Indexed OCR Text

Pages 701-720

٧٠١
سورة النساء : الآية ٣٤
كلامَها ، ويُوَلِّيها ظَهْرَهُ(١) .
حدَّثنى المُثَنَّى ، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ موسى ، قال: ثنا ابنُ المباركِ، قال : أخبرنا
شَرِيكٌ، عن عطاءِ بنِ السائبِ ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَأَهْجُرُوهُنَّ
فِى الْمَضَاجِعِ﴾. قال: لا يُجامِعُها(٢).
. / وقال آخرون: بل معنى ذلك: واهجُروا كلامَهن فى تَرْكِهنَّ مُضاجَعَتَكُمْ(٢)، ١٤/٥
حتى يَرْجِعْن إلى مُضاجَعتِكم(١) .
[٥٣٨/١,] ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثْنا أبو كريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، عن الحسنِ بنِ عُبَيدِ اللَّهِ،
عن أبى الضُّحَى، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿وَأَهْجُرُوهُنَّ فِى الْمَضَاجِعِ﴾: إنها " لا
تُتْرَكُ فى الكلامِ، ولكنَّ الهِجْرانَ فى أمرِ المَضْجَعِ .
حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ ، قال : ثنا يحيى بنُ واضح، قال : ثنا أبو حمزةَ، عن عطاءِ بنِ
السائبِ، عن سعيدِ بنِ تُبَيرٍ: ﴿وَأَهْجُرُوهُنَّ فِى الْمَضَاجِعِ ﴾. يقولُ: حتى يَأْتِينَ
مضاچِعَکم .
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال : ثنا حَكَامٌ ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ ، عن سعيدِ بنِ جُبِيرٍ :
وَأَهْجُرُوهُنَّ فِى الْمَضَاجِعِ ﴾: فى الجِماعِ .
حدَّثنى المُثَنَّى ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال : ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٥٧/٢.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥٥/٢ إلى المصنف وابن المنذر.
(٣) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: (( مضاجعكم)).
(٤ - ٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((لو تركت)).

٧٠٢
سورة النساء : الآية ٣٤
علىّ بنِ أبي طلحةً، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَأَهْجُرُوهُنَّ فِى الْمَضَاجِعِ﴾. قال: يَعِظُها،
فإِن هى قَبِلَت ، وإِلا هَجَرها فى المَضْجَعِ، ولا يُكَلِّمُها ، من غيرِ أن يَذَرَ نِكاحَها ،
وذلك عليها شديدٌ(١) .
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا حِيَّانُ بنُ موسى، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ ، قال:
أخبرنا شَرِيكٌ، عن خُصَيفٍ ، عن عِكْرمةَ: ﴿ وَأَهْجُرُوهُنَّ فِى الْمَضَاجِعِ﴾: الكلامَ
(٢)
والحديث(٢).
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى الحسنُ بنُ زُرَيْقِ الطَّهَوِىُّ، قال : ثنا أبو بكرِ بنُ عَيَّاشٍ ، عن منصورٍ ، عن
مجاهدٍ فى قوله: ﴿وَأَهْجُرُوهُنَّ فِى الْمَضَاجِعِ﴾. قال: لا تُضاجِعوهن(٢).
حدَّثنا ابنُ محُمَيدٍ ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغِيرةَ ، عن الشعبىِّ، قال : الهِجْرانُ ألّا
(٤)
يُضاچِعها(٤) .
وبه قال : ثنا جَرِيرٌ، عن مُغِيرةَ ، عن عامرٍ وإبراهيمَ ، قالا : الهِجْرانُ فى المَضْجَع
ألّا يُضاجِعَها على فراشٍ (٥) .
حدَّثنى يعقوبُ بنُّ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا مُغِيرةٌ ، عن إبراهيمَ
(١) أخرجه البيهقى ٣٠٣/٧ من طريق عبد الله بن صالح به، وهو تمام الأثر المتقدم فى ص ٦٩٥ .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٤٣/٣ (٥٢٧٢) من طريق خصيف به بنحوه .
والسياق بعده فى النسخ كما ترى، وهو قول آخر فى تفسير الهجر وأنه ترك قربها فى الفراش حتى ترجع،
فصوابه أن يزاد هذا أو نحوه فى هذا الموضع، وينظر تعليق الشيخ شاكر على هذا الموضع.
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٠١/٤ عن أبى بكر بن عياش به .
(٤) تفسیر مجاهد ص ٢٧٥.
(٥) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٠١/٤ عن جرير به .

٧٠٣
سورة النساء : الآية ٣٤
قالا : يَهْجُرُ
والشعبيّ، أنهما قالا فى قوله: ﴿ وَأَهْجُرُوهُنَّ فِى الْمَضَاجِعِ﴾
مُضاجَعتَها حتى تَرجِعَ إلى ما يُحِبُّ(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن
مُغِيرةَ، عن إبراهيمَ والشعبىِّ ، أنهما كانا يقولان: ﴿وَأَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾.
قالا : يَهْجُرُها فى المَضْجَعِ .
حدَّثنا المُثَنَّى، قال : ثنا حِبَّنُ، قال: ثنا ابنُ المباركِ، قال: ثنا شَرِيكَ، عن
خُصَيفٍ، عن مِقْسَم: ﴿وَأَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾. قال: هَجْرُها فى مَضْجَعِها
ألا يَقرَبَ فِراشَها (٢) .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا أبى، عن موسى بنِ عُبَيدةَ، عن محمد بنِ كعبٍ
القُرَظِيِّ، قال: ﴿وَأَهْجُرُوهُنَّ فِ الْمَضَاجِعِ ﴾. قال: يَعِظُها بلسانِهِ ، فإن أَعْتَبَت فلا
سبيلَ له عليها، وإن أَبَت هَجَر مَضْجَعَها ).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن
الحسنِ وقتادةً فى قوله: ﴿ فَعِظُوهُنَ وَأَهْجُرُوهُنَّ﴾. قالا: إذا خاف نُشوزَها
وَعَظَها، فإِن قَبِلَت وإلا هَجَر مَضْجَعَها(4).
/حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَأَهْجُرُوهُنَّ ٦٥/٥
فِي الْمَضَاجِعِ ﴾. قال: تَبدَأَ يا بنَ آدمَ فَتَعِظُها ، فإن أَبَت عليك فاهجُزْها . يعنى به
فِراشَها .
(١) تفسير مجاهد ص ٢٧٥، وأخرجه ابن أبى شيبة ٤٠١/٤ من طريق مغيرة به بنحوه.
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٠١/٤ من طريق شريك عن حصين عن مقسم وعكرمة .
(٣) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٤٣/٣ عقب الأثر (٥٢٧١) معلقا .
(٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٥٨.

٧٠٤
سورة النساء : الآية ٣٤
وقال آخرون: معنى قوله: ﴿ وَأَهْجُرُ وهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾: قولوا لهنَّ مِن القولِ
هُجْرًّا فى تَرْكِهنَّ مُضاجَعَتَكم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا الثورىُّ ، عن
رجلٍ، عن أبى صالح، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿ وَأَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاچِعِ ﴾
قال: يَهْجُرُها بلسانِه، ويُغْلِظُ لها بالقولِ، ولا يَدَعُ جِماعَهاً ).
وبه قال: أخبرنا الثورىُّ، عن خُصَيفٍ، عن عِكْرمةَ، قال: إنما الهِجْرانُ
بالمنطقِ أن يُغْلِظَ لها، وليس بالجِماعِ(٢).
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا مُغيرةُ، عن أبى
الضُّحی فی قوله : ﴿ وَاهْجُرُوهُنَّ في المضاجعِ ﴾ . قال : يهجُرُ بالقولِ ، ولا يهُرُ
مُضاجَعتَها حتى تَرجِعَ إلى ما يريدُ(٢) .
حدَّثنا المُثَنَّى، قال : ثنا حَِّانُ بنُ موسى، قال: أخبرنا ابنُ المُباركِ ، قال : ثنا
عبدُ الوارثٍ بنُ سعيدٍ ، عن رجلٍ، عن الحسنِ، قال: لا يَهجُرُها إلا فى المَبِيتِ (٤)؛
فى المَضْجَعِ، ليس له أن يَهجُرَ فى كلامٍ ولا شىءٍ إلا فى الفراشِ .
حدَّثنَى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ ، قال: ثنى يَعْلَى، عن سُفيانَ فى قولِه :
(١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٥٨.
(٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٥٨، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٤٣/٣ (٥٢٧٢) عن الحسن بن يحيى
به ، وابن أبى شيبة ٤٠٢/٤ من طريق حصين ، عن عكرمة .
(٣) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٤٣/٣ عقب الأثر (٥٢٧٢) معلقًا .
(٤) فى ص، ت ١، س: ((البيت)).

٧٠٥
سورة النساء : الآية ٣٤
﴿ وَأَهْجُرُوهُنَّ فِى الْمَضَاجِعِ﴾. قال: فى مُجامَعتِها، ولكن يقولُ لها: تَعالَىْ،
وافعَلى. كلامًا فيه غِلْظةٌ، فإذا فَعَلَت ذلك، فلا يُكَلِّفْها أن تُحِيَّه، فإن قلبَها(١) ليس
فى يَدَیها .
ولا معنَى للهَجْرِ فى كلامِ العربِ إلا على أحدٍ ثلاثةِ أَوجهٍ :
أحدُها : هَجْرُ الرجلِ كلامَ الرجلِ وحديثَه . وذلك رَفْضُه وتَرْكُه، يقالُ منه :
هَجَر فلانٌ أهلَه يَهْجُرُها هَجْرًا وهِجْرانًا .
والآخرُ : الإ كثارُ من الكلام بتزدیدٍ ، کھیئةٍ کلام الهازئ، يقال منه : هَجَر فلانٌ
فى كلامِه يَهْجُرُ هَجْرًا. إذا هَذَى ومَدَّد الكلمةَ. وما زالَتْ تلك هِجِيراه وإهْجِيرَاه .
ومنه قولُ ذى الرُّمَّةِ(٢) :
رَمَى فَأَخْطَأ والأقدارُ غالِبةٌ فَانْصَعْنَ(٣) والوَيلُ هِجِيرَاهُ(٤) والحَرَبُ(٥)
والثالثُ : هجْرُ البعيرِ، إذا رَبَطَه صاحبُه بالِهِجَارِ ؛ وهو حبلٌ يُربَطُ فى حَقْوَيها
ورُسْغِها، [٥٣٨/١و] ومنه قولُ امرئ القيس(١):
رَأَتْ هَلَكًا (٧) بنِجَافِ (٨) الغَبِيطِ (٩) فَكَادَت تَّجُهُ(١) لِذاكَ الهِجَارًا
فأما القولُ الذى فيه الغِلْظةُ والأَذَى ، فإنما هو الإِهجارُ، ويقالُ منه: أَهْجَر فلانٌ
(١) فى ص: (( قلبه)) .
(٢) ديوانه ١/ ٧١.
(٣) انصعن: تفرّقْن. التاج (ص وع).
(٤) هجيراه : دأبه وديدنه وشأنه وعادته. التاج (هـ ج ر) والبيت فيه .
(٥) الحرب: أن يسلب الرجل ماله. التاج (ح ر ب).
(٦) ديوانه ص ٢٠٦.
(٧) الهلك : المهواة بين الجبلين. اللسان (هـ ل ك). والبيت فيه .
(٨) النجاف جمع نجفة: أرض مستديرة مشرفة على ما حولها. التاج (ن ج ف ) والبيت فيه .
(٩) الغبيط : أرض لبنى يربوع. معجم البلدان ٣/ ٧٧٤.
(١٠) تجد : تقطع. اللسان (ج د د ).
( تفسير الطبرى ٤٥/٦ )

٧٠٦
سورة النساء : الآية ٣٤
فى مَنْطِقِه - إذا قال الهُجْرَ، وهو الفُخْشُ من الكلام - يُهْجِرُ إهجارًا وهُجْرًا .
فإذ كان لا وَجْهَ للهَجْرِ فى الكلامِ إِلا أحدَ المعانى الثلاثةِ ، وكانت المرأةُ المخوفَ
نُشوزُها ، إنما أُمِر زوجها بوَعْظِها لتُنِيبَ إلى طاعتِه فيما يجبُ عليها له من مُوافاتِه عندَ
دعائِه إياها إلى فِراشِه - فغيرُ جائزٍ أن تكونَ عِظَتُه لذلك، ثم تَصيرُ المرأةُ إلى أمرِ اللَّهِ
وطاعةِ زوجِها فى ذلك، ثم يكونُ الزوجُ مأمورًا بهَجْرِها فى الأمرِ الذى كانت عِظَتُه
إياها عليه .
وإذ كان ذلك كذلك، بَطَل قولُ مَن قال: معنى قوله: ﴿ وَأَهْجُرُوهُنَّ فِى
اَلْمَضَاجِعِ ﴾: واهجروا جِماعَهن.
أو يكونُ - إذ بطَل هذا المعنى - بمعنَى (١) : واهُروا كلامَهنَّ بسببِ هَجْرِهن
مَضاجِعَكم . وذلك أيضًا لا وَجْهَ له مفهومٌ ؛ لأن اللَّهَ تعالى ذكرُه قد أخبرَ على لسانٍ
نبيِّه عَِّ أنه لا يَحِلُّ لمسلم أن يَهْجُرَ أخاه فوقَ ثلاثٍ(٢). على أن ذلك لو كان حَلالًا
لم يكنْ لهَجْرِها فى الكلامِ معنًى مفهومٌ ؛ لأنها إذا كانت عنه مُنصرِفَةً ، وعليه
ناشِزًا، فمن سُرورِها ألا يُكلِّمَها ولا يَراها ولا تَراه ، فكيف يُؤْمَرُ الرجلُ فى حالٍ
بُغْضِ امرأتِه إياه، وانصِرافِها عنه بتَوْكِ ما فى تَرْكِه سُرورُها مِن تَركِ جِماعِها
ومُحَادَثَتِها(١) وتَكْليمِها، وهو يُؤْمَرُ بضَرْبِها لتَوْتدِعَ عما هى عليه؛ من تَوْكِ ( طاعةٍ
اللَّهِ فى تركُِ) طاعتِه إذا دَعاها إلى فِراشِه، وغيرِ ذلك مما يَلزَمُها طاعتُه فيه .
أو يكونُ - إذ فَسَد هذان الوجهان - يكونُ معناه : واهُروا فى قولِكم لهم .
(١) فى النسخ: ((فمعنى)) . والمثبت صواب السياق .
(٢) أخرجه البخارى (٦٠٧٦) من حديث أنس، وفى (٦٠٧٧) من حديث أبى أيوب .
(٣) فى م: (( مجاذبتها )).
(٤ - ٤) سقط من : م .

٧٠٧
سورة النساء : الآية ٣٤
بمعنى : رَدِّدُوا عليهنَّ كلامَكم إذا كَلَّمْتُموهنَّ بالتَّغْلِيظِ لهنَّ. فإن كان ذلك معناه،
فلا وَجْهَ لإعمالِ الهَجْرِ فى كنايةِ أسماءِ النساءِ الناشزاتِ - أعنى فى الهاءِ والنونِ مِن
قوله: ﴿وَأَهْجُرُوهُنَّ﴾. لأنه إذا أُرِيد به ذلك المعنى، كان الفعلُ غيرَ واقعٍ(١) ، إنما
يقالُ: هَجَر فلانٌ فى كلامِه . ولا يقالُ: هَجَر فلانٌ فلانًا .
فإذ كان فى كلِّ هذه المعانى ما ذَكَّرنا من الخلَلِ اللاحِقِ، فأولى الأقوالِ
بالصوابِ فى ذلك أن يكونَ قولُه: ﴿وَأَهْجُرُوهُنَّ﴾. مُوَجَّهَا معناه إلى معنى الرَّبْطِ
بالهِجَارِ ، على ما ذكرنا من قيلِ العربِ للبعيرِ إذا رَبَطه صاحبه بحبلٍ على ما وَصَفنا :
هَجَره فهو يَهْجُرُه هَجْرًا(١).
وإذا كان ذلك معناه، كان تأويلُ الكلام: واللاتى تَخافون نُشُوزَهنّ،
فِعِظُوهُنَّ فى نُشُوزِهِنَّ عليكم ، فإن اتَّعَظْنَ فلا سبيلَ لكم عليهنَّ، وإن أَبَيْنَ الأَوْبةَ
من نُشوزِهن، فاستَوثِقوا منهنَّ رِباطًا فى مَضاجِعِهِنَّ (١) . يعنى: فى مَنازلِهِنَّ ويُيُوتِهِنَّ
التى يَضْطَجِعن فيها ويُضاجِعْنَ فيها أزواجهنَّ.
كما حدَّثنى عباسُ بنُ أبى طالبٍ ، قال : ثنا يحيى بنُ أبى بُكَيرٍ، عن شِئْلٍ،
قال: سمِعتُ أبا قَرَعَةَ يُحدِّثُ عن(٤) عمرو بن دينارٍ، عن حكيمِ بنِ مُعاويةً، عن
أبيه، أنه جاء إلى النبيّ عَ لِّ فقال: ما حَقُّ زوجةٍ أَحدِنا عليه؟ قال: ((يُطْعِمُها،
(١) غير واقع: يعنى لازما، والفعل الواقع: هو المتعدى. المصطلح النحوى ص ١٨٠.
(٢) رد العلماء على المصنف فى اختياره هذا القول فى تفسير قوله تعالى: ﴿فاهجروهن﴾ ينظر مثلا أحكام
القرآن لابن العربى ٤١٨/١ وما بعدها، والكشاف ٥٢٤/١، ٥٢٥.
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((مضاجعتهن)).
(٤) قوله: ((عن)). كذا فى النسخ ومطبوعة مسند أحمد، والصواب حذفها كما فى مخطوطة الرياض من
المسند - ذكره الشيخ شاكر - وتفسير النسائى ، ومعجم الطبرانى. وينظر أطراف المسند ٣٢٦/٥ (٧٢٣٥).

٧٠٨
سورة النساء : الآية ٣٤
ويَكْسُوها ، ولا يَضْرِبُ الوَجْهَ، ولا يُقَبِّحُ، ولا يَهْجُرُ إلا فى البيتِ (١))).
حدَّثنا الحسنُ بنُ عَرفةَ، قال: ثنا يزيدُ (١)، عن شُعبةَ بنِ الحَجَّاج، عن أبى قَزَعَةَ،
عن حكيم بنِ مُعاويةً، عن أبيه، عن النبيِّ ◌َ ◌ِّ نحوَه (١).
٦٧/٥
حدَّثنى المُثَنَّى ، قال : ثنا حِبَّانُ بنُ موسى ، قال : ثنا ابنُ المباركِ ، قال : أخبرنا
بَهْزُ ابنُ حكيم، / (" عن أبيه) ، عن جدِّه، قال: قلتُ : يا رسولَ اللهِ ، نِساءُنا ، ما نأتی
منها وما نَذَرُ؟ قال: ((حَرْثُك، فَأْتِ حَرْثَك أنَّى شِئْتَ، غيرَ أَلا تَضْرِبَ الوَجْهَ، ولا
تُقَبِّحَ، ولا تَهْجُرَ إلا فى البيتِ ، وَأَطْعِمْ إذا طَعِمْتَ، واكْسُ إذا اكتَسَيتَ، كيف وقد
أَفْضَى بعضُكم إلى بعضٍ؟ إلا بما حَلَّ عليها(٥)).
وبنحوِ الذى قُلنا فى تأويلٍ ذلك قال ◌ِدَّةٌ من أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المُثَنَّى ، قال : ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ ، قال: أخبرنا هُشَيمٌ ، عن الحسنِ ،
قال: إِذا نَشَزَت المرأةُ على زوجِها، فليَعِظُها بلسانِهِ ، فإن قَبِلَت فذاك، وإلا ضَرَبها
(١) فى م: ((المبيت)).
والحديث أخرجه أحمد ٤٤٦/٤ (الميمنية)، والنسائى فى الكبرى (١١٤٣١)، والطبرانى فى ٤٢٧/١٩
(١٠٣٨)، من طريق يحيى بن أبى بكير به بأطول مما هنا .
(٢) بعده فی س: (( بن محمد )). ومکان کلمة (( محمد )) بیاض فی ص ، ت ١، ت ٢، ت ٣. وصوابه یزید
ابن هارون .
(٣) أخرجه أحمد ٤٤٧/٤ (الميمنية)، والنسائى فى الكبرى (١١١٠٤)، وابن ماجه (١٨٥٠)، والطبرانى
٤٢٨/١٩ (١٠٣٩)، من طریق یزید به .
(٤ - ٤) سقط من النسخ، والمثبت من مصادر التخريج .
(٥) فى س: ((عليهن))، وهى رواية فى المسند.
والحديث أخرجه أحمد ٥/ ٣، ٥ (الميمنية) وأبو داود (٢١٤٣)، والنسائى فى الكبرى (٩١٦٠) من طريق
بهز به .

٧٠٩
سورة النساء : الآية ٣٤
ضَرْبًا غيرَ مُبَرِّح، فإن رَجَعَت فذاك، وإلا فقد حَلَّ له أن يَأْخُذَ منها ويُخَلِّيَها .
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن الحسنِ بنِ عُبَيدِ اللَّهِ، عن أبى الضُّحَى،
عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿وَأَهْجُرُوهُنَّ فِى الْمَضَاجِعِ وَأَضْرِبُوهُنَّ﴾. قال : يَفعَلُ بها
ذاك ويَضْرِئُها حتى تُطِيعَه فى المضاجع، فإذا أطاعتَه ( فى المَضْجَع ، فليس له عليها
سبيلٌ إذا ضاجَعَتهُ(١) .
حدَّثنى المُثَنَّى ، قال: ثنا حِبَّانُ ، قال: ثنا ابنُ المباركِ، قال: أخبرنا يحيى بنُ
بِشْرٍ، أنه سمِع ◌ِكْرمةَ يقولُ فى قوله: ﴿وَأَهْجُرُوهُنَّ فِى الْمَضَاجِعِ وَأَضْرِبُوهُنَ﴾:
ضَرْبًا غيرَ مُبَرِّح. قال: قال رسولُ اللَّهِ عَه: ((اضْرِبُوهنَّ إذا عَصَينَكم فى المعروفِ
ضَرْبًا غیرَ مُبِّحٍ)) .
قال أبو جعفرٍ: فكلُّ هؤلاء الذين ذكّرنا قولَهم لم يُوجِبوا للهَجْرِ معنّ غيرَ
الضَّرْبِ، ولم يُوجِبوا هَجْرًا - إذا كان هَيْئَةً من الهيئاتِ [٥٣٩/١ و] التى تكونُ بها
المضروبةُ عندَ الضَّرْبِ، مع دَلالةِ الخبرِ الذى رواه ◌ِكْرمةُ عن النبيِّ عَ لِّ، أنه أُمَر
بضَرْبِهِنَّ إذا عَصَيْنَ أزواجهنَّ فى المعروفِ، مِن غيرِ أمرٍ منه أزواجهنَّ بهَجْرِهنَّ - لِما
وَصَفنا من العِلَّةِ .
فإن ظَنَّ ظانٌّ أن الذى قُلنا فى تأويلِ الخبرِ عن النبيِّ عَ ◌ِّ الذى رَواه عِكْرمةُ ،
ليس كما قلنا، وصَعَّ أن تَوْكَ النبيِّ يَّهِ أمرَ الرجلِ بهَجْرِ زوجتِه إذا عَصَته فى
المعروفِ، وأمَره بضَرْبِها قبلَ الهَجْرِ ، لو كان دليلًا على صحةٍ ما قُلنا من أن معنى
الهَجْرِ هو ما بَيِّنَّه - لَوَجَب أن يكونَ لا معنَى لأمرِ اللَّهِ زوجَها أن يَعِظَها إذا هى
(١ - ١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٠١/٤ من طريق الحسن بن عبيد الله به بنحوه .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥٥/٢ إلى المصنف .

٧١٠
سورة النساء : الآية ٣٤
نَشَرَت، إذ كان لا ذِكْرَ للعِظَةِ فى خبرِ عِكْرمةَ عن النبيِّ عَ لَّمِ - فإن الأمرَ فی ذلك
بخلافٍ ما ظَنَّ، وذلك أن قولَه مَّ ◌َهِ: ((إذا عَصَيْنَكم فى المعروفِ)). دَلالٌ بَيِّنةٌ أنه لم
يُيِح للرجلِ ضَرْبَ زوجتِه إلا بعدَ عِظَتِها مِن نُشوزِها ، وذلك أنه لا تكونُ له عاصِيةٌ
إلا وقد تقدَّم منه لها أمرٌ أو عِظَةٌ بالمعروفِ على ما أمَر اللَّهُ تعالى ذكرُه به .
القولُ فى تأويلٍ قوله: ﴿ وَأَضْرِبُوهُنٍّ ﴾ .
يعنى بذلك جلّ ثناؤه: فِظُوهِنَّ أَيُّها الرجالُ فى نُشوزِهِنَّ، فإن أَبَيْنَ الإِیابَ
إلى ما يَلْزَمُهنَّ لكم، فشُدُّوهنَّ وَثاقًا فى منازِلِهنَّ، واضرِبوهنَّ لِيَؤُبْنَ إلى الواجبِ
عليهن من طاعةِ اللَّهِ فى اللازمِ لهنّ مِن محُقوقِكم .
وقال أهلُ التأويلِ: صفةُ الضَّرْبِ التى أباحَ اللَّهُ لزوج الناشزِ أن يَضْرِبَها،
الضَّرْبُ غيرُ المُرِّح.
/ذكرُ مَن قال ذلك
٦٨/٥
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال : ثنا حَكَامٌ ، عن عمرو ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جُبِيرٍ :
﴿ وَأَضْرِ بُوهُنٌ﴾ . قال : ضربًا غيرَ مُبَرِّحٍ .
حدَّثنا ابنُ محُمَيدٍ ، قال: ثنا يحيى بنُ واضح ، قال: أخبرنا أبو حمزةَ، عن عطاءٍ
ابنِ السائبِ ، عن سعيدِ بنِ جُبِيٍ مثلَه .
حدَّثنا ابنُ محُمَيدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغيرةَ، عن الشعبىِّ، قال: الضَّرْبُ غيرُ
(١)
مُبِّح().
حدَّثنى المُثَنَّى، قال : ثنا حِبَّانُ بنُ موسى ، قال: ثنا ابنُ المباركِ ، قال : أخبرنا
(١) فى م: ((المبرح)).

٧١١
سورة النساء : الآية ٣٤
شَرِيكٌ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جُبِيرٍ، عن ابنِ عباسٍ :
وَأَضْرِبُوهُنَّ﴾. قال: ضَرْبًا غيرَ مُبِّحِ .
حدَّثنا المُثَنَّى ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنى معاويةُ ، عن عليّ بنِ أبى طلحةً،
عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَأَهْجُرُوهُنَّ فِ الْمَضَاِعِ وَأَضْرِ بُوهُنٍ﴾. قال: تَهْجُرُها فى
المَضْجَع ، فإن أقبَلَت وإلا فقد أذِن اللَّهُ لك أن تَضْرِبَها ضَرْبًا غيرَ مُبِّح، ولا تَگِولها
٥
عَظْمًا ، فإن أقبلَت ، وإلا فقد حَلَّ لك منها الفِدْيةُ(٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحبى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ ، عن
الحسنِ وقتادةَ فى قوله: ﴿ وَأَضْرِبُوهُنٍ﴾. قال: ضربًا غيرَ مُبَرّحٍ(١).
وبه قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا ابنُ مُرَيج، قال : قلتُ لعطاءٍ :
وَأَضْرِبُوهُنٍّ﴾؟ قال: ضربًا غيرَ مُبَرُّحٍ().
حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، قال : ثنا سعيدٌ ، عن قتادةً:
وَأَهْجُرُوهُنَّ فِى الْمَضَاجِعِ وَآَضْرِبُوهُنٍّ﴾. قال: تَهْجُرُها فى الْمَضْجَعِ، فإن أَبَتْ
عليك فاضرِبْها ضربًا غيرَ مُبَرِّحٍ ، أى : غيرَ شائنٍ .
حدَّثنا المُثَنَّى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا ابنُ عُيَينةَ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن
عطاءٍ فى قوله: ﴿ وَأَضْرِ بُوهُنَّ﴾. قال: يَضْرِبُها ضربًا غيرَ مُبَرِّحُ. قال: السِّوَاكُ
وشِبْهُه ، يَضرِبُها به .
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٥٨/٢.
(٢) أخرجه البيهقى ٣٠٣/٧ من طريق أبى صالح به، وهو من تمام الأثر المتقدم فى ص ٦٩٤ .
(٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٥٨.
(٤ - ٤) فى م، ت ٢: ((قال: قلت لابن عباس: ما الضرب غير المبرح؟)).

٧١٢
سورة النساء : الآية ٣٤
حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعيدِ الجَوْهَرِىُّ، قال: ثنا ابنُ عُيَينةَ، عن ابنٍ تُجرَيجٍ، عن
عطاءٍ، قال: قلتُ لابنِ عباسٍ ، ما الضربُ غيرُ المُرِّح؟ قال: بالسِّوَاكِ ونحوِه .
حدَّثنا المُنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ موسى، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ ، قال : أخبرنا
ابنُ عُيَينةَ، عن ابنِ جُرَيج، عن عطاءٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ سَظلم فى خُطبتِه: ((ضَرْبًا
غيرَ مُبَرِّحٍ)). قال: السّوَاكُ ونحوُه(٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجْ، قال: قال رسولُ
اللَّهِ مَ له: ((لا تَهْجُروا النساءَ إِلا فى المضاجِعِ، واضرِبُوهنَّ ضَرْبًا غيرَ مُبَرِّحٍ)).
* (٣)
يقولُ : غيرَ مُؤَثِّرٍ(٢) .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: حدَّثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عطاءٍ:
( وَأَضْرِبُوهُنَّ﴾. قال: ضَرْبًا غيرَ مُبَرِّجٍ.
حدَّثنا المُثُّنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ ، قال: ثنا يحيى بنُ
بِشْرٍ، عن عِكْرمةَ مثلَه (٤) .
٦٩/٥
/ حدِّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشّدِّىِّ: ﴿ وَأَضْرِبُوهُنَّ﴾. قال: إن أَقبَلَت فى الهِجْرانِ، وإلا ضرَبها ضَرْبًا غيرَ
مُېڑِّحٍ.
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا أبى ، عن موسى بنِ عُبَيدةَ ، عن محمدِ بنِ كعبٍ ،
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥٥/٢ إلى المصنف.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٤٤/٣ (٥٢٧٥) من طريق ابن عيينة به دون المرفوع.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥٥/٢ إلى المصنف.
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٠٢/٤ من طريق حصين ، عن عكرمة .

٧١٣
سورة النساء : الآية ٣٤
قال: تَهْجُرُ مَضْجَعَها ما رأيتَ أن تَنْزِعَ، فإن لم تَنْزِعْ ضَرَبها ضَرْبًا غيرَ مُبَرِّحٍ .
حدَّثنى المُنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن يونسَ، عن
الحسنِ: ﴿ وَأَضْرِ بُوهُنٍّ﴾. قال: ضربًا غيرَ مُبَرِّحٍ .
حدَّثْنى المُنَّى ، قال : ثنا حِبَّانُ ، قال : ثنا ابنُ المباركِ، قال : أخبرنا عبدُ الوارثِ
ابنُ سعيدٍ، عن رجلٍ، عن الحسنِ: ضَرْبًا غيرَ مُبَرِّحِ: غيرَ مُؤَثِّرٍ (١).
[٣٩/١فظ] القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿فَإِنَّ أَطَعْنَصِكُمْ فَلَ نَبْغُواْ عَلَيْهِنَ
سَبِيلاً﴾
.
يعنى بذلك جلّ ثناؤه: فإن أَطَعْنَكُمْ(٢) أيُّها الناسُ نساؤكم اللاتى تَخافون
نُشوزَهنَّ عندَ وَعْظِكم إيَّهن، فلا تَهْجُرُوهن فى المضاجع، فإن لم يُطعنَكم،
فاهجُرُوهنَّ فى المضاجع واضرِبوهنَّ، فإن راجَعْنَ طاعتكم عندَ ذلك، وفِتْنَ " إلى
الواجبِ عليهنَّ، فلا تَطْلُبُوا طريقًا إلى أذاهنَّ ومَكْرُوهِهِنَّ، ولا تَلْتَمِسوا سبيلاً إلى ما
لا يَحِلُّ لكم من أبدانِهِنَّ وأموالِهن بالعِلَلِ ، وذلك أن يقولَ أحدُ کم لإحداهن وهی له
مُطِيعٌ : إنكِ لستِ تُحْيِّينِى، وأنت لى مُبْغِضةٌ . فيَضرِبُها على ذلك أو يُؤْذيها . فقال
اللَّهُ تعالى للرجالِ: ﴿فَإِنَّ أَطَعْنَكُمْ﴾. أى: على بُغْضِهنَّ لكم، فلا تَجنّوا عليهن،
ولا تُكَلِّفوهنَّ مَحَبَّتَكم ؛ فإن ذلك ليس بأيديهن، فتَضْرِبوهنَّ أَو تُؤْذُوهنَّ عليه.
ومعنى قوله: ﴿فَلَا نَبْغُواْ﴾ : لا تَلْتَمِسوا ولا تَطْلُبُوا. من قولِ القائلِ: بَغَيتُ
الضَّالَّةَ. إذا التَمسْتَها، ومنه قولُ الشاعرِ فى صفةِ الموتِ (٤) :
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٤ /٤٠٢، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٤٤/٣ (٥٢٧٤) من طريق حميد، عن الحسن.
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (( أطاعكم )).
(٣) فى س: ((رجعن)).
(٤) تقدم تخريج البيت فى ٥٠٢/٣ .

٧١٤
سورة النساء : الآية ٣٤
كأنَّك قد وَاعَدْتَه أمسٍ مَوْعِدَا
بَغاكَ وما تَبْغِيه حتى وَجَدْتَه
بمعنى : طَلَبك وما تَطْلُه .
وبنحوِ ما قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
عليّ بنٍ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا نَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ
سَبِيلاً﴾. قال: إذا أَطاعَتْكَ فلا تَتَجَنَّ عليها العِلَلَ (١).
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال: حدَّثنا جَرِيرٌ، عن الحسنِ بنِ عُبَيدِ اللَّهِ، عن أبى
الضُّحَى ، عن ابنِ عباسٍ ، قال: إذا أطاعَتْه فليس له عليها سبيلٌ إذا ضاجَعَتْه(٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا ابنُ جُرَيج
٧٠/٥ قوله: ﴿فَلَا نَبْغُواْ / عَلَيْهِنَ سَبِيلًا﴾. قال: العِلَلُ(٢).
وقال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: قال الثورىُّ فى قولِه: ﴿ فَإِنَّ أَطَعْنَكُمْ﴾ .
قال : إِن أَتَتِ(٤) الفِرَاشَ وهى تُبْغِضُهُ(٥) .
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا يَعْلَى، عن سُفيانَ، قال: إذا
فَعَلَت ذلك لا يُكَلِّفُها أن تُحِّه؛ لأن قلبَها ليس فى يدَيها .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٤٤/٣ (٥٢٧٧)، والبيهقى ٣٠٣/٧، من طريق أبى صالح به، وهو
تمام الأثر المتقدم فى ص ٦٩٨ .
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٤ / ٤٠١، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٤٤/٣ (٥٢٧٦) من طريق الحسن به بنحوه.
(٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٥٨.
(٤) فى ص، ت ١، س: ((أبت)).
(٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٥٨، وفى مصنفه (١١٨٧٨).

٧١٥
سورة النساء : الآيتان ٣٤ ، ٣٥
حدَّثنا المُنَّى، قال: ثنا أبو محذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن
مجاهدٍ ، قال: إن أطاعَتْه فَضاجَعَته، فإن اللَّهَ يقولُ: ﴿ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا نَبْغُواْ
عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ .
حدَّثْنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ: ﴿ فَإِنْ
أَطَعْنَكُمْ فَلَا نَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ﴾. يقولُ: فإن أطاعَتْكَ فلا تَبْغ عليها العِلَلَ(١).
٣٤
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (
يقولُ: إن اللَّهَ ذو عُلُوٌّ على كلِّ شىءٍ، فلا تَبْغُوا أيُّها الناسُ على أزواجِكم إذا
أَطَعْنَكُم فيما أَلْزَمَهِنَّ اللَّهُ لكم من حَقِّ سبيلاً ؛ لعُلُوّ أيديكم على أيديهن، فإن اللَّهُ
أعلى منكم ومن كلِّ شيءٍ، "وأعلى" منكم عليهن، وأكبرُ منكم، ومن كلّ
شىءٍ ، وأنتم فى يَدِهِ وَقَبْضتِهِ ، فاتَّقُوا اللَّهَ أن تَظْلِموهنّ وَتَبْغُوا عليهنّ سبيلًا وهن لكم
مُطِيعاتٌ، فيَنْتَصِرَ لهن منكم رَبُّكم الذى هو أعلى منكم ومن كلِّ شيءٍ، وأكبرُ
منكم ومن كلِّ شىءٍ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَأَبْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ،
وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَاً إِن يُرِيدَآ إِصْلَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَأْ﴾ .
يعنى بقوله جلّ ثناؤه: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾: وإن عَلِمتُم أيُّها الناسُ
◌ِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾، وذلك مُشَاقَّةُ كلِّ واحدٍ منهما صاحِبَه، وهو إتيانُه ما يَشُقُّ عليه
من الأمورِ. فأما من المرأةِ فالتُّشوزُ، وتَرْكُها أداءَ حَقِّ اللَّهِ عليها الذى ألزَمَها اللَّهُ
لزوجِها ، وأما مِن الزوج، فتَرْكُه إمساكها بالمعروفِ أو تَشْريحَها بإحسانٍ .
(١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٤٤/٣ عقب الأثر (٥٢٧٧) معلقا .
(٢ - ٢) فى ص، ت١، س: ((عليم).

٧١٦
سورة النساء : الآية ٣٥
والشِّقَاقُ مصدرٌ مِن قولِ القائل: شاقَّ فلانٌ فلانًا . إذا أتَى كلُّ واحدٍ منهما
إلى صاحبِه ما يَشُقُّ عليه من الأمورِ - فهو يُشَاقُّه مُشَاقَّةً وشِقاقًا ، وذلك قد يكونُ
عَداوةً .
كما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفُضَّل، قال: ثنا أسباطُ ،
عن الشُّدِّىِّ فى قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَدْنِهِمَا﴾. قال: إن ضَرَبها فأَبَت أن
تَرْجِعَ وشَاقَّتْه . يقولُ : عادَتْه.
وإنما أُضِيفَ ((الشِّقاقُ)) إلى ((البَينِ))؛ لأن البَيْنَ قد يكونُ اسمًا، كما قال
جلّ ثناؤه: (لقد تقطّعَ بَيْثُكُم) [الأنعام: ٩٤]. فى قراءةٍ مَن قرَأ ذلك(١).
وأما قولُه: ﴿فَأَبْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَاَ﴾. فإن أهلَ
التأويلِ اختَلَفوا فى المخاطَبِين بهذه الآيةِ ؛ مَن المأمورُ بَعْثَةِ الحكمَين؟ فقال بعضُهم:
المأمورُ بذلك السلطانُ الذى يُؤْفَعُ ذلك إليه .
٠ ٠
٧١/٥
/ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ ، قال : ثنا عبدُ الوهابِ ، قال: ثنا أيوبُ ، عن سعيدِ بنِ
◌ُجُبَيرٍ أنه قال فى المخْتَلِعةِ: يَعِظُها، فإن انتَهَت وإلا هَجَرها، فإن انتَهَت وإلا ضَرَبها ،
فإن انتَهَت وإلا رَفَع أمرَها إلى السلطانِ ، فيَبَعَثُ حَكَمًا من أهلِهِ وحَكَمًا من أهلِها ،
فيقولُ الحَكَمُ [٥٤٠/١و] الذى من أهلِها: يَفعَلُ بها كذا . ويقولُ الحَكَمُ الذى مِن
أهلِه: تَفْعَلُ به كذا (٢). فأيُّهما كان الظالمَ(١) ردَّه السلطانُ، وأَخَذ فوقَ يَديه، وإن
(١) أى برفع البين، وسيأتى تخريج هذه القراءة فى موضعها من التفسير.
(٢) بعده فى ص، ت ٢: (( وتفعل به كذا)).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((الحكم)).

٧١٧
سورة النساء : الآية ٣٥
كانت ناشِزًا أمَرِه أن يَخْلَعَ(١).
حدَّثنا يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبرنا جُوَيبٌ، عن
الضحاكِ: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَأَبْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِّنْ
أَهْلِهَاً﴾. قال : بل ذلك إلى السلطانِ .
وقال آخرون : بل المأمورُ بذلك الرجلُ والمرأةُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفُضَّل، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشّدِّىِّ: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَأَبْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِّنْ
أَهْلِهَاً﴾: إِنْ ضَرَبها، فإِن رَجَعَت فإنه ليس له عليها سبيلٌ، فإن أَبَت أن تَرْجِعَ
وشاقَّتْه، فليَبعَثْ حَكَمًا مِن أهلِهِ، وتَبْعَثْ حَكَمًا مِن أَهلِها .
ثم اختلف أهلُ التأويلِ فيما يُبعَثُ له الحكمان ، وما الذى يجوزُ للحكمَین من
الجُكْمِ بينَهما، وكيف وَجْهُ بَعْتِهما بينَهما ؟ فقال بعضُهم: يَبعَثُهما الزوجان
-(٢)
بتوكيلٍ منهما إياهما بالنظرِ بينَهما ، وليس لهما أن يَعْمَلا شيئًا فى أمرِهما إلا ما
وَكَّلاهما به، أو وكّله كلُّ واحدٍ منهما بما إليه، فيَعْمَلان بما وَكَّلهما به مَن وَكَّلَهما
مِن الرجلِ والمرأةِ فيما يجوزُ تَوكيلُهما فيه ، أو توكيلُ مَن وُكَّل منهما فى ذلك .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أيوبَ ، عن محمدٍ ، عن
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥٦/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((بتوكل))، وفى س: ((بقول كل)).

٧١٨
سورة النساء : الآية ٣٥
عَبِيدَةَ ، قال : جاء رجلٌ وامرأتُه بينَهما شِقاقٌ إلى علىِّ رضِى اللهُ عنه، مع كلِّ واحدٍ
منهما فِئامٌ من الناسِ ، فقال علىِّ رضِى اللهُ عنه: ابعثوا حَكَمًا مِن أهلِه وحَكَمًا من
أهلِها. ثم قال للحكَمَين: تَدْرِيان ما عليكما؟ عليكما؟ إن رأيتُما أن تَجْمَعًا ، أن
تَجْمَعا ، وإن رأيتُما أن تُفَرّقا، أن تُفَرّقا. قالت المرأةُ: رَضِيتُ بكتابِ اللَّهِ بما علىَّ فيه
ولى. وقال الرجلُ: أما القُرْقَةُ فلا. فقال علىِّ رضِى اللهُ عنه: كَذَبتَ واللَّهِ، لا تَنْقلِبُ
حتى تُقِرَّ بمثلِ الذى أقرّتْ به (٢) .
حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا هشامُ بنُ حَسَّانَ وعبدُ اللَّهِ
ابنُ عَوْنٍ، عن محمدٍ ، أن عليًّا رضِى اللهُ عنه أتاه رجلٌ وامرأتُه، ومع كلِّ واحدٍ
منهما فِئامٌ من الناسِ ، فأمَرهما علىِّ رضِى اللَّهُ عنه أن يَبْعَثا حَكَمًا مِن أهلِهِ وَحَكَمًا من
أهلِها ليَنْظُرا، فلما دنا منه الحَكَمان قال لهما علىِّ رضِى اللَّهُ عنه: أتدريان ما لكما؟
لكما إن رأيتُما أن تُفَرّقا فَقتُما ، وإن رأيتُما أن تَجْمَعا جَمَعْتُما . قال هشامٌ فى حديثه :
فقالت المرأةُ: رَضِيتُ بكتابِ اللَّهِ لى وعلىَّ. فقال الرجلُ: أما الفُرْقَةُ فلا. فقال
علىّ : كَذَبتَ واللَّهِ ، حتى تَوْضَى مثلَ ما رَضِيتَ به . وقال ابنُ عَوْنٍ فى حديثه :
كَذَبتَ واللَّهِ ، لا تَبْرَحُ حتى تَرْضَى بمثلِ ما رَضِيتَ به .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا منصورٌ
وهشامٌ، عن ابنِ سيرينَ، عن عَبِيدةَ، قال: شَهِدتُ عليًّا رضِى اللهُ عنه. فذكر
. (٣)
مثلَهُ(٣) .
(١ - ١) سقط من ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٢) أخرجه الشافعى فى الأم ٥/ ١٩٥، ومن طريقه البيهقى ٣٠٦/٧، وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١/
١٥٨، ١٥٩، وفى المصنف (١١٨٨٣) ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٤٥/٣ (٥٢٨٢)، وسعيد بن
منصور فى سننه (٦٢٨ - تفسير)، من طريق أيوب به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥٦/٢ إلى عبد بن
حميد وابن المنذر .
(٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٦٢٩ - تفسير) - ومن طريقه البيهقى ٣٠٦/٧ - عن هشيم به.

٧١٩
سورة النساء : الآية ٣٥
٧٢/٥
/حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفُضَّل، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُّدِّىٌّ، قال: إذا هَجَرها فى المَضْجَعِ وضَرَبها، فَأَبَت أن تَرْجِعَ وشاقَّتْه ، فليَبعَثْ
حَكَمًا من أهلِه ، وتَبعَثْ حَكَمًا من أهلِها، تقولُ المرأةُ لحَكَمِها: قد وَلَّتُك أمرى ،
فإن أمَرتَنى أن أَرجِعَ رَجَعْتُ ، وإن فَقتَ تَفَرَّقْنا. وتُخبِرُه بأمرِها؛ إن كانت تريدُ
نَفَقةٌ(١) ، أو كَرِهَت شيئًا من الأشياءِ، وتأمُرُه أَن يَرفَعَ ذلك عنها وتَرجِعَ ، أو تُخِرُه أنها
لا تريدُ الطلاقَ، ويَبعَثُ الرجلُ حَكَمًا من أهلِهِ يُولِيه أمرَه، ويُخِرُه ، يقولُ له حاجته إن
كان يريدُها ، أو لا يريدُ أن يُطَلِّقَها، أعطاها ما سألَت وزادَها فى النفقةِ ، وإلا قال له :
خُذْ لى منها ما لَها علىَّ وطَلِّقْها. فيُولِّيه أمرَه، فإن شاء طَلَّق، وإن شاء أمسَك، ثم
يَجتمِعُ الحَكَمان ، فيُخْبِرُ كلُّ واحدٍ منهما ما يريدُ لصاحبِهِ ، ويَجْهَدُ كلُّ واحدٍ منهما
ما يريدُ لصاحبِهِ ، فإن اتَّفَق الحَكَمان على شىءٍ فهو جائزٌ، إن طَلَّقًا، وإن أمسَكا ، فهو
قولُ اللَّهِ: ﴿فَأَبْعَثُواْ حَكَمَا مِّنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَاً إِن يُرِيدَآ إِصْلَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ
بَيْتَهُمَا﴾. فإن بَعَثَت المرأةُ حَكَمًا وَأَتَى الرجلُ أن يَبعَثَ ، فإنه لا يَقْرَبُها حتى يَبْعَثَ
حَكَمًا .
وقال آخرون: إن الذى يَبْعَثُ الحَكَمَين هو السلطانُ ، غيرَ أنَّه إنما يَبعَثُهما لِيَعْرِفا
الظالمَ من المظلوم منهما ، ليَحْمِلَهما على الواجبِ لكلِّ واحدٍ منهما قِبَلَ صاحبِهِ ،
لا(٢) التفريقِ بينَهما.
ذکرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارِ ، قال : ثنا عبدُ الأعلى ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ، عن
الحسنِ - وهو قولُ قتادةَ - أنهما قالا: إنما يُبْعَثُ الحَكَمان ليُصْلِحا ويَشْهَدا على
(١) فى ص، س: ((نفقته)).
(٢) فى س، ت ٢: ((إلا)).

٧٢٠
سورة النساء : الآية ٣٥
الظالم بظلمِه ، وأما الفُرْقَةُ فليسَت فى أيديهما)، ولم يَمْلِكا ذلك. يعنى: ﴿ وَإِنْ
خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَأَبْعَثُواْ حَكَمَا مِّنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَاً﴾(٢).
حدَّثْنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ ، قال : ثنا يزيدُ بنُ زُرَيع ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ قولَه :
وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِمَا فَأَبْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَاً ﴾ الآية:
إنما يُبْعَثُ الحَكَمان ليُصْلِحا، فإن أَعْيَاهما أن يُصْلِحا، شَهِدا على الظالم بظُلْمِه،
[٥٤٠/١ظ] وليس بأيديهما فُرْقةٌ، ولا يَمْلِكان ذلك(١).
حدَّثنی المُثَنَّى ، قال : ثنا أبو حذيفةً ، قال : ثنا شِئْلٌ ، عن قیسٍ بنِ سعدٍ ،
قال : وسألت عن الحكمین ، قال : ابعثوا حَگمًا مِن أهلِه وحَگمًا مِن أهلها ، فما حكم
الحَكَمان مِن شىءٍ فهو جائزٌ، يقولُ اللَّهُ تبارك وتعالى: ﴿إِن يُرِيدَآ إِصْلَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ
بَيْنَهُمَأُ﴾. قال: يَخْلو حكَمُ الرجلِ بالزوجِ، وحكم المرأةِ بالمرأةِ ، فيقولُ كلُّ واحدٍ
منهما لصاحبِهِ : اصدُقْنى ما فى نفسِك. فإذا صَدَق كلَّ واحدٍ منهما صاحبه،
اجْتَمَع الحَكَمان ، وأخَذ كلُّ واحدٍ منهما على صاحبِه مِيثاقًا لتَصْدُقَنِّى الذى قال لك
صاحبُك، ولأَصْدُ قَنَّك الذى قال لى صاحبى. فذاك حينَ أرادا الإصلاحَ، ﴿يُوَفِّقِ
اَللَّهُ بَيْتَهُمَاأُ﴾ . فإذا فَعَلا ذلك اطَّلَع كلُّ واحدٍ منهما على ما أفضَى به صاحبُه إليه،
فيَعْرِفان عندَ ذلك مَن الظالمُ والناشِزُ منهما ، فَأَتَيًا عليه، فحَكَما عليه ، فإن كانت
المرأةُ ، قالا : أنتِ الظالمةُ العاصِيةُ، لا يُنفِقُ عليك حتى تَرْجِعى إلى الحقِّ، وتُطِيعى
اللَّهَ فيه . وإن كان الرجلُ هو الظالمَ ، قالا: أنتَ الظالمُ المُضارِّ، لا تَدخُلْ لها بَبًا
(١ - ١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((بأيديهما)).
(٢) أخرجه البيهقى ٣٠٧/٧ من طريق سعيد به، من قول الحسن وحده .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٤٦/٣ (٥٢٨٥) من طريق يزيد به .
(٤) بعده فى م: ((عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد)) .