن المنذر.
٥١٣
سورة النساء: الآية ١٢٣
﴿أَلَمّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِنَ الْكِتَبِ﴾ [النساء: ٥١] إلى آخرِ الآيةِ.
قال: جاء حُبِىُ بنُ أَخْطَبَ إلى المشركين، فقالوا له: ياحُتَىُ إنكم أصحابُ
كُثُبٍ، فنحن خيرٌ أم محمدٌ وأصحابُه؟ فقال: " نحن خيرٌ و١) أنتم خيرٌ
منهم(٢)، فذلك قوله: ﴿أَلَمَّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ﴾ إلى
قولِه: ﴿ وَمَن يَلْعَنِ اَللَّهُ فَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًّا﴾ [ النساء: ٥١، ٥٢]. ثم قال للمشركين:
﴿ لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَّ أَمَانِيَّ أَهْلِ الْكِتَبُ ﴾ فقرَأ حتى بلَغ: ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ
اُلْضَلِحَتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾؛ رسولُ اللَّهِ تَهِ وأصحابُه،
﴿ فَأُوْلَكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾. قال: ووعَد اللَّهُ المؤمنين أن
يُكَفِّرَ عنهم سيئاتِهم، ولم يَعِدْ أولئك. وقَرَأ: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ لَتُكَفِرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ اُلَّذِى كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾(٣)
[ العنكبوت: ٧] .
F'
حدَّثنا " ابنُ حُميدٍ)، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسةً، عن محمدِ بنِ
عبد الرحمنِ، عن القاسم بن أبى بَزَّةً/، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِّكُمْ وَلَآ
أَمَانِيّ أَهْلِ الْكِتَبِّ مَن يَعْمَلْ سُوْءًا يُجْزَ بِهِ،﴾. قال: قالت قريشٌ: لن نُبْعَثَ
ولن نُعَذَّبَ .
٢٩١/٥
وقال آخرون : عُنِى به أهلُ الكتابِ خاصةٌ .
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) فى ص، م: ( منه)).
(٣) تقدم فى ص ١٤٧.
(٤ - ٤) فىم: ((أبو كريب))، وكلاهما يروى عن ((حكام بن سلم الرازى)). وينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ٩٧،
٢٦ /٢٤٤.
( تفسير الطبرى ٣٣/٧ )
٦٠٠١٧,
٥١٤
سورة النساء : الآية ١٢٣
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، ١ عن أبى سيدانَ() ، قال: سمِعت الضحاكَ
يَقُولُ: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَآ أَمَانِّ أَهْلِ الْكِتَبُ﴾ الآية. قال: نزلت فى أهلِ
الكتابِ حينَ [٥٢٣/١٣] خالَفوا النبىَّ ◌َِلَِّ.
قال أبو جعفرٍ: وأولى التأويلين بالصوابِ فى ذلك ما قال مجاهدٌ مِن أنه عنّى
بقوله: ﴿لَيْسَ بِأَمَاِنِيِّكُمْ﴾: مشركى قريشٍ. وإنما قُلنا ذلك أولى بالصوابٍ؛ لأن
المسلمين لم يَجْرِ لأمانيّهم ذكرٌ فيما مضَى مِن الآي قبلَ قولِهِ: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ .
وإنما جرَى ذكرُ أمانىٌ نصيبِ الشيطانِ المفروضِ، وذلك فى قوله: ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ
وَلَ مُرَنَّهُمْ فَيُبَتْكُنَّ ءَاذَانَ اُلْأَنْعَمِ﴾. وقوله: ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيِمٌ﴾
فإلحاقُ معنى قولِه جل ثناؤه: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾. بما قد جرَى ذكرُه قبلُ أحقُّ
وأولى مِن ادِّعاءٍ تأويلٍ فيه لا دلالةَ عليه مِن ظاهرِ التنزيلٍ، ولا أثرَ عن الرسولِ عَِّ،
ولا إجماعَ مِن أهلِ التأويلِ.
وإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الآيةِ إذن : ليس الأمرُ بأمانُّكم يا معشرَ أولیاءِ
الشيطانِ وحزبِه التى يُنِّكمُوها وليُكم عدوُ اللّهِ مِن إنقاذِكم ممن أرادَكم بسوءٍ،
ونُصْرتِكم عليه، وإظفارٍ كم به، ولا أمانىّ أهلِ الكتابِ الذين قالوا اغترارًا باللَّهِ
وبحلمِه عنهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلََّ أَنْيَّامًا مَعْدُودَةٌ﴾ [البقرة: ٨٠]، و﴿لَن
يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودَا أَوْ نَصَرَى﴾ [البقرة: ١١١]، فإن اللَّهَ مجازٍ كلَّ
عاملٍ منكم جزاءً عملِهِ، مَن يَعْمَلْ منكم سوءًا، أو مِن غيرٍ كم يُجْزَ به، ولا يَجِدْ له
(١ - ١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((ثنا أبى سفيان)). وفى م: ((عن أبى أسيد)). وينظر تهذيب
الكمال ٢٩٢/١٣، ٢١٦/١٩.
٠٫٠٠
٥١٥
سورة النساء : الآية ١٢٣
مِن دونِ اللهِ وليًّا ولا نصيرًا، ومَن يَعْمَلْ مِن الصالحاتِ مِن ذكَرٍ أو أنثى وهو مؤمنٌ،
فأولئك يَدْخُلون الجنةً .
ومما يَدُلُّ أيضًا على صحةٍ ما قلنا فى تأويلِ ذلك، وأنه ◌ُنِى بقولِه :
﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾. مشركو العربِ كما قال مجاهدٌ: إن اللَّهَ وصَف وَعْدَ
الشيطانِ ما وَعَد أولياءَه ، وأخبر بحالٍ وَعْدِهِ، ثم أتْتَع ذلك بصفةِ وَعْدِه الصادقِ
بقوله: ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصََّلِحَتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا
اُلْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقَّْ﴾. وقد ذكَر جلَّ ثناؤه مع وصفِه وَعْدَ
الشيطانِ أولياءَه ، وتمنيتَه إياهم الأمانىَّ بقوله: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَّنِّيِهِمْ﴾. كما ذكّر
وعدَه إياهم، فالذى [٢٣/١٣ظ] هو أشبهُ أن يُتَبعَ تَمْنِيتَه إياهم مِن الصفةِ ، بمثلِ الذى
أتْبَع ◌ِدَتَه إياهم به مِن الصفةِ. وإذا كان ذلك كذلك صحَّ أن قولَه: ﴿لَيْسَ
بِأَمَانِبِّكُمْ وَلَّ أَمَانِيَّ أَهْلِ الْكِتَبُّ مَن يَعْمَلْ سُوْءًا يُجْزَ بِهِ، ﴾ الآية، إنما هو
خبرٌ مِن اللَّهِ عن أمانىّ أولياء الشيطانِ وما إليه صائرةٌ أمانيُّهم مع سيِّىُّ
أعمالهم مِن سوء الجزاءِ، وما إليه صائرةٌ أعمالُ أولياءِ اللَّهِ مِن محسنٍ
الجزاءِ، وإنما ضَمَّ جلَّ ثناؤه أهلَ الكتابِ إلى المشركين فى قوله: ﴿لَيْسَ
بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَآَ أَمَانِيّ أَهْلِ الْكِتَبُ﴾؛ لأن أمانىَّ الفريقين مِن تَمْنيةِ
الشيطانِ إياهم التى وعَدهم أن يُمتِيُّهموها بقوله: ﴿ وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِيَنَّهُمْ
وَلَ مُرَنَّهُمْ﴾ .
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوْءًا يُجْزَ بِهِ﴾.
/ اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلٍ ذلك؛ فقال بعضُهم: مُنى بالسوءِ كلٌّ معصيةٍ
للَّهِ. وقالوا: معنى الآية: مَن يَرْتَكِبْ صغيرة أو كبيرةً مِن مؤمنٍ أو كافرٍ مِن معاصى ٢٩٢/٥
اللَّهِ ، يجازِهِ اللَّهُ بها .
٥١٦
سورة النساء : الآية ١٢٣
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ أن الربيعَ بنَ
زياد١ٍ) سأَل أبىَّ بن كعبٍ عن هذه الآية: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ،﴾. فقال: ما
كُنْتُ أراك إلا أفقه مما أرى: النكبةَ(١) والعودَ والخدْشَ.
** *٣٠٫٠٠٠
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا غُندرّ، عن هشام الدستوائيّ ، قال : ثنا قتادةُ، عن
الربيعِ بنِ زيادٍ، قال: قلت لأبىّ بنِ كعبٍ: قولُ اللَّهِ تبارك وتعالى: ﴿مَن يَعْمَلْ
سُوءًا يُجْزَّ بِهِ﴾ واللَّهِ [٢٤/١٣ و] إن كان كلُّ ما عمِلنا جُزِينا به هلكنا. قال: واللَّهِ
إن كنتُ لأراك أفقه مما أرى ، لا يُصِيبُ رجلًا خَدْشٌ ولا عَثْرَةٌ إلا بذنبٍ ، وما يَعْفُو
اللَّهُ عنه أكثرُ، حتى اللدغةُ والنفحةُ(٣).
حدَّثنا القاسمُ بنُ بشرٍ بن معروفٍ(٤)، قال: ثنا سليمانُ بُ حربٍ ، قال : ثنا
حمادُ بنُ زيدٍ ، عن حجاج الصّافِ ، عن أيوبَ ، عن أبى قلابةَ، عن أبى المهلبٍ،
قال: دخلتُ على عائشةً فى(٥) هذه الآية: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَّ أَمَانِيّ أَهْلِ
الْكِتَبُ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. قالت: ذاك مما يُصيبُكم فى الدنيا(٢) .
(١ - ١) فى النسخ: ((زياد بن الربيع))، والتصويب من تهذيب الكمال ٩/ ٧٨، والتاريخ الكبير ٢٦٨/٣.
(٢) نكبت الحجارة رجله: لئمتها وأدمتها . التاج (ن ك ب).
(٣) النفح: الضرب والرمى، وفى الحديث: ((أنه أبطل النفح)) أراد نفح الدابة برجلها وهو رفسها . النهاية
٨٩/٥. والأثر أخرجه البخارى فى تاريخه ٢٦٨/٣ من طريق هشام الدستوائى عن قتادة به، وأخرجه
البيهقى فى الشعب (٩٨١٤) من طريق قتادة عن يزيد بن عبد اللَّه عن زياد بن الربيع - وهو خطأ - عنه
به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٧/٢ إلى عبد بن حميد وابن أبى الدنيا .
(٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((معرور)). وانظر تاريخ بغداد ٤٢٧/١٢، وتاريخ الطبرى ٢٣/١، ٤٥.
(٥) سقط من: ص، وفى م: ((كى أسألها عن))، وفى س: ((كى فى)).
(٦) أخرجه الحاكم ٣٠٨/٢ من طريق سليمان بن حرب به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٧/٢ إلى ابن
راهويه فى مسنده وعبد بن حميد .
٥١٧
سورة النساء : الآية ١٢٣
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال :
أخبرنى خالدٌ أنه سمِع مجاهدًا يَقُولُ فى قوله: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ،﴾ .
قال: يُجْزَ به فى الدنيا . قال: قلت: وما تَبْلُغُ المصيباتُ؟ قال: ما تَكْرَهُ.
وقال آخرون : معنى ذلك: مَن يَعْمَلْ سوءًا مِن أهلِ الكفرِ يُجْزَ به .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنا ابنُ و کیعٍ، قال : ثنا يزيدُ بنُ هارونَ ، عن حماد بن سلمةً ، عن حميدٍ ،
عن الحسنِ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ،﴾ قال: الكافرُ، ثم قرأ: ﴿وَهَلْ تُجْزِئٌ
إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ: ١٧]. قال: مِن الكفارِ (١).
حدّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا سهلٌ، عن حميدٍ، عن الحسنِ مثلَه .
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا أبو همام الأهوازىُّ، عن يونس بنٍ
عبيدٍ، عن الحسنِ، أنه كان يَقُولُ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ،﴾، ﴿وَهَلْ تُجْرِىّ
إِلَّا الْكَفُورَ ﴾ يَعْنى بذلك الكفارَ، ولا يَغْنى بذلك أهلَ الصلاةِ .
حدَّثنى الحارثُ ، قال : ثنا عبدُ العزيزِ بنُّ أبانٍ ، قال: ثنا مباركٌ ، عن الحسن فى
قوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوَءًا يُجْزَ بِهِ،﴾. قال: واللَّهِ ما جازَى اللَّهُ عبدًا بالخيرِ والشرّ
إلا عذَّبه، قال: ﴿ لِيَجْزِئَ الَّذِينَ أَسَنُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ [٢٤/١٣ظ]
بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١]. قال: أما واللَّهِ لقد كانت لهم ذنوبٌ، ولكنه غفَرها لهم،
ولم يجازِهم بها ، إن اللَّهَ لا يجازِى عبده المؤمنَ بذنبٍ ؛ إذن توبِقُه ذنوبُه.
/حدَّثنی يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: سمِعت ابنَ زيدٍ يَقُولُ فى قوله: ٢٩٣/٥
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٧٢/٤ (٥٩٩٧) من طريق حماد به .
٥١٨
سورة النساء : الآية ١٢٣
﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوْءًا يُجْزَ بِهِ،﴾. قال: وعَد اللَّهُ المؤمنين أن يُكَفِّرَ عنهم سيئاتهم،
ولم يَعِدْ أولئك ، يَغْنى المشركين .
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو معاويةً، عن عاصم، عن الحسنِ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ
سُوْءًا يُجْزَ بِهِ،﴾. قال: إنما ذلك لمن أراد اللَّهُ هوانَه، فأما مَن أراد كرامته، فإنه مِن
أهلِ الجنةِ، وغدَ الصدقِ الذى كانوا يُوعَدون(١) .
حدَّثنا يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخبرنا يزيدُ، قال: أخبرنا جويبرٌ، عن
الضحاكِ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوْءًا يُجْزَ بِهِ،﴾. يَغْنى بذلك: اليهود والنصارى
والمجوسَ وكفارَ العربٍ، ولا يَجِدون لهم مِن دونِ اللَّهِ وليًّا ولا نصيرًا (٢).
وقال آخرون: معنى السوءِ فى هذا الموضعِ: الشركُ . قالوا : وتأويلُ قولِه:
﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ،﴾ : مَن يُشْرِكْ باللَّهِ يُجز بشرکه، ولا يَجِدْ له مِن دونٍ
اللَّهِ وليًّا ولا نصيرًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنا المثنی ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن علىّ ، عن ابنِ
عباسٍ قولَه: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ،﴾. يَقُولُ: مَن يُشْرِكْ يُجْزَ به، وهو
السوءُ، ولا يَجِدْ له مِن دونِ اللَّهِ وليًّا ولا نصيرًا، إلا أن يَتُوبَ قبلَ موتِه، فيتوبَ اللَّهُ
(٣)
عليه(٣).
(١) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٦٩٨ - تفسير)، وابن أبى شيبة ١٤/ ٤٢، والبيهقى فى الشعب
(٩٨١٢) عن أبى معاوية به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٨/٢ لهناد والحكيم الترمذى.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٦/٢ إلى ابن المنذر والمصنف.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٨/٢ إلى المصنف وابن المنذر.
٥١٩
سورة النساء : الآية ١٢٣
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا حكّامٌ، عن عنبسةَ، عن ابنٍ أبى ليلى، عن
المنهالِ بنِ عمرٍو، عن سعيد بن جبيرٍ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ،﴾. قال:
( (١)
الشركُ(١).
قال أبو جعفرٍ: وأولى التأويلاتِ التى ذكرناها بتأويلِ الآية [٢٥/١٣ و] التأويلُ
الذى ذكّرناه عن أبيّ بنِ كعبٍ وعائشةً، وهو أن كلَّ مَن عمِل سوءًا؛ صغيرًا أو
کبیرًا ، مِن مؤمنٍ أو کافٍ جوزِی به .
وإنما قلنا ذلك أولى بتأويلِ الآيةِ ؛ لعمومٍ الآية كلَّ عاملٍ سوءٍ، مِن غيرِ أن
يُخَصَّ أو يُسْتَثْنَى منهم أحدٌ، فهى على عمومِها إذ لم يكن فى الآيةِ دلالةٌ على
خُصوصِها، ولا قامَت حجةٌ بذلك مِن خبرٍ عن الرسولِ عَلَّهِ.
فإن قال قائلٌ: وأين ذلك مِن قولِ اللَّهِ: ﴿إِن تَحْتَنِبُواْ كَبَآبِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ
نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَهِئَاتِكُمْ ﴾ [النساء: ٣١]. و کیف یجوزُ أن يُجَازِیَ علی ما قد وعَد
تكفيرَه؟ قيل: إنه لم يَعِدْ بقولِه: ﴿تُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ تَركَ المجازاةِ عليها ،
وإنما وعَد التكفيرَ بتركِ الفضيحةِ منه لأهلِها فى معادِهم، كما فضَح(٢) أهلَ الشركِ
والنفاقٍ ، فأما إذا جازاهم فى الدنيا عليها بالمصائبِ ليُكَفِّرَها عنهم بها ليُوافُوه ولا
ذنبَ لهم، يَسْتَحِقُّون المجازاةَ عليه، فإنما وفَى لهم بما وعَدهم بقولِه: ﴿ نُكَفِّرْ
عَنكُمْ﴾. وأنْجَزَ لهم ما ضمن لهم بقوله: ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ
سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن ◌َّحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [النساء: ١٢٢].
وبنحو الذی قلنا فى ذلك، تظاهرَت الأخبارُ عن رسولِ اللهِ ټ.
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٩/٢ إلى المصنف.
(٢) فى ص: ((قصى))، وفى ت ٢: ((قضى).
٥٢٠
سورة النساء : الآية ١٢٣
ذكرُ الأخبارِ الواردةِ بذلك(١)
حدَّثنا أبو كريبٍ وسفيانُ بنُ وکیعٍ ونصرُ بنُ علیٍّ وعبدُ اللهِ بنُ أبی زیادٍ
القَطَوانُ ، قالوا : ثنا سفيانُ بنُّ عيينةً، عن ابنِ مُحَيْصِنٍ، عن محمدِ بنِ قیسٍ بِنِ(١)
مَخْرَمةً، عن أبى هريرةَ، قال: لما نزلت هذه / الآيةُ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ
بِهِ﴾. شقَّت على المسلمين، وبلغت منهم ما شاء اللَّهُ أَن تَبْلُغَ، فشَكَوا ذلك إلى
رسولِ اللَّهِ وَهِ، فقال: ((قارِبوا وسدّدوا، ففى كلّ ما [٢٥/١٣ ظ] يُصابُ به المسلمُ
كفارةٌ ، حتى النكبةُ يُنْكَئُها ، أو الشوكةُ يُشاكُها))(٣).
(* حدَّثنی يونسُ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن ابنٍ(٥) محيصنٍ، سمِع محمدَ بنَ
.
قيسٍ بنِ مَخرمةَ، قال: أظنُّه عن أبى هريرةَ ، قال: لمّ نزلَت هذه الآيةُ، ثم ذكر
مثله٤).
حدَّثنى عبدُ اللَّهِ بنُ أبي زيادٍ وأحمدُ بنُ منصورِ الَّمَادىُّ، قالا: ثنا "زيدُ بنُ
◌ُبابٍ ، قال) : حدّثنا عبدُ الملكِ بنُ الحسنِ الحارثُ ، قال : ثنا محمدُ بنُّ زیدِ بنِ
تُنْفُذٍ ، عن عائشةَ، عن أبى بكرٍ، قال: لما نزلت: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوْءًا يُجْزَ بِهِ،﴾.
(١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((عن)).
(٣) أخرجه الترمذى (٣٠٣٨) من طريق عبد اللَّه بن أبى زياد به ، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٦٩٤ -
تفسير) وابن أبى شيبة ٢٢٩/٣، ٢٣٠ والحميدى (١١٤٨) وأحمد ٣٤١/١٢ (٧٣٨٦) ومسلم (٢٥٧٤)
والنسائى فى الكبرى (١١١٢٢)، والبيهقى ٣٧٣/٣ من طرق عن سفيان به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٢٧/٢ إلى ابن المنذر وابن مردويه. ومحمد بن قيس بن مخرمة لم يسمع من أبى هريرة. انظر تحفة
التحصيل .
(٤ - ٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٥) فى الأصل ((أبى)). وانظر مصادر التخريج السابقة.
(٦ - ٦) فى م: ((يزيد بن حيان قالا)).
- . AveNIO QOVABVH
٢٩٤/٥
٠٠٠