Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
سورة النساء : الآيتان ١٠٥، ١٠٦
بالسرقةِ عن(١) غيرٍ بينةٍ ولا ثَبَتٍ (٢) . قال قتادةُ: فَأَيْتُ رسولَ اللَّهِ صَلِ فَكلَّمْتُه(٣)،
فقال: ((عمَدْتَ إلى أهلٍ بيتٍ ذُكِر منهم إسلامٌ وصلاح، تَزْمِيهم بالسَّرِقةِ على غيرٍ
بينةٍ ولا قَبَتِ )). قال: فرجَعت ولوَدِدْتُ أنى خرجتُ مِن بعضٍ مالى ولم أُكَلِّمْ رسولَ
اللَّهِ عَِّ فى ذلك، فأتَيْتُ عمِّى رِفاعةَ ، فقال: يا بنَ أخى ، ما صَنَعْتَ ؟ فأخبرتُه بما
قال لى رسولُ اللَّهِ وَهِ، فقال: اللَّهُ المستعانُ. فلم نَلْبَتْ أن نزَل القرآنُ: ﴿إِنَّ
أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ بِمَآ أَرَئِكَ اَللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَلْيِنِينَ
خَصِيمًا﴾؛ بنى أَبَيْرِقٍ، ﴿ وَأَسْتَغْفِرِ اللّهّ﴾، أى مما قلتَ لقتادةً()، ﴿إِنَ
اَللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴿ وَلَا تُحَدِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ ، أى: بنى
أَتَيْرِقٍ [٣/١٣و] ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّنَا أَشِيمًا (﴿ يَسْتَخْفُونَ مِنَ
النَّاسِ ﴾، إلى قوله: ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اَللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، أى: إنهم
إِن يَسْتَغْفِروا اللَّهَ يَغْفِرْ لهم. ﴿ وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ, عَلَى نَفْسِهِ، وَكَانَ اللَّهُ
عَلِيمًا حَكِيمًا ﴿ وَمَن يَكْسِبْ خَطِيْئَةً أَوْ إِنْمَا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ، بَرِيِّئًا فَقَدِ أَحْتَمَلَ بُهْتَنَا
وَإِثْمَا ◌ُّبِينًا﴾: قولُهم للبيدٍ، ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَمَّت ظَآَبِفَةٌ
مِّنْهُمْ أَن يُضِلُوكَ﴾، يَغْنى: أُسيرًا وأصحابَه، ﴿وَمَا يُضِلُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمَّ
وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْءٍ وَأَنزَلَ اَللَّهُ عَلَيْكَ الْكِنَبَ وَاَلْحِكْمَةَ﴾ إلى قوله :
﴿ فَسَوْفَ تُؤْنِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ .
فلما نزل القرآنُ أَتِى رسولُ اللَّهِ عَمِ بالسلاحِ، فردَّه إلى رفاعةً .
قال قتادةُ : فلما أتَّيْتُ عمِّى بالسلاحِ وكان شيخًا قد عسَاً فى الجاهلية،
(١) فى م: ((من)).
(٢) فى ص: ((بيت)). والثبت، بالتحريك: الحجة والبينة. اللسان (ث ب ت).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، س: ((فسألته)).
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، س: (( لعبادة)).
(٥) فى الترمذى: ((عشى)). وعسا: أى كبر وأسن. وعشى: أى ضعف بصره. النهاية ٣/ ٢٣٨.
E
..

٤٦٢
سورة النساء : الآيتان ١٠٥، ١٠٦
و گُنتُ أری إسلامه مَدخولاً(١) ؛ فلما اتُه بالسلاح، قال : يا بنأخى ، هو فی سبیلٍ
اللَّهِ . قال: فعرفت أن إِسلامَه كان صحيحًا. فلما نزَل القرآنُ لحق بُشَيرٌ بالمشركين
فنزّل على سُلافةً(٢) بنتِ سعدِ بنِ شُهَيدٍ (٣) ، فأنزل اللَّهُ فيه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ
مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، إلى قوله: ﴿وَمَن يُشْرِكْ
بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلأْ بَعِيدًا ﴾ ، فلما نزل على سُلافةً رماها حسانُ بنُ ثابتٍ بأبياتٍ
مِن شعرٍ، فأخَذَت رَحْلَه فوضَعَتْه على رأسِها ثم خرجت به فرَمَتْ به فى الأبطحِ ، ثم
قالت : أَهْدَيْتَ إلىَّ شعرَ حسانَ ، ما كنتَ تَأْتينى بخيرٍ(٤) .
٢٦٧/٥
/ حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاً
إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَكَ اَللّه﴾. يَقُولُ: بما أنزل اللَّهُ
عليك وبيِّن لك. ﴿ وَلَا تَكُنْ لِلْخَيِنِينَ خَصِيمًا﴾. فقرَأ إلى قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا
يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَشِيمًا﴾: ذُكِر لنا أن هؤلاء الآياتِ أُنْزِلت فى شأنٍ ◌ُعْمَةَ بنِ
أُبَيْرُقٍ، وفيما همَّ به نبىُّ اللّهِ عَّهِ مِن عُذْرِهِ، وبيَّن اللَّهُ شأنَ طعمةً بنِ أُبِرِقٍ، ووعَظ
نبيِّه وحذَّره أن يَكُونَ للخائنين خصيمًا ، وكان طُعْمَةُ بنُ أَبَيْرِقٍ رجلًا مِن الأنصارِ ثم
أحدَ بنى ظَفَرٍ، سرَق درعًا لعمَّه كانت [٣/١٣ظ] وديعةً عندَه، ثم قذفها(*) على
يهودىِّ كان يَغْشاهم، يُقالُ له: زيدُ بنُّ السمينِ. فجاء اليهودىُّ إلى نبيِّ اللَّهِ عَليج.
(١) الدخّل، بالتحريك: العيب والغش والفساد، يعنى أن إيمانه كان متزلزلا فيه نفاق. النهاية ٢/ ١٠٨.
(٢) فى ص، ت ١، س: ((سلاقة)، وفى ت ١: ((سلام)). وانظر الإصابة ٧/ ٧٢٤.
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، س: ((سهيل))، وفى م: ((سهل).
(٤) أخرجه الترمذى (٣٠٣٦) عن الحسن بن أحمد، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٤/ ١٠٥٩، ١٠٦٠
(٥٩٣٣، ٥٩٣٤، ٥٩٣٦) من طريق محمد بن سلمة به، والحاكم ٣٨٥/٤ - ٣٨٨ من طريق محمد بن
إسحاق به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٥/٢ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢، س: ((قدمها)).
MACONSUMM ADYOUIT 39AT100 (HYANYU

٤٦٣
سورة النساء : الآيتان ١٠٥، ١٠٦
يهِفُ، فلما رأى ذلك قومُه بنو ظَفَرٍ جاءوا إلى نبيِّ اللَّهِ مَِّ لِيَغْذِروا صاحبهم،
وكان نبىُّ اللّهِ وَِّ قد همّ بعذرِه، حتى أنزل اللَّهُ جل ثناؤه فى شأنِه ما أَنْزَل ؛ فقال:
﴿ وَلَا تُحَدِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمَّ﴾، إلى قوله: ﴿هَنْتُمْ هَوَّلَآءِ
جَدَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَدِلُ اَللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ، يَغْنى
بذلك قومَه. ﴿ وَمَن يَكْسِبْ خَطِيْئَةً أَوَ إِنْهَا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ، بَرِيْئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَنَا وَإِثْمًا
◌ُّبِينًا﴾، وكان طُعْمَةُ قد قذَف بها بريئًا، فلما بَيِّنَ اللَّهُ شأنَ طُعْمَةَ، نافَق ولحِق
بالمشركين بمكةَ، فأنزل اللَّهُ فى شأنِهِ: ﴿ وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُ
اُلْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ اٌلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِهِ، مَا تَوَلَّ وَثُصْلِهِ، جَهَنَّمٌّ وَسَآءَتْ
(١)
مَصِيرًا﴾(١).
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال: ثنی عمى ، قال: ثنى أبى، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ إِنَّ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمْ بَيْنَ اَلنَّاسِ
بِمَّ أَرَكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَآَيِنِينَ خَصِيمًا﴾: وذلك أن نفرًا مِن الأنصارِ غَزَوا مع
النبىِّ يَِّ فى بعضٍ غَزَواتِهِ، فشرِقت درعْ لأحدِهم، فأظنّ(٢) بها رجلًا مِن
الأنصارِ، فأتى صاحبُ الدِّرْعِ رسولَ اللَّهِ وَهِ، فقال: إن طُعْمَةً بِنَّ أُيَتِقٍ سرَق
دِرْعِى، فأتى به رسولَ اللّهِ عَهِ، فلما رأَى السارِقُ ذلك، عمَد إليها فألقاها فى بيتٍ
رجل برىءٍ، وقال لنفرٍ(١) مِن عشيرته : إنى قد غيّتُ الدرعَ وألقيتُها فى بيتٍ فلانٍ،
وستوجد عندَه. فانطَلَقوا إلى نبيِّ اللَّهِ عَجِ ليلًا، فقالوا: يا نبيَّ اللَّهِ، إن صاحبنا
برىءٌ، وإن سارقَ الدرِعِ فلانٌ، وقد أحَطنا بذلك علمًا ، فاغْذِرْ صاحبنا على رءوسٍ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٧/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) أظن : أی اتهم. اللسان (ظ ن ن ).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢: ((النفر)).

٤٦٤
سورة النساء : الآيتان ١٠٥، ١٠٦
الناسِ وجادِلْ عنه، فإنه إلا يعصِمْه اللَّهُ بك يَهْلِكْ. فقام رسولُ اللَّهِ مَامِ غبوأه وعذَره
على رُءُوسِ الناسِ، فَأَنزّل اللَّهُ: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَآَ إِلَيْكَ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ
النَّاسِ بِمَا أَرَكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلّخَآَيِنِينَ خَصِيمًا﴾ [٤/١٣ و] يَقُولُ: احْكُمْ بينَهم
بما أنزل اللَّهُ إليك فى الكتابِ، ﴿ وَأَسْتَغْفِرِ اللَّهَّ إِنَ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا () وَلَا
تُحَدِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ﴾ الآية. ثم قال للذين أَتَوا رسولَ اللَّهِ عليه
الصلاةُ والسلامُ ليلاً ( يَسْتَخفون بالكذبِ): ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ
مِنَ اللَّهِ﴾، إلى قوله: ﴿أَمْ مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾. يَغْنِى الذين أتُوا رسولَ
اللَّهِ ◌ِِّ مُسْتَخفين يُجادلون عن الخائنِ. ثم قال: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ
نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ ، يعنى، الذين أَتَوا رسولَ اللَّهِ عليه
السلامُ مَسْتَخْفين بالكذبِ. ثم قال: ﴿ وَمَن يَكْسِبْ/ خَطِيّئَةٌ أَوْ إِنْمَا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ،
بَرِيِّئًا فَقَدٍ أَحْتَمَلَ بُهْتَنَا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾. يَعْنى: السارقَ، والذين يُجادلون عن
(٣)
٢٦٨/٥
السارقٍ(٢) .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ إِنَّا
أَنْزَلْنَآَ إِلَيْكَ الْكِنَبَ بِآلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَِّنِينَ
خَصِيمًا﴾ الآية. قال: كان رجلٌ سرّق درعًا مِن حديدٍ فى زمانِ النبىِّ عَ له
وطرَحه على يهودىٌّ، فقال اليهودىُّ: واللَّهِ ما سرَقتُها يا أبا القاسم، ولكن طُرِحت
علىَّ. وكان للرجلِ الذى سَرَّق جيرانٌ يُرِّئونه ويَطْرَحونه على اليهودىِّ ، ويَقُولون :
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.
(٢ - ٢) سقط من: م.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٥٩/٤ - ١٠٦٣ (٥٩٣٠، ٥٩٤٠، ٥٩٤٤، ٥٩٥٠) مفرقًا من
طريق محمد بن سعد به .

٤٦٥
سورة النساء : الآيتان ١٠٥ ، ١٠٦
يارسولَ اللَّهِ، إِن هذا اليهودىَّ لخبيثٌ(١) يَكْفُرُ باللَّهِ وبما جِئْت به. قال: حتى قال(١)
عليه النبيُّ ◌َّمِ ببعضِ الْقُولِ، فعاتَبه اللَّهُ عز وجل فى ذلك، فقال: ﴿ إِنَّ أَنْزَلْنَآَ
إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ اَلنَّاسِ بِمَآ أَرَئِكَ اَللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَايِنِينَ
خَصِيمًا (٣٥) وَأَسْتَغْفِرِ اله﴾ مما(٢) قلتَ لهذا اليهودىِّ، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا
زَحِيمًا﴾. ثم أقبل على جيرانِه فقال: ﴿هَكَأَنتُمْ هَؤُلَآءٍ جَدَلْتُمْ عَنْهُمْ فِى الْحَيَوْةِ
اُلُّنْيَا فَمَن يُجَدِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم ◌َن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ .
قال: ثم عرَض التوبةَ فقال: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ, ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ
يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا زَّحِيمًا (١٦) وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ،﴾: فما
أدْخَلكم أنتم أيُّها الناسُ على خطيئةِ هذا تَكَلَّمون دونَه، ﴿وَكَانَ اللَّهُ [٤/١٣ظ] عَلِيمًا
حَكِيمًا (﴿ وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِنْمَا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ، بَرِيْئًا﴾ وإن كان مشركًا ،
﴿فَقَدٍ أَحْتَمَلَ بُهْتَنَّا وَإِثْمَا مُّبِينًا﴾. ( فقرَأْ حتى بلَغ: ﴿لََّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِن
نَجْوَهُمْ﴾٢، فقرأ جتى بلَغ: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُ
اُلْهُدَى﴾. قال: أتى أن يَقْبَلَ التوبةَ التى عرّض اللَّهُ له، وخرج إلى المشركين بمكةً ،
فنقَب بيتًا لِيَشْرِقَه، فهدَمه اللَّهُ عليه فقتله، فذلك قولُ اللَّهِ عز وجل: ﴿ وَمَنْ يُشَاقِقِ
الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾. فقرًا حتى بلَغ: ﴿وَسَآءَتْ مَصِيرًا﴾.
ويقالُ: هو طُعْمَةُ بنُّ أَبَتِقٍ، وكان نازِلًا فى بنى ظفّرٍ(٥) .
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س: ((الخبيث)).
(٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س: ((مال)).
(٣) فى ص، م، ت ٢: (( بما)).
(٤ - ٤) سقط من : م .
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٧/٢ إلى المصنف.
( تفسير الطبرى ٣٠/٧ )
:

٤٦٦
· سورة النساء : الآيتان ١٠٥، ١٠٦
وقال آخرون: بل الخيانةُ التى وصَف اللّهُ بها مَن وصَفه بها بقوله: ﴿ وَلَا تَكُنْ
لِلْخَيِنِينَ خَصِيمًا﴾: جحودُه وديعةً كان أُودِعَها .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُّ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿إِنَّ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِنَبَ بِآلْحَقِّ لِتَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ بِمَآ أَرَكَ اللَّهُ وَلَا
تَكُنْ لِلْخَيِنِينَ خَصِيمًا﴾. قال: أمَّا ﴿ِمَّ أَرَكَ اللَّهُ﴾، فما أوخَى إليك.
قال: نزّلت فى طُعْمَةَ بنِ أَتَيْرِقٍ، اسْتَودَعه رجلٌ مِن اليهودِ درعًا، فانطَلَق بها معه(١)
إلى دارِه، فحفَر لها اليهودىُّ ثم دفَنها، فخالَفه إليها طُغْمةُ ، فاحتفَر عنها فأخذها ، فلما
جاء اليهودىِّ يَطْلُبُ درعَه كابره (٢) عنها، فانطلَق إلى ناسٍ مِن اليهودِ مِن عشيرته،
فقال: انْطَلِقُوا معى، فإنى أعرِفُ موضِعَ الدرعِ. فلما علِم بهم طُعْمةُ، أَخَذ الدرعَ
فألقاها فى دارٍ أبِى مُلَيلٍ الأنصارىِّ، فلما جاءت اليهودُ تَطْلُبُ الدرعَ فلم تَقْدِرْ
عليها(٢) ، وقَع به طُعمةُ وأناسٌ مِن قومِه فسُوه ، قال : آتُخَوْنُوننى؟! فانطَلَقوا يَطْلُبونها
فى دارِهِ، فأشرَّفوا على بيتٍ أبِى مُلَيلٍ، فإذا هم بالدرعِ، وقال [٥/١٣و] طُعْمَةُ: أَخَذها
أبو مُلَيلٍ . وجادلت /الأنصارُ دونَ طُغْمةً، وقال لهم: انْطَلِقوا معى إلى رسولِ اللَّهِ عَ ليه
فَقُولوا له يَنْضَحُ(٤) عنى ويُكَذِّبُ حجةَ اليهودىِّ، فإنى إن أُكَذَّبْ كَذَب على أهلِ
المدينةِ اليهودىُّ، فأتاه أناسٌ مِن الأنصارِ فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، جادلْ عن طُعمةَ،
وأكذِبِ اليهودىَّ. فهمَّ رسولُ اللَّهِ عَهِ أَن يَفْعَلَ، فأنزل اللَّهُ عليه: ﴿ وَلَا تَكُنْ
٢٦٩/٤
(١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.
(٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س: ((كافره)). و کابره على حقه: جاحده وغالبه عليه. التاج (ك ب ر).
(٣) فى الأصل: ((عليه)). والدرع مما يؤنث وقد يذكر.
(٤) نضح عنه : ذب ودفع. اللسان (ن ض ح).
CONSOMM - AUVUOI 3537100 OHMAMMA

٤٦٧
سورة النساء : الآيتان ١٠٥، ١٠٦
وَأَسْتَغْفِرِ اللَّه﴾ مما أرَدْت، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا
لِلْخَيِنِينَ خَصِيمًا ﴾
رَّحِيمًا ﴿ وَلَا تُحَدِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا
أَشِيمًا﴾. ثم ذكر الأنصارَ ومُجادَلْتَهم عنه، فقال: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا
يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيْتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾(١). إلى:
﴿هَأَنْتُمْ هَوَّلَآءِ جَدَلْتُمْ عَنْهُمْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَدِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ
اٌلْقِيَامَةِ﴾، ثم دعاهم إلى التوبة، فقال: ﴿ وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ
يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾. ثم ذكر قولَه حينَ قال: أخَذها أبو مُلَيلٍ.
فقال: ﴿وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ, عَلَى نَفْسِدٍ﴾، ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيْئَةً
أَوْ إِنْمَا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ، بَرِيْئًا فَقَدِ أَحْتَمَلَ بُهْتَنَا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾. ثم ذكَر الأنصارَ وإتيانَها(٢)
إياه أن يَنْضَحَ عن صاحبِهم، ويُجَادِلَ عنه، فقال: ﴿لَنَّتِ ظَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَنْ
يُضِلُوكَ وَمَا يُضِلُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمّ وَمَا يَضُرُونَكَ مِن شَىْءٍ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ
الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ ﴾. يَقُولُ: النبوّةً. ثم ذكر مناجاتھم فیما ◌ُرِیدُون أن يُگذِّبوا عن
طُعْمَةَ، فقال: ﴿لَّا خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَدُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَّةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ
أَوْ إِصْلَحِ بَيْنَ النَّاسِ﴾. فلما فضَح اللّهُ طُعْمةَ بالمدينةِ بالقرآنِ ، هرّب حتى أُتَی
مكةَ، فكفَر بعدَ إسلامِه، ونزَل على الحجاجِ بنِ عِلاطٍ(١) السّلَمْىِّ، فنقَب بيتَ
الحجاجِ فأراد أن يَشْرِقَه، فسمِع الحجاجُ خَشْخَشةً فى بيتِه، وقَعْقَعَةَ جلودٍ كانت
عندّه، فنظَر فإذا هو بطُعْمَةَ، فقال: ضيفى وابنُ عمِّى وأُرَدْتَ أن تَشْرِقَنى ! فأخرجه،
فمات بحَرَّةٍ بنى سُلَيم (٤) كافرًا، وأنزل اللَّهُ فيه: ﴿ وَمَن يُتَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ
(١) بعده فى م: ((يقول: يقولون ما لا يرضى من القول)).
(٢) فى الأصل: ((اتباعهم))، وفى م: ((إتيانهم)).
(٣) فى الأصل: ((غلاط)). وينظر سيرة ابن هشام ٣٤٥/٢.
(٤) حرة بنى سليم: موضع فى عالية نجد. ينظر معجم البلدان ٣٢٩/٢.
----------
٠٠

٤٦٨
سورة النساء : الآيتان ١٠٥، ١٠٦
لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إلى قولِه: ﴿وَسَآءَتْ مَصِيرًا﴾ (١).
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُرَيجٍ، عن
عكرمةَ، قال: اسْتَوْدَع رجلٌ مِن الأنصارِ طُعْمَةَ بنَ أُبْتِقَ مَشْرُبةً له فيها درعٌ(١)،
وخرَج فغاب ، فلما قدِمِ الأنصارىُّ فَتَح مَشْرُبتَه فلم يَجِدِ الدّرعَ، فسأل عنها ◌ُعْمَةً بِنَّ
أُتْرِقٍ ، فرمَى بها رجلًا مِن اليهودِ ، يقالُ له : زيدُ بنُّ السمينِ . فتعلَّق صاحبُ الدرعِ
بِطُعْمَةَ فى درعِه؛ فلما رَأى ذلك قومُه أَتَوُا النبيَّ عَمِ، فَكلَّموه(١) لِيَدْرَأ عنه، فهمّ
بذلك، فأنزّل اللَّهُ تبارك وتعالى: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِنَبَ بِآلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ
النّاسِ بِمَآ أَرَئِكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَيِنِينَ خَصِيمًا (﴿ وَأَسْتَغْفِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ
غَفُورًا رَّحِيمًا ﴿ وَلَا تُحَدِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾. يَغنى: طُعمةَ بنَ
أُبَيْرِقٍ وقومَه (٤)، ﴿هَأَنتُمْ هَؤُلَاءِ جَدَلْتُمْ عَنْهُمْ فِى الْحَيَوةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَدِلُ
اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾: محمدٌ عَّهِ وقومُ طُعْمةً.
﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ, ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا زَّحِيمًا﴾ :
محمدٌ وطُعْمَةُ وقومُه، قال ﴿ وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ, عَلَى نَفْسِهِ، ﴾ / الآية:
◌ُعْمَةُ. ﴿ وَمَن يَكْسِبْ خَطِيْنَةٌ أَوْ إِنْمَا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ، بَرِيْئًا﴾ ، يعنى: زيدَ بنّ السمينِ،
﴿ فَقَدِ أَحْتَمَلَ بُهْتَنَا وَإِثْمَا قُّبِينًا﴾: طُعْمَةُ بنُ أَتَتِرِقٍ. ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ
وَرَحْمَتُهُ ﴾ - محمدٌ عليه السلامُ - ﴿لَمَّت طَآئِفَةٌ مِنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا
يُضِلُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمّ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْءٍ﴾: قومُ طُعْمَةً بِنِ أَتَيْرِقٍ. ﴿ وَأَنَزَّلَ
٢٧٠/٥
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٦٣/٤ - ١٠٦٦ (٥٩٤٩، ٥٩٥٩، ٥٩٦٧) مفرقًا من طريق
أحمد بن المفضل به .
(٢) فى ص، س: ((أدرع)).
(٣) فى الأصل: ((فكلمه)).
(٤) فى الأصل: ((قوله)).
CONSUMM ADDEN !!
1133
Swimuun
26 1102 0HEAME

٤٦٩
سورة النساء : الآيتان ١٠٥، ١٠٦
اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمْ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ
عَظِيمًا﴾: محمدٌ. ﴿لَّا خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَئُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ
مَعْرُوفٍ﴾، حتى تَنْقَضِىَ الآيةُ: للناسِ عامةٌ (١). ﴿وَمَن يُشَافِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِمَا
نَبَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية . قال: لما نزل القرآنُ فى طُعْمَةَ بنِ
أُثِقٍ ، لحِقٍ بِقُرَيشٍ ورجَع فى دينه، ثم عدًا على مَشْرُيةٍ للحجاجِ ابنِ عِلَاطِ
البَهْزِىِّ(٢) ثم السُّلَمِيِّ - حليفٌ لبنى عبدِ الدارِ - [٦/١٣ و] فَتَقَبها، فسقَط عليه حجرٌ
فَحِج(٢) ، فلمّا أصبَح أخرَجوه مِن مكةً، فخرَج فلقِى رَكْبًا مِن بَهْراءَ مِن قُضاعةً ،
فعرّض لهم ، فقال: ابنُ سبيلٍ مُنْقَطَعْ به . فحمَلوه حتى إذا جَنَّ عليه الليلُ عَدا عليهم
فسرَقهم ثم انطلقَ، فرجعوا فى طلبِهِ فأدْرَ كوه ، فقذَفوه بالحجارةِ حتى مات .
قال ابنُ جريجٍ: فهذه الآياتُ كلُّها فيه نزلت، إلى قولِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَلَا يَغْفِرُ أَنْ
يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَ﴾. أُنْزِلِت فى ◌ُعْمَةَ بنِ أَبَيْرِقٍ ،
يَقُولون: إنه رَمَى بالدرعِ فى دارٍ أبى مُلَيلٍ بنِ عبدِ اللَّهِ الخزرجىٌّ، فلما نزل القرآنُ لحِق
بِقُرَيشٍ ، فكان مِن أمرِه ما كان(٤) .
حُدِّثت عن الحسينِ بنِ الفرج، قال: سمِعت أبا معاذٍ ، يقولُ : ثنا عبيدُ بنُ
سليمانَ(٥) ، قال: سمِعت الضحاكَ يَقُولُ فى قولِهِ: ﴿لِتَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ بِمَآ أَرَئِكَ
اللَّهُ ﴾. يَقُولُ: بما أَنْزَلَ اللَّهُ عليك وأَراكَه فى كتابِهِ، ونزلت هذه الآيةُ فى رجلٍ مِن
(١) فى الأصل: ((عليه)).
(٢) فى الأصل: ((الفهرى)). وانظر سيرة ابن هشام ٣٤٥/٢.
(٣) لحج بالمكان : لزمه . التاج (ل ح ج).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٨/٢ إلى المصنف وسنيد وابن المنذر.
(٥) فى م: ((سلمان)).

٤٧٠
سورة النساء : الآيتان ١٠٦، ١٠٧
الأنصارِ اسْتُودِع درعًا فجحَد صاحبها، فخوَّنه رجالٌ مِن أصحابٍ نبيِّ اللَّهِ عَّهِ،
فغضِب له قومُه، وأَتَوا نبيَّ اللَّهِ مَّهِ، فقالوا: خوَّنوا صاحبنا وهو أمينٌ مُسَلَّمٌ،
فاغْذِرْه يا نبيَّ اللَّهِ وازْجُوْ(١) عنه. فقام نبىُّ اللَّهِمَلِ فعذَره، وكذَّب عنه، وهو يَرَى
أنه برىءٌ وأنه مكذوبٌ عليه، فأنّزّل اللَّهُ جل ثناؤه بيانَ ذلك فقال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَآ"
إِلَيْكَ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَكَ اللَّهُ﴾، إلى قوله: ﴿أَم مَّن
يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا ﴾ . فيَّن اللَّهُ جل ثناؤه خيانتَه، فلحِق بالمشركين مِن أهلِ
مكةَ، وارتدَّ عن الإسلامِ، فنزَل فيه: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُ
اُلْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إلى قوله: ﴿ وَسَآءَتْ مَصِيرًا﴾(١).
قال أبو جعفرٍ: وأولى التأويلين فى ذلك بما دلَّ عليه ظاهرُ الآيةِ قولُ مَن قال:
کانت خیانتُه التى وصفه اللَّهُ بها فى هذه الآيذ جحوده ما أُودِع؛ لأن ذلك هو
المعروفُ مِن معانى الخياناتِ فى كلامِ العربِ، وتوجيهُ تأويلِ القرآنِ إلى الأشهرِ مِن
معانى كلامٍ [٦/١٣ظ] العرب - ما وُجِد إليه سبيلٌ - أولى مِن غيرِهِ.
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤُه: ﴿ وَلَا تُحَدِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمَّ إِنَّ
(١٠٧)
اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانَا أَثِيمًا
/قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ رحمه اللَّهُ: يَغنى بذلك جلَّ ثناؤه: ﴿ وَلَا
تُجَدِلْ﴾ يا محمدُ فتُخاصِمْ ﴿عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾، يَغْنى: يخوّنون
أنفسَهم؛ يَجْعَلُونها خَوَنةٌ بخيانتهم ما خانوا مِن أموالٍ مَن خانوه(١) مالَه ( ، وهم بنو
٢٧١/٥
(١) فى الأصل: ((أوجر)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٨/٢، ٢١٩ إلى المصنف.
(٣) فى ص: (( حابوه).
(٤) فى الأصل: ((مالهم)).
HARVARD COLLEGE LIBRARY - WIDEMED : IFATT

٤٧١
سورة النساء : الآيتان ١٠٧، ١٠٨
أَتَيْرِقٍ ، يقول: لا تُخاصِمْ عنهم مَن طالَبَهم بحقوقِهم، وما خانوه فيه مِن
أموالهم، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُ مَن كَانَ خَوَّنَا أَشِيمًا﴾، يَقُولُ: إن اللَّهَ لا يُحِبُ
مَن كان مِن صفتِه خيانةُ الناسِ فى أموالهم، وركوبُ الإثم فى ذلك وغيرِه مما حرَّمه
اللهُ عليه .
وبنحوِ الذى قُلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ، وقد تقدَّم ذكرُ الروايةِ عنهم .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاق ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ: ﴿ وَلَا تُحَدِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾. قال: اخْتَان رجلٌ(" عمَّاله
درعًا، فقذَف بها يهوديًّا كان يَغْشاهم، فجادَل عمّ الرجلِ قومَه، فكان النبيُّ عَّ
عذَّره ، ثم لحق بأرضِ الشركِ، فنزلت فيه: ﴿ وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ
لَهُ الْهُدَى﴾().
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه : ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ
وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ [٧/١٣و] مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِّ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ
مُحِيطًا
قال أبو جعفرٍ ، رحمه اللَّهُ: يَغْنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ﴾:
يَسْتَخْفِى هؤلاء الذين يَخْتَانُون أنفسَهم ما أتَوا(١) مِن الخيانةِ وركِبوا مِن العارِ والمعصيةِ
مِن الناسِ الذين لا يَقْدِرون(٤) لهم على شىءٍ إلا ذكرَهم بقبيح ما أتَوا (٢) من فعلهم،
وشَنيعٍ ما ركبوا مِن مجزيهم إذا اطلعوا عليه، حياءً منهم وحذرًا مِن قبيح الأخدوثةِ.
(١) فى ص، ت ٢، س: ((له)).
(٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٧٢.
(٣) فی ص، م، ت ٢، س: ((أوتوا)).
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، س: ((يعذرون)).

٤٧٢
سورة النساء : الآية ١٠٨
﴿ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ الذى هو مطّلعٌ عليهم، لا يَخْفَى عليه شىءٌ مِن
أعمالِهِم، وبيَدِه العقابُ والتَّكالُ وتعجيلُ العذابِ، وهو أحقُّ أن يُشْتَحْيا منه مِن
غيرِهِ، وأولى بأن يُعَظِّمَ ؛ بأن لا يراهم حيثُ يَكْرَهون أن يراهم أحدٌ مِن خلقِه،
﴿ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ ، يعنى: واللَّهُ شاهدُهم، ﴿إِذْ يُبَيْتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ .
يَقُولُ: حين يُسِرُون(١) ليلاً ما لا تَرْضى اللَّهُ مِن القولِ فِيُغَيِرونه عن وجهِهِ، ويَكْذِبون
فيه . وقد بيّنا معنى التَّبيتِ فى "غيرِ هذا الموضع(٢)، وأنه كلَّ كلام أو أمرٍ أُصلِح
ليلًا. وقد محكِى عن بعضِ الطائيّين أن النَّبِيتَ فى٢) لغتهم التَّبديلُ، وأنشدً
للأسودِ(٤) بن عامرِ بنِ مُوَينٍ(٥) الطائى فى معاتبة رجلٍ :
وبيِّتَّ قَوْلِيَ عبدَ(١) المليــكِ قَاتَلَك(٧) اللَّهُ عبدًا كَنودًا(٨)
بمعنى : بدَّلت قولى .
ورُوِى عن أبى رزينٍ أنه كان يَقولُ فى معنى قوله: يُتون : يُؤَلِّفون .
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن
الأعمشِ، عن أبى رَزينٍ: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾. قال : يُؤَلِّفون ما لا
يَرْضَى مِن القولِ .
(١) فى م، ص، ت ١، ت ٢، س: ((يسوون)).
(٢ - ٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س.
(٣) انظر ما تقدم فى : ٢٤٦، ٢٤٧.
(٤) فى ص، ت ٢، س: ((الأسود)).
(٥) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س: ((جرير)). وانظر الاشتقاق ص ٣٩١، والخزانة ٥٣/١، ٥٤.
(٦) فى الأصل: ((عند)).
(٧) فى ص، ت ١، س: ((فأملك)).
(٨) البيت فى التبيان ٣١٩/٣.

٤٧٣
سورة النساء : الآيتان ١٠٨، ١٠٩
٢٧٢/٥
/حدّثنا أحمدُ بنُ سنانٍ الواسطئُ ، قال : ثنا أبو یحیی احمانئُ ، عن سفيان ، عن
الأعمش، عن أبى رَزينٍ بنحوِه(١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقٍ ، قال : أخبرنا الثورىُّ، عن
الأعمش ، عن أبی رَزینٍ مثلَه .
قال أبو جعفرٍ: وهذا القولُ شبيهُ المعنى بالذى [٧/١٣ظ] قلناه، وذلك أن
التأليفَ هو التسويةُ(٢) والتغييرُ(٣) عما هو به، وتحويلُه عن معناه إلى غيرِه.
وقد قيل: عنّى بقوله: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾:
الرهطَ الذين مشَوا إلى رسولِ اللهِ وَ لَّهِ فى مسألةِ المدافعةِ عن ابنٍ(٤) أَتَتِرِقٍ والجدالِ
عنه، على ما قد ذكّرنا قبلُ فيما مضَى عن ابنِ عباسٍ وغيرِهِ. ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا
يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾. يَغْنى جلَّ ثناؤه: وكان اللَّهُ بما يَعْمَلُ هؤلاء الْمُسْتَخْفُون مِن
الناسٍ فيما أَتَوا(٥) مِن جزمِهم، حياءً منهم مِن تَثْبِهم ما لا يَرْضَى مِن القولِ وغيرِه مِن
أفعالِهم. ﴿ مُحِيطًا﴾: مُخْصِيًّا، لا يَخْفَى عليه شيءٌ منه، حافظًا لذلك عليهم،
حتى يُجازِيَهم عليه جزاءهم .
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿هَأَنتُمْ هَؤُلَاءٍ جَدَلْتُمْ عَنْهُمْ فِى الْحَيَزَة
﴾
(١٠٩)
اُلُّنْيَا فَمَن يُجَدِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ بَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا
٠
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٦١/٤ (٥٩٤١) عن أحمد بن سنان به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢١٩/٢ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد.
(٢) فى الأصل: ((البيتوتة)).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢: ((التعبير)).
(٤) فى النسخ: ((بنى)). وما أثبتناه اعتمادا على السياق ودلالة الآثار السابقة.
(٥) فی ص، م، س: «أوتوا)).

٤٧٤
سورة النساء : الآيتان ١٠٩، ١١٠
قال أبو جعفرٍ، رحِمه اللَّهُ: يَغْنى جل ثناؤه بقوله: ﴿هَكَأَنتُمْ هَؤُلَاءٍ جَدَلْتُمْ
عَنْهُمْ فِى الْحَيَوِ الذُّنْيَا﴾. ها أنتم الذين جادلتم يا معشرَ مَن جادَل عن بنى أُبَيْرِق
فى الحياةِ الدنيا - والهاءُ والميمُ فى قولِهِ: ﴿عَنْهُمْ﴾ مِن ذكرِ الخائنين - ﴿ فَمَنْ
يُجَدِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ﴾، يَقُولُ: فمَن ذا يُخاصِمُ اللَّهَ عنهم ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، أى
يومَ يَقُومُ الناسُ مِن قُبُورِهم لمحشِهم فيُدَافِعُ عنهم ما اللَّهُ فاعلٌ بهم ومعاقبهم به ؟ وإنما
يَعْنى بذلك جل ثناؤه: أنكم أيُّها المدافِعون عن هؤلاء الخائنين أنفسَهم ، وإن دافَعْتم
عنهم فى عاجلِ الدنيا ، فإنهم سيصِيرون فى آجلِ الآخرةِ إلى مَن لا يُدَافُ عنهم
عندَه(١) أحدٌ فيما [٨/١٣و] يَحِلِّ بهم مِن أليمِ العذابِ ونَكالِ العقابِ.
وأما قولُه: ﴿أَمْ تَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾. فإنه يَغْنى: ومَن ذا
الذى يَكُونُ على هؤلاء الخائِنين وكيلًا يومَ القيامةِ ، أى ومَن يَتَوكَّلُ لهم فى خصومةِ
ربِّهم عنهم يومَ القيامةِ. وقد بيًّّا معنى الوكالةِ فيما مضَى(٢)، وأنها القيامُ بأمرٍ مَن
توگّلَ له.
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤُه: ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ سُوْءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ, ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ
اُللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا (
(aD)
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ، رحِمه اللَّهُ: يَغْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ومَن يَعْمَلْ
ذنبًا - وهو السوءُ - أو يَظْلِمْ نفسَه بإكسابِه(٣) إياها ما يَسْتَحِقُّ به عقوبةَ اللَّهِ، ﴿ ثُذّ
يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾. يَقُولُ: ثم يَتُوبُ إلى اللَّهِ بإِنايتِه مما عمِل مِن السوءِ وظلمِ نفسِه،
ومراجعةٍ / ما يُحِبُّه اللَّهُ مِن الأعمالِ الصالحةِ التى تَمْحو ذنبَه وتُذْهِبُ مُرمَه،
٢٧٣/٥
(١) فى الأصل: ((غيره)).
٠
(٢) تقدم فى ٢٤٥/٦ .
(٣) فى الأصل، ت ١، س: (( باكتسابه)).

٤٧٥
سورة النساء : الآية ١١٠
﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا زَّحِيمًا﴾. يَقُولُ: يَجِدِ اللَّهَ ساترًا عليه ذنته بصفحِه له عن
عقوبة(١) مجزمه ، رحيمًا به .
واختلف أهلُ التأويلِ فيمن عُنِى بهذه الآيةِ ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بها الذين
وصفَهم اللَّهُ بالخيانةِ بقولِه: ﴿ وَلَا تُحَدِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ﴾
وقال آخرون: ◌ُنِى بها الذين كانوا(١) يجادلون عن الخائنين الذين قال اللَّهُ لهم:
﴿هَأَنْتُمْ هَؤُلَاءٍ جَدَلْتُمْ عَنْهُمْ فِىِ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا﴾. وقد ذكرنا قائلى القولَين
كليهما فيما مضَى .
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندَنا: أنه عُنِى بها كلُّ مَن عمِل سُوءًا أو ظلَم
نفسَه، وإن كانت نزلت فى أمرٍ الخائنين والمجادلين عنهم ، الذين ذكَر اللَّهُ أمرّهم فى
الآياتِ قبلَها .
وبنحوِ الذى قُلْنا فى ذلك قال جماعةٌ [٨/١٣ظ] مِن أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُّ المثنى، قال : ثنا ابنُ أبى عدىٍّ، عن شعبةَ، عن عاصمٍ، عن
أبى وائلٍ، قال: قال عبدُ اللَّهِ: كانت بنو إسرائيلَ إذا أصاب أحدُهم ذنبًا أصبح قد
كُتِب كفارةُ ذلك الذنبِ على بابِهِ، وإذا أصاب البولُ شيئًا منه قرّضه بالمقراضِ().
فقال رجلٌ : لقد آَتَّى اللَّهُ بنى إسرائيلَ خيرًا. فقال عبدُ اللَّهِ: ما آتاكم اللّهُ خيرٌ مما آتاهم؛
جعَل اللَّهُ الماءَ لكم طهورًا، وقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَحِشَةً أَوْ ظَلَمُوْ أَنفُسَهُمْ
(١) فى م: ((عقوبته)).
(٢) سقط من : م ..
(٣) فى الأصل: ((بالمقراضين)).
--

٤٧٦
سورة النساء : الآيتان ١١٠، ١١١
ذَكَرُوا اللَّهَ فَأَسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥]. وقال: ﴿ وَمَن يَعْمَلْ سُوَءًا أَوْ
يَظْلِمْ نَفْسَهُ, ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾(١).
حدَّثنى يعقوبُ ، قال: ثنا هشيمٌ، قال : ثنا ابنُ عونٍ ، عن حبيبٍ بن أبى ثابتٍ ،
قال: جاءت امرأةٌ إلى عبدِ اللهِ بنِ مُغَفِّلٍ(٢) ، فسألته عن امرأةٍ فجَرت فحَبِلت ، فلما
ولَدت قتَلت ولدَها، قال: فقال ابنُ مُغَفَّلِ(١) مالها! لها النارُ. فانصَرَفت وهى تَبْكى
فدَعاها، قال: ثم قال: ما أرى أمرَك إلا أحد أمرين: ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ سُوْءًا أَوْ يَظْلِمْ
نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. قال: فمسَحت عينَها ثم
(٣)
مضَت(٣).
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىّ،
عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ, ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ
يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. قال: أخبر اللَّهُ عبادَه بحلمِه وعفوِه وكرَمِه ، وسّعةٍ
رحمته ومغفرته، فمن أذنبَ ذنبًا - صغيرًا كان أو كبيرًا - ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ
يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾، ولو كانت ذنوبُه أعظمَ مِن السمواتِ والأرضِ
(٤)
والجبالِ (٤).
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ, عَلَى نَفْسِهِ،
[٩/١٣ ] وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللَّهُ : يَغْنى بذلك جلَّ ثناؤه : ومَن يأتِ ذنبًا على عمدٍ منه
(١) أخرجه معمر فى جامعه (٢٠٢٧٤) والطبرانى (٨٧٩٤) والبيهقى فى الشعب (٧١٤٣) عن أيوب عن
ابن سيرين به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٩/٢ إلى عبد بن حميد.
(٢) فى الأصل، ت ١، ت ٢، س: ((معقل)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٩/٢ إلى المصنف.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٩/٢ إلى المصنف وابن المنذر.

٤٧٧
سورة النساء : الآيتان ١١٢،١١١
له " ومعرفةٍ به١)، فإنما يَجْتَرِعُ(٢) وبالَ ذلك الذنبِ وضُرَّه وخِزْيَه وعارَه على نفسِه
دونَ غيرِهِ مِن سائرٍ خلقِ اللَّهِ . يَقُولُ: فلا تجادلوا أيُّها الذين تجادلون عن هؤلاء
/ الخونةِ، فإنكم وإن كنتم لهم عشيرةً وقرابةً وجيرانًا برآءُ مما أتَوه مِن الذنبِ ومِن
التبعةٍ(٢) التى يُتْتَعون(٤) بها، فإنكم متى دافَعتم عنهم أو خاصَمتم بسببهم كنتم
مثلَهم ، فلا تُدافعوا عنهم ولا تخاصِموا .
٢٧٤/٥
وأما قولُه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. فإنه يَغْنى: وكان اللَّهُ عالماً بما تَفْعلون
أيُّها المجادلون عن الذين يَخْتانون أنفسَهم فى جدالكم عنهم وغير ذلك مِن أفعالِکم
وأفعالٍ غیر کم، وهو يُخصِیھا علیکم وعلیھم، حتی یجازِی جمیعكم بها
﴿ حَكِيمًا﴾. يقولُ: وهو حكيم بسياستِكم وتدبيرٍ كم وتدبيرِ جميعِ خلقِه .
وقيل : نزلت هذه الآيةُ فى بنى أَتَتْرِقٍ ، وقد ذكّرنا مَن قال ذلك فيما مضَى قبلُ .
القولُ فى تأويل قولِه جل ثناؤه: ﴿ وَمَن يَكْسِبْ خَطِيّئَةٌ أَوْ إِنْمَا ثُمَّ يَرْمٍ بِهِ، بَرِّئًا
﴾ .
فَقَدٍ أَحْتَمَلَ بُهْتَنَّا وَإِثْمًا مُّبِينًا
قال أبو جعفر محمدُ بنُ جريرٍ رحِمه اللَّهُ: يَغْنى بذلك جلَّ ثناؤه: ومَن يَعْمَلْ
خطيئةٌ، وهى الذنبُ ، أو إثمًا، وهو ما لا يحلُّ مِن المعصيةِ.
وإنما فرّق بينَ الخطيئةِ والإثم؛ لأن الخطيئةَ قد تَكُونُ مِن قِتَلِ العمدِ
وغيرِ العمدِ ، والإثمُ لا يَكُونُ إِلا مِن العمدِ، ففصَل جلَّ ثناؤُه لذلك بينَهما ، فقال:
[٩/١٣ ظ] ومَن يَأْتِ خَطيئةٌ على غيرِ عمدٍ منه لها، أو إثمًا على عمدٍ منه، ﴿ثُمَّ يَرْمِ
(١ - ١) فى الأصل: ((مغفرة له)).
(٢) فى الأصل: ((يحرج)).
(٣) فى ت ١، س: ((البيعة)).
(٤) فى ت ١: ((يبيعون).
--------- ------ -- I'mIS. . -

٤٧٨
سورة النساء : الآية ١١٢
بِهِ، بَرِيّنًا﴾ (١) . يَعْنى: ثم يُضيفُ(٢) (٣) ما أتَى) مِن خطئِه أو إثمِه الذى تَعَمَّده بريئًا مما
أضافه إليه، ونحَله إياه، ﴿فَقَدٍ أَحْتَمَلَ بُهْتَنَا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾. يَقُولُ: فقد تَحقَّلَ
بفعلِه ذلك فِيةً وكذبًا وَإثمًا عظيمًا، يقولُ: ومجرمًا عظيمًا على علمٍ منه وعَمْدٍ لما
أتی مِن معصيته وذنبه .
واختلف أهلُ التأويلِ فيمن عنَى اللَّهُ بقولِه: ﴿بَرِيًّا﴾. بعدَ إجماعٍ جميعهم
على أن الذى رمَى البرىءَ بالإثم الذى كان أتاه ابنُ أَبَتْرِقٍ: الذى وصَفنا شأنه قبلُ ؛
فقال بعضُهم: عتَى اللَّهُ عزَّ وجلَّ بالبرىءِ رجلًا مِن المسلمين يُقالُ له : لبيدُ بنُ سهلٍ .
وقال آخرون : بل عنی به رجلاً مِن الیھودِ يُقالُ له : زیدُ بنُ السّمِین. وقد ذكرنا
الروايةَ عمن قال ذلك فيما مضَى، وممن قال : كان يَهُوديًّا ، ابنُ سيرينَ .
حدَّثنى محمدُ بنُّ عمرٍو، قال: ثنا غُنْدَرّ، عن شعبةً، عن خالدِ الحذاءِ ، عن ابنٍ
سيرينَ: ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ، بَرِيِّنًا﴾، قال: يهوديًّ (٤) .
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا بَدَلُ بنُ المحبَِّ، قال: ثنا شعبةُ، عن خالدٍ
الحذَّاءِ، عن ابنٍ سِيرينَ مثلَه (٤) .
وقيل: ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ، بَرِيِنًا﴾، بمعنى: ثم يَرْمِ بالإثمِ الذى أتى هذا الخائنُ مَن
هو برىءٌ مما رمَاه به ، فالهاءُ فى قولِه ﴿بِهِ﴾ عائدةٌ على الإثم، ولو جُعِلت كنايةٌ مِن
ذكرِ الإثمِ والخَطيئةِ كان جائزًا؛ لأن الأفعالَ وإن اختلفت العباراتُ عنها فراجعةً إلى
(١) بعده فى م: ((يعنى بالذى تعمده برينا).
(٢) فى م: ((يصف).
(٣ - ٣) فى ص، ت ١، ت ٢، س: ((ما له)). وبعده فى الأصل: ((من أتى)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٦٣/٤ (٥٩٥٢) من طريق شعبة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٢٠/٢ إلى ابن المنذر.

٤٧٩
سورة النساء : الآيتان ١١٣،١٢٢
معنى واحدٍ بأنها فعلٌ .
وأما قولُه: ﴿فَقَدٍ أَحْتَمَلَ بُهْتَنَّا وَإِثْمًا مُِّينًا﴾. فإن معناه: فقد تَحَتَّل هذا
الذى رمَى بما أتى من المعصية ، وركب من الإثم والخطيئة من هو برىء مما رماه به مِن
ذلك ﴿بُهْتَنَا﴾ - وهو الفِرْيةُ والكَذِبُ - ﴿ وَإِثْمًا / ◌ُبِينًا﴾، يَغْنى: وِزرًا (١)
مبينًا ، يعنى أنه يُبِينُ عن أمرٍ مُتَحمِّلِه(٢) ومجرأتِه على ربِّه، وتَقَدُّمِه على خلافِه فيما نهاه
عنه لمن يَغْرِفُ أمرّه .
٢٧٥/٥
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه: ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَّمَّت
طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُوكَ وَمَا يُعِلُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُونَكَ مِن شَىْءٌ
وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمْ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ
عَلَيْكَ عَظِيمًا
قال أبو جعفرٍ، رحِمه اللَّهُ: يَغْنى بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ الَّهِ عَلَيْكَ
وَرَحْمَتُهُ﴾. ولولا أن اللَّهَ تَفَضَّل عليك يا محمدُ فعصَمك بتوفيقه وتبيانِه لك أمرَ
هذا الخائنِ، فكَفَّفْتَ لذلك عن الجدالِ عنه، ومدافعةِ أهلِ الحقِّ عن حقِّهم قِبَلَه،
﴿لَّمَّت ظَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾. يَقُولُ: لهمَّت فرقةٌ منهم، يغنى: مِن هؤلاء الذين
يَخْتَانُون أنفسهم ﴿ أَن يُضِلُوكَ﴾. يَقُولُ: يُزِلَّك عن طريقِ الحقِّ، وذلك
التلبيسِهم أمرَ الخائنِ عليه عَِّ، وشَهادتهم للخائنِ عندَه بأنه برىءٌ مما ادَّعِى
عليه ، ومسألتِهم إياه أن يَعْذِرَه، ويَقُومَ بمعذِرتِهِ فى أصحابِهِ ، فقال اللَّهُ تبارك وتعالى:
وما يُضِلُّ هؤلاء الذين همُّوا بأن يُضِلوك عن الواجبٍ مِن الحكم فى أمرٍ هذا الخائنِ
درعَ جارِه ، إلا أنفسَهم .
(١) فى الأصل: ((زورا)).
(٢) فى م: ((عمله)).

٤٨٠
سورة النساء : الآية ١١٣
فإن قال قائلٌ: وما كان وجهُ إضلالِهم أنفسهم؟ قيل: وجهُ إضلالهم
أنفسَهم : أخذُهم بها فى غيرٍ ما أباح اللَّهُ لهم الأخذَ بها فيه مِن سُئلِه، وذلك أن اللّهُ
جلَّ ثناؤه قد كان تَقَدَّم إليهم فيما تَقَدَّم فى كتابِهِ على لسانِ رسولِه مَِّ إلى خلقِه،
بالنهي عن التعاون على الإثمِ والعُدْوانِ ، والأمرِ بالتعاونِ على الحقِّ، فكان مِن
الواجبِ اللَّهِ على من سعى فى أمرِ الخائنين الذين وصَف اللَّهُ أمرَهم بقوله: ﴿وَلَا
تَّكُنْ لِلْخَيِنِينَ خَصِيمًا﴾، معاونةُ مَن ظلَموه دونَ مَن [١٠/١٣] خاصَمهم إلى
رسولِ اللَّهِ عَّمِ فى طلبٍ حقٌّه منهم، فكان سعيُهم فى معونتهم دونَ معونةٍ مَن
ظلّموه، أخذًا منهم فى غيرٍ سبيلٍ اللَّهِ، وذلك هو إضلالُهم أنفسَهم ، الذى وصَفه
اللَّهُ فقال: ﴿وَمَا يُضِلُونَ إِلَّ أَنفُسَهُمّ وَمَا يَضُرُونَكَ مِن شَىْءٍ﴾. يقولُ: وما
يَضُرُّك هؤلاء الذين همُّوا بك أن يُزِلُّوك عن الحقِّ فى أمرٍ هذا الخائنٍ مِن قومِه وعشيرتِه
مِن شىءٍ؛ لأن اللَّهَ مُثَبِّتُك ومسدِّدُك فى أمورِك، ومبينٌ لك أمرَ مَن سعَوا فى
إضلالِك عن الحقِّ فى أمرِه وأمرهم، ففاضِخُه وإياهم .
وقولُه: ﴿ وَأَنَزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَبَ وَاَلْحِكْمَةَ﴾. يَقُولُ: ومِن فضلِ اللَّهِ
عليك يا محمدُ مع سائرِ ما تَفَضِّل به عليك مِن نعمِه ، أنه أنزل عليك أيضًا الكتابَ ،
وهو القرآنُ الذى فيه تِبيانُ كلِّ شيءٍ وهدّى وموعظةٌ، و﴿ وَاَلْحِكْمَةَ﴾، يَعْنى:
وأنزل عليك مع الكتاب الحكمةً ، وهی بیانُ ما كان فى الكتاب مجملًا ذكره، مِن
حلالِه وحرامِه، وأمرِه ونهيِهِ وأحكامِه، ووعدِه ووعيدِه، ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ
تَعْلَمْ﴾ مِن خبرِ الأولين والآخرين، وما كان وما هو كائنٌ(١) ، فكل ذلك من فضلٍ
اللَّهِ عليك .
(١) بعده فى ص، م، ت !، ت ٢، س: ((قبل)).
HARVARD COLLEGE LIBRARY . WASA