Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
سورة النساء : الآية ٣٧
واقدٍ أبى رجاءِ الهَرَوىّ، قال: لا تَجِدُهُ(١) سيِّئَّ المَلَكَةِ إلا وجَدْتَه مختالًا فخورًا .
وتلا: ﴿ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَشُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾. ولا عاقًّا
إلا وجَدْتَه جبَّارًاشقيًّا. وتلا: ﴿وَبَرَّا بِوَلِدَتِ وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّارًا شَفِيًّا﴾ [مريم: ٣٢].
(٢)
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ
وَيَكْثُونَ مَآ ءَاتَنَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾.
٨٥/٥
/ يعنى بذلك جلّ ثناؤه: إن اللَّهَ لا يُحِبُّ المختالَ الفخورَ، الذى يَتْخَلُ وَيَأْمُرُ
الناسَ بالبخلِ ، فـ ﴿ الَّذِينَ﴾ يَحْتَمِلُ أن يكونَ فى موضعِ رفعٍ ردًّا على ما فى قوله :
﴿ فَخُورًا﴾ مِن ذكرٍ(٢)، ويَخْتَمِلُ أن يكونَ نصبًا على النعتِ لـ((مَن)).
والبخلُ فى كلامِ العربِ: منعُ الرجلِ سائلَه ما لديه وعندَه مِن فضلٍ عنه .
كما حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن
ابنِ طاوسٍ عن أبيه فى قوله: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ [٥٥٤٤/١] وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ
بِالْبُخْلِ﴾. قال: البخلُ أن يَتْخَلَ الإنسانُ بما فى يديه ، والشُّحُ: أن يَشِعَّ على ما
فى أيدى الناسِ. قال : يُحِبُّ أن يكونَ له ما فى أيدى الناس بالحلِّ والحرامِ، لا
(٥)
يَقْنَعُ(٥).
واختلفت القَرَأَةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ﴾؛ فقرَأتْه
عامَّةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ : ( بالبَخَلِ ) بفتحِ الباءِ والخاءِ ، وقرأتْه عامَّةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ
(١) فى م والدر المنثور وتفسير ابن كثير: ((تجد)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٢/٢ إلى المصنف. وذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٦٥/٢ عن المصنف.
(٣) فى م: ((ذم)).
(٤) كذا فى النسخ، ولعل صوابها ((ما))، وينظر تعليق الشيخ شاكر عليها .
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٥١/٣ (٥٣١٨) من طريق ابن جريج به. إلى قوله: ((يديه))، وأخرجه
المُزى فى تهذيب الكمال ٣٦٤/٣ معلقا عن ابن جريج به .
- - *

٢٢
سورة النساء : الآية ٣٧
وبعضُ البصريين بضمِّ الباء: ﴿بِالْبُخْلِ﴾ (١. وهما لغتان فصيحتان بمعنَّى واحدٍ،
وقراءتان معروفتان ، غيرُ مختلفتَى المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فهو مصيبٌ فى
قراءته .
وقد قيل: إن اللَّهَ جل ثناؤه عتَى بقوله: ﴿ اُلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ
بِاَلْبُخْلِ﴾. الذين كتَموا اسمَ محمدٍ عَلِّ وصفتَه مِن اليهود، ولم يُّوه للناسِ،
وهم يَجِدُونه مكتوبًا عندهم فى التوراة والإنجيلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المُغْتَمِرُ بنُ سليمانَ ، عن أبيه، عن
الحَضْرَمِيِّ: ﴿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِلْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآ ءَاتَلُهُمُ
اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾. قال: فهم اليهودُ، بخِلوا بما عندَهم مِن العلمِ وكتَموا ذلك(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عَمٍو، قال : ثنا أبو عاصمٍ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ
يَلْبُخْلِ﴾. إلى قوله: ﴿وَكَانَ اَللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾. ما بين ذلك فى يهودَ(١).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نَجيحٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ
وَيَأْمُونَ النَّاسَ يَلْبُخْلِ﴾. وهم أعداءُ اللَّهِ أهلُ الكتابِ، بِلوا بحقِّ اللَّهِ
(١) قرأ حمزة والكسائى بفتحتين وقرأ الباقون بضم الباء وإسكان الخاء، ومثله فى الحديد. الكشف ٣٨٩/١.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٢/٢ إلى المصنف.
(٣) تفسير مجاهد ص ٢٧٦، بنحوه، ومن طريقه أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٥٣/٣ (٥٣٢٨)،
وعزاه السيوطى أيضًا فى الدر ١٦٢/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
٠٠
i

----
٢٣
سورة النساء : الآية ٣٧
عليهم، وكتّموا الإسلامَ ومحمدًا عَظله، وهم يَجِدُونه مكتوبًا عندهم فى التوراةٍ
(١)
والإنجيلِ(١).
حدَّثنا محمدُ بنُّ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن
الشُّدِّىّ: أمَّا ﴿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾، فهم اليهودُ،
﴿وَبَكْثُونَ مَآ ءَاتَلُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾: اسمَ محمدٍ عَمٍ، (٢ وأما٢)
﴿ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُغْلِ﴾: يَتْخَلون باسم محمدٍ عَّهِ ، ويَأْمُؤُ
بعضُهم بعضًا بكتمانِه(١) .
حدّثنا محمدُ بنُ مسلم الرازىُّ : قال : ثنی أبو جعفرٍ الرازى، قال : ثنا یحیی ،
(٤ عن عارم)، عن أشعثَ،/ عن جعفرٍ، عن سعيدِ بنِ تجبيرٍ فى قوله: ﴿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ٨٦/٥
وَيَأْمُونَ النَّاسَ بِاَلْبُفْلِ﴾. قال: هذا للعلمِ، ليس للدنيا منه شىءٍ(٢).
حدَّثنى يونشُ، قال: أخبرنا ابنُ وهب قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿ اُلَّذِينَ
يَبْخَلُونَ وَيَأْمُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾. قالْ": هؤلاء يهودُ، وقرأ:
﴿وَيَكْثُونَ مَآ ءَاتَلُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾. قال: يَتْخَلون بما آتاهم اللَّهُ مِن
الرزقٍ، ويَكْتُمون ما آتاهم اللَّهُ مِن الكتبِ، إذا سُئلوا عن الشىءٍ وما أنْزَل اللَّهُ
كتَموه . وقرّأ: ﴿ أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلِّكِ فَإِذَا لَّا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيْرًا﴾ [النساء: ٥٣].
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣/ ٩٥٢، ٩٥٣ (٥٣٢١، ٥٣٢٦) من طريق يزيد بن زريع به ، وعزاه
السيوطى أيضًا فى الدر المنثور ٢/ ١٦٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢ - ٢) فى م: ((أو)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٥٢/٣ (٥٣٢٠) من طريق ابن المفضل به مختصرًا .
(٤ - ٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((بن تمام)). والذى يروى عنه أبو جعفر الرازى هو يحيى بن
مسلم البكاء. وانظر تهذيب الكمال ٥٣٣/٣١، ٥٣٤.
(٥ - ٥) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٥١/٣ (٥٣١٦) من طريق أشعث به.

٢٤
سورة النساء : الآية ٣٧
مِن بخلھم .
حدَّثنا ابنُّ محُميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ ، عن محمدٍ بنٍ أبى
محمدٍ ، عن عكرمةً أو عن سعيد بن جبيرٍ ، عن ابنِ عباسٍ ، قال: كان كَرْدَمُ بنُ
زيدٍ - حليفُ كعبٍ بنِ الأشرف - وأسامةُ بنُّ حَبيبٍ ونافعُ بنُّ أبی نافعٍ ، وبَخریُ بنُ
عَمْرٍو ، وحُتِىُّ بِنُ أَخْطَبَ ، ورفاعةُ بنُّ زيدِ بنِ التابوتِ ، يأتون رجالاً مِن الأنصارِ -
وكانوا يُخالِطُونهم، يَتَنصَّحون لهم - مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ ◌َاته ، فيقولون لهم:
لا تُنْفِقوا أموالكم، فإِنَّا نَخْشَى عليكم الفقرَ فى ذَهابِها، ولا تُسارِعوا فى النفقةِ ،
فإنكم لا تَدْرُون ما يكونُ . فَأَنْزَل اللَّهُ فيهم: ﴿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ
بِاَلْبُخْلِ وَيَكْتُونَ مَآ ءَاتَدُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾. أى مِن النبوّةِ التى فيها تصديقُ
ما جاء به محمدٌ عَّه. ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾. إلى قوله: ﴿ وَكَانَ
اَللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾(١).
فتأويلُ الآيةِ على التأويلِ الأولِ: واللَّهُ لا يُحِبُّ ذَوِى الخُلاءِ والفخرِ الذين
يَتْخَلون بتبيين ما أمرهم اللَّهُ بتبيِينِهِ للناسِ مِن اسمِ محمدٍ عٍَّ ونعتِه وصفتِه التى أُنْزَلها
فى كتبِه على أنبيائه، وهم به عالمون، ويَأْمُرون الناسَ الذين يَعْلَمون ذلك، مثلَ
علمِهم ("بكتمانِهِ مَن٣ْ) أمرهم اللَّهُ بتبِيِه له، ويَكْتُمون ما آتاهم اللهُ مِن علمٍ ذلك
ومعرفتِهِ مَن حرَّم اللَّهُ عليه كتمانَه إِيَّاه .
وأمَّا على تأويلِ ابنِ عباسٍ وابنٍ زيدٍ : إن اللّهَ لا يُحِبُّ مَن كان مُختالا فخورًا ،
(١) انظر تبيان الطوسى ١٩٦/٣.
(٢) أخرجه ابن إسحاق كما فى الدر المنثور ٢/ ١٦٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٥٣/٣ (٥٣٢٧)
من طريق سلمة به مختصرا، وعزاه السيوطى أيضًا فى الدر المنثور ١٦٢/٢ إلى ابن المنذر.
(٣ - ٣) فى م: ((بكتمان ما)).

٢٥
سورة النساء : الآية ٣٧
الذين يَبْخَلون على الناسِ بفضلٍ ما رزَقهم اللَّهُ مِن أموالهم. ثم سائر تأويلهما وتأويلٍ
غيرهما سواءٍ .
وأَوْلَى الأقوالِ بالصوابِ فى ذلك ما قاله الذين قالوا : إن اللَّهَ وصَف هؤلاءٍ
القومَ الذين وصَف صفتَهم فى هذه الآيةِ بالبخلِ، بتعريفِ مَن جهِل أمرَ
محمدٍ عَِّ، أنه حقٍّ، وأن محمدًا للَّهِ نبيٌّ مبعوثٌ، وغيرَ ذلك مِن الحقِّ الذى كان
الله تعالی ذ کژه قد بئّنه فیما أوخی إلی أنبيائه مِن کتبه، فبخل بتبنه للناس هؤلاء،
وأمروا من کانت حاله حالهم فى معرفتهم به أن یکْتُموه من جهل ذلك ، ولا يُبيِّنوه
للناس .
وإنما قلنا: هذا القولُ أَوْلَى بتأويلِ الآيةِ ؛ لأن اللَّهَ جل ثناؤه وصَفهم بأنهم
يَأْمُرون الناسَ بالبخلِ ، ولم يَتْلُغْنا عن أُمَّةٍ مِن الأمم أنها كانت تَأْمُرُ الناسَ بالبخلِ دِيانةً
ولا تَخَلُقًا، بل ترَى ذلك قبيحًا، ويُذَمُّ فاعلُه، ولا يُمْتَدَيحُ؛ [٥٤٤/١ظ] وإن هى
تخلَّقت بالبخلِ واسْتَعْمَلته فى أنفسِها ، فالسخاءُ والجودُ تَعُدُّه مِن مكارمِ الأفعالِ،
وتَحُتُّ عليه، ولذلك قلنا: إن بخلَهم الذى وصَّفهم اللَّهُ به، إنما كان بخلاً بالعلمِ
الذى كان اللَّهُ / آتاهموه، فبخِلوا بتبيينِه للناسِ، وكتموه دونَ البخلِ بالأموالٍ، إلا ٨٧/٥
أن يكونَ معنى ذلك : الذين يَتْخَلون بأموالهم التى يُنْفِقُونها فى حقوقِ اللَّهِ وسیلِه ،
ويَأْمُرون الناسَ مِن أهلِ الإسلامِ بتركِ النفقةِ فى ذلك، فيكونُ بخلُهم بأموالهم
وأمرِهم الناسَ بالبخلِ ، فهذا المعنى على ما ذكَّرْنا مِن الروايةِ عن ابنِ عباسٍ ، فيكونُ
لذلك وجة مفهوم فی وصفهم بالبخلِ ، وأمرهم به .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا
(٣٧)
يعنى بذلك جل ثناؤُه: ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾: وجعَلْنا للجاحدينَ نعمةَ اللَّهِ التى أَنْعَم
بها عليهم مِن المعرفةِ بنيؤَّةِ محمدٍ عَلَّه، المكذِّبين به بعدَ علمِهم به ، الكاتمين نَّعْتَه
..... .....

٢٦
سورة النساء : الآية ٣٨
وصفتَه مَن أمَرهم اللَّهُ ببيانِه له مِن الناسِ، ﴿عَذَابًا مُِّينًا﴾ يعنى: العقابَ المُذِلَّ مَن
◌ُذِّب بخلوده فیه ، عتادًا له فى آخرته إذا قدم على ربِّه، وآخذه بما سلَف منه مِن
جحودِه فرضَ اللَّهِ الذى فرض عليه .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ رِئَآءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ
بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرُّ﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: وأعتَدْنا للكافرين باللّهِ مِن اليهودِ، الذين وصَف اللَّهُ
صفتَهم عذابًا مُهِينًا، ﴿وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ رِئَّءَ النَّاسِ﴾. و﴿ وَأَلَّذِينَ﴾
فى موضعٍ خفضٍ عَطْفًا على الكافرين .
وقولُهُ: ﴿رِثَآءَ النَّاسِ﴾. يعنى: يُنْفِقُه مراءاةَ الناسِ فى غيرٍ طاعةِ اللَّهِ أو غيرِ
سبيله، ولكن فى سبيلِ الشيطانِ، ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِلْيَّوْمِ الْآَخِرُّ﴾.
يقولُ: ولا يُصَدِّقون بوَخدانيَّةِ اللَّهِ، ولا بالمعادِ (١) إليه يومَ القيامةِ - الذى فيه
جزاءُ الأعمالِ - أنه كائنٌ، وقد قال مجاهدٌ: إن هذا مِن صفةِ اليهودِ . وهو
صفةُ أهلِ النفاقِ الذين كانوا أهلَ شركٍ، فَأَظْهَروا الإسلامَ تقيّةً مِن رسولٍ
اللَّهِ مَِّ وأهلِ الإيمانِ به، وهم على كفرِهم مقيمون ، أشبهُ منهم بصفةِ اليهودِ ؛ لأن
اليهودَ كانت تُوَحِّدُ اللَّهَ، وتُصَدِّقُ بالبعثِ والمَعَادِ ، وإنما كان كفرُها تكذيبها بنبؤَّةِ
محمد پڼ .
وبعدُ ؛ ففى فصلِ اللَّهِ بينَ صفةِ الذين لا يُؤْمِنون باللّهِ ولا باليومِ الآخِرِ ، وصفةٍ
الفريقِ الآخَرِ الذين وصَفهم فى الآيةِ قبلَها وأخبر أن لهم عذابًا مُهِينًا ، بالواوِ الفاصلةِ
بينَهم - ما يُنْبِئُ عن أنهما صفتانٍ مِن نوعيْن مِن الناسِ مختلفَي المعانى ، وإن كان
(١) فى م: ((بالميعاد)).
:

٢٧
سورة النساء : الآية ٣٨
جميعُهم أهلَ كفرٍ باللَّهِ، ولو كانت الصفتان كلتاهما صفةً نوعٍ مِن الناسٍ لقيل إن
شاء اللَّهُ: وأعْتَدنا للكافرين عذابًا مُهِينًا ، الذين يُنْفِقون أموالَهم رئاءَ الناسٍ. ولكن
فصَل بينَهم بالواوٍ لما وصَفْنا .
فإن ظنَّ ظانٌّ أن دخولَ الواوِ غيرُ مُسْتَنْكَرٍ فى عطفٍ صفةٍ على صفةٍ لموصوفٍ
واحدٍ فى كلامٍ (العربِ. قيل: ذلك١) وإن كان كذلك، فإن الأفصحَ فى كلامٍ
العربٍ إذا أُرِيد ذلك، تركُ إدخالِ الواوِ ، وإذا أُرِيد بالثانى وصفٌ آخرُ غيرُ الأوَّلِ،
إدخالُ(٢) الواوٍ، وتوجيهُ كلامِ اللَّهِ إلى الأفصحِ الأشهرِ مِن كلامٍ مَن نزَل بلسانِه
كتابُه أَوْلَى بنا مِن توجيهِه إلى الأنكرِ مِن كلامِهم.
٨٨/٥
/القولُ فى تأويلٍ قوله: ﴿ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَآءَ قَرِينًا (®)﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: ومَن يَكُنِ الشيطانُ له خليلاً وصاحبًا، يَعْمَلُ بطاعته
ويَتْبِعُ أمرَه ، ويَتْرُكُ أمرَ اللَّهِ، فى إنفاقِه مالَه رئاءَ الناسِ فى غيرِ طاعتِه ومجحودِه
وخدائيَّ اللَّهِ والبعثَ بعدَ المماتِ - ﴿ فَسَآءُ قَرِيْنًا﴾. يقولُ: فساء الشيطانُ قرينًا ،
وإنما نُصِب القرینُ؛ لأن فى «ساء)) ذ کرًا مِن الشيطان ، کما قال جل ثناؤه : ﴿ پِئْسَ
لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠]. وكذلك تَفْعَلُ العربُ فى ((ساء)) ونظائرِها. ومنه
قولُ عَدِئِ بنِ زيدٍ () :
عن المرء لا تَسْأَلْ وأبْصِرُ(٤) قريته
"فإنَّ القَرِينَ) بالمُقارَنِ مُقْتَدٍ (٦)
(١ - ١) فى ص: ((من الغربفان ذلك)).
(٢) فى م، ت ٢، ت ٣: ((أدخل)).
(٣) البيت فى بهجة المجالس ١/ ٧٠٣، وفصل المقال ص ١٦٤، ومجموعة المعانى ص ١٤.
(٤) فى م، ومصادر التخريج: ((وسل عن)).
(٥ - ٥) فى م، ومصادر التخريج: ((فكل قرين)).
(٦) فى م، وفصل المقال: ((يقتدى)).

٢٨
سورة النساء : الآية ٣٩ ، ٤٠
يُرِيدُ بالقرينِ الصاحبَ والصديقَ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوَ ءَامَنُواْ بِلَّهِ وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِرِ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا
رَزَقَّهُمُ اللَّهَ وَ كَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا(
٣٩
)﴾.
يعنى بذلك جل ثناؤه : أىُّ شىءٍ على هؤلاء الذين يُنْفِقون أموالَهم رِئاءَ الناسِ،
ولا يُؤْمِنون باللّهِ ولا باليومِ الآخرِ ﴿لَوْ ءَامَنُواْ بِلَّهِ وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِرِ﴾ لو صدَّقوا بأن اللَّهَ
واحدٌ لا شريكَ له ، وأَخْلَصوا له التوحيدَ، وأَيْقَنوا بالبعثِ بعدَ المماتِ ، وصدَّقوا بأن
اللَّهَ مجازيهم بأعمالهم يومَ القيامةِ، ﴿ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقَّهُمُ اللَّهُ﴾. يقولُ: وأدَّوْا
زكاة أموالهم التى رزقهم اللَّهُ، وأعطاهموها طيبةً بها أنفسُهم، ولم يُنْفِقوها رئاءَ
الناسِ، التماسَ الذِّكْرِ والفخرِ عندَ أهلِ الكفرِ باللَّهِ، والمحمدةِ بالباطلِ عندَ الناسِ،
﴿وَ كَانَ اللَّهُ﴾ بهؤلاء الذين وصَف صفتَهم أنهم يُنْفِقون أموالَهم رِئاءَ الناسِ نفاقًا ،
وهم باللَّهِ واليومِ الآخرِ مكذّبون ﴿ عَلِيمًا﴾ . يقولُ: ذا علم بهم وبأعمالهم وما
يَقْصِدون ويُرِيدُون بإنفاقِهم، وما يُتْفِقون مِن أموالهم، وأنهم يُرِيدُون بذلك الرياءَ
والشمعةَ والمحمدةَ فى الناسِ، وهو حافظٌ عليهم أعمالَهم، لا يَخْفَى عليه شىءٌ منها
حتى يُجَازِيَهم بها جزاءَهم عندَ (١) مَعادِهم إليه .
[١/١٢ ظ] القولُ() فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن
تَكُ حَسَنَةً يُضَعِفْهَا وَيُؤْتٍ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًّاً عَظِيمًا ﴾﴾.
قال أبو جعفر، رحِمه اللَّهُ: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وماذا عليهم لو آمنوا باللّهِ
واليومِ الآخرِ ، وأَنْفَقوا مما رزَقهم اللَّهُ، فإن اللَّهَ لا يَتْخَسُ أحدًا مِن خلقِه أَنْفَق فى سبيلِه
(١) فى م: ((عنا)).
(٥) من هنا بداية الجزء الثانى عشر من مخطوطة جامعة القروبين المسماة بالأصل ، وسيجد القارئ أرقام
صفحاتها بين معقوفين .

٢٩
سورة النساء : الآية ٤٠
مما رزَقه مِن ثوابٍ نفقتِه فى الدنيا، ولا مِن أجرِها يومَ القيامةِ ﴿مِثْقَالَ
ذَرَّةٍ﴾ ( يعنى: ميزانَ ذرةٍ) أى ما يَزِنُها ويكونُ على قدرٍ ثقلِها فى الوزنِ،
ولكنه يُجازِيه به، ويُثيُه عليه .
كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ ،
عن قتادةَ أنه تلا هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَّةً
يُضَعِفْهَا﴾. قال: لأن تَفْضُلَ حسناتى (" سيئاتى بمثقالٍ) ذرّةٍ أحبُّ إلىٍّ مِن الدنيا
(٣)
وما فيها(٣) .
حدَّثنا بِشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ ، قال: كان بعضُ أهلِ
العلم يقولُ : لأن تَفْضُل حسناتى على سيئاتى ما يَزِنُ ذرةً أحبُّ إلىٍّ مِن أن تكونَ لی
الدنيا جميعًا .
٨٩/٥
/وأمَّا الذرَّةُ، فإنه ذُكِر عن ابنِ عباسٍ أنه قال فيها ، كما حدَّثنى إسحاقُ بنُ
وهب الواسطى ، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا شَبيبُ بنُ بِشرٍ، عن عكرمةً ، عن
ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾. قال: رأسُ نملةٍ حمراءَ . [٢/١٢ و].
* حدَّثنى محمدُ بنُ سنانٍ القَزّزُ، قال: ثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا ابنُ بِشرٍ،
عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله : ﴿ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾: حمراءَ.
قال أبو جعفرٍ° : قال لى إسحاقُ بنُ وهبٍ : قال يزيدُ بنُ هارونَ : زعموا أن
(١ - ١) ليست فى: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٢ - ٢) فى م، ت ٢، ت ٣: ((ما يزن)).
(٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٦٠، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٣/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٢/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد، وسيأتى عند المصنف فى تفسير
سورة الزلزلة .
(٥ - ٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.

٣٠
سورة النساء : الآية ٤٠
هذه الذرّةَ(١) الحمراءَ ليس لها وزنٌ(٢).
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك صحّت الأخبارُ عن رسولِ اللَّهِ عَمٍ .
"ذكرُ مَن قال ذلك)
حدَّثنا محمدُ بنُ المُنَى ومحمدُ بنُ بشّارٍ ، قالا: ثنا أبو داودَ ، قال: ثنا عمرانُ ،
عن قتادةَ، عن أنسٍ، أن رسولَ اللَّهِ عْظَهِ قال: ((إن اللَّهَ لا يَظْلِمُ المؤمنَ حسنةً ، يُتَابُ
عليها الرزقَ فى الدنيا ، ويُجْزَى بها فى الآخرةِ ، وأمَّا الكافرُ فِيَطْعَمُ بها فى الدنيا ، فإذا
كان يومُ القيامةِ لم تكن له (٤) حسنةً))(٥).
حدَّثنا موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المشروقیُ ، قال : ثنا جعفرُ بنُ عَوْنٍ ، قال : ثنا
هشامُ بنُ سعدٍ ، قال: أخبرَنا زيدُ بنُ أسلمَ ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ ، عن أبى سعيد
الخدرىِّ، قال: قال رسولُ اللّهِ يَ(١): ((والذى نفسى بيدِه، ما أحدُكم بأشدَّ مناشدةً
فى الحقِّ يَرَاهُ مُصِيبًا له مِن المؤمنين فى إخوانِهم إذا رأوا أن قد خلَصوا مِن النارِ ، يقولون :
ائْ ربَّنا ، إخواننا كانوا يُصَلُّون معنا ويصومون معنا ويَحُون معنا ويُجاهِدُون معنا ، قد
أَخَذَتْهم النارُ، فيقولُ اللَّهُ لهم: اذْهَبوا فمَن عرَفْتُم صورتَه فأَخْرِ جوه. ويُحَرِّمُ صُوَرَهم (١)
(١) سقط من: الأصل، وفى ص، ت ١: ((الدود))، وفى م، ت ٢، ت ٣، س: ((الدودة)). والمثبت من
تفسير القرطبى .
(٢) ذكره القرطبى فى تفسيره ١٩٥/٥ عن يزيد بن هارون.
(٣ - ٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٤) فى الأصل: ((لهم)).
(٥) أخرجه أبو داود الطيالسى (٢١٢٣) عن عمران القطان به، وابن المبارك فى الزهد (٣٢٧)، وأحمد ١٩/
٢٨٥،٢٦٦ (١٢٢٣٧، ١٢٢٦٤)، ٢٨٣/٣ (ميمنية) والبخارى فى خلق أفعال العباد (٣٤٠)، ومسلم
(٢٨٠٨)، وابن حبان (٣٧٧)، والبغوى فى شرح السنة ٣١٠/١٤(٤١١٨) وغيرهم من طرق عن قتادة به .
(٦ - ٦) سقط من: ص، م.
(٧) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((صورتهم).

٣١
سورة النساء : الآية ٤٠
على النارِ، فِيَجِدون الرجلَ قد أخَذَتْه النارُ إلى (١قدَمَيه وإلى١) أنصَافٍ ساقَيْه وإلى
ركبتَيْه وإلى حَقْوَيْه (١)، فيُخْرِجون منها بشرًا كثيرًا، ثم يَعُودون فيَتَكَلَّمون، فيقولُ:
اذْهَبُوا فمَن(٢) وجَدْتُم فى قلبِهِ مثقالَ قيراطٍ (٤) خيرٍ فَأَخْرِ جوه. فيُخْرِ جُون [٢/١٢ظ] منها
بشرًا كثيرًا، ثم يَعُودون فيَتَكَلَّمون ( فيقولُ: اذهبوا فمن وجدتم فى قلبه مثقالَ نصفٍ
قيراطٍ خيرٍ فأخرجوه. فيُخْرِجون منها بشرًا كثيرًا، ثم يعودون فيتكلمونْ) فَلا يَزالُ
يقولُ ذلك لهم حتى يقولَ: اذْهَبوا، فمَن وجَدْتُم فى قلبه مثقال ذرةٍ فَأَخْرجوه)). فكان
أبو سعيدٍ إذا حدَّث بهذا الحديثِ، قال: إن لم تُصَدِّقوا فاقرءوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُغَنِفْهَا وَيُؤْتٍ مِن لَُّنَّهُ أَبْرًا عَظِيمًا﴾. (( فيقولون :
ربَّنا لم نَذَرْ فيها خيرًا))(١).
(٧ حدَّثنا العباسُ بنُ الوليدِ، قال: أخبرنا أبى، قال: حدَّثنا الأوزاعِىُّ، قال:
حدَّثنى مَن سمِع زيدَ بنَ أسلمَ يُحدِّثُ عن عطاء بنٍ يَسارٍ ، عن أبى سعيد الخُدْرِئِّ،
عن رسولِ اللَّهِ عَّهِ بنحوِه، إلا أنه قال: ((فيقولُ اللَّهُ - فى المرةِ الثانيةِ -: أخرجوا
مَن وجدتُم فى قلبِهِ مثقالَ دينارٍ مِن خيرٍ))، وفى الثالثةِ: ((نصفٍ دينارٍ))، وفى
الرابعةِ: ((مثقال حبةٍ مِن خَردَلٍ)). وسائرُ الحديثِ نحوَه ".
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت ٢، ت ٣، س.
(٢) الحَقَو: مشد الإزار. الصحاح (ح ق و).
(٣) فى م، ت ٢، ت ٣، س: ((لمن)).
(٤) فى مصادر التخريج: ((دينار)). والقيراط: جزء من أجزاء الدينار، وهو نصف ◌ُشره فى أكثر البلاد .
النهاية ٤/ ٤٢. وانظر التاج (ق رط).
(٥ - ٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٦) أخرجه مسلم (٣٠٣/١٨٣) وغيره من طريق جعفر بن عون به ، وأخرجه الطيالسى (٢٢٩٣ - طبعتنا)
وأحمد ٣٩٤/١٨ (١١٨٩٨) والبخارى (٤٥٨١) ومسلم (٣٠٢/١٨٣) والترمذى (٢٥٩٨) والنسائى
(٥٠٢٥) وابن ماجه (٦٠) وابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٥٤/٣ (٥٣٣١) وغيرهم من طرق عن زيد بن أسلم
به ، وعزاه السيوطى أيضًا فى الدر المنثور ١٦٣/٢ إلى عبد بن حميد .
(٧ - ٧) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
/

٣٢
سورة النساء : الآية ٤٠
حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكم ، قال: حدثنا أَّى وشعيبُ بنُ الليثِ،
عن الليثِ ، عن خالدِ بنِ يزيدَ، عن ابنٍ (١) أبى هلالٍ، عن زيدِ بنِ أَسْلَمَ، عن عطاءِبنِ
يَسارٍ، عن أبى سعيدِ الْخُذْرىِّ، عن رسولِ اللَّهِ عَمِ بنحوِه (١).
وقال آخرون فى ذلك بما حدَّثنى به الَُّى ، قال : ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ ، قال : ثنا
صدقةُ بنُ أبى سهلٍ، قال: ثنا أبو عمرو، عن زاذانَ، قال : أتيتُ ابنّ مسعودٍ ،
فقال : إذا كان يومُ القيامةِ جمّع اللَّهُ الأوَّلِينَ والآخرين، ثم نادى منادٍ مِن عندِ اللَّهِ:
ألا مَن كان(٣) يَطْلُبُ مَظْلِمَةً فَلْيَجِئْ إلى حقَّ فَلْيَأْخُذْه. قال: فيَفْرَعُ واللَّهِ المَوْءُ(٤) أن
يدورَ(٥) له الحقُّ على والدِهِ، أو وليه، أو زوجتِه، (" أو أختِه" فيَأْخُذَه منه، وإن كان
صغيرًا، ومصداقُ ذلك فى كتابِ اللَّهِ: ﴿فَإِذَا تُفِيَخَ فِ الصُّورِ فَلَآ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ
يَوْمَئِذٍ وَلَ ا يَتَسَ لُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]. فيقالُ له: آتِ هؤلاء حقوقَهم. أى: أعطِ
هؤلاءِ حقوقَهم. فيقولُ: يا(١) ربِّ [٣/١٢و]، مِن أين وقد ذهبتِ الدنيا؟ فيقولُ اللَّهُ
لملائكته: أىْ ملائكتى، انْظُروا فى أعمالِهِ الصالحةِ ، فَأَعْطُوهم منها. فإن بقِى مثقالُ
ذرَّةٍ مِن حسنةٍ ، قالت الملائكةُ: يا ربَّنا - وهو أعلم بذلك منها - أعطينا كلَّ ذی حقِّ
حقّه، وبقِى له مثقالُ ذرَّةٍ مِن حسنةٍ. (١)فيقولُ للملائكةٌ) : ضعفوها لعبدى،
وأدخِلوه بفضلٍ رحمتى الجنةَ. ومصداقُ ذلك فى كتابِ اللَّهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةٌ يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتٍ مِن لَُّنَّهُ أَجْرًّاً عَظِيمًا﴾. أى الجنةَ
٩٠/٥
(١) سقط من: الأصل. وانظر تهذيب الكمال ١١/ ٩٤.
(٢) أخرجه البخارى (٤٩١٩، ٧٤٣٩) ومسلم (٣٠٢/١٨٣) وغيرهما من طرق عن الليث به .
(٣) لسيت فى : الأصل .
(٤) فى ص، م، ت ٢، ت ٣: ((الصبى)).
(٥) فى ص، م، ت ٢، ت ٣: ((يذوب)).
(٦ - ٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٧) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أى)).
(٨ - ٨) فى الأصل: ((فتقول الملائكة)).

٣٣
سورة النساء : الآية ٤٠
يُعْطيها. وإن فنِيتْ حسناتُه وبقِيتْ سيئاتُه، قالت الملائكةُ - وهو أعلمُ بذلك -:
إللهَنا، فنيت حسناتُه، وبَقِيت سيّئَاتُه، وبقِى طالبون كثيرٌ؟ فيقولُ اللَّهُ: ضَعُوا (١)
عليها مِن أوزارِهم واكْتُبُوا له كتابًا إلى النارِ. قال صدقةُ: أو: صكًا إلى جهنمَ. شكَّ
صدقةٌ أيَّهما قال(٢) .
حُدِّثْتُ عن محمدِ بنِّ ◌ُمِيدِ، عن هارونَ بنِ عنترةً(٢)، عن عبدِ اللَّهِ بن
السائبٍ، قال: سمِعتُ زاذانَ يقولُ: قال عبدُ اللّهِ بنُ مسعودٍ: يُؤْخَذُ بيدِ العيدِ
والأُمَّةِ يومَ القيامةِ، فيُنادِى منادٍ على رءوسِ الأُوَّلِينَ والآخرين: هذا فلاُ بنُ
فلانٍ ، مَن كان له حقٌّ فليأتِ إلى حقّه. فَتَفْرَحُ المرأةُ أن يَذُوبَ(٤) لها الحَقُّ على
أبيها(٥) ، أو على أخيها، أو على زوجها " ثم قرأ ابنُ مسعود): ﴿فَلَّ أَنسَابَ
بَيْنَهُمْ يَوْمَيِذٍ وَلَا يَتَسَآءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]. فيَغْفِرُ اللَّهُ مِن حقّه ما شاء، ولا
يَغْفِرُ مِن حقوقِ الناسِ شيئًا، فَيَنْصِبُ(٢) للناسِ فيقولُ: (أُتُوا إلى الناسِ
حقوقهمُ . فيقولُ: ربِّ، فنيت الدنيا، مِن أين(٩) أُوتِيهم حقوقهم؟ فيقولُ:
خُذوا مِن أعمالِهِ الصالحةِ، فَأَعْطُوا كلَّ ذى حقٍّ حقَّه بقدرٍ طَلِتَتِهُ(١) . فإن كان
وليّا للَّهِ، ففضَل له مثقالُ ذرَّةٍ ضاعفها له حتى يُدْخِلَه بها الجنةَ، ثم قرأ علينا:
(١) فى الأصل: ((أضعفوا))، وفى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((ضعفوا)).
(٢) تنظر الحاشية ( ٤ ) من الصفحة التالية .
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( عتيرة)). وانظر تهذيب الكمال ٣٠/ ١٠٠.
(٤) فى مصدر التخريج: ((يدور)). ومعنى يذوب: أى يجب. النهاية ١٧١/٢.
(٥) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( أو على ابنها)).
(٦ - ٦) سقط من الأصل.
(٧) فى الأصل: ((فينصت)).
(٨ - ٨) فى ص، ت ١: ((ائتوا إلى حقوقكم)).
(٩) فى الأصل: ((أن )).
(١٠) فى ص: ((ظلمته))، وفى م، ت ٢، ت ٣: ((مظلمته)).
( تفسير الطبرى ٣/٧ )

٣٤
سورة النساء : الآية ٤٠
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٌ﴾، ١ قال: أدخِلوه(٢) الجنةَ(). وإن كان عبدًا شقيًّا
قال الملَكُ: ربِّ، فنيت حسناتُه، وبقِى طالبون(٢) كثيرٌ. فيقولُ: خذوا مِن سيئاتِهم،
فَأَضِيفوها إلى سيئاتِهِ، ثم صُكُوا [٣/١٢ظ] له صَكًا إلى النّارِ(٤).
قال أبو جعفرٍ: فتأويلُ الآيةِ على تأويلِ عبدِ اللَّهِ هذا: إن اللَّهَ لا يَظْلِمُ عبدًا وجَب
له مثقالُ ذرّةٍ قِبَلَ عبدٍ له آخرَ فى معادِه ويومَ لقائِه فما فوقه، فَيَتْرُكَه عليه فلا يَأْخُذَه
للمظلومِ مِن ظاِهِ، ولكنه يَأْخُذُه منه له، ويَأْخُذُ مِن كلِّ ظالم للمظلوم(٥) تَبِعَتَهَ قِبَلَه،
﴿ وَإِن تَكُ حَسَنَةٌ يُضَنِعِفْهَا﴾. يقولُ: وإن تُوجَدْ(٦) له حسنةً (" بعدَ ذلك)
يُضَاعِفْها، بمعنى: يُضَاعِفُ له ثوابَها وأجرَها، ﴿ وَيُؤْتٍ مِن لَُّنْهُ أَخْرًّاً عَظِيمًا﴾ .
يقولُ: ويُعْطِهِ مِن عندِه أجرًا عظيمًا، والأجرُ العظيمُ الجنةُ، على ما قاله عبدُ اللَّهِ.
ولكلا التأويلينِ وجة مفهومٌ، أعنى التأويلَ الذى قاله ابنُ مسعودٍ ، والذى قاله
قتادةُ ، وإنما اخترنا التأويلَ الأُولَ لموافقتِه الأثرَ عن رسولِ اللَّهِ مَه، مع دلالةٍ ظاهرٍ
التنزيلٍ على صحّته، إذ كان فى سياقٍ الآيةِ التى قبلَها ، التى حثَّ اللَّهُ جلَّ ثناؤُه فيها
على النفقةٍ فى طاعته، وذمَّ النفقةً فى طاعةِ الشيطانِ. ثم وصّل(٨) ذلك بما وعَد
المُنْفِقِينَ(٩) فى طاعتِه بقولِه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَّةً
(١ - ١) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.
(٢) فى ص: ((ادخلوا)).
(٣) فى الأصل: ((مطالبون)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٥٤/٣ (٥٣٣٥) من طريق هارون بن عنترة عن عبد الله بن السائب عن
زاذان به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٣/٢ إلى عبد بن حميد.
(٥) فى ص، م: ((لكل مظلوم)).
(٦) فى الأصل: ((وجد )).
(٧ - ٧) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت ٣.
(٨) فى الأصل: ((فصل)).
(٩) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((المنافقين)).

٣٥
سورة النساء : الآية ٤٠
يُفَنَعِفْهَا وَيُّؤْتٍ مِن لَُّنْهُ أَبْرًا عَظِيمًا﴾.
واخْتَلفت القَرَأَةُ فى قراءةٍ قولِهِ: ﴿وَإِن تَكُ حَسَنَةٌ يُضَنَّمِفْهَا﴾؛ فقرَأ ذلك
عامَّةُ قَرأَةِ أهلِ (١) العراقِ: ﴿ وَإِن تَكُ حَسَنَةً ﴾ بنصبِ الحسنةِ ، بمعنى: وإن تكُ زِنَّةُ
الذرّةِ حسنةً يُضَاعِفْها. وقَرَأْ ذلك عامّةُ قَرَأَةِ أهلٍ (٢) المدينةِ: ( وَإِنْ تَكُ حسنةٌ) برفعٍ
الحسنةِ، بمعنى: وإن تُوجَدْ حسنةً(٣)، على ما ذكرتُ عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ مِن
تأويل ذلك .
وأمَّا قولُه: ﴿يُضَحِفْهَا﴾. فإنه جاء بالألفِ، ولم يقلْ: ((يُضَعِّفْها)). لأنه
أُرِيد به - فى قولٍ بعضٍ أهلِ العربيةِ - : يُضَاعِفْها أضعافًا كثيرةً ؛ ولو أُرِيد به فى
قولِه: يُضَعِّف ذلك ضِعْفين لقيلَ: ((يُضَعِّفْها)) بالتشديدِ(٤) .
ثم اختلف أهلُ التأويلِ فى الذين [٤/١٢ و] وَدهم اللَّهُ بهذه الآيةِ ما وعَدهم
فيها ؛ فقال بعضُهم: هم جميعُ أهلِ الإيمانِ باللَّهِ وبمحمدٍ عَّاتٍ .
واعتلُّوا فى ذلك بما حدّثنا به الفضلُ بنُ الصَّبَّحِ، قال: ثنا يزيدُ بنُّ هارونَ ، عن
مُبارَكِ بنِ فَضَالةً ، عن علىٍّ بنِ زيدٍ، عن أبى عثمانَ النَّهْدىِّ، قال: لقِيتُ أبا هريرةَ
فقلتُ له : إنه بلَغنى أنك تقولُ: إن الحسنةَ لتُضَاعَفُ ألفَ ألفِ حسنةٍ ! قال: وما
أَعْجَبَك من ذلك؟ فواللَّهِ، لقد سمِعتُه - يعنى النبىّ ◌ٍَّ - يقولُ: ((إن اللَّهَ
(١) سقط من: ص، م، ت ٢، ت ٣، س.
(٢) سقط من: ص، م، ت٢، ت ٣.
(٣) قرأ بالنصب أبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائى، وقرأ بالرفع نافع وابن كثير. السبعة لابن
مجاهد ص ٢٣٣، وحجة القراءات ص ٢٠٣.
(٤) لم يشر المصنف إلى أن (يضعّفْها) بالتشديد قراءة معتبرة عند أهل الأداء، وهى قراءة ابن كثير وابن عامر.
وقراءة الباقين؛ وهم نافع وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائى بالألف. حجة القراءات ص ٢٠٣.

٣٦
سورة النساء : الآية ٤٠
لَيُضَاعِفُ الحسنةَ ألفَىْ(١) ألفٍ حسنةٍ)) (٢).
وقال آخرون: بل ذلك للمهاجرين(٢) خاصَّةً دونَ أهلِ البوادى والأعرابِ.
واعتلُوا فى ذلك بما حدَّثنا به محمدُ بنُ هارونَ أَبو نَشيطٍ ، قال : ثنا يحيى بنُ
أبى بُكَثِرٍ ، قال: ثنا فُضَيْلُ بنُ مرزوقٍ ، عن عطيةَ العوفيِّ ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ،
قال: نزلت هذه الآيةُ فى الأعرابِ: ﴿مَنْ جَُّ بَِْنَّةٍ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾
[الأنعام: ١٦٠]. قال: فقال رجلٌ: فما للمهاجرين؟ قال: ما هو أعظمُ مِن ذلك:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكٌّ حَسَنَّةٌ يُضَنِفْهَا وَيُؤْتٍ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًّا
عَظِيمًا﴾. وإذا قال اللَّهُ لشىءٍ: عظيمٌ. فهو عظيمٌ().
قال أبو جعفرٍ : وأَوْلَى القولينِ فى ذلك بالصوابِ ، قولُ مَن قال: عنَى بهذه الآيةِ
المهاجرين دونَ الأعرابِ، وذلك أنه غيرُ جائزٍ أن يكونَ فى أخبارِ اللَّهِ أو أخبارٍ
رسولِه ◌َِِّ شىءٌ يَدْفَعُ بعضُه بعضًا، فإذا كان صحيحًا وعدُ اللَّهِ مَن جاء مِن عبادِه
المؤمنين بالحسنةِ مِن الجزاءِ عشرَ أمثالِها، ومَن جاء بالحسنةِ منهم أن يُضاعِفَها له،
وكان الخبران اللذان ذكَرْناهما عنه عَلِ صحيحين - كان غيرَ جائزٍ إلا أن يكونَ
أحدُهما مُجْمَلًا، والآخَرُ مُفَسَّرًا، إذ كانت أخبارُه ◌َّمِ يُصَدِّقُ بعضُها بعضًا. وإذ
كان ذلك كذلك، صحَّ أن خبرَ أبى هريرةً معناه أن الحسنةَ لتُضَاعَفُ [٤/١٢ظ]
للمهاجرين مِن أهلِ الإيمانِ ألفَئ ألفٍ حسنةٍ ، وللأعرابِ منهم عشرَ أمثالِها ، على ما
(١) فى الأصل: ((ألف)).
(٢) أخرجه أحمد ٣٢٧/١٣ (٧٩٤٥) عن يزيد بن هارون به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٣/٢ إلى
المصنف . وإسناده ضعيف ؛ لضعف على بن زيد .
(٣) فى ص، م: ((المهاجرون)).
(٤) أخرجه سعيد بن منصور (٦٣٦ - تفسير)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٥٥/٣ (٥٣٣٩،٥٣٣٨)، ١٤٣٢/٥
(٨١٦٨) من طريق فضيل بن مرزوق به، وعزاه السيوطى أيضًا فى الدر المنثور ١٦٢/٢ إلى ابن المنذر والطبرانى.

٣٧
سورة النساء : الآية ٤١
رُوِى عن(١) ابنِ عمرَ عن النبيِّ ◌َه. وأن قولَه: ﴿ مَنْ جَّةَ بِالْحَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ
أَمْثَالِهَا﴾. ( يعنى: مَن جاء بالحسنةِ مِن أعرابِ المؤمنين فله عشر أمثالها) ، ومَن
جاء بالحسنةِ مِن مهاجريهم يُضَاعَفْ له، ويُؤْتِهِ اللَّهُ مِن لَدُنْه أجرًا عظيمًا .
. وأما قولُه: ﴿وَيُؤْتٍ مِن لَّدُنْهُ أَبْرًا عَظِيمًا﴾(١). فإنه يعنى: ويُعْطِه مِن عندِه
أجرًا عظيمًا. يعنى: عِوَضًا مِن حسنتِه عظيمًا، وذلك العوضُ العظيمُ الجنةُ .
كما حدَّثنى للمُثَنَّى، قال : ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا صدقةُ بنُ أبى
سهلٍ، قال: ثنا أبو عَمرٍو، عن زاذانَ، عن ابنٍ مسعودٍ: ﴿وَيُّوْتٍ مِنْ لَّدُنَّهُ أَجْرًا
عَظِيمًا﴾، أى: الجنةَ يُعطيها(٤).
/حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجّاجٌ، عن ابنِ مجريج، قال: ٩٢/٥
أخبرنى عِبَادُ بنُ أبى صالحٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ فى قوله: ﴿ وَيُؤْتٍ مِن لَُّنْهُ أَبْرًا
عَظِيمًا﴾. قال: الأجر العظيمُ الجنةُ (٥).
حدّثنی یونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قوله : ﴿ وَيُؤْتِ
مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. قال: ﴿ أَبْرًا عَظِيمًا﴾. الجنةَ(١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِثْنَا مِن كُلِّ أُمَِّم بِشَهِيدٍ
(١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢ - ٢) سقط من: الأصل، ت ١.
(٣ - ٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٤) فى ص، م: ((يعطها)). والأثر تقدم تخريجه ص ٣٣.
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٥٥/٣ عقب الأثر (٥٣٣٧) معلقا. وذكره أبو حيان فى البحر
المحيط ٢٥٢/٣.
(٦) ذكره أبو حيان فى البحر المحيط ٢/ ٢٥٢.
1

٣٨
سورة النساء : الآية ٤١
٤١
وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا
قال أبو جعفرٍ، رحِمه اللَّهُ: يعنى بذلك جلَّ ثناؤه، إن اللَّهَ لا يَظْلِمُ عبادَه مثقالَ
ذرَّةٍ، فكيف بهم ﴿ إِذَا ◌ِثْنَا مِن كُلِّ أُمَِّ بِشَهِيدٍ﴾، يعنى بَمَن يَشْهَدُ عليها
بأعمالها وتصديقِها رُسُلَها(١) أو تكذيبها إيَّاها(١)، ﴿وَجِثْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ
شَهِيدًا﴾، يقولُ: وَجِثْنَا بك يا محمدُ ﴿عَلَى هَؤُلَاءِ﴾: أىْ على أمَّتِك
﴿ شَهِيدًا﴾، ("يقولُ: شاهدًاً).
كما حدَّثنا محمدُ بنُّ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُّ المُفَضَّلِ ، قال: ثنا أسباطُ ،
عن الشُّدِّئِّ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا ◌ِثْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِم بِشَهِيدٍ [٥/١٢,] وَجِئْنَا بِكَ عَلَى
هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾. قال : إن النبيِين يَأْتُون يومَ القيامةِ ، منهم مَن أَسْلَم معَه مِن قومِه
الواحدُ، والاثنان ، والعشرةُ، وأقلُّ وأكثرُ مِن ذلك، حتى يأتىَ(٤) لوطٌ، لم يُؤْمِنْ معَه
إلا ابنتاه (٥) ، فيقالُ لهم: هل بلَغْتُم ما أُرسِلْتُم به؟ فيقولون: نعم. فيقالُ لهم: مَن
يَشْهَدُ لكم؟ فيقولون: أَمَّةُ محمدٍ. "فتُدعى أمةُ محمدٍ » ، فيقالُ لهم: أَتَشْهَدون
أن الرّسُلَ أُوْدَعوا عندَ كم شهادةً ، فبمَّ تَشْهَدون؟ فيقولون: ربّنا نَشْهَدُ أنهم قد بلَّغوا
كما شهِدوا فى الدنيا بالتبليغ. فيقالُ: مَن يَشْهَدُ على ذلك؟ فيقولون: محمدٌ .
فيُدْعَى محمدٌ عَّهِ، فَيَشْهَدُ أن أُمَّتَه قد صدَقوا ، وأن الرسلَ قد بلَّغوا، فذلك قولُه:
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطَّا لِّنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَ النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ
(١) سقط من: الأصل.
(٢) سقط من ص، م، ت١، ت٢، ت٣.
(٣ - ٣) سقط من: الأصل.
(٤) فى م، ت ٢، ت ٣: ((يؤتى بقوم).
(٥) فى الأصل: ((ابناه)).
(٦ - ٦) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( صلى الله عليه وسلم)).

٣٩
سورة النساء : الآية ٤١
شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
حدَّثنا القاسمُ بنُ محمدٍ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنی حجّاجٌ ، قال : قال ابنُ
مُجريجٍ قوله: ﴿فَكَفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَِّمٍ بِشَهِيدٍ﴾. قال: رسولُها، يَشْهَدُ
عليها أن قد أَبْلَغهم ما أرْسَله اللَّهُ به إليهم، ﴿وَجِثْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءٍ شَهِيدًا﴾ .
قال: كان النبيُّ ◌َهلِ إذا أتَى عليها فاضت عيناه(١).
حدَّثنا ابنُّ محُميدٍ ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ(١) ، عن يزيدَ
النحوىِّ، عن عكرمةً فى قوله: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج: ٣]. قال: الشاهدُ
محمدٌ، والمشهودُ يوم الجمعةِ، فذلك قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا ◌ِثْنَا مِن كُلِّ أُمَِّم
بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾(١).
حدَّثنى عبدُ اللَّهِ بنُ محمدِ الزُّهْرىّ، قال: ثنا سفيانُ، عن المسعودىِّ، عن
جعفرٍ بنِ عَمٍو بنِ حُرَيْثٍ ، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ: ﴿فَكَيِفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ
أُمَّتِ بِشَهِيدٍ وَحِثْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾. قال: قال رسولُ اللَّهِ وَعِ:
((شَهِيدًا عَلَيْهِم ما دُمْتُ فِيهِم، فَلَمَّا(٤) تَوَفَّيْتَنِى كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِم " وأنتَ على
كلِّ شَىءٍ شَهِيدٌ ) ).
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ١٦٣، ١٦٤ إلى المصنف وابن المنذر.
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((الحسن)). وانظر تهذيب الكمال ٢٣/٣٢، ٦ / ٤٩١.
(٣) تفسير عبد الرزاق ٢/ ٣٦١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٢/٦ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد
وابن المنذر بنحوه، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٥٦/٣ (٥٣٤٢) من طريق شبيب عن عكرمة موصولًا
عن ابن عباس دون ذكر الجمعة .
(٤) فى الأصل: ((فإذا)).
(٥ - ٥) سقط من: الأصل. والأثر أخرجه الحميدى (١٠٢) من طريق سفيان به، ومسلم (٢٤٨/٨٠٠)،
من طريق جعفر بن عمرو به بنحوه، وذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٦٩/٢ نقلا عن المصنف ، وعزاه السيوطى
فى الدر المنثور ١٦٤/٢ إلى المصنف.
--------
----------

٤٠
سورة النساء : الآية ٤٢
٩٣/٥
/حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ أبى الوزيرِ (١)، قال: ثنا سفيانُ
ابْنُ عُيَيْنَةَ، عن المسعودىِّ، عن القاسم، أن النبىَّ [٥/١٢ظ] عَّمِ قال لابن مسعودٍ:
((اقْرأْ علىَّ)). قال: أَقْرَأُ عليك، وعليك أُنْزِلَ؟ قال: ((إِنِّى أُحِبُ أن أَسْمَعَه مِن
غيرِى)). فقرًا ابنُ مسعودٍ ( النساءَ، حتى بلَغ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِثْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِم
بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾. قال: قال: اسْتَعبر النبيُّ ◌َهِ، وكفَّ
ابنُ مسعودٍ).
قال المسعودیُّ : فحدّثنی جعفر بنُ عمرو بن حُرَێث ، عن أبيه ، أن النبى ◌ِّ ،
قال: ((شَهِيدًا عَلَيْهِم(١٢) ما دُمْتُ فِيهِم، فإِذَا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أنتَ الرَّقيبَ عَلَّيْهِم،
وأنتَ على كلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ)) (٤) .
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ يَوْمَيِذٍ يَوَدُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوْاْ الرَّسُولَ لَوْ
٤٢
تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُونَ اللَّهَ حَدِيثًا(
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: يومَ نَجىءُ مِن كلِّ أُمَّةٍ بشهيدٍ، ونجىءُ بك على أمتِك
يا محمدُ شهيدًا، ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. يقولُ: يَتَمَنَّى الذين جحَدوا وحدانيَّةً
اللَّهِ، ﴿وَعَصَوُا﴾ رسولَه، ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾.
واخْتَلفتِ القَرَأَةُ فى قراءةِ ذلك ؛ فقرَأته عامَّةُ قرأةِ أهلِ الحجازِ ومكةً والمدينةِ :
( لَوْ تَسَوَّى بهم الأرضُ) بتشديدِ السينِ والواوِ وفتحِ التاءِ ، بمعنى: لو تَتَسَوَّى بهم
الأرضُ، ثم أُدْغِمت التاءُ الثانيةُ فى السينِ، ثُرادُ به (٥): أنهم يَوَدُّون لو صاروا ترابًا ،
(١) فى الأصل: ((الزبير)). وهو تحريف. انظر تهذيب الكمال ٢/ ١٥٧.
(٢ - ٢) سقط من: الأصل.
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((عليكم)).
(٤) أخرجه الحميدى (١٠١) عن سفيان به ، وانظر الحديث السابق.
(٥) فى الأصل: (( بھم)) .
٠