Indexed OCR Text
Pages 601-620
٦٠١ سورة النساء : الآية ٢٥ ١٩/٥ /فإن قال قائلٌ: فإن الآيةَ التى فى ((المائدةِ)) تَدُلَّ على إباحتِهنَّ بالنكاح. قيل: إن التى فى ((المائدةِ)) قد أبان أن حكمَها فى خاصٍّ مِن مُخْصناتِهم، وأنها مَغْنِىٌّ بها حرائرُهم دونَ إِمائِهم، قوله: ﴿مِّن فَنَيَتِّكُمُ الْمُؤْمِنَتِ﴾ . وليست إحدى الآيتين دافعًا(١) حكمُها حكمَ الأخرى، بل إحداهما مُبَيِّنَةٌ حكمَ الأخرى، وإنما تكونُ إحداهما دافعةً حكمَ الأخرى، لو لم يكنْ جائزًا اجتماُ ◌ُكْمَيْهما على صحةٍ . فأمَّا وهما جائزٌ اجتماعُ حُكْمَيْهما (١٢) على الصحةِ ، فغيرُ جائزٍ أن يُحْكَمَ لإِحداهما بأنها دافِعٌ حكمَ الأخرى، إلا بحُجَّةٍ يجبُ التسليمُ لها من خبرٍ أو قياسٍ ، ولا خبرَ بذلك ولا قياسَ، والآيةُ مُحتَمِلةٌ ما قلنا: والمحُصَناتُ من حَرائِ الذين أوتوا الكتابَ من قَبْلِكم دونَ إمائِهم . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَنِكُمْ بَعْضُكُمْ مِّنْ بَعْضٍ وهذا من المُؤخَّرِ الذى معناه التقديمُ . وتأويلُ ذلك : ومَن لم يَسْتَطِعْ منكم طَوْلاً أن يَنكِحَ المحصناتِ المؤمناتِ ، فمما مَلَكَت أيمانكم من فَتياتِكم المؤمناتِ ، فلْيَنْكِخِ بعضُكم من بعضٍ. بمعنى : فلْيَتْكِخْ هذا فتاةَ هذا. فـ ((البعضُ)) مرفوعٌ بتأويلِ الكلامِ ومعناه؛ إذ كان قولُه: ﴿ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾، فى تأويلِ: فليَنكِحْ مما مَلَكَت أيمانكم. ثم رُدَّ ﴿بعضُكم﴾ على ذلك المعنى فرُفِع . ثم قال جلّ ثناؤه: ﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَنِكُمْ﴾. أى: واللهُ أعلمُ بإيمانِ مَن آمَن منكم باللهِ ورسولِه ، وما جاء به من عندِ اللهِ ، فصَدَّق بذلك كلِّه، منكم . (١) فى م: ((دافعة)). (٢) فى النسخ: ((حكمهما)). والمثبت ما تستقيم به العبارة مع سابقتها. ٦٠٢ سورة النساء : الآية ٢٥ يقولُ: فليَنكِخْ مَن لم يَسْتَطِئ منكم طَوْلاً لحرةٍ ، مِن فتياتكم المؤمناتِ ، لینکِخْ هذا المُقْتِرُ الذى لا يَجِدُ طَوْلاً لحرَّةٍ، من هذا المُوسِرِ فتاتَه المؤمنةَ التى قد أَبْدَتِ الإيمانَ فَأَظْهَرَتْه، وكِلُوا سَرائرَهُنَّ إلى اللهِ ، فإنَّ عِلْمَ ذلك إلى اللهِ دونَكم، واللهُ أعلمُ بسَرائرِ كم وسَرائرِهنَّ. القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿فَأَنْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءَانُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ . يعنى بقوله جلّ ثناؤه: ﴿فَأَنْكِحُوهُنَّ﴾: فَتَزَوَّجوهنَّ. وبقولِه : ﴿ پِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾: بإذن أربابِهنَّ وأمرِهم إيَّكم بنكاحِهنَّ ورضاهم. ويعنى بقولِه : وَءَانُوهُنَ أُجُورَهُنَّ﴾: وأعطُوهنَّ مُهورَهنَّ. كما حدَّثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ . قال : الصَّداقُ . ويعنى بقولِه: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: على ما تَراضَيْتم به مما أحَلَّ اللهُ لكم، وأباحَه لكم أن تجعلوه مُھورًا لهن . القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَفِحَتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتٍ أَخْدَانٍ ﴾ . يعنى بقوله: ﴿مُحْصَنَاتٍ﴾: عفيفاتٍ، ﴿غَيْرَ مُسَفِحَتٍ﴾: غيرَ مُزانِياتٍ، ﴿ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾. يقولُ: ولا مُتَّخِذاتِ أصدقاءَ على السّفاحِ . وذُكِر أن ذلك قيل كذلك؛ لأن الزَّوَانِيَ كُنَّ فى الجاهليةِ فى العربِ، المُعلِناتِ بالزِّنى . والمُتَّخِذاتِ الأخدانِ : اللواتى قد حَبَسْن أنفسهن على الخليلِ والصديقِ، ٦٠٣ سورة النساء : الآية ٢٥ للفجورِ بها سِرًّا دونَ الإعلانِ بذلك. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثْنا المُثَنَّى، قال : ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالح، قال : ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، /عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿ مُحْصَنَتٍ غَيْرَ مُسَفِحَاتٍ [٥٢٥/١ظ] ٢٠/٥ وَلَا مُتَّخِذَاتٍ أَخْدَانٍ﴾. يعنى: تَنْكِحوهُنَّ عَفائفَ غيرَ زَوانٍ(١) فِى سِرٍّ ولا علانيةٍ. ﴿ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾. يعنى: أخِلَّاءَ(٢) . حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿غَيْرَ مُسَفِحَتٍ﴾: المسافِحاتُ المُعالِنَاتُ(٢) بالزّنى، ﴿ وَلَا مُتَّخِذَاتٍ أَخْدَانٍ ﴾ فذاتُ الخليلِ الواحدِ . قال: كان أهلُ الجاهليةِ يُحَرِّمون ما ظهَر مِن الزِّنى، ويَسْتَحِلُّون ما خَفِى ، يقولون: أما ما ظهَر منه فهو لُؤْمٌ ، وأما ما خَفِى فلا بأسَ بذلك. فأنزل اللهُ، تبارك وتعالى: ﴿ وَلَا تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَرَبٌ﴾ (٤) [الأنعام: ١٥١]. حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ الأُعلى، قال: ثنا مُعْتَمِرٌ، قال: سمِعتُ داودَ يُحدِّثُ عن عامٍ، قال: الزِّنى زِناءَانِ؛ تَزْنِى بالخِدْنِ ولا تَزْنِى بغيرِه، وتكونُ المرأةُ سَوْمًا(٥). (١) فى م: ((زوانى)). (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٢٢/٣ (٥١٥٢، ٥١٥٣، ٥١٥٥) من طريق عبد الله بن صالح به . (٣) فى ص: ((المعاليات))، وفى س: ((العالنات)). (٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤٢/٢ إلى المصنف . (٥) فى م: ((شؤمًا))، وفى س: ((شوما)). والسوم: عَرْضُ السلعة على البيع. وقال شمر: ساموهم: أرادوهم به ، وقيل : عرضوا عليهم . لسان العرب ( س وم ) . ٦٠٤ سورة النساء : الآية ٢٥ ثم قرَأَ: ﴿ مُحْصَنَتٍ غَيْرَ مُسَفِحَتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن الشُّدِّىِّ: أما المُحصناتُ فالعَفائفُ، فليَنْكِحِ الأُمَةَ بإذنِ أهلِها مُحصَنةٌ - والمُحصَناتُ العَفائفُ - غيرَ مُسافِحةٍ - والمُسافِحَةُ المُعَالِنَةُ بالزِّنى - ولا مُتَّخِذةً (١) صديقًا (١) . حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عیسی ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿ وَلَا مُتَّخِذَاتٍ أَخْدَانٍ﴾. قال : الخَلَيلةُ يَتَّخِذُها الرجلُ ، والمرأةُ تَتَخِذُ الخليلَ(٢) . حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ مثله . حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مُحْصَنَتٍ غَيْرَ مُسَفِحَتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾: المسافِحَةُ : البَغِىُّ التى تُؤَاجِرُ نفسَها مَن عرَض لها ، وذاتُ الخِدْنِ : ذاتُ الخليلِ الواحدِ ، فتَهاهم اللهُ عن نكاحِهما جميعًا . حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبِيدُ بنُ سليمانَ ، قال: سمِعتُ الضَّحاكَ بنَ مُزاحِم يقولُ فى قوله: ﴿ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَفِحَتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتٍ أَخْدَانٍ ﴾: أما المُحُصَناتُ فَهُنَّ الحَرَائِرُ، يقولُ: تَزوَّجْ حُرَّةٌ . وأما المُسافِحاتُ "فَهُنَّ المُعلِنَاتُ ) بغيرِ مَهْرٍ، وأما مُتَّخِذاتُ أخدانٍ فذاتُ الخليلِ (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٢١/٣، ٩٢٢ (٥١٤٢، ٥١٤٩، ٥١٥٤) من طريق أحمد بن المفضل به . (٢) تفسير مجاهد ص ٢٧٢ . (٣ - ٣) فى ص، ت٢: ((فهى المعالنة))، وفى س: ((فهى المبالغة)). ٦٠٥ سورة النساء : الآية ٢٥ الواحدِ المُسْتَسِرَّةُ به ، نهَى اللهُ عن ذلك (١). حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال : أخبَرَنا إسماعيلُ بنُ سالم، عن الشعبىّ، قال: الزِّنا وَجْهان قَبيحان، أحدُهما أخبَثُ من الآخرِ ؛ فأما الذى هو أخبَثُهما ، فالمُسافِحةُ التى تَفْجُرُ بَمَن أتاها، وأما الآخرُ : فذاتُ الخِدْنِ . حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه : مُحْصَنَتٍ غَيْرَ مُسَفِحَتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتٍ أَخْدَانٍ﴾. قال: المُسافِحُ الذى يَلْقَى المرأةَ فيَفجُرُ بها، ثم يَذْهَبُ وتذهَبُ، والمُخادِنُ (١) / الذى يُقِيمُ معها على معصيةٍ ٢١/٥ اللهِ وتُقِيمُ معه ؛ فذاك الأُخْدانُ . القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ فَإِذَا أُحْصِنَ : اخْتَلفتِ القَرَأَةُ فى قراءةِ ذلك(٣)؛ فقرأه بعضُهم: (فَإِذَا أَخْصَنَّ ). بفتحِ الأَلِفِ ، بمعنى: إذا أُسلَمْنَ، فصِرْنَ ممنوعاتِ الفُروجِ من الحرامِ بالإِسلامِ . وقرَأَه آخرون: ﴿ فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾، بمعنى: فإذا تَزَوَّجْنَ، فصِرْنَ ممنوعاتٍ الفُروجِ من الحرامِ بالأزواجِ . قال أبو جعفرٍ : والصوابُ من القولٍ فى ذلك عندى أنهما قِراءتان مَعْروفَتان مُسْتَفيضَتان فى أمصارِ الإسلامِ ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُّ فمصِيبٌ فى قراءتِهِ الصوابَ . فإن ظَنَّ ظَانٌّ أن ما قلنا فى ذلك غيرُ جائزٍ؛ إذ كانتا مُخْتَلِفَتَى المعنى، وإنما تجوزُ (١) أخرج ابن أبى حاتم بعضه فى تفسيره ٩٢٣/٣ (٥١٥٦) من طريق أبى معاذ به . (٢) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((الأخدان)). (٣) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر ﴿أُحصنَّ﴾ مضمومة الألف. وقرأ الكسائى وحمزة (أَحْصَنَّ) مفتوحة الألف. واختلف عن عاصم فروى عنه حفص ﴿أُخْصِنّ﴾ مضمومة . وروى عنه المفضل وأبو بكر (أَخْصَنّ) بالفتح. ينظر السبعة فى القراءات ص ٢٣٠، ٢٣١، وحجة القراءات ص ١٩٨. ٦٠٦ سورة النساء : الآية ٢٥ القراءةُ بالوجهين فيما اتفَقَت عليه المعانى، فقد أَغْفَل، وذلك أن مَعْنَتَئ ذلك وإن اختَلَفا، فغيرُ دافع أحدُهما صاحبه؛ لأن اللهَ قد أويجب على الأُمَّةِ ذاتِ الإسلامِ وغيرِ ذاتِ الإسلامِ على لسانِ رسولِه ◌ِّهِ، الحَدَّ. فقال صلى اللَّهُ عليه وسلّم: ((إذا زَنَتْ أَمَةُ أحدِ کم فلجْلِدها ، كتابَ اللهِ ، ولا يُتَرِّبْ عليها، ثم إن عادَت فلْيَضْرِئْها، كتابَ اللهِ ، ولا يُتَرِّبْ عليها، ثم إن عادَت فليَضْرِبْها، كتابَ اللهِ ، ولا يُتَرِّبْ عليها ، ثم إن زَنَتِ الرابعةَ فليَضْرِبْها ، كتابَ اللهِ ، ولْتِعْها ولو بحبلٍ من شَعَرٍ ))(١). وقال صلى اللَّهُ عليه وسلّم: ((أَقِيموا الحدودَ على ما مَلَكَت أيمانكم))(١). فلم يَخْصُصْ بذلك ذاتَ زوجٍ منهن ، ولا غيرَ ذاتِ زوجٍ، فالحدودُ واجبٌ على مَوالى الإماءِ إقامتُها عليهن - إذا فَجَزْنَ - بكتابِ اللهِ وأمرِ رسولِ اللهِ حَّهِ . فإن قال قائلٌ : فما أنت قائلٌ فيما حَدَّثكم به ابنُ بَشَّارٍ قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال : ثنا مالكُ بنُ أنس، عن الزهريِّ، عن تُبَيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ، عن أبى هريرةَ وزيدِ ابنِ خالدٍ، أن النبىَّ عَ لَّه سُئِل عن الأمةِ تَزْنى ولم تُحْصَنْ، قال: ((اجْلِدْها، فإن زَنَتْ فاجْلِدْها ، فإِن زَنَتْ فاجْلِدْها، فإن زَنَتْ - فقال فى الثالثة أو الرابعةِ - فبِعْها ولو بضَغِيرٍ)) (٢) . والصَّغِيرُ الشَّعَرُ. (١) أخرجه البخارى (٢١٥٢)، ومسلم (١٧٠٣)، والنسائى فى الكبرى (٧٢٤٥) من حديث أبى هريرة . (٢) أخرجه أحمد ١٣٨/٢ (٧٣٦)، وأبو داود (٤٤٧٣)، والنسائى فى الكبرى (٧٢٣٩، ٧٢٦٨، ٧٢٦٩) وغيرهم من حديث على بن أبى طالب . (٣) أخرجه مالك في الموطأ ٨٢٦/٢، ٨٢٧، ومن طريقه البخارى (٢١٥٣، ٢١٥٤)، ومسلم (٣٣/١٧٠٤). ٦٠٧ سورة النساء : الآية ٢٥ حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ عُيَينةَ، عن الزهرىِّ، عن عُبَيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ، عن أبى هريرةَ وزيدٍ بنِ خالدٍ (١، أن رسولَ اللهِ عََّّهِ سُئِل(١). فذكر نحوَهُ(١). فقد بَيَّنَ أن الحَدَّ [٥٢٦/١و] الذى وجَب إقامتُهُ بسُنَّةِ رسولِ اللهِ صَ لّهِ على الإماءِ، هو ما كان قبلَ إحصائِهِنَّ، فأما ما وجَب من ذلك عليهنَّ بالكتابِ ، فبعدَ إِحصانِهنَّ. قيل له : قد بَيَّنَّا أن أحدَ معانى الإحصانِ الإِسلامُ، وأن الآخَرَ منه : التزويجُ ، وأن الإحصانَ كلمةٌ تَشْتَمِلُ على معانٍ شَتَّى، وليس فى روايةِ مَن رَوَى عن النبيِّ يَِّ أنه سُئِل عن الأمةِ تَزْنَى قبلَ أن تُحْصَنَ، بيانُ أن التى سُئِل عنها النبىُّ عَ ◌ّهِ ، هى التى تَزْنى قبلَ التزويج، فيكونَ ذلك حُجَّةٌ لمُحْتَجٌّ فى أن الإحصانَ الذى سَنَّ صلى اللَّهُ عليه وسلَّم حَدَّ الإماءِ فى الزِّنى هو الإسلامُ دونَ التزويج، ولا أنه هو التزويجُ دونَ الإسلامِ . وإذ كان لا بيانَ فى ذلك ، فالصوابُ من القولِ أن كلٌّ مملوكةٍ زَنَتْ ، فواجِبٌ على مَولاها إِقامةُ الحَدِّ عليها، مُتزوِّجَةً كانت أو غيرَ مُتَزَوِّجَةٍ ، بظاهرٍ (٤) كتابِ اللهِ والثابتِ من سُنَّةِ رسولِ اللهِ عَّهِ، إلَّا مَن أَخْرَجه مِن وجوبِ الحدِّ عليه /مِنهنَّ بما يَجِبُ التسليمُ له، وإذا كان ذلك كذلك، تَبَيَّن به صحةُ ما احْتَرنا من القراءةِ فى ٢٢/٥ قولِه: ﴿ فَإِذَا أُحْصِنَ﴾ . فإن ظَنَّ ظانٌّ أن فى قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ (١) بعده فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((وسئل)). (٢) سقط من: ص ، ت١، ت٢، ت٣، س . (٣) أخرجه البخارى (٢٥٥٥، ٢٥٥٦) من طريق سفيان بن عيينة به . (٤) فى م: (( لظاهر)). (٥) كذا قال المصنف ، وهو لم يختر قراءة من القراءتين - كما سبق - بل الصواب عنده أنهما قراءتان صواب. ٦٠٨ سورة النساء : الآية ٢٥ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنْكُمْ مِّن فَنَيَتِّكُمُ الْمُؤْمِنَتِ دَلالةً على أن قوله: ﴿ فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾. معناه تَزَوَّجْن، إذ كان ذكرُ ذلك بعدَ وَصْفِهِنَّ بالإيمانِ بقولِه: ﴿مِّن فَنَيَتِكُمُ اُلْمُؤْمِنَتِ﴾، وحَسِبَ أن ذلك لا يَحْتَمِلُ معنًى غيرَ معنى التَّزْويج، مع ما تَقدَّم ذلك مِن وَصْفِهِنَّ بالإيمانِ - فقد ظَنَّ خطأً؛ وذلك أنه غيرُ مستحيلٍ فى الكلامِ أن يكونَ معنى ذلك: ومَن لم يَسْتطِعْ منكم طَوْلاً أن يَنْكِحَ المُحصَناتِ المؤمناتِ فمما مَلَكَت أيمانكم من فَتَياتِكم المؤمناتِ، فإذا هُنَّ آمَنَّ، فإِن أَتَينَ بفاحشةٍ ، فعليهنَّ نصفُ ما على المحصناتِ مِن العذابِ . فيكونُ الخبرُ مُجْتَدَأُ(١) عما يَجِبُ عليهنَّ من الحَدِّ إذا أَتَينَ بفاحشةٍ بعدَ إِيمانِهِنَّ، بعدَ البَيانِ عما لا يجوزُ لناكِحِهنَّ من المؤمنين من نِكاحِهنَّ، وعمَّن يجوزُ نِكاحُه له مِنهنَّ. فإذْ كان ذلك غیر مُستحیلٍ فی الکلام ، فغير جائزٍ لأحدٍ صَرْفُ معناه إلى أنه التّزْويجُ دونَ الإسلامِ؛ من أجلِ ما تَقدَّم مِن وَصْفِ اللهِ إياهنَّ بالإِيمانِ. غيرَ أن الذى نختارُ لمن قرَأ: ﴿ مُحْصَنَتٍ غَيْرَ مُسَفِحَتٍ﴾ بفَتْحِ الصادِ فى هذا الموضع، أن يقرأ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾. بِضَمِّ الأَلِفِ. ولمن قرَأْ: (مُخْصِناتٍ ) بكسرِ الصادِ فيه، أن يَقْرَأَ: (فإذا أَحْصَنَّ) بفتحِ الأَلِفِ؛ لِتَأْتَلِفَ قراءةُ القارئ على معنًى واحدٍ وسياقٍ واحدٍ ؛ لقُرْبٍ قولِه: (مُحصِناتٍ ). من قوله : (فإذا أَحْصَنَّ). ولو خالَف مِن ذلك لم يكنْ لَحْنًا، غيرَ أن وَجْهَ القراءةِ ما وصفتُ . وقد اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويل ذلك نظيرَ اختلافِ القَرَأَةِ فى قراءتِه ؛ فقال بعضُهم : معنى قولِه : (فَإِذَا أَحْصَنَّ) : فإذا أسْلَمْنَ . (١) فى م: ((بيانا)). ٦٠٩ سورة النساء : الآية ٢٥ ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ بَزِيع، قال: ثنا بِشْرُ بنُ المُفَضَّلِ، عن سعيدٍ ، عن(١) أبى مَعْشٍ، عن إبراهيمَ، أن ابنَ مسعودٍ ، قال: إسلامُها إحصائُها(٢). حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبرنى جَريرُ بنُ حازمٍ، أن سليمانَ بنَ مِهْرانَ حَدَّثه عن إبراهيمَ بنِ يزيدَ ، عن هَمَّامِ بنِ الحارثِ ، عن عمرو بنٍ شرحبيلَ(٣) أن مَعْقِلَ(٤) بنَ مُقَرِّنٍ سأل عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ، فقال: أَمَتِى زَنَتْ. فقال : اجلِدْها خمسين جلدةً . قال : إنها لم تُحْصَنْ. فقال ابنُ مسعودٍ : إحصانُها (٥) إسلامُها (٥) . حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال: ثنا سفيانُ، عن حَمَّادٍ ، عن إبراهيمَ، أن معقلَ(١) بنَ مُقَرِّنٍ سأل ابن مسعودٍ عن أَمَةٍ زَنَتْ وليس لها زوجٌ ، فقال : إسلامُها إحصائُها(٧). (١) فى النسخ: ((بن)). وينظر تهذيب الكمال ٥/١١، ٥٠٤/٩. (٢) أخرجه الطحاوى فى شرح مشكل الآثار ٣٤٥/٩ عقب حديث (٣٧٢٧) من طريق سعيد بن أبى عروبة به . وأيضًا فى ٣٤٦/٩ من طريق أبى معشر به بنحوه . (٣ - ٣) سقط من النسخ . والمثبت من مصادر التخريج. (٤) فى النسخ: (( النعمان بن عبد اللَّه)). والمثبت من مصادر التخريج. وينظر الإصابة ١٨٣/٦، ١٨٤. (٥) أخرجه ابن أبى شيبة ٥١٤/٩، ٥٤٠ من طريق الأعمش به، وسعيد بن منصور فى سننه (٧٧٣ - تفسير) ، والطبرانى (٩٦٩٢)، والبيهقى ٢٤٣/٨ من طريق إبراهيم به ، وأخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٧٧٤ - تفسير) من طريق إبراهيم النخعى عن همام دون ذكر عمرو بن شرحبيل. وسيأتى تتمة الأثر فى ٨/ ٦٥٠ عند تفسير الآية ٨٩ من سورة المائدة . (٦) فى م: ((النعمان)). (٧) أخرجه عبد الرزاق فى المصنف (١٣٦٠٤) ومن طريقة الطبرانى (٩٦٩١) من طريق سفيان - وهو الثورى - به . ( تفسير الطبرى ٣٩/٦ ) ٦١٠ سورة النساء : الآية ٢٥ حدَّثنى ابنُ المُثَنَّى، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال : ثنا شُعبةُ ، عن حَمَّادٍ ، عن إبراهيمَ، أن معقلًا(١) قال: قلت لابن مسعودٍ: أَمَتِى زَنَتْ . قال: اجلِدْها. قلتُ : فإنها لم تُحْصَنْ. قال : إحصائُها إسلامُها . حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغِيرةَ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقمةَ ، قال : كان عبدُ اللهِ يقولُ : إحصانُها إسلامُها . ٢٣/٥ /حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرَنا إسماعيلُ بنُ سالم، عن الشَّعْبِيِّ ، أنه تَلا هذه الآيةَ: ﴿ فَإِذَا أُحْصِنَ﴾. قال: يقولُ: إذا أسلَمْنَ(٤) . حدَّثنا أبو هشام الرفاعىُّ، قال: ثنا يحيى بنُ أبى زائدةً، عن أَشْعَثَ، عن الشعبىِّ، قال: قال عبدُ اللهِ: الأَمَّةُ إحصانُها إسلامُها . حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا هُشَيمٌ ، قال: مُغِيرةُ أُخْبَرَنا عن إبراهيمَ ، أنه كان يقولُ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَ﴾. يقولُ: إذا أسلَمْنَ(٣). حدَّثنا أبو هشام، قال: ثنا يحيى بنُ أبى زائدةً، عن أشْعَثَ، عن الشَّغْبيِّ ، قال : الإحصانُ الإِسلامُ. حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةً ، عن بُرْدِ بنِ سِنانٍ ، عن الزهرىِّ، قال: جَلَد عمرُ، رضِى اللهُ عنه، وَلائدَ أبكارًا من وَلائِدِ الإمارةِ فى الزِّنِى (٤). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلِ، [٥٢٦/١ظ] قال: ثنا (١) فى م: ((النعمان)). (٢) أخرجه البيهقى ٢٤٣/٨ من طريق إسماعيل به . (٣) أخرجه البيهقى ٢٤٣/٨ من طريق هشيم به . (٤) أخرجه عبد الرزاق فى المصنف (١٣٦١١) من طريق الزهرى به بمعناه . ٦١١ سورة النساء : الآية ٢٥ أسباطُ ، عن الشّدِّىِّ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَ﴾. يقولُ : إذا أسلَمْنَ. حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال : ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ ، عن سالمٍ والقاسمِ، قالا: إِحصانُها إسلامُها وعَفافُها فى قولِه: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَ﴾(١). وقال آخرون: معنى قولِه: ﴿ فَإِذَا أُحْصِنَ﴾ : فإذا تَزَوَّجن. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالح، قال : ثنى معاويةُ، عن علىٍّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَ﴾. يعنى إذا تَزَوَّجنَ حُرًّا (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ(٢)، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرَنا محُصَيْنٌ، عن ◌ِكْرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، أنه كان يقرأُ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَ﴾. يقولُ: إذا تَزَوَّجْنَ(٤). حدَّثنا ابنُ محُميدٍ (٥) ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغِيرةَ، عن عِكْرمةَ ، أن ابنَ عباسٍ كان يقرأُ : ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾. يقولُ: تَزَوَّجْنَ. حدَّثنا أبو كُرِيبٍ ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ لَيْئًا، عن مجاهدٍ ، قال : إحصانُ الأَمَةِ أَن يَنْكِحَها الحرُّ، وإحصانُ العبدِ أن يَنْكِحَ الحُرَّةَ(٦). حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى ، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شُعبةُ، عن عمرو بنِ (١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٢٣/٣ عقب الأثر (٥١٥٧) معلقًا . (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٢٤/٣ (٥١٦٠) من طريق عبد الله بن صالح به . (٣) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: (( الحسن)). وينظر تهذيب الكمال ١٦١/١٢. (٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٩٤/٤، والبيهقى ٢٤٣/٨، من طريق هشيم به . (٥) فى م: (( و کیع )). وینظر تهذيب الكمال ٢٥/ ٩٧. (٦) أخرجه ابن أبى شيبة ٦٧/١٠ عن ابن إدريس به . ٦١٢ سورة النساء : الآية ٢٥ مُرَّةَ، أنه سَمِع سعيدَ بنَ جُبَيرٍ يقولُ: لا تُضْرَبُ الأمَّةُ إذا زَنَتْ ما لم تَتَزَوَّجُ(١). حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ ، قال: ثنا عبدُ الأعلى ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةً ، عن الحسنِ فى قوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾. قال: أحْصَنَتْهُنَّ البُعُولَةُ(٢) . حدَّثْنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَإِذَآ أُحْصِنَّ﴾. قال: أحصَنَتْهُنَّ البُعُولَةُ . /حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وَهْبٍ ، قال: أخبرنى عِياضُ بنُ عبدِ اللهِ ، عن أبى الزِّنادٍ ، أن الشعبىَّ أخبرَه ، أن ابنَ عباسٍ أخبرَه ، أنه أصابَ جاريةً له قد كانت زَنَتْ ، وقال: حَصَّنْتُها(٢). ٢٤/٥ قال أبو جعفرٍ: وهذا التأويلُ على قراءةٍ مَن قرأ: ﴿ فَإِذَا أُحْصِنَ﴾. بِضَمِّ الأَلِفِ، وعلى تأويلِ مَن قرأ: (فَإِذَا أَحْصَنَّ). بفَتْحِها. وقد بيَّنا الصوابَ مِن القولِ والقراءة فى ذلك عندَنا . القولُ فى تأويل قوله: ﴿ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ مِنَ الْعَذَابِ ﴾ يعنى جل ثناؤه بقولِه: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾: فإن أَتَتْ فَتَيَاتُكُم - وهُنَّ إماؤُكم - بعدَ ما أَحْصَنَّ بإسلام ، أو أَخْصِنَّ بنكاح ، بفاحشةٍ وهى الزنا ، ﴿فَعَلَيْهِنّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾. يقولُ: فعليهنَّ نصفُ ما على الحَرَاثِ مِن الحدِّ ، إذا هُنَّ زَنَيْنَ قبلَ الإحصانِ بالأزواجِ . (١) أخرجه ابن أبى شيبة ٥١٨/٩ من طريق شعبة به . (٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٩٤/٤ عن عبد الأعلى به . (٣) فى م: ((أحصنتها)). والأثر أخرجه عبد الرزاق فى المصنف (١٢٨١٠). وسعيد بن منصور فى سننه (٢٠٤٠، ٢٠٤١) من طريق آخر عن ابن عباس . ٦١٣ سورة النساء : الآية ٢٥ والعذابُ الذى ذكره اللهُ تبارك وتعالى فى هذا الموضع هو الحَدُّ، وذلك النصفُ الذى جعَله اللهُ عذابًا لَمن أتَى بالفاحشةِ مِن الإماءِ إذا هُنَّ أَحْصِنَّ، خمسونَ جلدةٌ ، ونَفْىُ ستةِ أشهرٍ، وذلك نصفُ عامٍ؛ لأن الواجبَ على الحُرّةِ إذا هى أَتَتْ بفاحشةٍ قبلَ الإحصانِ بالزوج ، جَلْدُ مائةٍ ونَفْئُ حَوْلٍ ، فالنصفُ من ذلك خمسون بجَلْدةٌ ونَفْئُ نصفِ سنةٍ ، وذلك الذى جعَله اللهُ عذابًا للإِماءِ المُحْصناتِ إِذا هُنَّ أَتَيْنَ بفاحشةٍ . كما حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالح، قال : ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾(١). حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَتِهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾: خمسون جَلْدةٌ ، ولا نَفْىَ، ولا رَجْمَ . فإن قال قائلٌ: وكيف: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ اَلْعَذَابِ﴾؟ وهل يكونُ الجَلْدُ على أحدٍ ؟ قيل: إن معنى ذلك: فلازمُ أبدانِهنَّ أن تُجْلَدَ نصفَ ما يَلْزَمُ أبدانَ المُحصناتِ ، كما يقالُ : علىَّ صلاةُ يوم . بمعنى: لازِمٌ علىَّ أن أُصَلِّىَ صلاةَ يومٍ . وعلىَّ الحَتُّ والصِّيامُ. مثلَ ذلك. وكذلك: عليه الحَدُّ. بمعنى: لازمٌ له إمكانُ نفسِه من الحدِّ ليُقامَ عليه . (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٢٤/٣ (٥١٦٣) من طريق عبد الله بن صالح به . : ٦١٤ سورة النساء : الآية ٢٥ القولُ فى تأويل قوله: ﴿ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ ﴾ يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ ذَلِكَ﴾: هذا الذى أَبَحْتُ أيُّها الناسُ مِن نكاح فَتياتِكُم المؤمناتِ لَمَن لا يَشْتطيعُ منكم طَوْلاً لِنكاحِ المحصناتِ المؤمناتِ، أَبَعْتُه لَمن خَشِى العَنَتَ منكم دونَ غيرِهِ، ممن لا يَخْشَى العَنَتَ . واخْتَلف أهلُ التأويلِ فى هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: هو الرِّنا . ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيبٍ ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ لَيْئًا ، عن مجاهدٍ قولَه : ◌ْ لِمَنْ خَشِىَ أَلْعَنَتَ مِنكُمْ﴾. قال: الرِّنا (١). حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن العَوَّامِ، عَمَّن حدَّثه ، عن ابنٍ عباسٍ ، أنه قال: ما ازْ لَفَّ(٢) ناكِحُ الأَمَةِ عن الرِّنا إلا قليلاً(٣). ٢٥/٥ /حدَّثنى المُثَنَّى ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالح، قال: ثنى مُعاويةُ بنُ صالح، عن علىٍّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال : العَنَتُّ الزنا(٤) . حدَّثنى المُثَنَّى ، قال: ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا عُبَيدُ بنُ يحيى ، قال: ثنا شَرِيكَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ [١٥٢٧/١] عباسٍ ، قال: العَنَتُ الزنا . حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرَنا أبو بِشْرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبِيرٍ ، (١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٢٤/٣ عقب الأثر (٥١٦٤) معلقًا . (٢) ما ازْ لَحَفَّ: أى ما تَتَخَّى وما تَبَاعَد. يقال: ازْلحفّ وازْحَلَفّ، على القَلْب، وتزَلْف. النهاية ٢/ ٣٠٨. (٣) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٦٢٠ - تفسير) ، وابن أبى شيبة ١٤٦/٤ عن هشيم به . (٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٢٤/٣ (٥١٦٤) من طريق عبد الله بن صالح به . ٦١٥ سورة النساء : الآية ٢٥ قال: ما ازْلَخَفَّ ناكِحُ الأمَةِ عن الزنا إلا قليلًا؛ ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾(١). حدَّثنا أبو سَلَمَةَ ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ ، قال: ثنا شُعبةُ، عن أبى بِشْرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ نحوَه . حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ موسى، قال: أخبَرَنا ابنُ المُباركِ ، قال : أخبَرَنا فُضَيلُ بنُ مرزوقٍ، عن عطيةً فى قوله: ﴿ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾. قال : الزنا(٢) . حدَّثنى المُثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي حمَّادٍ ، قال: ثنا فُضَيْلٌ ، عن عطيةَ العَوفيِّ مثلَه . حدَّثنى المثَنَّى، قال : ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُوَييرٍ، عن الضحاكِ فى قوله: ﴿لِمَنْ خَشِىَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾. قال: الزنا(٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرَنا عُبَيدةٌ ، عن الشعبيّ وجُوَيبرٌ، عن الضحاك، قالا: العَنَتُّ الزنا (*). (١) أخرجه أبو عبيد فى غريب الحديث ٤ / ٤٣٨، وسعيد بن منصور في سننه (٧٣٢)، (٦١٨ - تفسير)، وابن أبى شيبة ١٤٦/٤، والبيهقى ١٧٤/٧ عن هشيم به ، وعبد الرزاق فى المصنف (١٣١٠٠) عن ابن جريج عن سعيد بن جبير به . (٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٢٤/٣ عقب الأثر (٥١٦٤) معلقًا . (٣) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٧٣١)، (٦٢١ - تفسير ) من طريق جويبر به. (٤) فى م: ((عبيد)). وهو عبيدة بن مُعتِّب الضَّبِّى. ينظر تهذيب الكمال ٢٧٣/١٩. (٥) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٧٣٠) من طريق هشيم عن عبيدة عن الشعبى - وحده - به . ٦١٦ سورة النساء : الآية ٢٥ حدَّثنا أحمدُ بنُ حازم، قال: ثنا أبو نُعَيم، قال : ثنا فُضَيلُ بنُ مرزوقٍ ، عن عطيةَ: ﴿ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾. قال: العَنَتُّ الزنا. وقال آخرونَ : معنى ذلك ، العقوبةُ التى تُغْنِتُه، وهى الحدُّ . ج لمَن خافَ منكم ضَرَرًا فی دینِه وبَدَنِه . والصوابُ مِن القولِ فى قوله: ﴿ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾؛ ذلك وذلك أن العَنَتَ هو ما ضَرَّ الرجلَ ، يقالُ منه: قد عَنِتَ فلانٌ فهو يَعْنَتُ عَنْتًا . إذا أتَى ما يَضُرُّه فى دينِ أو دنيا. ومنه قولُ اللهِ تبارك وتعالى: ﴿وَدُّواْ مَا عَنْتُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨]. ويقالُ: قد أعْتَتَنى فلانٌ، فهو يُعْنِتُنى. إذا نالَنِى بَمَضَرَّةٍ. وقد قيل: العَنَتُ الهَلاكُ. فالذين وَجَّهوا تأويلَ ذلك إلى الزنا، قالوا: الزنا ضَرَرٌ فى الدينِ، وهو من العَنَتِ . والذين وَجَّهوه إلى الإثم، قالوا: الآثامُ كلِّها ضَرَرٌّ فى الدينِ، وهى من العَنَتِ . والذين وَجَّهوه إلى العقوبةِ التى تُعْنِتُه فى بَدِه من الحدِّ، فإنهم قالوا: الحَدُّ مَضَرَّةٌ على بدنِ المحدودِ فى دُنياه، وهو من العَنَتِ . وقد عَمَّ اللهُ بقولِه: ﴿ لِمَنْ خَشِىَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾. جميعَ معانى العَنَتِ ، ويجمعُ جميعَ ذلك الزنا ؛ لأنه يُوجِبُ العقوبةَ على صاحبِه فى الدنيا بما يُعْنِتُ بدنَه ، ويَكْتَسِبُ به إثمًا ومَضَرَّةً فى دينِهِ ودُنياه . وقد اتَّفَق أهلُ التأويل الذين هم أهلُه، على أن ذلك معناه: فهو وإن كان فى عينِه لَذَّةٌ وقَضاءَ شهوةٍ ، فإنه بأدائِه إلى العَنَتِ ، منسوبٌ إليه موصوفٌ به ، إذْ(١) كان للعَنَتِ سَبَبًّا . القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (١) فى م: ((أن)). ٦١٧ سورة النساء : الآية ٢٥ ٢٦/٥ يعنى جلَّ ثناؤه بذلك : وأن تَصْبِروا أيُّها الناسُ عن نِکاح / الإماءِ خیرٌ لکم، واللهُ غفورٌ لكم نكاحَ الإماءِ أَن تَنْكِحوهنَّ على ما أحلَّ لكم وأذن لكم به ، وما سلَف منكم فى ذلك؛ إن أصلحتم أمورَ أنفسِكم فيما بينكم وبينَ اللهِ ، رحيمٌ بكم ، إذ أُذِن لكم فى نكاحِهن عندَ الافتقارِ وعدمِ الطّوْلِ للحرةِ . وبنحوِ ما قلنا فى ذلك، قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا أبو بشرٍ، عن سعيدٍ ابنِ جبيرٍ: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾. قال: عن نكاحِ الأمةِ(). حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال : ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ لَيْتًا، عن مجاهدٍ : ﴿ وَأَنْ تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾. قال: عن نكاحِ الإماءٍ(٢). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ: ﴿ وَأَنْ تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾. يقولُ: وأن تَصْبرَ(٣) ولا تَنْكِحَ الأمةَ فيكونَ وَلَدُك ◌َمْلُوكِين، فهو خيرٌ لك(٤). حدَّثنا محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ ، عن مجاهدٍ: ﴿ وَأَنْ تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾. يقولُ: وأن تَصْبِروا عن نكاح الإماءِ خيرٌ =(٥) لكم، وهو حِلِّ(٥). (١) هو تتمة الأثر الذى تقدم تخريجه ص ٦١١ حاشية (١). (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤٣/٢ إلى عبد بن حميد والمصنف وابن المنذر. (٣) فى ت ١، س: ((تصبروا)). (٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٢٥/٣ (٥١٦٦) من طريق أحمد بن المفضل به . (٥) تفسير مجاهد ص ٢٧٢، ومن طريقه البيهقى فى ٧ / ١٧٤. ٦١٨ سورة النساء : الآيتان ٢٥، ٢٦ حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾. يقولُ: وأن تَصْبِروا عن نكاحِهنَّ - يعنى: نكاح الإماءِ - خيرٌ (١) لكم(١). حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا حِبَّانُ بنُ موسى، قال: أخبَرَنا ابنُ المباركِ، قال: أخبَرَنا فُضَيلُ بنُ مرزوقٍ، عن عطيةً فى قوله: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾. قال: أن تَصْبِروا عن نكاحِ الإماءِ خيرٌ لكم(١). حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا حِبانُ ، قال : ثنا ابنُ المباركِ ، قال: أخبَرَنا ابنُ نجريجٍ، قال: أخبَرَنا ابنُ طاوسٍ، عن أبيه: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾. قال: أن تَصْبِروا عن نكاح الأمةِ خيرٌ لكم (١). حدَّثنى علىُ بنُ داودَ ، قال : ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالح، قال : ثنى معاويةُ بنُّ صالح، ھ عن عليّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَأَنْ تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾. قال: وأن تَصْبِروا عن(٣) نكاحٍ(٤) الأمةِ فهو (٥) خيرٌ لكم(١) . و﴿وَأَنْ﴾ فى قولِه: ﴿وَأَن تَصْبِرُواْ﴾. فى موضع رفع بـ ﴿خَيْرٌ﴾. بمعنى: والصبرُ عن نكاح الإماءِ خيرٌ لكم . القولُ فى تأويلِ قولِه : ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن (١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣/ ٩٢٤، ٩٢٥ عقب الأثر (٥١٦٥) معلقًا. (٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٣٠٩٧) عن ابن جريج به . (٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢. (٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣. (٥) سقط من: م، ت١، ت٢، ت ٣. (٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣/ ٩٢٤، ٩٢٥ (٥١٦٥)، والبيهقى ٧ / ١٧٣، من طريق عبد الله بن صالح به . ٦١٩ سورة النساء : الآية ٢٦ ٢٦ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ يَعْنى جل ثناؤه بقولِه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ حلالَه وحرامَه، وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾. يقولُ: وليُسَدِّدَكم ﴿سُنَنَ الَّذِينَ مِن [٥٢٧/١ظ] قَبْلِكُمْ﴾، يَعْنى: سُبُلَ مَن قبلَكم مِن أهلِ الإِيمانِ باللهِ وأنبيائِه، ومناهجَهم، فيما حرَّم عليكم مِن نكاح الأمهاتِ والبناتِ والأخواتِ، وسائرٍ ما حرَّم عليكم فى الآيتين اللتين / بيَّنَ فيهما ما حرَّم مِن النساءِ، ﴿ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ . يقولُ : ويُريدُ اللهُ أَن يَرْجِعَ بكم إلى طاعتِه فى ذلك، مما كنتم عليه مِن معصيتِه فى فعلِكم ذلك قبلَ الإِسلامِ، وقبلَ أن يُوحِىَ ما أوحى إلى نبيّه مِن ذلك عليكم، لیتجاوزَ لکم - بتوبتکم - عما سلف منکم مِن قبیح ذلك ، قبلَ إِنایتکم وتویێکم ، ﴿ وَاللّهُ عَلِیهُ ﴾ . یقُولُ : واللهُ ذو علم بما يُضْلِحُ عباده فى أديانهم ودنياهم ، وغیرِ ذلك مِن أمورِهم، وبما يَأْتُون ويَذَرون؛ مما أحلَّ أو حرَّم عليهم، حافظٌ ذلك كلّه عليهم، ﴿حَكِيمٌ﴾ بتدبيرِه فيهم، فى تصريفهم فيما صرَّفهم فيه . ٢٧/٥ واختلف أهلُ العربيةِ فى معنى قولِه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾، فقال بعضُهم : معنى ذلك: يريدُ اللهُ هذا مِن أجلِ أن يُبَيِّنَ لكم . وقال ذلك كما قال : وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ﴾ [الشورى: ١٥]. بكسرِ اللام؛ لأن معناه : أُمِرتُ بهذا مِن أجلِ ذلك . وقال آخرون : معنى ذلك: يُريدُ اللهُ أن يُبَيِّنَ لكم، ويهديَكم سُنَنَ الذين مِن قبلِكم. وقالوا : مِن شأنِ العربِ التعقيبُ بينَ كَىْ ولامٍ كَىْ وأنْ، ووَضْعُ كلِّ واحدةٍ منهن موضعَ كلِّ واحدةٍ مِن أختِها مع ((أَرَدتُ)) و((أمَرتُ))، فيقولون : أَمَوْتُك أن تَذْهَبَ ولِتَذْهَبَ . وأَرَدتُ أن تَذْهَبَ ولِتَذْهَبَ. كما قال اللهُ جلّ ثناؤه: ﴿وَأُمِنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١]. وقال فى موضعٍ ٦٢٠ سورة النساء : الآية ٢٦ • [الأنعام: ١٤]. وكما قال : آخرَ: ﴿إِنْ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَّمٌ ﴿ يُرِدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ﴾ [الصف: ٨]. ثم قال فى موضع آخر: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُواْ﴾ [التوبة: ٣٢]. واعتلُّوا فى تَوْجيهِهم ((أنْ)) مع ((أَمَرتُ)) و((أَرَدتُ)) إلى معنى ((كَىْ))، وتوجيهِ ((کَیْ)) مع ذلك إلى معنى «أنْ))، لطَلَبٍ ((أَرَدتُ)) و ((أمَرتُ)) الاستقبالَ، وأنَّهما(٢) لا يَضْلُحُ معهما(٢) الماضى؛ لا يُقالُ: أمَرتُك أن قُمْتَ . ولا : أرَدتُ أن قُمْتَ. قالوا: فلما كانت ((أنْ)) قد تَكُونُ مع الماضى فى غيرِ ((أرَدْتُ)) و((أمَرتُ))، وَكَّدوا(٤) لها معنى الاستقبالِ بما لا يَكُونُ معه ماضٍ مِن الأفعالِ بحالٍ، مِن ((كَىْ)) و ((اللامِ)) التى فى معنى ((کَیْ)). قالوا : ولذلك جَمَعتِ العربُ بينَهن أحيانًا فى الحرفِ الواحدِ، فقال قائلُهم فى الجمعِ(٥) : (٧) أرَدْتَ لِكَيْمَا أَن تَطِيرَ بِقِرْبَتِى فتَتْرُكَها شَنَّا بِبَيْدَاءَ (١) بَلْفَعُ فجمَع بينَهنَّ لاتفاقِ مَعانِيهنَّ واختلافِ ألفاظِهن، كما قال الآخرُ(٨): * قد يَكْسِبُ المالَ الهِدانُ الجافِى(١). # (١ - ١) فى النسخ: ((وأُمِرتُ)). وقد أثبتنا نص التلاوة. (٢) فى فى م: ((أيهما)). (٣) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: (( معها)). (٤) فى م: ((ذكروا)). (٥) معانى القرآن ١/ ٢٦٢، وخزانة الأدب ١٦/١، ٤٨١/٨، ٤٨٤ - ٤٨٧، غير منسوب لقائله. (٦) فى م: (( ببلقاء)). (٧) الشَّنّ: القِرْبة الخَلَق الصغيرة يكون الماء فيها أبرد من غيرها . والبيداء: الفلاة؛ وهى الأرض الواسعة المُقُفِرة. والبلقع: الخالى من كل شىء. ينظر الوسيط (ش ن ن)، (ب ی د)، (ف ل و)، (بلقع). (٨) ديوان العجاج ص ١١٢، ومعانى القرآن ٢٦٢/١ - ونَسَبَه لرؤبة ولم نجده فى ديوانه - ولسان العرب (ص رف)، (ع ص ف)، (هـ د ن) - ونسبه للعجاج فى الموضعين الأولين ولرؤبة فى الثالث - ، وخزانة الأدب ٨/ ٤٨٦، ونسبه لرؤبة أيضًا. ولم يذكر كلا البيتين إلا صاحب اللسان . وهما من قصيدة يعاتب فيها ولده رؤبة ، ولعل ذلك ما سبَّب الخلط ، والصحيح أنها للعجاج كما أثبت ذلك صاحب اللسان . (٩) الهدان : الأحمق الجافی الوخم الثقیل فى الحرب . اللسان (هـ د ن).