Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
سورة النساء : الآية ٨
حدَّثنا ابنُ المثنى ، قال: ثنا محمدٌ ويحبى بنُ سعيدٍ، عن شُعْبةَ، عن قتادةَ ، عن
يونسَ بنِ لُجُبَيرٍ، عن حِطَّانَ، عن أبى موسى فى هذه الآية: ﴿وَإِذَا حَضَرَ
اُلْقِسْمَةَ﴾ الآية . قال : قضَى بها أبو موسى .
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغِيرةَ، عن العلاءِ بنِ بَدْرٍ فى
الميراثِ إذا قُسِم ، قال: كانوا يُعْطُون منه التابوتَ والشىء الذى يُشْتَحيا مِن
(١)
قِشْمتِه (١) .
حدَّثنا ابنُ المثنى ، قال : ثنا عبدُ الأعلى ، قال: ثنا داودُ ، عن الحسنِ وسعيدِ بنِ
جبيرٍ، كانا يقولان : ذاك عندَ قسمةِ الميراثِ(٢) .
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ ، عن عاصم، عن أبى العاليةِ
والحسنِ، قالا: يَرْضَخون ويقولون قولًا معروفًا. فى هذه الآية: ﴿وَإِذَا حَضَرَ
اٌلْقِسْمَةَ﴾(٢).
ثم اخْتَلف الذين قالوا: هذه الآيةُ مُحْكَمَةٌ، وإن القسمةَ لأولِى القُرْبَى
واليتامى والمساكين واجبةٌ على أهلِ الميراثِ ، إن كان بعضُ أهلِ الميراثِ صغيرًا فقسَم
عليه الميراثَ ولُّ مالِه؛ فقال بعضُهم: ليس لوليّ مالِهِ أن يَقْسِمَ مِن مالِه
= ١٩٥ عن غندر به، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٧٥/٣ (٤٨٦١) من طريق شعبة به. وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ١٢٣/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر .
(١) فى ت١، ت٢: ((قسمه)). والأثر ذكره البغوى فى تفسيره ١٧٠/٢ عن الحسن بنحوه.
(٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٧٣/٣ عقب الأثر (٤٨٥٠) معلقًا .
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ١٩٤/١١ عن يحيى بن يمان به، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٧٣/٣
(٤٨٥٣) من طريق عاصم به بنحوه .

٤٤٢
سورة النساء : الآية ٨
ووصيته١ شيئًا؛ لأنه لا يَمْلِكُ مِن المالِ شيئًا، ولكنه يقولُ لهم قولًا معروفًا . قالوا :
والذى أمَرَه اللَّهُ بأن يقولَ لهم قولً(٢) معروفًا، هو ولىُ مالٍ اليتيمِ إذا قسم مالَ اليتيمِ بينَه
وبينَ شُرَكاءِ اليتيم ، إلا أن يكونَ ولُّ مالِه أَحدَ الورثةِ ، فيُعْطِيَهم مِن نصيبِه ، ويُعْطِيَهم
مَن يجوزُ أَمرُه فى مالِهِ مِن أنصبائهم . قالوا: فأما مِن مالِ الصغيرِ "الذى يُؤَلَّى على٣
مالِهِ ، فلا يجوزُ لوليّ مالِه أن يُعْطِيھم منه شيئًا .
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال: ثنا سفيانُ ، عن السدىِّ ، عن
أبى سعيدٍ، قال: سألت سعيدَ بنَ جُبَيرٍ عن هذه الآيةِ: ﴿ وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ
الْقُرْبَ وَالْيَنَى وَالْمَسَكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ﴾. قال: إن كان المَيَّتُ أَوْصَى لهم بشيءٍ
أَنْفِذَتْ لهم وَصيتُهم، وإن كان (٤) الورثةُ كبارًا رَضَخُوا لهم، وإن كانوا صغارًا، قال
ولُّهم: إنى لست أَمْلِكُ هذا المالَ، وليس لى، وإنما هو للصغارِ، فذلك قوله :
وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُونَا﴾(٥).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ ، قال : ثنا شعبةُ ، عن أبى بشرٍ ، عن
سعيدِ بنِ تجبيرٍ فى هذه الآية: ﴿ وَإِذَا حَضَرَ اٌلْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَ وَالْمَسَكِينُ
فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. قال: هما وَلِيَّان: ولىِّ يَرِثُ، وولىِّ لا
(١) فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((نصيبه).
(٢) سقط من: م.
(٣ - ٣) فى ص، ت١، ت٣: ((فالذى يولى عليه))، وفى ت٢: ((فالذى تولى عليه)).
(٤) فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((كانوا)).
(٥) أخرجه أبو عبيد فى الناسخ والمنسوخ ص ٢٧، ٢٨ عن عبد الرحمن به، وأخرجه ابن أبى شيبة ١٩٥/١١،
١٩٦ من طريق الثورى به .

٤٤٣
سورة النساء : الآية ٨
تَرِثُ ، فأما الذى يَرِثُ فيُعْطَى، وأما الذى لا يَرِثُ، فقولوا له قولًا معروفًا(١).
حدَّثنى ابنُ المثنى ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنى داودُ(١) ، عن الحسنِ وسعيد
ابنِ جبيرٍ،/ كانا يقولان: ذلك عندَ قِسمةِ الميراثِ؛ إن كان الميراثُ لمن قد أدرَك ، فله
أن يكسوَ منه، وأن يُطْعِمَ الفقراءَ والمساكينَ، وإن كان الميراثُ [٥٠٤/١ظ] لیتامی
صغارٍ، فيقولُ الولىُّ: إنه لِيتامى صغارٍ . ويقولُ لهم قولًا معروفًا(٣) .
٢٦٨/٤
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن السدىِّ، عن أبى سعيدٍ (٤)،
عن سعيدِ بنِ جُبَيٍ ، قال: إن كانوا كبارًا رَضَخُوا، وإن كانوا صغارًا اعْتَذَروا إليهم .
حدَّثنا ابنُ محُميدٍ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن عَنْبسةَ، عن سليمانَ الشيبانيّ ، عن
عِكْرمةَ: ﴿ وَإِذَا حَضَرَ اٌلْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَ﴾. قال: كان ابنُ عباسٍ يقولُ: إذا
وَلِىَ شيئًا مِن ذلك يَرْضَخُ لأقرباءِ الميتِ ، وإِن لم يَفْعَلْ اعْتَذَر إليهم، وقال لهم قولًا
(٥)
معروفًا (٥).
حدَّثنا محمدُ(١) بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضلٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿ وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَ وَالَْى وَالْمَسَكِينُ فَأَرْزُقُوُهُم مِّنْهُ وَقُولُواْ
لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾. هذه تكونُ على ثلاثةٍ أوجهٍ: أمَّا وجةٌ(٧) فيُوصِى لهم وصيةً ،
(١) تقدم تخريجه فى ص ٤٣٣ .
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((ابن داود)).
(٣) تقدم تخريجه فى ص ٤٤١ .
(٤) فى ص: ((سعد)). وهو أبو سعد الأزدى، قارئ الأزد، ويقال: أبو سعيد. وأثبتناه هكذا ليوافق ما تقدم
فى الصفحة السابقة .
(٥) أخرجه الحاكم ٢/ ٣٠٢، ٣٠٣، والبيهقى ٢٦٦/٦، ٢٦٧، وابن الجوزى فى نواسخ القرآن ص ٢٥٣،
٢٥٤ من طريق سليمان الشيبانى به .
(٦) فى النسخ: ((أحمد)).
(٧) فى م: ((الأول)).

٤٤٤
سورة النساء : الآية ٨
فيَحْضُرون ويأخذون وَصِيتَهم. وأما الثانى: فإنهم يَحْضُرون فيَقْتَسِمون إذا كانوا
رجالًا ، فيَنْبغِى لهم أن يُعطوهم . وأما الثالثُ: فتكونُ الورثةُ صغارًا، فيقومُ وَلِيُّهم إذا
قسَم بينَهم ، فيقولُ الذين حضروا : حَقُّكم حقٌّ ، وقرابتُكم قرابةٌ ، ولو كان لی فی
الميراثِ نصِيبٌ لأعْطَيتُكم، ولكنهم(١) صِغارٌ، فإن (يَكْبَروا فسيعرِفون) حَقّكم.
فهذا القولُ المعروفُ (٢) .
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوَهَّابِ ، قال: ثنا داودُ، عن رجلٍ، عن سعيد
أنه قال: ﴿ وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَ وَاَلْيَنَى وَالْمَسَكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ
وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾. قال: إذا كان الوارثُ عندَ القسمةِ، فكان الإِناءُ
والشىءُ الذى لا يُستطائُ أن يُقْسَمَ ، فليَرْضَخْ لهم ، وإن كان الميراثُ لليتامى ، فلْيقلْ
لهم قولا معروفًا .
وقال آخرون منهم: ذلك واجبٌ فى أموالِ الصغار والكبارِ لأُولِى القُربى
واليتامى والمساكينِ، فإن كان الورثةُ كِبارًا تَوَلَّوا عندَ القِسمةِ إعطاءهم ذلك، وإن
كانوا صِغارًا تَوَلَّى إعطاءَ ذلك منهم ولىُّ مالِهم .
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن يونسَ فى قوله: ﴿ وَإِذَا
حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالَْى وَالْمَسَكِينُ فَأَرْزُقُوُهُم مِّنْهُ﴾. فحدَّث عن
محمدٍ ، عن عَبِيدةَ أنه وَلِىَ وصيةً ، فأمَر بشاةٍ فَذُبِحت، وصنَع طعامًا لأُهل هذه
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((لكنكم)).
(٢ - ٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((تكبروا فستعرفون)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٧٣/٣ (٤٨٥١) من طريق أحمد بن مفضل به .
(٤) فى م: ((لأجل)). وينظر تفسير البغوى ١٧٠/٢.

٤٤٥
سورة النساء : الآية ٨
الآيةِ، وقال : لولا هذه الآيةُ لكان هذا مِن مالى .
قال(١): وقال الحسنُ: لم تُنْسَخْ، كانوا يَحْضُرون فيُعْطَون الشىءَ والثوبَ
الخَلِقَ .
قال يونسُ: إن محمدَ بنَ سيرينَ وَلِىَ وصيةً - أو قال: أيتامًا - فأمر بشاةٍ
فِذُبِحت ، فصنَع طعامًا كما صنَع عَبِيدةُ(١) .
حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى ، قال : ثنا يزيدُ ، قال : أخبرنا هشامُ بنُ حسانَ ، عن
محمدٍ ، أن عَبِيدةَ قسَم ميراثَ أيتامِ ، فأمر بشاةٍ فاشْتُريت مِن مالِهم ، وبطعامٍ فصُنِعَ،
وقال: لولا هذه الآيةُ لأحببتُ أن يكونَ مِن مالى. ثم قرأ هذه الآيةَ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ
اُلْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَ وَالْيَى وَالْمَسَكِينُ فَرْزُقُوُهُم مِّنْهُ﴾ الآية(٣).
فكأن مَن ذهَب مِن القائلين القولَ الذى ذكرناه عن ابنِ عباسٍ وسعيدِ بنِ
جبيرٍ، ومن قال: / تَرْضَخُ عندَ قِسْمةِ الميراثِ لأولى القُرْتَى واليتامى والمساكينِ .
تَأوَّل قولَه: ﴿فَرْزُقُوُهُم مِّنْهُ﴾: فَأَعْطُوهم منه. وكأن الذين ذهبوا إلى ما قال
عَبِيدةُ وابنُ سيرينَ تأوَّلوا قولَه: ﴿فَارْزُقُوُهُم مِّنْهُ﴾: فأَطْعموهم منه .
٢٦٩/٤
واخْتَلفوا فى تأويل قوله: ﴿ وَقُولُواْ لَمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾؛ فقال بعضُهم: هو
أمرٌ مِن اللهِ تعالى ذِكْرُه ولاةَ اليتامى أن يقولوا لأولى قرابتهم ولليتامى والمساكين إذا
حَضَروا قِسْمَتَهم مالَ مَن وَلُوا عليه مالَه مِن الأموالِ بينَهم وبينَ شركائهم مِن الورثةِ
(١) أى : يونس.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٧٤/٣ (٤٨٥٦، ٤٨٥٩) من طريق ابن علية به ، ليس فيه أثر ابن
سيرين . وأخرجه ابن أبى شيبة ١٩٣/١١ من طريق ابن سيرين به .
(٣) أخرجه أبو عبيد فى ناسخه ص ٢٨ من طريق هشام به .

٤٤٦
سورة النساء : الآيتان ٨ ، ٩
فيها ، أن يَعْتَذِروا إليهم، على نحوٍ ما قد ذكرناه فيما مضَى مِن (١) الاعتذارِ.
كما حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: ثنا أبو بشرٍ، عن
سعيدِ بنِ مُجُبيرٍ: ﴿ وَقُولُواْ لَمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾. قال: هو الذى لا يَرِثُ، أَمِرَ
أن يقولَ لهم قولًا معروفًا. قال: يقولُ: إن هذا المالَ لقومٍ غَيَبٍ، أو ليتامى
صغارٍ، ولكم فيه حقٌّ، ولسنا تَمْلِكُ أن نُعطِيَكم منه شيئًا. قال: فهذا القولُ
المعروفُ .
وقال آخرون : بل المأمورُ بالقولِ المعروفِ الذى أمَر جل ثناؤه أَن يُقالَ له، هو
الرجلُ الذى يُوصِى فى مالِه ، والقولُ المعروفُ هو الدعاءُ لهم بالرزقِ والغِنَى وما أَشْبةَ
ذلك مِن قولِ الخيرِ. وقد ذكّرنا قائلى ذلك أيضًا فيما مضَى(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَّكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةُ ضِعَفًا
٩
خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلَيَتَّقُواْ اللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا
اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى تأويلٍ ذلك؛ فقال بعضُهم: ﴿ وَلْيَخْشَ﴾: لِيَخَفِ
الذین یحضُرون موصيًّا يُوصِی فی ماله أن يَأْمُرَه بتفریقِ مالِه وصیةً به فی من لا يَرِثُه،
ولكن لِيَأْمُرْه أن يُتْقِىَ مالَه لولدِه، كما لو كان هو الموصِىَ، يَسُرُّه أن يحثَّه مَن يحضُرُه
على حفظِ مالِه لولده، وألا يَدَعَهم عالةً مع ضعفِهم وعجزِهم عن التصرف
والاحتيالِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىُّ بنُ داودَ، قال: [٥٠٥/١و] ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةٌ
(١) فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((و)).
(٢) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((بما أغنى عن إعادته)).

٤٤٧
سورة النساء : الآية ٩
ابنُ صالحٍ، عن علىٍّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَّكُوا
مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةُ ضِعَفًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ﴾ إلى آخرِ الآيةِ: فهذا فى الرجلِ يحضُرُه
الموتُ، فيسمَعُه يُوصِى بوصيةٍ تضرُّ بورثتِه ، فأمَر اللَّهُ سبحانَه الذى يسمَعُه أن يتقيَ
اللَّهَ ويُوفِّقَه ويُسَدِّدَه للصوابِ، ولْيَنْظُرْ لورثتِه كما كان يُحِبُّ أن يصنَعَ لورثتِه إذا
خَشِىَ عليهم الضَّيْعةَ(١) .
حدَّثنا علىّ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ بنِ أبى
طلحةً، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَفًا
خَافُواْ عَلَيْهِمٌ﴾: يعنى / الذى يَحْضُرُه الموتُ، فيقالُ له: تَصَدَّقْ مِن مالِك، وأَعْتِقْ
وأَعْطِ منه فى سبيل اللَّهِ . فتُهوا أن يَأْمُروه بذلك، يعنى أن مَن حضَر منكم مريضًا
عندَ الموتِ ، فلا يَأْمُرُه أن يُنْفِقَ مالَه فى العتقِ، أو الصدقةِ، أو فى سبيلِ اللَّهِ،
ولكن يَأْمُرُه أن يُبَيِّنَ مالَه وما عليه مِن دَيْنٍ، ويُوصِىَ فى مالِهِ لذَوِى قرابته الذين
لا يَرِثون، ويُوصِىَّ لهم بالخُمُسِ أو الرّبُع، يقولُ: أليس يَكْرَهُ(١) أحدُكم إذا مات
وله وَلَدٌ ضعافٌ - يعنى: صغارٌ - أن يَتْرُكَهم بغيرِ مالٍ، فيكونوا عِيالًا على الناسِ،
فلا يَنْبَغِى أَن تَأْمُروه بما لاتَرْضَوْن به لأنفسِكم ولا أولادِكم، ولكن قولوا الحَقَّ مِن
(٣)
ذلك(٢).
٢٧٠/٤
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى التفسير ٨٧٧/٣ (٤٨٧٤)، والبيهقى ٢٧١/٦ من طريق عبد الله بن صالح به ،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٣/٢ إلى ابن المنذر.
(٢) سقط من: ص، ت١، ت ٣.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٧٦/٣، ٨٧٧ (٤٨٦٩)، والبيهقى ٢٧٠/٦، ٢٧١ من طريق
عبد الله بن صالح به .

٤٤٨
سورة النساء : الآية ٩
﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَّكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةُ ضِعَفًا﴾. قال: يقولُ: مَن حضَر
مِيِّنًا فَلْيَأْمُرْه بالعدلِ والإِحسانِ ، وَلْيَنْهَه عن الحَيْفِ والجَورِ فى وصيَتِه، وَلْيَخْشَ على
عِيالِهِ ما كان خائفًا على عيالِه لو نزَل به الموتُ .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن
قتادةً فى قولِه: ﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِيَّةً ضِعَفًا﴾. قال: إذا
حضَرتَ وصيةَ ميِّتٍ، فَمُرْه بما كنتَ آمِرًا نفسَك بما تَتَقَرَّبُ به إلى اللَّهِ ، وخَفْ فى
ذلك ما كنتَ خائفًا على ضَعَفةٍ (١) لو تركتَهم بعدَك. يقولُ: فَاتَّقِ اللَّهَ وقل قولاً سديدًا
إن هو زاغ (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال : ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُّدِّىِّ: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَّكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِيَّةً ضِعَفًا خَافُواْ عَلَيَّهِمَّ
فَلْيَتَّقُواْ اللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا﴾: الرجلُ يحضُرُه الموتُ، فيحضُرُه القومُ عندَ
الوصيّةِ ، فلا ينبغى لهم أن يقولوا له: أوصِ بمالِك كلِّه، وقدّمْ لنفسِك، فإن اللَّهَ
سيرزقُ عيالَك. ولا يتركوه يُوصِى بمالِه كلِّه، يقولُ للذين حضَروا: ﴿وَلْيَخْشَ
الَّذِينَ لَوْ تَرَّكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَفًا خَافُواْ عَلَيَّهِمْ﴾. فيقولُ: كما يخافُ
أحدُكم على عياله لو مات - إنْ يَتْركُهم صِغارًا ضِعافًا، لا شىءَ لهم - الضيعةً
بعدَه، فَلْيَخَفْ ذلك على عيالٍ أخيه المسلمِ، فيقولَ له القول السديدَ(٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشّارٍ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال : ثنا سفيانُ ، عن حبيبٍ ،
(١) فى م، ت٢: ((ضعفتك)).
(٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٥٠.
(٣) ذكره القرطبى فى تفسيره ٥١/٥، ٥٢.

٤٤٩
سورة النساء : الآية ٩
قال: ذهَبتُ أنا والحَكَمُ بنُ عُتَيْبَةً(١) إلى سعيدِ بنِ مجبيرٍ، فسألناه عن قوله: ﴿وَلْيَخْشَ
الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَفًا﴾ الآية. قال: قال: الرجلُ يَحْضُرُه
الموتُ، فيقولُ له مَن يَحْضُرُه : أنَّقِ اللَّهَ، صِلْهم، أَعْطِهم ، بِرّهم . ولو كانوا هم
الذين يأمُرُهم بالوصيَّةِ، لَأَحَبُوا أن يُتْقُوا لأولادِهم(١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ ، قال : أخبرنا الثورىُّ، عن
حبيبٍ بنِ أبى ثابتٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ فى قوله: ﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَّكُواْ مِنْ
خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَفًا﴾. قال: يَحْضُرُهم اليتامى فيقولون: اتقِ اللَّهَ وصِلْهم
وَأَعْطِهم. فلو كانوا هم لَأَحَبُوا أن يُثِقوا لأولادِهم(٢).
حدَّثنى يحيى بنُ أبى طالبٍ ، قال: أخبرنا يزيدُ ، قال: أخبرَنا مُوييرٌ، عن
الضخَّاكِ فى قوله: ﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَّكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِيَّةً ضِعَفًا﴾ الآية.
يقولُ: إذا حضَر أحدُكم / مَن حضره الموتُ عندَ وصيَتِه، فلا يقلْ : أَعْتِقْ مِن مالِك ،
وتَصَدَّقْ. فَيُفَرِّقَ مالَه، ويَدَعَ أَهَلَه عُيَّلًا، ولكن مُرُوه فَلْيَكْتُبْ ما لَه مِن دَينٍ وما
عليه، ويجعَلْ مِن مالِه لَذَوِى قرابته خُمُسَ مالِه، ويَدَعْ سائرَه لورثته(٤) .
٢٧١/٤
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصمٍ ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنِ أبى
نجيح، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَّكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَفًا
خَافُواْ عَلَيَّهِمْ﴾ الآية. قال: هذا يُفَرِّقُ المالَ حين يُقَسِّمُ ، فيقولُ الذين يَحْضُرون :
أقللتَ، زِدْ فلانًا. فيقولُ اللَّهُ تعالى: ﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾
(١) فى النسخ: ((عيينة)). وتقدم فى ٥٣/٤، ١٥٥، ٢٥٥.
(٢) تفسير سفيان ص ٨٩، ٩٠ .
(٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٥٠.
(٤) ذكره القرطبى فى تفسيره ٥/ ٥٢.
( تفسير الطبرى ٢٩/٦ )

٤٥٠
سورة النساء : الآية ٩
فَلْيَخْشَ أولئك، وليقولوا فيهم مثلَ ما يُحِبُّ أحدُهم أن يقالَ فى ولدِه بالعدلِ إذا
أَكْثَر: أبقِ على وليِك(١).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وَلْيَخْشَ الذين يَحْضُرون المُوصِىَ وهو يُوصِى -
الذين لو تركوا مِن خلفِهِم ذُرِّيَّةً ضعافًا، فخافوا عليهم الضيعةَ مِن ضعفِهم
وطفولتِهم - أن يَنْهَوْه عن الوصيةِ لأقربائِه، وأن يَأْمُروه بإمساكِ مالِهِ، والتحقُّظِ به
تولدِه، وهم لو كانوا مِن أقرباءِ المُوصِى، لسرَّهم أن يُوصِىَ لهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشّارٍ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ ، [٥.٥/١ظ]
عن حبيبٍ ، قال: ذهبتُ أنا والحكمُ بنُ عُتَيْبَةَ(٢) ، فأتيْنا مِقْسَمًا، فسألناه - يعنى عن
قولِه: ﴿ وَلْيَخْشَ اُلَّذِينَ لَوْ تَرَّكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَفًا﴾ الآية - فقال: ما قال
سعيدُ بنُ جُبيرٍ؟ فقلنا: كذا وكذا. فقال: ولكنه الرجلُ يَحْضُرُه الموتُ، فيقولُ له
مَن يَحْضُرُه : اتقِ اللَّهَ وأَمْسِكْ عليك مالَك، فليس أحدٌ أحقَّ بمالِك مِن ولدِك . ولو
كان الذى يُوصِى ذا قرابةٍ لهم ، لأحَبُوا أن يُوصِىّ لهم(٢) .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرَنا الثورىُّ، عن
حبيبٍ بن أبى ثابتٍ ، قال: قال مِقْسَمٌ: هم الذين يقولون: اتقِ اللَّهَ وأَمْسِكْ عليك
مالَك. فلو كان ذا قرابةٍ لهم لأَحُوا أن يُوصِىَ لهم(٤) .
(١) تفسير مجاهد ص ٢٦٨، والبيهقى ٦/ ٢٧١، وأخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٥٨٤ - تفسير) من
طریق أبى إسحاق عن مجاهد به .
(٢) فى النسخ: ((عيينة)).
(٣) تفسير سفيان ص ٨٩، ٩٠.
(٤) تفسير عبد الرزاق ١٥٠/١.

٤٥١
سورة النساء : الاية ٩
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المُغْتَمِرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه ، قال :
زعَم حَضْرَمِىٌّ، وقرأ: ﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَّكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَفًا﴾ .
قال: قالوا : حَقيقٌ أن يأمُرَ صاحبَ الوصيةِ بالوصيةِ لأهلِها، كما أن لو كانت ذُرِّيَّةُ
نفسِه بتلك المنزلةِ، لأحبّ أن يُوصِىَ لهم ، وإن كان هو الوارثَ، فلا يَمْتَعْه ذلك أن
يَأْمُّرَه بالذى يَحِقُّ عليه ، فإنَّ وَلَدَه لو كانوا بتلك المنزلةِ أحبَّ أن يُحَثَّ عليه، فَلْيَتَّقِ
اللَّهَ هو ، (١ فَلْيَأْمُرُه١) بالوصيّةِ وإن كان هو الوارثَ. أو نحوًا من ذلك(٣).
وقال آخرون: بل معنى ذلك أمرٌ مِن اللَّهِ وُلاةَ اليتامى أن يَلُوهم بالإحسانِ إليهم
فى أنفسِهم وأموالهم ، ولا يأكُلوا أموالَهم إسرافًا وبِدارًا أن يَكْبَروا ، وأن يكونوا لهم
كما يُحِبُون أن يكونَ وُلاةُ وَلَدِه الصغارِ بعدَهم لهم بالإحسانِ إليهم، لو كانوا هم
الذين ماتوا وتركوا أولادهم يتامى صغارًا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباس قولَه: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَّكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَفًا
خَافُواْ عَلَيْهِمْ﴾: يعنى بذلك / الرجلَ يموتُ وله أولادٌ صغارٌ ضعافٌ ، يخافُ
عليهم العَيْلَةَ والضَّيعةَ، ويخافُ بعدَه ألا يُحْسِنَ إليهم مَن يَلِيهم ، يقولُ: فإن وَلِى
مثلَ ذُرِّيَّتِه ضعافًا يتامى ، فَلْيُحْسِنْ إليهم ، ولا يأكل أموالَهم إسرافًا وبدارًا خشيةَ أن
يَكْبَروا، فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيُقُولوا قولًا سديدًا (٣).
٢٧٢/٤
(١ - ١) فى ص: ((قلت أمره)).
(٢) ذكره القرطبى فى تفسيره. ٥٢/٥ بنحوه .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٤/٢ إلى المصنف، وذكره ابن الجوزى فى نواسخ القرآن ص ٢٥٩.

٤٥٢
سورة النساء : الآية ٩
وقال آخرون: معنى ذلك: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِيَّةً ضِعَفًا
خَافُواْ عَلَيْهِمِّ فَلْيَتَّقُواْ اللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا﴾: يَكْفِهم اللَّهُ أَمرَ ذُرِّيتهم بعدَهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عطيةَ بنِ رُدَيحِ (١) بنِ عطيةً، قال: ثنى عمى محمدُ بنُّ
رُدَّيحُ(١)، عن أبيه، عن الشَّيْبانىِّ(٢)، قال: كنا بالقُسْطَنْطِيَّةِ أيامَ مَسْلَمَةً بنٍ
عبدِ الملكِ، وفينا ابنُ مُحَيْرِيزٍ وابنُ الدَّيْلَمِىِّ وهانىُ بنُ كُلْتُومِ، قال: فجعَلْنَا نَتَذاكَرُ ما
يكونُ فى آخرِ الزمانِ ، قال: فضِقْتُ ذَرْعًا بما سمِعتُ . قال: فقلتُ لابنِ الدَّيْلَمیِّ : يا
أبا بشرٍ، بودِّى أنه لا يُولَدُ لى ولدٌ أبدًا. قال: فضرَب بيدِه على مَنْكِبى، وقال: يابنَ
أخى لاتَفْعَلْ، فإنه ليستْ مِن نَسَمَّةٍ كَتَب اللَّهُ لها أن تَخْرُجَ مِن صُلْبٍ رجلٍ إلا وهى
خارجةٌ ، إن شاء وإن أتَى. قال: ألا أَدُلُّك على أمرٍ إن أنت أدْرَ كته نجَّك اللّهُ منه، وإن
ترَكتَ ولدَك مِن بعدِك حفظهم اللهُ فيك؟ قال : قلتُ : بلى . قال : فتلا عندَ ذلك هذه
الآيةَ: ﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَّكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَفًا خَافُواْ عَلَيْهِمَّ فَلْيَتَّقُواْ اللَّهَ
وَلْيَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا﴾(٣).
قال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى التأويلاتِ بالآيةِ قولُ مَن قال: تأويلُ ذلك: وَلْيَخْشَ
الذين لو ترَكوا مِن خلفهم ذريةٌ ضِعافًا خافوا عليهم العَيْلَةَ ، لو كانوا فرَّقوا أموالَهم فى
حياتِهم، أو قَشَموها وصيةً منهم بها لأُولى قرابتهم وأهلِ اليتمِ والمسكنةِ ، فَأَبْقَوْا
أموالَهم لولدِهم؛ خشيةَ العَيْلةِ عليهم بعدَهم ، معَ ضعفِهم وعجزِهم عن المطالبِ ،
فَلْيَأْمُرُوا مَن حضَروه وهو يُوصِى لذَوِى قرابته، وفى اليتامى والمساكين، وفى غيرِ
(١) فى م: ((دريج))، وفى ت١، ت٣: ((دويج)). وينظر تهذيب الكمال ١٧٥/٩.
(٢) فى م: ((الشيبانى)). والسيبانى هو يحيى بن أبى عمرو. وينظر الأنساب ٣٥٤/٣.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٤/٢ إلى المصنف.

٤٥٣
سورة النساء : الآية ٩
ذلك - بمالِه بالعدلِ ، وَلْيَتَّقوا اللَّهَ وليقولوا قولا سديدًا، وهو أن يُعَرِّفوه ما أباح اللَّهُ له
مِن الوصيةِ، وما اختاره للمُوصِينُ(١) مِن أهلِ الإِيمانِ باللَّهِ وبكتابهِ وسُنَِّه .
وإنما قلنا : ذلك بتأويلِ الآيةِ أَوْلَى مِن غيرِهِ من التأويلاتِ ؛ لما قد ذكرنا فيما
مضَى قبلُ مِن أن معنى قوله: ﴿ وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَ وَالْيَنَى وَالْمَسَكِينُ
فَأَرْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾: وإذا حضَر الوصيّةَ(٢) أولو القربى
واليتامى والمساكينُ فأوصوا لهم - بما قد دَلَّنا عليه مِن الأدلةِ. فإذا كان ذلك تأويلَ
قولِه: ﴿ وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَنَى وَالْمَسَكِينُ﴾ الآية. فالواجبُ أن
يكونَ قولُه تعالى ذكره: ﴿ وَلْيَخْشَ اُلَّذِينَ لَوْ تَرَّكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾. تأديبًا منه
عبادَه فى أمرٍ الوصيةِ بما أذِنهم فيه ، إذ كان ذلك عَقِيبَ الآيةِ التى قبلَها فى حكم
الوصيةِ ، وكان أظهرَ [٥٠٦/١و] معانيه ماقلنا ، فإلحاقُ حكمِه بحكم ما قبلَه أولى ، مع
اشتباهِ معانيهما ، مِن صرفٍ حكمِه إلى غيرِهِ بما هو له غیرُ مُشْبِهِ .
وبمعنى ما قلنا فى تأويلٍ قوله: ﴿ وَلْيَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا﴾. قال مَن ذكَرنا قولَه
فى مُتَدُ تأويلٍ هذه الآيةِ ، وبه كان ابنُ زيدٍ يقولُ.
/حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه :
﴿ وَلْيَخْشَ اُلَّذِينَ لَوْ تَرَّكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَفًا خَافُواْ عَلَيْهِمٌّ فَلْيَتَّقُواْ اللَّهَ
وَلَيَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا﴾. قال: يقولُ قولاً سديدًا، يَذْكُرُ هذا المسكينَ ويَنْفَعُه ، ولا
يُخْحِفُ بهذا اليتيم وارثِ المؤدِّى ولا يُضِرُّ به ؛ لأنه صغيرٌ لا يَدْفَعُ عن نفسِه ، فانْظُرْ
له كما يُنْظَرُ لوَلّدِك لو كانوا صغارًا .
والسديدُ مِن الكلام هو العدلُ والصوابُ .
٢٧٣/٤
(١) سقط من: س، وفى ص: ((المؤمنين))، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((المؤمنون)). والمثبت هو الصواب.
(٢) فى م، ت٢: ((القسمة)).

٤٥٤
سورة النساء : الآية ١٠
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَمَى ◌ُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى
بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَبَعْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ .
يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَمَى كُظُلْمًا﴾ .
يقولُ: بغيرٍ حقٌّ. ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ يومَ القيامةِ، بأكلِهم أموالَ
اليتامى ظلمًا فى الدنيا، نارَ جهنَّمَ، ﴿وَسَيَصْلَوْنَ﴾ بأكلِهم ﴿ سَعِيرًا﴾ .
كما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّل، قال: ثنا أسباطُ ،
عن الشُّدِّىِّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْتَتَعَى خُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِ بُطُونِهِمْ
نَارً﴾. قال : إذا قام الرجلُ يأكلُ مالَ اليتيم ظلمًا ، يُتْعَثُ يومَ القيامةِ ولهبُ النارِ
يخرُجُ مِن فيه ومِن مسامعِه ومِن أُذُنَيه وأنِفِه وعينَيْهِ، يَثْرِفُه مَن رآه بأْكلِ (١) مالٍ
(٢)
اليتيمِ(٢) .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، قال:
أخبرَنى أبو هارونَ العَبْدِىُّ، عن أبى سعيد الخُدْرِىِّ، قال: حدثنا النبىُّ عَ لِّ عن ليلةٍ
أُشْرِى به ، قال: ((نظَرتُ فإذا أنا بقومٍ لهم مشافِرُ كمشافِ الإبلِ ، وقد ؤُكِّل بهم من
يأخُذُ بمشافرِهم ، ثم يجعَلُ فى أفواهِهم صخرًا مِن نارٍ يخرجُ مِن أسافِلهم . قلتُ : يا
جبريلُ، مَن هؤلاء؟ قال : هؤلاء الذين يَأْكُلون أموالَ اليتامى ظُلمًا إنما يأكلون فى
بطونهم نارًا)) (١).
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَى كُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارَّاً وَسَيُصْلَوْنَ
(١) فى م: ((يأكل )).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٧٩/٣ (٤٨٨٢) من طريق أحمد بن مفضل به .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٧٩/٣ (٤٨٨٤) من طريق أبى هارون العبدى به نحوه .

٤٥٥
سورة النساء : الآية ١٠
سَعِيرًا﴾. قال: قال أبى: إن هذه لأهل الشركِ حين كانوا لا يُؤَرِّثُونهم ويأكُلون
(١)
أموالَهم(١).
وأمَّا قولُه: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾. فإنه مأخوذٌ مِن الصَّلا، والصَّلا:
الاصْطِلاءُ بالنارِ، وذلك التسخُّنُ بها ، كما قال الفَرَزْدَقُ(٢):
لِيَرْبِضَ فيها والصَّلَا مُتَكَتَّفُ
وقاتَلَ كَلْبُ الحَىِّ عن نارِ أهلِهِ
أو كما قال العَّاجُ(٣) :
٢٧٤/٤
وَصَالِيَاتٌ(٤) للصَّلا صُلِىّ
ثم اسْتُعْمِل ذلك فى كلِّ مَن باشَر بيدِه أمرًا مِن الأمورِ ، مِن حربٍ أو قتالٍ أو
خصومةٍ أو غيرِ ذلك، كما قال الشاعر(٥) :
لم أَكُنْ مِن ◌ُنَاتِها علِمِ اللَّهُ وإِنِّ بحرِّها اليومَ صالِى
· فجعَل ما باشر مِن شدَّةِ الحربِ وأَذَى (٦) القتالِ بمنزلةٍ مباشرةٍ أَذى النارِ وحرِّها .
واختلفت القَرَأَةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأتْه عامَّةُ قَرَأَةِ المدينةِ والعراقِ: ﴿ وَسَيَصْلُوْنَ
سَعِيرًا﴾ ، بفتح الياءِ ) ، على التأويلِ الذى قلناه .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٤/٢ إلى المصنف.
(٢) ديوانه ص ٥٦٠.
(٣) ديوانه ص ٣١١.
(٤) فى م: ((وصاليان))، وفى ت١، ت٣: ((الصاليات)). والصاليات: الأحجار التى يوضع عليها
القِدْر .
(٥) هو الحارث بن عباد البكرى، والبيت فى مجمع الأمثال ١٨٣/٢، والكامل لابن الأثير ٥٣٦/١، وخزانة
الأدب ٢٢٦/١.
(٦) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((أحرى))، وفى م: ((إجراء)). والمثبت هو الصواب.
(٧) وهى قراءة نافع وابن كثير وحفص عن عاصم وأبى عمرو وحمزة والكسائى. ينظر حجة القراءات ص ١٩١ .

٤٥٦
سورة النساء : الآيتان ١٠، ١١
وقرَأ ذلك بعضُ المكتِّين وبعضُ الكوفيّين: (وَسَيُصْلَوْنَ سَعِيرًا). بضمِّ
الياءِ (١) ، بمعنى: يُحْرَقُون. مِن قولِهِم: شاةٌ مَصْلِيَّةٌ . يعنى: مشويةٌ .
قال أبو جعفرٍ : والفتحُ بذلك أَوْلَى مِن الضمّ؛ لإجماعِ جميعِ القَرَأَةِ على فتحٍ
الياءِ مِن قوله: ﴿لَا يَصْلَئِهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ [الليل: ١٥]. ولدلالةِ قوله: ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ
صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٣] علَى أن الفتحَ بها أولى مِن الضمّ .
وأمَّا السعيرُ، فإنه شدَّةُ حرِّ جهنَّمَ ، ومنه قيل: اسْتَعَرت الحربُ: إذا اشتدَّتْ .
وإنما هو ((مسعور))، ثم صُرِف إلى ((سَعِير))، كما(٢) قيل: كفَّ خَضِيبٌ، ولحيةٌ
دَهِينٌ . وإنما هى مخضوبةٌ صُرِفت إلى ((فَعِيل)).
فتأويلُ الكلام إذن : وسَيَصْلَوْن نارًا مُسْعَرَةً. أى: موقودةٌ مُشْعَلةً، شديدًا
حُّها .
وإنما قلنا: إن ذلك كذلك؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه قال: ﴿وَإِذَا الْجَحِيُ سُعِرَتْ
[ التكوير: ١٢] . فوصَفها بأنها مسعورةٌ .
ثم أُخْبَر جلَّ ثناؤُه أن أكَلَةَ أموالِ اليتامى يَصْلونها وهى كذلك، فالسعيرُ إذن
فى هذا الموضع صفةٌ للجحيم على ما وصَفنا .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَدِكُمٌّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ
١٠ /روج
الْأُنثَیَيْنِّ
يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿يُوصِيكُ اللَّهُ﴾: يَعْهَدُ اللَّهُ إليكم ﴿فِيَ أَوْلَدِكُمْ
لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ اُلْأَنْثَيَيْنِ﴾. يقولُ يَعْهَدُ إليكم ربُّكم إذا مات الميّتُ منكم،
(١) هى قراءة ابن عامر، وأبى بكر عن عاصم. حجة القراءات ص ١٩١.
(٢) سقط من: م.

٤٥٧
سورة النساء : الآية ١١
وخلَّف أولادًا ذكورًا وإناثاً، فلوَلَدِه الذكور والإناثِ ميراثُه أجمعُ بينَهم، للذكَرِ
ءُ
منهم مثلُ حظِّ الأنثيين، إذا لم يكنْ له وارثٌ غيرُهم، سواءٌ فيه صغارٌ وَلدِه / ٢٧٥/٤
وكبارُهم(١) وإناتُهم، فى أن جميعَ ذلك بينَهم، للذكرِ مثلُ حظّ الأُنثيين.
ورُفِع قولُه: ﴿مِثْلُ﴾. بالصفةِ، وهى اللامُ التى فى قوله: ﴿لِلذَّكَرِ﴾. ولم
يُنْصَبْ [٥٠٦/١ظ] بقولِه: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾. لأن الوصيةَ فى هذا الموضع عهدٌ
وإعلامٌ بمعنى القولِ، والقولُ لا يَقَعُ على الأسماءِ المُخْرِ عنها، فكأنه قيل: يقولُ اللَّهُ
تبارك وتعالى: لكم فى أولادٍ كم للذكرِ منهم مثلُ حظّ الأُنثين .
وقد ذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت على النبىِّ عَظِلِّ تبيينًا مِن اللَّهِ الواجبَ مِن الحكم
فى ميراثٍ(٢) مَن مات وخلَّف ورثةً، على ما بينَّ؛ لأن أهلَ الجاهليةِ كانوا لا
يَقْسِمون مِن ميراثِ الميتِ لأحدٍ مِن ورثتِه بعدَه، ممن كان لا يُلاقى العَدُوَّ ، ولا يُقاتِلُ
فى الحروبِ مِن صغارٍ ولدِهِ، ولا للنساءِ منهم، وكانوا يَخُصُّون بذلك المُقَاتِلَةَ دونَ
الذُّرِّيَّةِ ، فأخبَرِ اللَّهُ جلَّ ثناؤه أن ما خلَّفه الميتُ بين مَن سَمَّى وفرَض له ميراثًا فى هذه
الآيةِ وفى آخرِ هذه السورةِ ، فقال فى صغارٍ وَلَدِ الميتِ وكبارِهم وإناثِهم : لهم ميراثُ
أبيهم إذا لم يكنْ له وارثٌ غيرُهم، للذكرِ منهم مثْلُ حظِّ الأنثيين .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال : ثنا أسباطُ ، عن
الشُدِّىِّ: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِى أَوْلَدِكُمٌّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأَنْثَيَيْنِ﴾: كان أهلُ
(١) فى ص: ((كباره)).
(٢) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((مواريث)).

٤٥٨
سورة النساء : الآية ١١
الجاهليةِ لا يُوَرِّثون الجوارىَ ولا الضعفاءَ مِن الغِلْمانِ، لا يَرِثُ الرجلَ مِن وَلِدِه إلا
مَن أطاق القتالَ، فمات عبدُ الرحمنِ أخو حسّانَ الشاعرِ (١) ، وترك امرأةً يُقالُ لها: أمّ
كَُجَةً(٢)، وترَك خمسَ أخواتٍ(٤) ، فجاءت الورثةُ يأخذون مالَه، فشكَت أمُّ كُجَّةً(٣)
ذلك إلى النبيِّ عَّهِ، فَأَنْزَل اللَّهُ تبارك وتعالى هذه الآيةَ: ﴿فَإِن كُنَّ نِسَآءُ فَوْقَ
أَثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكٌ وَإِن كَانَتْ وَحِدَةً فَلَهَا الْنِصْفُّ﴾. ثم قال فى أُمِّ كُجَّةَ:
﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدُ
ج
فَلَهُنَّ الثُّمُنُ﴾(٥).
حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِى أَوْلَدِكُمٌّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَبَيِنِّ﴾:
وذلك أنه لمّ نزَلت الفرائضُ التى فَرَض اللَّهُ فيها ما فرَض للولدِ الذكر والأنثى
والأبوين، كرِهها الناسُ أو بعضُهم، وقالوا: تُعْطَى المرأةُ الربعَ و)الثمنَ، وتُقْطَى
الابنةُ النصفَ ، ويُعْطَى الغلامُ الصغيرُ، وليس مِن هؤلاء أحدٌ يُقاتِلُ القومَ، ولا
يَحُوزُ الغنيمةَ! اسْكُتوا عن هذا الحديثِ، لعلَّ رسولَ اللَّهِ وَ لَّمِ ينساه، أو نقولُ له
فيُغَيِّرَه. فقال بعضُهم: يا رسولَ اللَّهِ ، أَنُعطِى الجاريةَ نصفَ ما ترَك أبوها وليست
تَوْكَبُ الفرسَ ولا تُقاتِلُ القومَ! ونُعْطِى الصبىَّ الميراثَ وليس يُغْنى شيئًا! وكانوا
يفعلون ذلك فى الجاهليةِ، لا يُعْطُون الميراثَ إلا مَن قاتَلَ، يُعْطُونه الأكبرَ
(١) فى م: ((الصغار)).
(٢) قال الحافظ فى الإصابة ٢٩٣/٤ ولم أره لغيره، ولا ذكر أهل النسب لحسان أخا اسمه عبد الرحمن.
(٣) فى ص، م، ت١، ت٢، ت ٣: ((كحة)). وينظر ما تقدم فى ص ٤٣٠.
(٤) فى الإصابة: ((جوارٍ)).
(٥) ذكره الحافظ فى الإصابة ٢٨٥/٨، ٢٨٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٥/٢ إلى المصنف.
(٦) فى س والدر المنثور: ((أو)).

٤٥٩
سورة النساء : الآية ١١
.
فالأكبرَ(١).
وقال آخرون: بل نزَل ذلك مِن أجلِ أن المالَ كان للولدِ قبلَ نزوله ، وللوالدينِ
الوصيةُ، فنسَخ اللَّهُ تبارك وتعالى ذلك بهذه الآية .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عَمرو ، قال : ثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن ابنِ أبى تَجِيحِ،
عن مجاهدٍ أو عطاءٍ، / عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿ يُوصِيكُمُ اَللّهُ فِيَّ أَوْلَدِكُمْ﴾ .
قال: كان المالُ للولدِ ، وكانت الوصيةُ للوالدينِ والأقربينَ، فنسَخ اللَّهُ مِن ذلك ما
أحبَّ، فجعَل للذكرِ مثلَ حظّ الأنثيين، وجعَل للأبوينِ لكلِّ واحدٍ منهما السدسَ
مع الولدِ، وللزوجِ الشَّطْرَ والربعَ، وللزوجةِ الربعَ والثمنَ .
٢٧٦/٤
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نجيح، عن
مجاهدٍ : ﴿ يُوصِيكُمْ اَللّهُ فِي أَوْلَدِكُمٌّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْشَيَيْنِ﴾. قال: كان
ابنُ عباسٍ يقولُ : كان المالُ، وكانتِ الوصيةُ للوالدينِ والأقربينَ، فنسَخ اللَّهُ تبارك
وتعالى مِن ذلك ما أحبَّ، فجعَل للذَّكرِ مثلَ حظِّ الأنثيين. ثم ذكر نحوه .
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن
مجاهدٍ ، عن ابنِ عباسٍ مثله .
ورُوِى عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ ما حدَّثنا به محمدُ بنُ المُثُنَّى، قال: ثنا وهبُ بنُ
جريرٍ، قال : ثنا شعبةُ، عن محمدِ بنِ المُكَدِرِ ، قال : سمِعتُ جابرَ بنَ عبدِ اللَّهِ ،
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٨٢/٣ (٤٨٩٦) عن محمد بن سعد به .
(٢) تفسير مجاهد ص٢٦٨ ومن طريقه البيهقى ٦/ ٢٢٦، ٢٦٣، وأخرجه البخارى (٤٥٧٨)، وابن أبى
حاتم فى تفسيره ٨٨٠/٣ (٤٨٨٧)، من طريق ابن أبى نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ١٢٥/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

٤٦٠
سورة النساء : الآية ١١
قال: دَخَل علىَّ رسولُ اللَّه عَِّهِ وأنا مريضٌ، فتوضَّأ ونضَح علىَّ مِن وَضُوئِه،
فأفقتُ ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ ، إنما يَرِثُنِى كَلالةٌ، فكيف بالميراثِ؟ فنزلت آيةُ
(١)
الفرائضِ(١).
حدَّثنا القاسم ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجْ، عن ابنِ نجريجٍ، قال :
ثنى محمدُ بنُ المُتْكَدِرِ، عن جابرٍ، قال: عادنى رسولُ اللَّهِ عَ لَه وأبو بكرِ رضِى الله
عنه فى بنى سلِمةَ يمشيان، فوَجَدانى لا أَعْقِلُ، فدعا بماءٍ(٢) فتوضَّأَ، ثم رشَّ علىَّ،
فأفقْتُ ، فقلتُ : يا رسولَ اللَّهِ، كيف أَصْنَعُ فى مالى؟ فنزَلت: ﴿يُوصِيكُمُ اَللَّهُ فِيّ
أَوْلَدِكُمٌّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِّ﴾﴾(٣).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿فَإِن كُنَّ نِسَآءُ فَوْقَ أَثْنَتَيْنٍ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكٌ ﴾
يعنى بقولِه: ﴿فَإِنِ كُنَّ﴾: (4 فإن كان المتروكاتُ" نساءً فوق اثنتين، ويعنى
بقولِه: ﴿نِسَآءَ﴾: بناتِ الميتِ ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾. يقولُ: أكثرَ فى العددِ مِن
اثنتينِ، ﴿ فَلَهُنَّ تُلُثَا مَا تَرَكٌ﴾. يقولُ: فِلِبَناتِهِ النُّلثان مما ترَك بعدَه مِن ميراثِه دونَ
سائرِ ورثتِه ، إذا لم يكن الميتُ خلَّف ولدًا ذكرًا [٥٠٧/١و] معَهن.
واخْتَلف أهلُ العربيةِ فى المعنىِّ بقولِه: ﴿فَإِن كُنَّ نِسَآءَ ﴾ ؛ فقال بعضُ نحوِّی
(١) أخرجه مسلم (٨/١٦١٦) عن محمد بن المثنى به، وأخرجه البيهقى ٢١٢/٦ من طريق وهب بن
جرير به، وأخرجه الطيالسى (١٨١٥)، وأحمد ٩٤/٢٢ (١٤١٨٦)، والبخارى (١٩٤)، ومسلم
(٨/١٦١٦)، وابن حبان (١٢٦٦)، والبيهقى ٢٣٥/١ من طريق شعبة به.
(٢) سقط من: ص، ت١، ت٢، ت ٣، وفى م: (( بوضوء)).
(٣) أخرجه مسلم (١٦١٦) والنسائى فى الكبرى (٦٣٢٣، ١١٠٩١)، والواحدى فى أسباب النزول
ص١٠٧ من طريق حجاج به ، والبخارى (٤٥٧٧) وابن الجارود (٩٥٦)، والبيهقى ٢١٢/٦ من طريق ابن
جريج به، وأخرجه الترمذى (٢٠٩٦)، وأبو داود (٢٨٨٦)، وابن ماجه (١٤٣٦، ٢٧٢٨) وابن أبى حاتم
فى تفسيره ٨٨٠/٣ (٤٨٨٦)، والحاكم ٣٠٣/٢ من طريق ابن المنكدر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٢٤/٢، ١٢٥ إلى عبد بن حميد وابن المنذر. وينظر الدر المنثور ٢/ ١٢٤، ١٢٥.
(٤ - ٤) فى س: ((نساء، فإن كان المتروك)).