Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
سورة آل عمران : الآية ١٦١
فيَخُونوه فى الغَنائمِ .
قيل له : أفكان لهم أن يَغُلُّوا غيرَ النبيِّ عَ لّهِ فِيَخُونوه، حتى خُصُّوا بالنهي عن
خيانةِ النبيِّ عَ لَّه ؟.
فإن قالوا : نعم . خرَجوا مِن قولِ أهلِ الإسلامِ ؛ لأن اللَّهَ لم يُخْ خِيانةَ أحدٍ فى
قولِ أحدٍ مِن أهلِ الإِسلام قطَّ .
فإن قال قائلٌ: لم يكنْ ذلك لهم(١) فى نبىٌّ ولا غيرِهِ.
قيل: فما وجهُ خُصوصِهم إذن بالنهي عن خِيانةِ النبيِّ مَ له، وغُلولُه وغُلولُ
بعضِ اليهودِ بمنزلةٍ ، فيما حرَّم اللَّهُ على الغالٌّ مِن أموالِهما، و(٢) ما يَلْزَمُ المُؤْتَمَنَ مِن أداءِ
الأمانةِ إليهما ؟
وإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أن معنى ذلك هو ما قلْنا مِن أن اللَّهَ عزَّ وجلَّ
نفَى بذلك أن يكونَ الغلولُ والخيانةُ مِن صفاتِ أنبيائِه، ناهيًا بذلك [٦٢/١١] عبادَه
عن الغلول، وآمِرًا لهم بالاسْتِنانِ بمنهاج نبيِّهم، كما قال ابنُ عباسٍ فى الروايةِ
التى ذكَرْناها مِن روايةِ عَطيَةً (١) ، ثم عقّب تعالى ذكرُه نهيَهم عن الغلولِ
بالوعيدِ عليه، فقال: ﴿ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾. الآيَتَيْ معًا .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ .
يعنى بذلك تعالى ذكرُه : ومَن يَخُنْ مِن غَنائم المسلمين شيئًا ، وفَيِّهم، وغيرِ
ذلك ، يَأْتِ به يومَ القيامةِ فى المَحْشَرِ .
كما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ فُضَيْلٍ، عن يحيى بنِ سعيدٍ
(١) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((منهم)).
(٢) فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((أو)).
(٣) تقدم تخريجه فى ص ١٩٦ .

٢٠٢
سورة آل عمران : الآية ١٦١
"أبِى حَيَّانَ()، عن أبى زُرْعةَ، عن أبى هريرةَ، عن رسولِ اللهِ يَّمِ أنه قام خطيبًا ،
فوعَظ وذكَّر، ثم قال: ((ألا عَسَى رجلٌ منكم يَجِىءُ يومَ القيامةِ على رقبتِه شاةٌ لها
تُغَاءٌ، يقولُ: يا رسولَ اللَّهِ أَغِثْنِى. فأقولُ: لا أَمْلِكُ لك شيئًا، قد أَبْلَغْتُك . ألا هل
عسى رجلٌ منكم يَجِىءُ يومَ القيامةِ على رقبتِه فرسٌ لها حَمْحَمَةٌ ، يقولُ : يا رسولَ
اللَّهِ ، أَغِثْنِى. فأقولُ: لا أَمْلِكُ لك شيئًا، قد أَبْلَغْتُك. ألا هل عسى رجلٌ منكم
يَجِىءُ يومَ القيامةِ على رقبته صامتٌ(٢)، فيقولُ: يا رسولَ اللَّهِ، أَغِثْنِى. فأَقولُ: لا
أَمْلِكُ لك شيئًا، قد أَبْلَغْتُك. ألا هل عسى رجلٌ منكم يَجِئُ يومَ القيامةِ على رقبته
بقرةٌ لها خُوَارٌ، يقولُ: يا رسولَ اللَّهِ، أَغِثْنِى. فأقولُ: لا أَمْلِكُ لكِ شيئًا، قد
أَبْلَعْتُك. ألا هل عسى رجلٌ منكم يَجِىُ يومَ القيامةِ على رقبته رِقاعٌ تَخْفِقُ(٢)،
يقولُ: يا رسولَ اللَّهِ، أَغِثْنِى. فأقولُ: لا أَمْلِكُ لك شيئًا، قد أَبْلَغْتُك))(٤).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عبدُ الرحيم(٥) ، عن أبى حَيَّانَ، عن أبى زُرْعةً، عن
أبى هريرةً، عن النبيِّ مَ ◌ّهِ مثلَ هذا، زاد فيه: ((على رقبته بَعيرٌ له رُغاء، لا أُلْفِينَّ
أحدَكم على رقبتِه نفْسٌ(٦) لها صِياحٌ))(٧).
(١ - ١) سقط من: س، وفى ص: ((عن أبى حيان)). وينظر تهذيب الكمال ٢٩٣/٢٦. ولا يعكر عليه أن
يحيى بن سعيد - وهو القطان - يروى هذا الحديث عن أبى حيان ، كما عند البخارى (٣٠٧٣) لأن رواية
البخارى عن مسدد ، عن يحيى بن سعيد القطان عن أبى حيان، وفى السند الذى معنا فإن ابن فضيل يروى
عن أبی حیان ، كما فى ترجمته .
(٢) الصامت : الذهب والفضة ، خلاف الناطق، وهو الحيوان. النهاية ٥٢/٣.
(٣) أراد بالرقاع ما عليه من الحقوق المكتوبة فى الرقاع، وخفوقها: حركتها. النهاية ٢٥١/٢، واستبعده ابن الجوزى
وفسر الرقاع بالثياب؛ لأن الحديث سيق فى الغلول الحسى، فحمله على الثياب أنسب . ينظر الفتح ١٨٦/٨.
(٤) أخرجه البخارى (٣٠٧٣)، ومسلم (١٨٣١)، وابن حبان (٤٨٤٨)، والبيهقى ١٠١/٩ من طريق أبي حيان به.
(٥) فى النسخ، وشعب الإيمان: ((الرحمن)). وسيأتى على الصواب فى آخر الحديث التالى، وينظر تهذيب
الكمال ٣٦/١٨.
(٦) قال الحافظ فى الفتح ١٨٦/٦: كأنه أراد بالنفس ما يغله من الرقيق من امرأة أو صبى.
(٧) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٩٢/١٢، ٤٩٣ - ومن طريقه مسلم (١٨٣١)، والبيهقى فى الشعب
(٤٣٣٠) - عن عبد الرحيم به .

٢٠٣
سورة آل عمران : الآية ١٦١
١٥٩/٤
/حدَّثنی يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ مُلَيَّةً ، قال : ثنا أبو حَيَّانَ ، عن أبى
زُرْعَةَ بنِ (١) عمرو بنٍ جَرِيرٍ، عن أبى هريرةَ، قال: قام فينا رسولُ اللَّهِ عَهِ يومًا ، فذكَر
الغُلولَ، فعظَّمه وعظّم أمرَه، فقال: ((لا أُلْفِيَنَّ (" يَجِىءُ أحدُكم٢ يومَ القيامةِ على
رقبته بَعِيرٌ له رُغاءٌ، يقولُ: يا رسولَ اللَّهِ، أَغِثْنِى))(١٣). ثم ذكَر نحوَ حديثٍ أَبِى كُرِيبٍ،
عن عبدِ الرحيمِ(٥) .
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ، قال: ثنا حفصُ بنُ بشرٍ، عن يعقوبَ القُّمِّيِّ ، قال: ثنا
حفصُ بنُ حُميدٍ، [٦٣/١١ و] عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ عَلَّهِ:
(( لا أَعْرِفَنَّ أَحدَ كم يَأْتِى يومَ القيامةِ يَحْمِلُ شاةً لها ثُغاءٌ، يُنادِی : یا محمدُ ، یا
محمدُ. فأقولُ: لا أَمْلِكُ لك مِن اللَّهِ شيئًا، قد بلَّغْتُك. (°ولا أعرفنَّْ أحدكم
يَأْتِى(٢) يومَ القيامةِ يَحْمِلُ(٢) جملًا له رُغاءٌ، يقولُ: يا محمدُ ، يا محمدُ . فأقولُ : لا
أَمْلِكُ لك مِنِ اللَّهِ شيئًا، قد بلَّغْتُك. ولا أَعْرِفَنَّ أحدَكم يَأْتِى يومَ القيامةِ،
يَحْمِلُ فرسًا له حَمْحَمَةٌ ، ينادى: يا محمدُ، يا محمدُ. فأقولُ: لا أملكُ لك
من اللَّهِ شيئًا، قد بلَّغْتُك ولا أعرِفَتَّ أحدَكم يأتى يومَ القيامةِ يَحْمِلُ قَشْعًا (٨) مِن
(١) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((عن))، وفى س: ((عن أبى)). والمثبت كما فى مصادر التخريج،
وينظر تهذيب الكمال ٣٢٣/٣٣.
(٢ - ٢) فى م: ((أحدكم يجىء)). وهو لفظ رواية مسلم، والمثبت من باقى النسخ كلفظ رواية أحمد.
(٣) أخرجه أحمد ٣٠٧/١٥، ٣٠٨ (٩٥٠٣)، ومسلم (١٨٣١/٢٤) من طريق إسماعيل ابن علية به .
وأخرجه مسلم (١٨٣١)/٢٥، وأبو يعلى (٦٠٨٣)، وابن حبان (٤٨٤٧) من طريق أبى زرعة به .
(٤) فى م، س: ((الرحمن)).
(٥ - ٥) فى الأصل: ((ولأعرفن)). وكذا هو فى الأصل فى مواضعه التى ستأتى. قال النووى: قوله طلال:
((فلأعرفن)). هكذا هو ببعض النسخ وفى بعضها: ((لا أعرفن)). بالألف على النفى، قال القاضى : هذا
أشهر. قال: والأول هو رواية أكثر رواة صحيح مسلم. مسلم بشرح النووى ٢٢٠/١٢ .
(٦) سقط من: ص، ت١، ت٢، ت٣، س.
(٧) بعده فى س: ((على رقبته)).
(٨) فى الأصل، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((قسما))، وغير مقروءة فى ص. وساقه ابن الأثير فى النهاية
==

٢٠٤
سورة آل عمران : الآية ١٦١
أدم يُنادِى: يا محمدُ، يا محمدُ. فأَقولُ: لا أَمْلِكُ لك مِن اللَّهِ شيئًا، قد
بلَّغْتُك))(١) .
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا أسباطُ بنُ محمدٍ ، قال: ثنا أبو إسحاقَ الشَّيْبانىُّ،
عن عبدِ اللهِ بنِ ذَْوانَ، عن عروةَ بنِ الزبيرِ ، عن أبى حُميدٍ ، قال: بعَث رسولُ.
اللَّهِوَمِ مُصَدِّقًا(٢)، فجاء بسَوَادٍ كثيرٍ(٢)، قال: فبعث رسولُ اللَّهِ وَحِ مَن يَقْبِضُه
منه ، فلمَّا أَتَوْه جعَل يقولُ: هذا لى، وهذا لكم. قال: فقالوا: مِن أين لك هذا؟
قال: أُهْدِى إِلىَّ، فأتَوْا رسولَ اللَّهِ مَّهِ فَأَحْبَروه بذلك، فخرَج فخطَب ، فقال:
(( أيُّها الناسُ، ما بالى أَبْعَثُ قومًا إلى الصدقةِ، فَيَجِىءُ أحدُهم بالسَّوَادِ الكثيرِ ، فإذا
بعَثْتُ مَن يَقْبِضُه قال : هذا لی ، وهذا لكم . فإن كان صادقًا أفلا أَهْدِى له وهو فى
بيتِ أبيه أو (٤) فى بيتٍ أمِّه؟)) ثم قال: ((أيُّها الناسُ، مَن بعَثْناه على عملٍ فَعَلَّ شيئًا ،
جاءٌ يومَ القيامةِ على عنقِه يَحْمِلُه ، فاتَّقُوا اللَّهَ أن يَأْتِىَ أحدُ كم يومَ القيامةِ على عنقِه
بعيرٌ له رُغاء، أو بقرةٌ تَخورُ، أو شاةٌ تَنْغُو(١)).
حدَّثنا أبو كُرِيبٍ ، قال: ثنا أبو معاويةً وابنُ ثُمَيّرٍ وعَبْدةُ بنُ سليمانَ ، عن هشامِ
ابنِ عروةً، عن أبيه، عن أبى حُميدٍ الساعدىِّ، قال: اسْتَعْمَل رسولُ اللَّهِ ◌ِِّ رجلًا
= قال ابن الأثير: القشع: الجلد اليابس، وقيل: النطع. وقيل: أراد القربة البالية .
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٣٢/٢ عن المصنف، وقال: لم يروه أحد من أهل الكتب الستة .
(٢) المصدق : العامل على الزكاة الذى يأخذ الحقوق من الإبل والغنم. وينظر اللسان (ص د ق ).
(٣) أى بأشياء كثيرة. وأشخاص بارزة من حيوان وغيره، والسواد يقع على كل شخص. صحيح مسلم
بشرح النووي ٢٢١/١٤.
(٤) فى ص، ت١، ت٢، س: ((و)). وينظر صحيح ابن خزيمة. وينظر أيضًا الأثر القادم.
(٥) بعده فى م: (( به)).
(٦) فى ت١، ت٢، ت٣، س: ((تنعق)).
والحديث أخرجه مسلم (١٨٣٢/٢٩)، وابن خزيمة (٢٣٨٢) من طريق أبى إسحاق به .

٢٠٥
سورة آل عمران : الآية ١٦١
مِن الأَزْدِ، يقالُ له : ابنُ اللُّتْبِيَّةِ (١) على صدَقاتِ بنى سُلَيْم، فلما جاء قال: هذا لكم،
وهذا هديةٌ أُهْدِيَت لى. فقال رسولُ اللَّهِ عَمِ: ((أفلا يَجْلِسُ أحدُكم فى بيتِهِ، فَتَأْتَه
هديته؟)). ثم حمِد اللَّهَ، وأَثْنَى عليه، ثم قال: ((أمَّا بعدُ ، فإنى أَسْتَعْمِلُ رجالًا منكم على
أمورٍ مَّا وَلَّانِى اللَّهُ، فِيَقولُ أحدُهم: هذا الذى لكم، وهذا هديةٌ أُهْدِيَت إلىّ. أفلا يَجْلِسُ
فى بيتٍ أبيه أو فى(٢) بيتِ أمّه، فتأْتِيَه هديتُه! والذى نفسى بيدِه، لا يَأْخُذُ أحدُكم مِن
ذلك شيئًا إلا جاء به يومَ القيامةِ يَحْمِلُه على / عنقِه ، فلا أَعْرِفَنَّ ما جاء رجلٌ يَحْمِلُ بعيرًا له
رُغاءٌ، أو بقرةً لها خُوَارٌ، أو شاةً تَيْعَرُ(١)). ثم رفَع يدَيه (٤)، فقال: ((ألا هل بلَّغْتُ))(٥).
١٦٠/٤
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال : ثنا عبدُ الرحيم ، عن هشامٍ بنِ عُروةً ، عن أبيه ، عن أبى
حُميدٍ، [٦٣/١١ظ] حدَّثه بمثل هذا الحديثِ، قال: ((أفلا جلَسْتَ فى بيتٍ أبيك وأمِّك
حتى تَأْتِيَك هديتُك؟)). ثم رفَع يدَيه (٢) حتى إنى لَأَنْظُرُ إلى بياضٍ إِنْطَيْه، ثم قال:
((اللهم هل بلَّغْتُ)). قال أبو محميدٍ: بَصُر عينى وسَمِع أذنى (١).
حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ وهبٍ ، قال : ثنا عمى عبدُ اللَّهِ بنُ وهبٍ ،
قال: أَخْبَرَنى عمرُو بنُ الحارثِ، أن موسى بنَ بُبَيرٍ(٨) حدَّثه، أن عبدَ اللَّهِ بنَ عبدٍ
الرحمنِ بنِ الحُبَابِ الأنصارىَّ، حدَّثْه أن عبدَ اللَّهِ بِنَ أُنَيْسٍ(٩) حدَّثه، أنه تَذاكَر هو
(١) فى ص: ((الأَتْبيَّة)). وورد عند مسلم على الوجهين، وينظر التاج (ل ت ب).
(٢) سقط من: م، ت ٢.
(٣) فى م: ((تثغو)).
(٤) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((يده)).
(٥) أخرجه مسلم (١٨٣٢/٢٨) عن أبى كريب به. وأخرجه البخارى (٧١٩٧) من طريق عبدة - وحده - به .
(٦) فى النسخ: (( يده )). وصوبناه من ابن أبى شيبة وصحيح مسلم .
(٧) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٩٣/١٢ - وعنه مسلم (١٨٣٢/٢٨) - عن عبد الرحيم به . وأخرجه الشافعى
١/(٦٦٩)، والطيالسى (١٣٠٩)، وعبد الرزاق فى مصنفه (٦٩٥٠، ٦٩٥١)، والبخارى (٦٩٧٩)،
ومسلم (١٨٣٢)/٢٨، والبزار (٣٧٠٨)، وابن خزيمة (٢٣٤٠)، وابن حبان (٤٥١٥) من طريق هشام به .
(٨) فى الأصل، ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((حنين)). وينظر تهذيب الكمال ٤٢/٢٩.
(٩) ( ت٢) س : ((أنس)) .. وينظ تهذيب الكمال ٠٣١٣/١٤

٢٠٦
سورة آل عمران : الآية ١٦١
وعمرُ يومًا الصدقةَ، فقال: ألم تَسْمَعْ رسولَ اللَّهِ مَ ◌ّهِ حينَ ذكَر غُلولَ الصدقةِ: ((مَن
غَلَّ منها بعيرًا أو شاةً، فإنه يَحْمِلُه يومَ القيامةِ؟)) قال عبدُ اللَّهِ بنُ أُنَيْسٍ: بلى(١).
حدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى الأَمَوىُّ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا يحيى بنُ سعيد
الأنصارىُّ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، أن رسولَ اللَّهِ مَّهِ بعَث سعدَ بنَ عُبادةَ
مُصَدِّقًا، فقال: ((إياك يا سعدُ أن تَّجِىءَ يومَ القيامةِ ببعيرٍ تَحْمِلُه له رُغاءٌ)). قال : لا
آخُذُه ولا أَجِىءُ به . فأعفاه(١) .
حدَّثنى أحمدُ بنُ المغيرةِ الحمصىُّ أبو حُميدٍ ، قال: ثنا الربيعُ بنُ رَوْحٍ، قال : ثنا
ابنُ عَيَّاشِ ، قال: ثنى عُبيدُ اللَّهِ بنُ عمرَ بنِ حفصٍ ، عن نافعٍ مولى ابنِ عمرَ، عن عبد
اللَّهِ بنِ عمرَ، أن رسولَ اللهِ عَ لَه اسْتَعْمَل سعدَ بنَ عُبادةَ، فَأَتَّى النبيَّ عَِّ فسلّم
عليه ، فقال له النبيُّ عَلَّهِ: ((إياك يا سعدُ أن تَجِىءَ يومَ القيامةِ تَحْمِلُ على عنقِك بعيرًا
له رُغاءٌ)). فقال سعدٌ: فإن فعَلتُ يا رسولَ اللَّهِ، إن ذلك لَكائنٌ؟ قال: ((نعم)).
قال سعدٌ: قد علِمْتَ يا رسولَ اللَّهِ أنى أُسْأَلُ فَأُعْطِى، فَأَغْفِى. فأعفاهُ(٣) .
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ حبابٍ (٢) قال : ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ الحارثِ،
قال : ثنى جَدى عُبيدُ بنُ أبى عبيدٍ - وكان أولَ مولودٍ بالمدينةِ - قال : اسْتُعْمِلْتُ على
صدقةٍ دَوْسٍ، فجاءنى أبو هريرةً فى اليومِ الذى خرَجْتُ فيه، فسلّم، فخرَجْتُ إليه،
فسلَّمْتُ عليه ، فقال: كيف أنت والبعيرَ؟ كيف أنت والبقرَ؟ كيف أنت والغنمَ ؟ ثم
(١) أخرجه أحمد ٤٦٣/٢٥ (١٦٠٦٣)، وابن ماجة (١٨١٠)، وعبد الله بن أحمد فى الزوائد على المسند
٤٦٣/٢٥ (١٦٠٦٣) من طريق ابن وهب به .
(٢) أخرجه البزار (٨٩٨ - كشف)، وابن حبان (٣٢٧٠)، والحاكم ٣٩٩/١، وابن عساكر فى تاريخه
٢٥٩/٢٠ من طریق سعید بن یحیی به .
(٣) أخرجه ابن عساكر فى تاريخه ٢٥٩/٢٠ من طريق ابن عياش، عن يحيى بن سعيد الأنصارى عن نافع به .
(٤) فى م، س: ((حبان))، وفى ت١: ((خباب)). وينظر تهذيب الكمال ١٠/ ٤٠.

٢٠٧
سورة آل عمران : الآية ١٦١
قال: سمِعْتُ حِبِّى رسولَ اللَّهِ عَّ له أبا القاسم قال: ((مَن أَخَذ بعيرًا بغيرِ حقِّه ، جاء به
يومَ القيامةِ له رُغاءٌ، ومَن أَخَذ بقرةً بغيرِ حقِّها، جاء بها يومَ القيامةِ لها خُوارٌ، ومَن
أخَذ شاةً بغيرِ حقِّها، جاء بها يومَ القيامةِ على عنقِه لها يُعارٌ )). فإياك والبقرَ، فإنها
أحَدُّ قرونًا وأشدُّ أَظْلاَفًا .
(٢ حدَّثنا أبو كُرِيبٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ مَخْلَدٍ، قال: ثنى "محمدٌ، عن)
عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ، عن جدِّه عبيدِ بنِ أبى عبيدٍ ، قال : اسْتُعْمِلْتُ على صدقةٍ
دَوْسٍ، فلمَّا قضَيْتُ العملَ قدِمْتُ، فجاءنى أبو هريرةَ فسلَّم علىَّ، فقال: أخْبِرْنى
كيف أنت والإبلَ. ثم ذكر نحوَ حديثه عن زيدٍ، إلا أنه قال: (( جاء به يومَ القيامةِ علی
(٤) ٢)
عنقه له رُغاء)»
/حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا معمرٌ، عن ١٦١/٤
قتادةَ فى قولِه: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾. قال
قتادةُ: كان النبيُّ عَظ له إذا غنِمِ مَغْنمًا بعَث مناديًا: ((ألَا لا يَغُلَّنَّ رجلٌ مِخْيَطًا (٥) فما
دونَه، ألا لا يَغُلَّنَّ رجلٌ [٦٤/١١ و] بعيرًا، فيَأْتِىَ به على ظهرِهِ يومَ القيامةِ له رُغاءٌ، ألا لا
يَغُلَّنَّ رجلٌ فرسًا، فيأْتِىَ به يومَ القيامةِ على ظهرِهِ له حَمْحَمٌ))(١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ثُمَّ تُوَّى كُلُّ نَفْسِ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا
٦١
يُظْلَمُونَ
(١) فى م: ((ثغاء)).
(٢ - ٢) سقط من: ت٢ ، س.
(٣ - ٣) سقط من: الأصل، وفى ص، ت١: ((محمد بن).
(٤) عزاه فى كنز العمال ٣٨٦/٤ (١١٠٤٣) إلى المصنف .
(٥) المخيط: الإبرة. النهاية ٢ / ٩٢.
(٦) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٣٧. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩٢/٢ إلى ابن المنذر، وفيه: ((فما فوقه))
بدلا من: ((فما دونه)).

٢٠٨
سورة آل عمران : الآيتان ١٦٢،١٦١
يعنى بقوله تعالى ذكره: ﴿ثُمَّ تُوَلَى كُلُّ نَفْسٍ﴾: ثم تُعطَى كلُّ نفسٍ جَزاءَ
ماكسَبَت بكسبِها ، وافيًا غيرَ مَنْقوصٍ، مما اسْتَحَقَّه واسْتَوْجَبه مِن ذلك، ﴿ وَهُمْ لَا
يُظْلَمُونَ﴾. يقولُ: (١ وهم ) لا يُفْعَلُ بهم إلا الذى يَنْتَغِى أَن يُفْعَلَ بهم، مِن غيرٍ أن
يُعْتَدَى عليهم، فيُنْقَصُوا عما اسْتَحَقُّوه .
ثُمَّ تُوَنَى كُلُّ
كما حدَّثنا ابنُ محُميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، عن ابنٍ إسحاقَ :
نَفْسِ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: ثم يُجْزَى بكسبِهِ غيرَ مظلوم، ولا مُتعدّى("
(٣)
علیه
.
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَنَ اَللَّهِ كَمَنْ بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ اللَّهِ
١٦٢
وَمَأْوَنُهُ جَهَنَّمْ وَيْسَ اَلْصِيرُ
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك ؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ﴿أَفَمَنِ أَنَّبَعَ
رِضْوَنَ اللَّهِ﴾ فى تركِ الغُلولِ، ﴿ كَمَنْ بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ بغُلولِه ما غلَّ؟
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا ابنُ عُيينةً ، عن
مُطَرِّفٍ، عن الضحاكِ فى قولِهِ: ﴿ أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَنَ اَللَّهِ﴾. قال: مَن لم يَغُلَّ،
كَمَنْ بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ اللَّهِ﴾: كمَن غَلَّ(٤).
(١ - ١) سقط من: م. وفى س: ((ومن)).
(٢) فى م: ((معتدى)).
(٣) سيرة ابن هشام ١١٧/٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٠٥/٣ (٤٤٤٤) من طريق سلمة به.
(٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٣٨، وذكر أوله ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٠٦/٣ عقب الأثر (٤٤٤٧) معلقا ،
وأخرج آخره (٤٤٥٢) من طريق سفيان به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩٣/٢ إلى ابن المنذر.

٢٠٩
سورة آل عمران : الآية ١٦٢
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عُيينةً، عن مُطَرِّفِ بنِ
طَرِيفٍ، عن الضحاكِ قولَه: ﴿أَفَمَنِ أَنَّبَعَ رِضْوَنَ الَّهِ﴾. قال: أمَن(١) أدَّى الخُمُسَ،
كَمَنْ بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ اللَّهِ﴾: غلّ فباء بسخطٍ من اللهِ، فاسْتَوْجَب سَخَطًا مِن اللَّهِ؟
وقال آخَرون فى ذلك بما حدَّثنا به ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، عن ابنٍ
إسحاقَ: ﴿ أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ﴾: على ما أحَبَّ الناسُ وسخِطوا، ﴿ كَمَنْ بََّ
بِسَخَطٍ مِّنَ اللّهِ﴾ لِرِضَا الناسِ وسَخَطِهم؟ يقولُ: أفمَن كان على طاعتى ، وثوابُه
الجنةُ ورِضْوانٌ مِن ربِّه، ﴿ كَمَنْ بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ فاسْتَوْجَب غضبَه، وكان
مأواه جهنمَ ، وبْسَ المصيرُ؟ أَسَواءٌ المثلان؟ أىْ: فاغْرِفوا(٢) .
[٦٤/١١ ظ] وأولى التأويلين بتأويل الآيةِ عندى قولُ الضحاكِ بنِ مُزاحِم؛ لأن
ذلك عَقيبَ وَعيدِ اللَّهِ جل ثناؤه على الغُلولِ ونهيه عبادَه عنه ، ثم قال لهم بعدَ نهيه
عن ذلك ووعيدِه : أسواءٌ المطيعُ للَّهِ عز وجل فيما أمره به ونهاه، والعاصی له فى
ذلك؟ أىْ أنهما لا يَسْتَوِيان، ولا تَسْتَوِى حالتاهما عندَه؛ لأن لمن أطاع اللَّهَ فيما أمَره
ونهاه الجنةَ، ولمن عصاه فيما أمره ونهاه النارَ .
فمعنى قوله : ﴿ أَفَمَنِ أَتَّبَعَ رِضْوَنَ اَللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِّنَ اللَّهِ﴾. إذن :
أَفَمن ترَك الغُلولَ وما نهاه اللَّهُ عز وجل عنه مِن مَعاصیه ، وعمِل بطاعةِ اللهِ فی ترکِه
ذلك، وفى غيرِه مما أمَره به (٤) / مِن فرائضِه، مُتَبِعًا فى كلِّ ذلك رضا اللَّهِ، ومُجْتِبًا(٥) .
سَخَطَه، ﴿ كَمَنْ بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ اللّهِ﴾. يعنى: كمَن انْصَرَف مُتَحَمِّلًا سَخَطَ اللَّهِ
١٦٢/٤
(١) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((من)).
(٢ - ٢) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س.
(٣) سيرة ابن هشام ١١٧/٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٠٦/٣، ٨٠٧ (٤٤٤٩، ٤٤٥٤) من
طريق سلمة به حتى قوله : غضبه .
(٤) بعده فى م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((ونهاه )).
(٥) فى الأصل، ص، ت١، ت٢، ت٣: ((تجنبا)).
( تفسير الطبرى ١٤/٦ )

٢١٠
سورة آل عمران : الآيتان ١٦٣،١٦٢
وغضبه، فاسْتَحَقَّ بذلك سُكْنَى جهنمَ؟ يقولُ: ليسا سواءً .
وأما قولُه: ﴿وَبِسَ الْصِيرُ﴾. (١ فإنه يعنى: وبئس الشىءُ(١)١) الذى يَصِيرُ،
ويَتُوبُ إليه مَن باء بسَخَطِ مِن اللَّهِ - جهنمُ .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿هُمْ دَرَجَتُ عِندَ اللّهِ وَاللَّهُ بَصِيرً بِمَا يَعْمَلُونَ
يعنى بذلك تعالى ذكره أن مَن اتَّبَع رِضْوانَ اللَّهِ ، ومَن باء بسخَطٍ مِن اللَّهِ،
مختلفو المَنَازِلِ عندَ اللَّهِ، فلِمَن اتََّع رضوانَ اللَّهِ الكرامةُ والثوابُ الجَزَيلُ، ولمن باء
بسخطٍ مِن اللَّهِ المَهانةُ والعذابُ الأليمُ .
كما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿هُمْ دَرَجَتُ
عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾. أىْ : لكلِّ دَرَجاتٌ مما عمِلوا فى الجنةِ والنارِ ،
إِن اللَّهَ لا يَخْفَى عليه أهلُ طاعتِه مِن أهلِ معصيتِه (٣).
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أیی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿هُمْ دَرَجَتُ عِندَ الَهُ﴾ . يقولُ: بأعمالِهِم(٤).
وقال آخرون : معنى ذلك : لهم درجاتٌ عندَ اللَّهِ . يعنى: لمن اتَّبَع رضوانَ اللَّهِ
منازلُ عندَ اللَّهِ كريمةٌ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أُبی
نجيح، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿هُمْ دَرَجَتُ عِندَ اللَّهِ﴾. قال: هى كقولِه: لهم
(١ - ١) سقط من: ت١، ت٢، ت٣.
(٢) فى ص، م، س: ((المصير)).
(٣) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٧.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٠٧/٣ (٤٤٥٨) عن محمد بن سعد به .

٢١١
سورة آل عمران : الآيتان ١٦٣، ١٦٤
عندَ اللَّهِ(١).
(١)
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿هُمْ دَرَجَتُ
عِنْدَ اللهِ﴾. يقولُ: لهم درجاتٌ عندَ اللَّهِ(٢).
وقيل: قولُه: ﴿هُمْ دَرَجَتُ﴾. كقولِ القائلِ: هم طَبَقاتٌ. كما قال ابنُ هَرْمةً(١) :
(٤ أرجمًا للمنونِ" يكونُ قَوْمی(٥)
لِرَيْبِ الدَّهْرِ أم دَرَجَ(٩) الشّيولِ
وأما قولُه: [٦٥/١١ر] ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾. فإنه يعنى : واللَّهُ ذو
علم بما يَعْمَلُ أهلُ طاعتِهِ ومعصيتِهِ، لا يَخْفَى عليه مِن أعمالِهم شىءٌ، يُخْصِى على
الفريقَيْنْ جميعًا أعمالَهم، حتى تُوفَّى كلُّ نفسٍ منهم جَزاءَ ما كسَبَت مِن خير أو شرٌّ .
كما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا
يَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: إن اللَّهَ لا يَخْفَى عليه أهلُ طاعتِه مِن أهلِ معصيتِه (١) .
١٦٣/٤
/القولُ فى تأويل قوله: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيِهِمْ رَسُولًا مِنْ
أَنْفُسِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِهِ، وَيُزَكِّيِهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ وَاَلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ
١٦٤
مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَلٍ مُبِينٍ
(١) يعنى قوله تعالى: ﴿لهم درجات عند ربهم﴾. الآية ٤ من سورة الأنفال.
والأثر فى تفسير مجاهد ص ٢٦١ . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩٣/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٠٧/٣ (٤٤٥٧) من طريق أحمد بن مفضل به .
(٣) هو إبراهيم بن هرمة، والبيت فى مجاز القرآن لأبى عبيد ١٠٧/١، واللسان (درج)، والخزانة ٤٢٤/١،
وأنشد سيبويه آخره فى الكتاب ٤١٥/١. ورواية اللسان والخزانة :
رجالى أم هم درج السيول
أنصب للمنية تعتريهم
(٤ - ٤) فى م: ((أإن حم المنون)).
(٥) فى النسخ: ((قوم)). والمثبت من مجاز القرآن، واستظهارًا من شرح البيت ومن رواية البيت الأخرى،
حيث قال: ((رجالى)).
(٦) درج السيل ومدرجه: منحدره وطريقه فى معاطف الأودية . اللسان (درج ).
(٧) سيرة ابن هشام ٢ / ٠١١٧

٢١٢
سورة آل عمران : الآية ١٦٤
يعنى بذلك تعالى ذكره : لقد تَطوَّل اللَّهُ تبارك اسمُه على أهلِ التصديقٍ به
وبرسولِه، ﴿إِذْ بَعَثَ فِيِهِمْ رَسُولًا﴾: حينَ أرْسَل فيهم رسولاً، ﴿مِّنْ أَنْفُسِهِمْ﴾:
نبيًّا مِن أهلِ لسانِهم، ولم يَجْعَلْه مِن غيرِ أهلِ لسانِهم، فلا يَفْقَهوا عنه ما يقولُ ،
( يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِهِ،﴾. يقولُ: يَقْرَأُ عليهم آَىَ كتابِه وتنزيلِه، ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ .
يعنى: يُطَهِّرُهم مِن ذنوبهم باتِّاعِهم إياه وطاعتِهم له، فيما أمَرَهم ونهاهم ،
﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ﴾. يعنى: ويُعَلِّمُهم كتابَ اللهِ عز وجل الذى
أَنْزَله عليه، ويُبَيُِّّ لهم تأويلَه ومَعانيَه، ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾. ويعنى بالحكمةِ السُّنَّةَ التى
سنَّها اللَّهُ عز وجل للمؤمنين على لسانِ رسولِه، وبيانَه لهم، ﴿ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ
لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. يعنى: وإن كانوا مِن قبلِ أن يَمُنَّ اللَّهُ عليهم بإرسالِه رسولَه الذى
هذه صفتُه، ﴿ لَفِى ضَلَلٍ مُّبِينٍ﴾. يقولُ: فى جَهالةٍ جَهْلاءَ، وفى خَيرةٍ عن
الهُدَى عَمْيَاءَ، لا يَعْرِفون حقًّا، ولا يُطِلون باطلًا .
وقد بيَّّ أَصلَ الضَّلالِ(١) فيما مضى، وأنه الأخْذُ على غيرِ هُدّى، بما أغْنَى عن
إعادته فى هذا الموضعِ (6).
والمُبِينُ : الذى يُبِينُ لمن تأمَّله بعقلِه، وتدَبَّره بِفهمِه، أنه على غيرِ استقامةٍ ولا
هُدى .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.
(١ - ١) فى م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((المؤمنين)).
(٢ - ٢) فى س: ((فى أمره ونهيه)).
(٣) فى م، س: ((الضلالة)).
(٤) ينظر ما تقدم فى ٢ / ٤١٥، ٤١٦.

٢١٣
سورة آل عمران : الآية ١٦٤
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَ
اَلْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولَا مِّنْ أَنفُسِ﴾: " مَنَّ مِن اللَّهِ) عظيمٌ(٢)، مِن غيرِ دَعْوةٍ
ولا رغبةٍ من هذه الأمةِ ، جعَله اللَّهُ عز وجل رحمةً لهم ؛ ليُخْرِجَهم مِن الظلماتِ إلى
النورِ، ويَهْدِيَهُم إلى صراط مستقيم. قوله: ﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ﴾:
الحكمةُ السنةُ، ﴿ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَلٍ مُّبِينٍ﴾: ليس واللَّهِ كما تَقولُ
أهلُ [٦٥/١١] حَرُوراءً(٢): محنةٌ غالبةٌ، مَن أَخْطَأْها أُهرِيق دمُه. ولكنَّ اللَّهَ بعَث
نبيَّه ◌َّ إلى قومٍ لا يَعْلَمون فعلَّمهم، وإلى قومٍ لا أدبَ لهم فأدَّبَهم(٤).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنٍ إِسحاقَ ، قال: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى
اٌلْمُؤْمِنِينَ﴾ إلى قوله: ﴿لَفِى ضَلَلٍ مُّبِينٍ﴾: أى: لقد منَّ اللَّهُ عليكم يا أهلَ
الإيمانِ ، إذ بعث فيكم رسولاً مِن أنفسِكم، يَتْلُو عليكم آياتِه، وُزَكَّيكم فيما
أحدثتم(٥)، وفيما عمِلْتُم، ويُعَلِّمُكم الخيرَ والشرّ، لتَعْرِفوا الخيرَ فَتَعْمَلوا به، والشرّ
فَتَّقُوه، ويُخْبِرُكم برضاه عنكم إذا أَطَعْتُموه ؛ لتَشْتَكْثِروا مِن طاعتِه، وتتجنَبوا ما
سخِط منكم مِن معصيتِه، فَتَتَخَلَّصوا بذلك مِن نِقْمتِه، وتُدْرِ كوا بذلك ثوابَه مِن
جنتِه ، وإن كنتم مِن قبلُ ﴿لَفِى ضَلَلٍ مُّبِينٍ﴾ أى فى عَمْياءَ مِن الجاهليةِ ، لا تَعْرِفون
(١ - ١) فى م، وتفسير ابن أبى حاتم: ((منّ الله)). وينظر الدر المنثور.
(٢) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((عليهم)).
(٣) حروراء كجَلُولاء بالمد، وقد تقصر: قرية بالكوفة على ميلين منها ، نزل بها جماعة خالفوا عليا رضى الله
عنه من الخوارج. التاج (ح ر ر ).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٠٨/٣، ٨٠٩، ٨١٠ (٤٤٦٣، ٤٤٧٣) من طريق يزيد به ، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٩٣/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٥) فى م، س: ((أخذتم)).

٢١٤
سورة آل عمران : الآيتان ١٦٤، ١٦٥
حسنةً، ولا تَشْتَغْتِبون(١) مِن سيئةٍ، صُمّ(٢) عن الحقِّ، عُمْىٌّ عن الهُدَى(٢) .
٠١٦٤/٤
/القولُ فى تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿أَوَ لَمَّآ أَصَبَتَّكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِثْلَيْهَا
١٦٥
قُلْتُمْ أَنَّ هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
يعنى بذلك تعالى ذكرُه: أَوَ حينَ أصابتكم أيها المؤمنون ﴿ مُصِيبَةٌ﴾ ، وهی
القَتْلَى(٤) الذين قُتِلوا منهم يومَ أَحدٍ، والجَّحَى الذين جرِحوا منهم بأحدٍ ، وكان
المشركون قتلوا منهم يومَئذٍ سبعين نفرًا، ﴿قَدْ أَصَبْتُ مِثْلَيْهَا﴾ . يقولُ : قد أَصْبُم
أنتم أيها المؤمنون من المشركين مِثلَئ هذه المصيبة ، التى أصابوا هم منكم، وهی
المصيبةُ التى أصابها المسلمون من المشركين بيدرٍ ، وذلك أنهم قتلوا منهم سبعين ،
وأسروا سبعين ﴿قُلْتُمْ أَنَّ هَذَا﴾؟ يعنى: قلتُم لما أصابتكم مصيبتكم بأحدٍ: ﴿ أَنَّ
هَذَا﴾ ؟ من أىِّ وجهٍ هذا؟ ومن أينَ أصابنا هذا الذى أصابنا ، ونحن مسلمون وهم
مشركون، وفينا نبىُّ اللَّهِ عَظِلّهِ، يأتيه الوحى من السماءِ، وعدوُّنا أهلُ كفرِ باللَّهِ
وشركٍ؟ ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ للمؤمنين بك من أصحابِك: ﴿هُوَ مِنْ عِندِ
أَنْفُسِكُمْ﴾ . يقولُ: قل لهم: أصابكم هذا الذى أصابكم من عندٍ أنفسكم ،
بخلافِکم أمری ، وتر ککم طاعتی ، لا من عندٍ غیرِ کم ، ولا من قِبَلِ أحدٍ سواکم،
إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾، يقولُ: إن اللَّهَ على جميع ما أراد بخلقِه من عفوٍ
وعقوبةٍ وتفضُّلٍ وانتقامِ ﴿ قَدِيرٌ﴾. يعنى : ذو قدرةٍ .
(١) فى م: ((تستغيثون)). وفى مصدرى التخريج: ((تستغفرون).
(٢) بعده فى سيرة ابن هشام: ((عن الخير، بُكْم)).
(٣) سيرة ابن هشام ١١٧/٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٠٨/٣ - ٨١٠ (٤٤٦٢، ٤٤٦٥،
٤٤٦٨، ٤٤٧٤) من طريق سلمة به إلى قوله : ولا تستغفرون من سيئة .
(٤) فى ص، ت١، ت٢: ((القتل)).

٢١٥
سورة آل عمران : الآية ١٦٥
ثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ قوله: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ﴾. بعدَ
إجماع [٦٦/١١و] جميعِهم على أن تأويلَ سائرِ الآيةِ، على ما قلنا فى ذلك من
التأويلِ ؛ فقال بعضُهم : تأويلُ ذلك : قل : هو من عندِ أنفسِكم ، بخلافِكم على نبىِّ
اللَّهِ ، إِذْ أشار عليكم بتركِ الخروجِ إلى عدوّكم والإصحارِ(١) لهم، حتى يدخُلوا
عليكم مدينتكم، ويصيروا بينَ آطامِكم (١) ، فأبيتُم ذلك عليه، وقلتُم له : اخرُجْ بنا
إليهم، حتى نُصحِرَ لهم ، فنقاتلَهم خارج المدينةِ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: حدثنا يزيدُ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَوَ لَمَّا
أَصَلَبَتَّكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَئِهَا قُلْتُمْ أَ هَذَّا﴾: أُصِيبوا يومَ أحدٍ، قُتِل منهم
سبعون(١) يومَئذٍ، وأصابوا مِثْلَيها(*) يومَ بدرٍ، قتلوا من المشركين سبعين،
وأسَروا سبعين، ﴿قُلْتُمْ أَنَّ هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ﴾: ذُكِر لنا أن نبيَّ
اللَّهِ ◌ِِّ قال لأصحابِه يومَ أحدٍ، حينَ قدِم أبو سفيانَ والمشركون، فقال نبىُّ
اللَّهِ مَّهِ لأصحابِهِ: ((إِنَّا فى جُنَّةٍ ) حصينةٍ)) - يعنى بذلك المدينةَ - ((فَدَعُوا القومَ أن
يدخُلوا علينا نقاتلْهم)). فقال له ناسٌ من أصحابِه من الأنصارِ: يا نبيَّ اللَّهِ: إنا نكرَهُ أن
نُقْتَلَ فى طرقِ المدينةِ ، وقد كنا نمتنعُ "من الغزوِ) فى الجاهليةِ، فبالإسلامِ أحقُّ أن نمتنعَ
٥٠
فيه، فابرُزْ بنا إلى القوم. فانطلق نبىُ اللهِ مَ له، فلبِس لأَمتَهُ(١)، فتلاوم القومُ، فقالوا
(١) الإصحار: مصدر أصحر القوم، إذا برزوا فى الصحراء. تاج العروس (ص ح ر).
(٢) جمع أطم، كل حصن مبنى بحجارة وكل بيت مربع مسطح. القاموس المحيط (أط م ).
(٣) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: (( سبعين)).
(٤) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((مثلها)).
(٥) الجنَّةُ - بالضم -: ما واراك من السلاح واستترت به منه. والجنة أيضًا السترة والوقاية. لسان العرب (ج ن ن ).
(٦ - ٦) فى الأصل: ((من العرب)). وفى م: ((فى الغزو)). ينظر مصدر التخريج .
(٧) اللأمة: الدرع. وقيل: السلاح. ولأمة الحرب: أداته. النهاية ٢٢٠/٤.

٢١٦
سورة آل عمران : الآية ١٦٥
١٦٥/٤
عرّض نبىُّ اللَّهِ بأمرٍ، وعرَّضتم بغيرِهِ، اذهبْ يا حمزةُ فقل لنبىِّ اللَّهِ: أمرُنا لأمرِك تَبَعّ،
فأتَى / حمزةٌ ، فقال له : يا نبيَّ اللَّهِ ، إن القومَ قد تلاوموا، وقالوا: أمرُنا لأمرِك تبعٌ.
فقال النبيُّ معَّهِ: ((إنه ليس لنبىٍّ إذا لبس لأُمتَه أن يضعَها حتى يُناجزَ، وإنه ستكونُ
فيكم مصيبةٌ)). قالوا: يا نبيَّ اللَّهِ، خاصَّةٌ أو عامَّةٌ؟ قال: ((سترَؤْنها)) (١).
وذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ مَمِ رأى فى النوم(١) أن بقرًا تُنحَرُ، فتأوَّلها قتلًا فى
أصحابِه، ورأى أن سيفَه ذا الفَقارِ (٢) انْفَصم (٤) ، فكان قتلُ عمِّه حمزةَ ، قُتِل يومَئذٍ ،
وكان يقالُ له: أسَدُ اللَّهِ. ورأى أن كبشًا أغبَرَ قُتِل(٥) ، فتأوَّله كبشَ الكتيبةِ عثمانَ بنَ
أبى طلحةَ، أُصِيب يومَئذٍ ، وكان معه لواءُ المشركين .
حُدِّثت عن عمارٍ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ ، عن أبيه ، عن الرّبيع بنحوِه ، غيرَ أنه
قال: ﴿قَدْ أَصَبْتُ مِثْلَهَا﴾. يقولُ: مِثْلَى ما أُصِيب منكم، ﴿قُلْتُمْ أَنَّ هَذَّا قُلْ هُوَ
مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ ﴾ . يقولُ: بما عصَيتم.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ ، قال : أُصِيب المسلمون يومَ أحدٍ مصيبةً ، وكانوا قد أصابوا مِثْلَيْها يوم بدرٍ ممن
قُتِلوا وأُسِروا، [٦٦/١١ ظ] فقال اللَّهُ جل ثناؤه: ﴿أَوَ لَمَّآ أَصَبَتَّكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم
(٦)
مِثْلَهَا﴾(١).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجْ، عن ابنٍ ◌ُريجٍ، عن عمرَ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩٤/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٢) فى م: ((المنام)).
(٣) فى الأصل، ص، ت ١: ((الفقارين)).
(٤) فى م: ((انقصم)) .
(٥) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س .
(٦) تفسير عبد الرزاق ١٣٨/١، وعنده: ((مثلها)) بدلاً من ((مثليها)).

٢١٧
سورة آل عمران : الآية ١٦٥
ابنِ عطاءٍ، عن عكرمةَ ، قال : قتَل المسلمون من المشركين يومَ بدرٍ سبعين، وأسروا
سبعين، وقتَل المشركون يومَ أحدٍ من المسلمين سبعين، فذلك قوله: ﴿ قَدْ أَصَبْتُمُ
مِثْلَيْهَا﴾، ﴿قُلْتُمْ أَنَّ هَذَا﴾ ونحن مسلمون نقاتلُ غضبًا للَّهِ، وهؤلاء مشركون؟!
﴿ قُلْ هُوَ مِنْ عِندٍ أَنفُسِكُمْ﴾ عقوبةً لكم بمعصيتِكم النبيَّ عَ لِّ حينَ قال ما قال(١).
حدثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن مباركٍ ، عن الحسنِ:
﴿ أَوَ لَمَّا أَصَبَتْكُمْ قُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّ هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ
أَنْفُسِكُمْ﴾. قالوا : فإنما أصابنا هذا؛ لأنا قَبِنا الفداءَ يومَ بدرٍ من الأسارى، وعصَينا
النبيَّ عَ لَّهِ يومَ أحدٍ، فمن قُتِل منا كان شهيدًا، ومن بقىَ منا كان مطهّرًا ، رضِينا
(٢)
ربّنا(٢) .
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجْ، عن مباركِ ، عن الحسنِ
وابن جريج، قالا: معصيتُهم أنه قال لهم: ((لا تَّبعوهم)) يومَ أحدٍ ، فاتَّبعوهم(١).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن الشُّدىِّ، ثم ذكَر ما
أُصِيب من المؤمنين، يعنى بأحدٍ، وقُتِل منهم سبعون إنسانًا، ﴿أَوَ لَمَّآ أَصَبَتَّكُمْ
مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِثْلَيْهَا﴾: كانوا يومَ بدرٍ أَسَروا سبعين رجلاً، وقتلوا سبعين،
قُلْتُمْ أَنَّ هَذَا﴾: أى من أين هذا؟ ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾، إنكم
(٤)
عصيتم ) .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩٣/٢ إلى المصنف.
(٢) فى م، ت٢، ت٣: ((بالله ربا)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩٣/٢ إلى المصنف وابن أبى حاتم . وهو عند ابن أبى حاتم فى تفسيره
٧٩٧/٣، ٧٩٨ (٤٣٩٧) من طريق سعيد بن سليمان عن مبارك عن الحسن مطولًا بمعناه .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨١٠/٣ عقب الأثر (٤٤٧٥) من طريق أسباط به .

٢١٨
سورة آل عمران : الآية ١٦٥
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبى ، عن
١٦٦/٤ أبيه، عن ابنِ عباسٍ / قوله: ﴿أَوَ لَمَّ أَصَبَتَّكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِثْلَيَّهَا ﴾ يقولُ:
إنكم أَصَبتم من المشركين يومَ بدرٍ مِثْلَى ما أصابوا منكم يومَ أحدٍ (١) .
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ ، ثم ذكَر المصيبةَ التى
أصابتْهم، فقال: ﴿أَوَ لَمَّا أَصَبَتْكُم ◌ُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَّهَا قُلْتُمْ أَنَّ هَذَّا قُلْ هُوَ
مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾ . أى إن تكُ قد أصابتكم مصيبةٌ فى إخوانِكم فبذنوبِكم، قد
أَصَبِثُم مِثْلَيها(١) ؛ قتلاً من عدوّكم فى اليومِ الذى كان قبلَه ببدرٍ ، قتلَى وأُسرَى،
ونسِيتُم معصيتكم وخلافَكم ما أمَركم به نبيكم ◌ِلّه ، إنكم أَخْلَلتم ذلك بأنفسكم،
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾. أى: إن اللَّهَ على كلٌّ ما أراد بعبادِه من " نقَمِه أو
عقْوِهِ قديرٌ" .
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ ، يقولُ: أخبرنا عُبِيدٌ ، قال :
سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ أَوَ لَمَّآ أَصَبَتَّكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُ مِّثْلَهَا ﴾
الآية . يعنى بذلك: أنكم أصَبتُم من المشركين يومَ بدرٍ مِثْلَى ما أصابوا منكم يومَ
أحدٍ .
[٦٧/١١ و] وقال بعضُهم: بل تأويلُ ذلك: قل هو من عند أنفسكم بإسارٍ كم
المشركين ببدرٍ ، وأخذِكم منهم الفداءَ، وتركِكم قتلهم .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨١٠/٣ (٤٤٧٥) عن محمد بن سعد به .
(٢) فى ص: ((مثلها)).
(٣ - ٣) فى م: ((نقمة أو عفو)).
(٤) سيرة ابن هشام ١١٧/٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨١٠/٣ (٤٤٧٧) من طريق سلمة به،
وعنده: ((إن لم تكن)). بدلًا من: ((إن تك)).

٢١٩
سورة آل عمران : الآية ١٦٥
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ فُضيلٍ، عن أشعثَ بنِ سوَّارٍ، عن ابنِ
سيرينَ ، عن عَبِيدةَ ، قال : أسَر المسلمون من المشركين سبعين، وقتلوا سبعين ، فقال
رسولُ اللَّهِ عَهِ: ((اخْتَاروا؛ أن تأخذوا منهم الفِداءَ، فَتَقوَوْا(١) به على عدوّكم ، وإن
قبلتموه قُتِل منكم سبعون، أو تَقْتُلوهم)). فقالوا: بل نأخُذُ الفديةَ منهم، ويُقتَلُ منا
سبعون. قال: فأخَذوا الفديةَ منهم، وقتلوا منهم سبعين. قال عَبيدةُ: وطلبوا الخِيَرَتين
(٢)
كلتَيْهما (٢).
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا ابنُ عُلِيَّةَ، قال : ثنا ابنُ عونٍ ، عن ابنٍ
سيرينَ، عن عَبيدةَ، أنه قال فى أَسارى بدرٍ: قال رسولُ اللَّهِ عَ له: ((إن شئتُم
قتَلُموهم، وإن شئتُم فادَيْتُموهم، واسْتُشْهِد منكم بعِدَّتِهِم)). قالوا: بل نأخُذُ
الفداءَ، فنسْتَمْتِعُ به، ويُسْتَشْهَدُ منا بعِدَّتِهم (١) .
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى إسماعيلُ، عن ابنِ عونٍ ، عن
محمدٍ ، عن(٤) عَبيدةَ السَّلْمانِيِّ، وحدثنى حجَّاجْ، عن جريرٍ، عن محمدٍ ، عن(٥
عَبيدةَ السَّلْمانِيِّ، عن علىٍّ، قال: جاء جبريلُ إلى النبيِّ عَِّ، فقال: يا محمدُ ، إن
اللَّهَ قد كرِه ما صنَع قومُك فى أخذِهم الأسارى، وقد أمَرك أن تخيّرَهم بين أمرين:
أن يُقَدَّموا فتُضرَبَ أعناقُهم، وبينَ أن يأخذوا الفداءَ، على أن يُقتَلَ منهم عِدَّتُهم .
(١) فى م: ((فتتقووا)).
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٦٨/١٤ من طريق أشعث به .
(٣) أخرجه البزار عقب الحديث (٥٥١) من طريق ابن عون به مرسلًا، كذا رواه ابن علية عن ابن عون
مرسلًا، وفى الإسناد التالى رواه عن ابن عون مسندًا. وقد رجح الدارقطنى الإرسال. ينظر علل
الدار قطنى ٣٠/٤ (٤١٨).
(٤) فى ص، م، ت١: ((بن)). وهو تحريف .
(٥) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((بن).

٢٢٠
سورة آل عمران : الآيات ١٦٥ - ١٦٧
قال: فدعا رسولُ اللَّهِ حَ لِّ الناسَ، فذكر ذلك لهم، فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ ، عشائهنا
وإخوانُنا ، لا ، بل نأخُذُ فداءَهم، فنتقوَّى به على قتالٍ عدوِّنا، ويُسْتَشْهَدُ منا
عِدَّتُهم، فليس فى ذلك ما نكرَه . قال: فقُتِل منهم يومَ أحدٍ سبعون رجلاً، عِدَّةُ
أُسارى أهلٍ بدرٍ() .
/ القولُ فى تأويل قولِه: ﴿ وَمَآ أَصَبَكُمْ يَوْمَ اُلْتَقَى الْجَمْعَانِ فَإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ
وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ ﴾ .
اُلْمُؤْمِنِينَ.
١٦٧/٤
يعنى تعالى ذكرُه بذلك : والذى أصابكم يومَ الْتَّقى الجمعانِ ، وهو يومُ أحدٍ
حينَ الْتَّقى جمعُ المسلمين والمشركين، ويعنى بالذى أصابهم : ما نال مِن القتلِ مَن
قُتِل منهم، ومِن الجراحِ مَن يُرِحٍ منهم، ﴿فَإِذْنِ اللَّهِ ﴾، يقول: فهو بإذنِ اللهِ
كان. يعنى: بقضائِه وقَدَرِه فيكم، وأجاب ﴿مَا﴾ بالفاءِ؛ [٦٧/١١ظ] لأن
﴿وَمَا﴾ حرفُ جزاءٍ، وقد بيَّنتُ نظيرَ ذلك فيما مضى قبلُ(١). ﴿وَلِيَعْلَمَّ الْمُؤْمِنِينَ
وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ ﴾. بمعنى: وليعلَمَ اللَّهُ المؤمنين، وليعلَمَ الذين نافقوا،
أصابكم ما أصابكم يومَ التقى الجمعانِ بأحدٍ؛ ليميّزَ لأهلِ (٢) الإيمانِ باللَّهِ ورسولِه
المؤمنين منكم، من المنافقين، فيعرِفوهم ولا يخفى عليهم أمرُ الفريقين. وقد بيَّنا
تأويلَ قولِه: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اُلْمُؤْمِنِينَ﴾. فيما مضى، وما وجهُ ذلك ، بما أغنى عن إعادتِه
(١) أخرجه الحاكم ١٤٠/٢، والبيهقى ٣٢١/٦، وفى الدلائل ١٣٩/٣ - ١٤٠ من طريق عبد الله بن عون
عن ابن سيرين، به. وأخرجه ابن أبى شيبة ٣٦٨/١٤ - ٣٦٩ والترمذى (١٥٦٧) والبزار (٥٥١)،
والدارقطنى فى العلل ٣١/٤، ٣٢ من طريق ابن سيرين به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩٣/٢ إلى ابن
مردويه .
(٢) ينظر ما تقدم فى ١٧/٥، ١٨.
(٣) فى م: ((أهل)).