Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
سورة آل عمران : الآيتان ١٥٦، ١٥٧
قتالِهم، وإخراج هَيْبتِهم مِن صدورِهم، وإن قلّ عددُهم، وكثُر عددُ أعدائِهم
وأعداءِ اللَّهِ، [٥٧/١١و] وإعلامٌ منه لهم أن الإماتةَ والإِحْياءَ بيدِه، وأنه لن يموتَ أحدٌ
ولا يُقْتَلَ إلا بعدَ فَناءِ أجلِه الذی كُتِب له، ونَھْئٌ منه لهم - إذ كان ذلك كذلك - أن
يَجْزَعوا لموتِ مَن مات منهم، أو قتلٍ مَن قُتِل منهم / فى حربٍ المشركين .
١٤٩/٤
ثم قال جل ثناؤُه: ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ (١) بَصِيرُ﴾. يقولُ: إِنَّ اللَّهَ يَرَى ما
تَعْمَلون مِن خيرٍ وشرّ، فاتقوا اللهَ أيُّها المؤمنون، فإنه مُخْصِ ذلك كلّه، حتى
يُجازِىَ كلَّ عاملٍ بعملِه على قدرِ اسْتحقاقِه .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال ابنُ إسحاقَ . ..
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿ وَاللَّهُ يُحِي، وَيُمِيتُ:
أْ: يُعَجِّلُ ما يَشاءُ، ويُؤَخِرُ ما يَشاءُ مِن آجالِهم بقدرته (١) .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿وَلَيِنِ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ
وَرَحْمَةُ خَيْرٌ مِّمَّا يَحْمَعُونَ (٤)
(١٥٧)
يخاطِبُ (٥) بذلك تعالى ذكرُه عبادَه المؤمنين، يقولُ لهم: لا تَكونوا أيُّها
المؤمنون فى شكُ مِن أن الأمورَ كلَّها بيدِ اللَّهِ ، وأن إليه الإحياءَ والإماتةَ، كما شكَّ
(١) فى ت ١، س: ((يعملون)). وهى قراءة ابن كثير وحمزة والكسائى، وقرأ باقى السبعة بالتاء. حجة
القراءات ص ١٧٧ .
(٢ - ٢) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((فاتقوه))، وفى س: ((فاتقوا)).
(٣) سيرة ابن هشام ١١٦/٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٠٠/٣ (٤٤٠٣) من طريق سلمة به،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٩/٢ إلى ابن المنذر.
(٤) فى ت ١، س: ((تجمعون)). والمثبت قراءة عاصم فى رواية حفص عنه، ولم يروها غيره، وقرأ الباقون
بالتاء . السبعة لابن مجاهد ص ٢١٨.
(٥) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فخاطب)).

١٨٢
سورة آل عمران : الآية ١٥٧
المنافقون فى ذلك ، ولكن جاهِدوا فى سبيل اللَّهِ ، وقاتِلوا أعداءَ اللَّهِ ، على يقينٍ منكم
بأنه(١) لا يُقْتَلُ فى حربٍ(٢)، ولا يموتُ فى سفرٍ، إلا مَن قد بلَغ أجلَه وحانَت وفاتُه .
ثم وعَدَهم على جهادِهم فى سبيلِ اللهِ المغفرةَ والرحمةَ ، وأخْبرَهم أن موتًا فى سبيلٍ
اللَّهِ ، أو(٣) قتلًا فى دينِه (٤)، خيرٌ لهم مما يَجْمَعون فى الدنيا مِن حُطامِها، ورَغيدٍ
عيشِها ، الذى مِن أجلِه يَتَتَاقَلون عن الجهادِ فى سبيل اللَّهِ، ويَتَأَّرون عن لقاءِ العدوِّ.
كما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿ وَلَيْن قُتِلْتُمْ فِى
سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةُ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (٥) ﴾ أى: إِنَّ الموتَ
كائنٌ لابد منه، فموتٌ فى سبيل اللَّهِ، أو قتلٌ، خيرٌ - لو علموا(١) وأيقَنُوا - مما
يَجْمَعون من(٧) الدنيا التى لها يَتَأَخَّرون عن الجهادِ؛ تخوُّفًا مِن الموتِ والقتلِ، لما
جمَعوا مِن زهيدِ (١) الدنيا، وزَهادةٌ فى الآخرةِ () .
وإنما قال جلَّ ثناؤه: ﴿ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةُ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (١٠)).
وَابْتَدَأ الكلامَ: ﴿ وَلَيِن ◌ُتُمْ أَوْ قُتِلْتُمْ﴾ بحذفِ جزاءِ ((لَئِن))؛ لأنَّ فى قولِه:
(١) فى ص، ت ١، س: ((فإنه)) .
(٢) بعده فی ت ٢، س: ((منکم)) .
(٣) فی م: ((و)).
(٤) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((الله)).
(٥) فى الأصل، ص، ت ١: ((تجمعون)) .
(٦) فى س: ((تعلمون)).
(٧) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((فى)).
(٨) فى سيرة ابن هشام: ((زهرة))، وفى تفسير ابن أبى حاتم: ((زهيدة)).
(٩) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٦، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٠٠/٣ (٤٤٠٤) من طريق سلمة به،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٩/٢ إلى ابن المنذر.
(١٠) فى س: ((تجمعون)).

١٨٣
سورة آل عمران : الآيتان ١٥٧، ١٥٨
لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةُ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ(١)﴾. معنى جوابٍ(٢) للجَزَاءِ،
وذلك أنه وَعْدٌ خرَج مَخرِجَ الخبرِ .
فتأويلُ الكلام: ولئن قُتِلْثُم فى سبيلِ اللَّهِ أو مُتُم، لَيَغْفِرَنَّ اللَّهُ لكم
ولَيَرْحَمَتَّكم. فدلَّ على ذلك بقوله: ﴿ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةُ خَيْرٌ مِّمَّا
يَجْمَعُونَ (١). وجمَع مع الدلالةِ به عليه الخبرَ عن فضلٍ ذلك على ما يُؤْثِرونه(٤)
مِن الدنيا وما يَجْمَعون() فيها .
وقد زعم بعضُ أهلِ العربيةِ مِن أهلِ البصرةِ أنه إن قيل: كيف يكونُ :
لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ﴾ جوابًا لقوله: ﴿وَلَيِنِ قُتِلْتُمْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ
مُتُمْ﴾؟ فإن القول فيه أن يُقالَ: كأنه [٧/١١ ٥ظ] قال: ولئن مُتُم أو قُتِلْتُم " فذلك
لكم ٢ رحمةٌ(٢) ومغفرةٌ، إذ كان ذلك فى السبيل، فقال: ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ
وَرَحْمَةُ ﴾. يقولُ: لَذلك خيرٌ مَّا تجمَعون. يعنى: لَتلك المغفرةُ والرحمةُ خيرٌ مما
تَجْمَعون. ودخَلَت اللامُ فى قوله: ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اُللَّهِ﴾ لدخولِها فى قولِه:
﴿ وَلَيِنِ﴾. كما قيل: ﴿وَلَيْنِ نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلَّنَ اُلْأَدْبَرَ﴾ [الحشر: ١٢].
/القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَلَيِن ◌ُتُمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَّرُونَ
١٥٠/٤
٠
(١٥٨)
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ولئن مُثُم أو قُتِلْتم أيُّها المؤمنون ، فإلى(٨) اللَّهِ مَرْجِعُكم
ومَحْشَرُكم ، فيُجازِيكم بأعمالِكم، فَآئِرُوا ما يُقَرِّبُكم من اللّهِ وُوجِبُ لکم رِضاه،
(١) فى ص، س: ((تجمعون)).
(٢) فى ص: ((حوار))، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((جواز)).
(٣) فى الأصل، ت ١، س: ((تجمعون).
(٤) فى س: (( تؤثرونه)).
(٥) فى س: ((تجمعون)).
(٦ - ٦) فى النسخ: ((فذكر لهم)). وينظر تعليق الشيخ شاكر على هذا الموضع.
(٧) بعده فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((من الله)).
(٨) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((فإن إلى)).

١٨٤
سورة آل عمران : الآية ١٥٨
ويُقَرِّبُكم من الجنةِ ؛ مِن الجهادِ فى سبيله، والعملِ بطاعتِه، على الرُّكونِ إلى
الدنيا ، وما تَجْمَعون فيها مِن حُطامِها الذى هو غيرُ باقٍ لكم ، بل هو زائلٌ عنكم(٣)،
وعلى تركِ طاعةِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ والجهادِ ، فإنَّ ذلك يُتْعِدُكم مِن(٢) ربِّكم، ويُوجِبُ
لكم سَخَطَه ، ويُقَرِّبُكم مِن النارِ .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال ابنُ إسحاقَ .
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿وَلَيْن ◌ُمْ أَوْ قُتِلْتُمْ﴾:
أَىُّ ذلك كان، ﴿لَإِلَى اللَّهِ تُشَرُونَ﴾ أىْ: إِنَّ إلى اللَّهِ المَرْجِعَ، فلا تَغُرَنَّكم
الدنيا ، ولا تَغْتَرُوا بها، ولْيَكْنِ الجهادُ وما رغَّبَكم اللَّهُ فيه منه آثَرَ عندَكم منها .
وَأُدْخِلَت اللامُ فى قوله: ﴿لَإِلَى اللَّهِ تُّحْشَرُونَ﴾. لدُخولِها فى قولِه:
﴿وَلَيْنِ﴾. ولو كانت اللامُ مُؤَخّرةً إلى قوله: ﴿ تُحْشَرُونَ﴾. لِأَحْدِثَتِ النونُ
الثقيلةُ فيه، كما تَقولُ فى الكلامِ: لئن أَحْسَنْتَ إلىَّ لَّأُحْسِنَنَّ إليك. بنونٍ مُثَقَّلةٍ ،
فكان كذلك قولُه(٦): ولئن مُثُم أو قُتِلْتم لَتُحْشَرُنَّ إلى اللَّهِ. ولكن لما حِيلٌ بينَ اللام
وبينَ ﴿تُحْشَرُونَ﴾ بالصّفةِ(٨)، أَدْخِلَت فى الصِّفةِ، وسلِمَت: ﴿ تُحْشَرُونَ﴾ فلم
تَدْخُلْها النونُ الثَّقيلةُ، كما تَقولُ فى الكلام: لئن أحْسَنْتَ إلىَّ لَإِليك أُحْسِنُ.
(١) فى ت ١، ت٢، ت ٣، س: ((عن)).
(٢) فى س: (( منكم)) .
(٣) فى م، ت٢: ((عن)).
(٤) بعده فى م: ((الحياة)).
(٥) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٦، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٠٠/٣ (٤٤٠٥) من طريق سلمة به .
(٦) فى ص: (( وقوله)).
(٧) فى ص، ت٢، ت٣: ((حين)، وفى م: ((حيز))، وفى ت١: ((جين)). والمثبت هو الصواب.
(٨) الصفة : حرف الجر. وهو اصطلاح نحوبى الكوفة .

١٨٥
سورة آل عمران : الآيتان ١٥٨، ١٥٩
بغيرِ نونٍ مُثَقَّلةٍ .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ
اُلْقَلْبِ لَأَنَفَضُواْ مِنْ حَوّلِكٌ ﴾ .
يعنى بقوله تعالى ذكره: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اَللَّهِ﴾: فبرحمةٍ مِن اللَّهِ. و((ما))
صِلَةٌ. وقد بيَّنْتُ وجهَ دُخولِها فى الكلام فى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحِىَ أَنْ يَضْرِبَ
مَثَلاَ مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾(١) [البقرة: ٢٦]. والعربُ تَجْعَلُ ((ما)) صِلَةً فى المعرفةِ
والنّكرةِ، كما قال: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَقَهُمْ ﴾ [النساء: ١٥٥، المائدة: ١٣].
والمعنى : فبنقْضِهم ميثاقَهم. وهذا فى المعرفةِ، [٥٨/١١ ] وقال فى النكرةِ: ﴿عَمَّا
قَلِيلٍ لَُّصْبِحُنَّ نَدِمِينَ﴾ [ المؤمنون: ٤٠]. والمعنى: عن قليلٍ. وربما مُجُعِلَت اسمًا،
وهى فى مذهبٍ صِلَةٍ ، فيُرْفَعُ ما بعدَها أحيانًا على وجهِ الصِّلةِ، ويُخْفَضُ على إتباعِ
الصلةِ ما قبلَها، كما قال الشاعرُ:
حُبُّ النبيِّ محمدٍ إِيَّانَا
فكَفى بنا فَضْلًا على مَن غَيْهِنا
إذا جُعِلتْ ((غيرُ)) صلةٌ رُفِعتْ بإضمارِ ((هو))، وإن خُفِضَتْ أَتْبَعتَه ((مَن))
فأعْرَبَتْه بإعرابِهُ(١) . فذلك حكمُه على ما وصَفْنا مع / التَّكِراتِ .
١٥١/٤
فأما إذا كانت الصلةُ مَعْرِفَةٌ، كان الفَصِيحَ مِن الكلامِ الإتباعُ، كما قيل :
﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَقَهُمْ ﴾ . والرفعُ جائزٌ فى العربيةِ .
وبنحوِ ما قلْنا فى قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اَللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾. قال جماعةٌ مِن
(١) ينظر ما تقدم فى ٤٢٨/١ - ٠٤٣٠
(٢) تقدم فى ٤٢٩/١ .
(٣) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣ ، س.

١٨٦
سورة آل عمران : الآية ١٥٩
أهلِ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ فى قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ
مِّنَ اَللَّهِ لِنْتَ لَهُمَّ﴾. يقولُ: فبرحمةٍ مِن اللَّهِ لْتَ لهم(١).
وأما قولُه: ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِظَ الْقَلْبِ لَأَنَفَضُواْ مِنْ حَوْلِكٌ ﴾. فإنه يعنى
بالفَظِّ الجافىَ، وبالغليظِ القلبِ القاسىَ القلبِ غيرَ ذى رحمةٍ ولا رأْفةٍ،
وكذلك كانت صفتُه مَّه، كما وصَفَه اللّهُ به: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾
[ التوبة: ١٢٨] .
فتأويلُ الكلام(٢): فبرحمةِ اللَّهِ(٣) يا محمدُ، وبرأْفَتِه بك، وبَمَن آمَن بك مِن
أصحابِك، لِنتَ لتَُّاعِك وأصْحابِك، فسهُلَت لهم خَلائقُك(٤)، وحسُنَت لهم
أُخْلاقُك، حتى احْتَمَلْتَ أَذَى مَن نالك منهم أذاه، وعقَوْتَ عن ذى الجُزْمِ منهم
جُرْمَه، وأَغْضَيْتَ عن كثيرٍ ثَمَّن لو جفَوْتَ به، وأغْلَظْتَ عليه، لترَكَك ففارَقَك ولم
يَتَبِغْك، ولا ما يُعِثْتَ به مِن الرحمةِ (٥)، ولكنَّ اللَّهَ جلَّ وعزَّ رحِمَهم ورحِمَك
معهم، فبرحمةٍ مِن اللَّهِ لِنْتَ لهم .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٠٠/٣ (٤٤٠٨) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٨٩/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) فى س: ((الآية)).
(٣) فى س: ((من الله)) .
(٤) فى س: ((أحلامك)).
(٥) أى: ولم يتبع ما بعثت به من الرحمة .

١٨٧
سورة آل عمران : الآية ١٥٩
غَلِظَ الْقَلْبِ لَأَنَفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكٌ ﴾: إى واللَّهِ، (١ لَطهَّره اللَّهُ مِن الفَظاظةِ والغِلْظةِ،
وجعَله قريبًا رَحيمًا بالمؤمنين. وقد ذُكر لنا أنَّ نَعْتَ محمدٍ عَ ظَه فى التَّوراةِ: ليس بفَظًّ
ولا غليظٍ ، ولا صَخوبٍ (١٢) فى الأسواقِ، ولا يَجْزِى بالسيئةِ مثلَها، ولكن يَعْفُو ويَصْفَحُ ) .
حُدِّثْتُ عن عمارٍ ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنحوِه (٥).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ فى قولِهِ: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ
اُللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّا غَلِيظَ اٌلْقَلْبِ لَأَنْفَضُواْ مِنْ حَوْلِكَ ﴾. [٥٨/١١ظ] قال :
ذكَر لِينَه لهم ، وصبْرَه عليهم ؛ لضعفهم وقلة صبرهم على الغلظةِ لو كانت منه ، فى
(٦)
كلِّ ما خالَفوا فيه مما افْتُرِض عليهم مِن طاعةِ نبيِّهم .
وأما قولُه: ﴿لَأَنَفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكٌ﴾. فإنه يعنى: لتَفَرَّقوا ( مِن حولك
وانصرَفوا عنك .
كما حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ،
قال: قال ابنُ عباس قوله: ﴿لَأَنَفَضُواْ مِنْ حَوْلِكٌ﴾. قال: انْصَرَفوا عنك ".
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿لَأَنَفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكٌ ﴾
:
أىْ: ◌َتَرَكُوك (٤) .
(١ - ١) فى س: ((مطهره)).
(٢ - ٢) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((رءوفا و)).
(٣) فى س: ((صخاب)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢ / ٨٩، ٩٠ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم، وهو
فى تفسير ابن أبى حاتم ٨٠١/٣ عقب الأثر (٤٤٠٩) معلقا .
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٠١/٣ (٤٤٠٩) من طريق ابن أبى جعفر به.
(٦) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٦.
(٧ - ٧) سقط من: م، وفى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((من حولك ما تفرقوا)).
(٨) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩٠/٢ إلى المصنف وابن المنذر.
(٩) سيرة ابن هشام ١١٦/٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٠١/٣ (٤٤١٠) من طريق سلمة به .

١٨٨
سورة آل عمران : الآية ١٥٩
القولُ فى تأويل قوله: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى الْأَمِِّ فَإِذَا
١٥٩)
عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِلِينَ
١٥٢/٤
يعنى بقولِه جلّ ثناؤه: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾: فَتَجاوَزْ يا محمدُ عن تُبَّاعِك
وأصحابِك مِن المؤمنين بك، / وبما جئتَ به مِن عندى ، ما نالك مِن أذاهم ، ومَكْروهٍ
فى نفسِك، ﴿ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾: وادْعُ ربَّك لهم بالمغفرةِ لما أتَوْا مِن جُزْمِ،
واسْتَحَقُّوا عليه عقوبةً منه .
كما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾
أى: فتَجاوَزْ عنهم، ﴿ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ ذُنوبَ مَن قارَف مِن أهلِ الإِيمانِ منهم.
(١)
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى المعنى الذى مِن أجلِه أمَر تعالى ذكرُه نبيَّه عَلِّ أن
يُشاوِرَهم ، وما المعنى الذى أمَرِه أن يُشارِرَهم فيه؟ فقال بعضُهم: أمَر اللَّهُ جلَّ ثناؤه
نبيَّهَ عَّلِ بقوله: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِىِ الْأَمِّرِ﴾. بمشاوَرةِ أصحابِهِ فى مَكايِدِ الحربِ ،
وعندَ لقاءِ العدوِّ؛ تَطْبِيبًا منه بذلك أنفسَهم، وتَألَّفًا لهم على دينِهم ، ولِيَرَوْا أنه يَسْمَعُ
منهم، ويَسْتَعِينُ بهم، وإن كان اللَّهُ جلَّ ثناؤه قد أَغْناهُ(٢) - بتَذْبِيرِه له أمورَه،
وسِياستِهِ إِياه ، وتَقْويمِه أسبابه - عنهم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يَزِيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَشَاوِرُهُمْ فِى
اُلْأَمِنِّ فَإِذَا عَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِينَ ﴾: أمَرِ اللَّهُ جلَّ ثناؤه نبيَّه ◌ِ لالِ
أن يشاورَ أصحابَه فى الأمورِ، وهو يَأْتِيه وَحْىُ السماءِ؛ لأنه أطيبُ لأُنْفُسِ القومِ،
(١) سيرة ابن هشام ١١٦/٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسير ٨٠١/٣ (٤٤١١، ٤٤١٢) من طريق سلمة به.
(٢) فى ت٢، س: ((أعفاه)).

١٨٩
سورة آل عمران : الآية ١٥٩
وأن القومَ إذا شاوَر بعضُهم بعضًا وأرادوا بذلك وجهَ اللَّهِ عز وجل عُزِم لهم على
(١)
أرْشَدِه(١) .
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع: ﴿وَشَاوِرْهُمْ
فِي الْأَمْيِ﴾. قال: أمَر [٥٩/١١و] اللَّهُ نبيَّه عَ ظِّمِ أن يُشاوِرَ أصحابَه فى الأمورِ ، وهو
يَأْتِيه الوَحْىُ مِن السماءِ؛ لأنه أَطْيَبُ لأنفسِهم (١).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿ وَشَاوِرُهُمْ فِىِ
الْأَمَِّ﴾: أىْ: لِتُرِيَهم أنك تَسْمَعُ منهم، وتَسْتَعِينُ بهم، وإن كنتَ عنهم غَنِيًّا ،
(٤)
تألَّفُهم(٢) بذلك على دينهم .
وقال آخرون: بل أمَرَه بمشورتهم(٥) فى ذلك؛ ليتبيَّنَ(٢) له الرأىُ، وأَصْوَبُ
الأمورِ فى التدبيرِ؛ لما علِمٍ فى المشورةِ تعالى ذكرُه مِن الفضلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال: ثنا أبى، عن سلمةَ بنِ نُبَيْطِ، عن الضَّحَاكِ بنِ مُزاحِم
قولَه: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِى الْأَمْرِ﴾. قال: ما أمَر اللَّهُ جلَّ ثناؤه نبيَّه ◌ِمِ بالمشورةِ إلا لِمَّا
علِم فيها مِن الفضلِ (١) .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٠٢/٣ (٤٤١٨) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٩٠/٢ إلى ابن المنذر.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٠٢/٣ (٤٤١٧) من طريق ابن أبى جعفر به .
(٣) فى م، وتفسير ابن أبى حاتم: ((تؤلفهم))، وفى سيرة ابن هشام: ((تألَّفا لهم)).
(٤) سيرة ابن هشام ١١٦/٢، ١١٧، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٠٢/٣ (٤٤٢٠) من طريق سلمة به .
(٥) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((بذلك)).
(٦) فى م: ((وإن كان)).
(٧) أخرجه ابن أبى شيبة ٩/٩، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٠١/٣ (٤٤١٥) من طريق وكيع عن سفيان ،
عن رجل ، عن الضحاك .

١٩٠
سورة آل عمران : الآية ١٥٩
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا مُعْتَمِرُ بنُ سليمانَ ، عن إياسٍ بنِ
دَغْفَلٍ، عن الحسنِ: ما شاوَر قومٌ قَطُ إلا هُدُوا لأَرْشَدِ أُمورِهم(١).
وقال آخرون : إنما أمَرَه اللَّهُ جلَّ ثناؤه بُشاوَرَةٍ أصحابِه فيما أمَرِه بُشاوَرتِهم فيه ،
مع إِعْنَائِهِ(٢) - بتَقْوِه إياه (٢) ، وتَدْبِيرِه أسبابَه - عن آرائهم؛ لِيَتَّبِعَه المؤمنون مِن بعدِه
فيما حزَبَهم مِن أَمْرٍ دينهم ، فيَشْتَنُوا بسنتِه فى ذلك، ويَحْتَذُوا المثالَ الذی رأَوْه يَفْعَلُه فى
حياتِهِ ، مِن مُشاورتِه فى أمورِه - مع المتّزِلةِ التى هو بها مِن اللَّهِ عزَّ وجلَّ - أصحابَه
وتُبَاعَه فى الأمرِ يَنْزِلُ بهم مِن أمرِ دينهم أو دُنْياهم ، فيَتَشَاوَرُوا بينَهم ، ثم يَصْدُرُوا عما
١٥٣ اجْتَمَع [٥٩/١١ظ] عليه ملؤهم؛ لأن المؤمنين إذا / تَشاوَرُوا فى أمورِ دينِهم مُتَّبِعِين الحقَّ
فى ذلك ، لم يُخْلِهم اللَّهُ جلَّ ثناؤُه مِن لُطْفِه ، وتوفيقه للصوابِ مِن الرأيِ والقولِ فيه .
قالوا: وذلك نظيرُ قولِه جل ثناؤُه الذى مدَح به أهلَ الإيمانِ: ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ
[ الشورى: ٣٨].
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا سؤَّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ العَنْبَرِىُّ، قال: قال سفيانُ بنُ عُيَينةً فى قوله:
وَشَاوِرْهُمْ فِىِ الْأَِّ﴾. قال: هى للمؤمنين أن يَتَشاوَروا فيما لم يَأْتِهم عن
النبيِّ عَّ الِ فِيهِ أَثَرْ .
قال أبو جعفرٍ : وأولى الأقوالِ بالصوابِ فى ذلك أن يُقالَ: إن اللَّهَ جلَّ ثناؤه أمَر
نبيَّه مَ الِ بُمُشاوَرةٍ أصحابِهِ فيما حزَبه مِن أمرٍ عدوِّه، ومَكايِدِ حربِه؛ تألُّفًا منه بذلك
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ١٠/٩ من طريق إياس بن دغفل به، وأخرجه البخارى فى الأدب المفرد (٢٥٨)،
وابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٠١/٣ (٤٤١٤) بإسنادين إلى الحسن.
(٢) فى ت ٢، س: ((إعفائه)) .
(٣) بعده فى الأصل، ت ١، ت٢، ت٣، س: (عنهم).

١٩١
سورة آل عمران : الآية ١٥٩
مَن لم تكنْ بَصيرتُه بالإسلام البصيرةَ التى يُؤْمَنُ عليه معها فتنةُ الشيطانِ ، وتعريفًا منه
أمتَه مأْتى (١) الأُمورِ التى تَحْزُبُهم مِن بعدِه ومطلبَها؛ ليقْتَدوا به فى ذلك عندَ النَّوازلِ التى
تَنْزِلُ بهم، فيَتَشاوَروا فيما بينهم، كما كانوا يَرَوْنه فى حياتِهِ عَلَّهِ يَفْعَلُه، فأما
النّبِىُّ عَظِلَّهِ ، فإن اللَّهَ جلَّ ثناؤه كان يُعَرِّفُهِ مَطالبَ وجوهِ ما حزَبه مِن الأمورِ ، بوحيه أو
إلهامِه إياه صوابَ ذلك ، فأما أمتُه، فإنهم إذا تَشاوَروا مُسْتَنِّين بفعلِه فى ذلك على
تصادُقٍ وتَأَخِّ(٢) للحقِّ ، وإرادةِ جميعِهم للصوابِ ، مِن غيرِ مَيْلٍ إلى هَوَى، ولا حَيْدٍ
عن هُدًى، فاللَّهُ [٦٠/١١و] مُسَدِّدُهم ومُوَفِّقُهم.
وأما قولُه جلَّ وعزَّ: ﴿فَإِذَا عَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾. فإنه يعنى: فإذا صحَّ
عزمُك بتَثْبِتِنا إياك، وتَسْديدِنا لك، فيما نابَك وحزَبَك مِن أمرٍ دينك ودُنْياك،
فامْض لما أمَرْناك به على ما أمَرْناك به ، وافَقَ ذلك آراءَ أصحابِك وما أشارُوا به عليك،
أو خالَفَها، وتوَكَّلْ(٢) - فيما تَأْتِى مِن أمورِك وتَدَعُ، وتُحاوِلُ أو تُزاوِلُ - على ربِّك،
فثِقْ به فى كلِّ ذلك، وارْضَ بقضائِه فى جميعِه ، دونَ آراءِ سائرٍ خلقِه ومعونتهم،
فـ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَّكِلِينَ﴾، وهم الراضُون بقضائه، المُسْتَسْلِمون لحكمِه فيهم ،
وافَق ذلك منهم هَوَّى أو خالَفَه .
كما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿فَإِذَا عَمْتَ فَتَوَكَّلْ
عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَّكِينَ﴾: ﴿ فَإِذَا ◌َهْتَ ﴾: أى على أمرٍ جاءك منى ، أو أمرٍ
مِن دينك فى جهادِ عدوّك، لا يُصْلِحُك ولا يُصْلِحُهم إلا ذلك، فامْضٍ على ما
أُمِرْتَ به، على خلافٍ مَن خالَفك، ومُوافَقةٍ مَن وافَقَك، و﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى اَللَّهِ ﴾،
(١) فى م: ((ما فى)).
(٢) التأخى: التحرى. ينظر اللسان (أخ ا).
(٣) بعده فى س: (( على الله)).

١٩٢
سورة آل عمران : الآيتان ١٥٩، ١٦٠
أى: ارضَ به مِن العبادِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَّكِينَ ﴾(١)
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ
فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ﴾: أمَرِ اللّهُ نبيَّه ◌ِلَّه إذا عزَم على أمرٍ أن يَمْضِىَ فيه، ويَسْتَقِيمَ على أمرٍ
اللَّهِ جل ثناؤُه، ويَتَوَكَّلَ على اللَّهِ(٣) .
حُدِّثْتُ عن عمارٍ ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع قولَه: ﴿فَإِذَا
عَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ الآية: أمَرَه اللَّهُ إذا عزَم على أمرٍ أَن يَحْضِىَ فيه ويَتَوَكَّلَ عليه(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿إِن يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا
١٦٠
الَّذِى يَنْصُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
١٥٤/٤
/ يعنى بذلك جل ثناؤه: إن يَنْصُرْكم اللهُ أَيُّها المؤمنون باللهِ ورسولِه ، على مَن
ناوَأَكم وعاداكم مِن أعدائِه والكافرين به، ﴿فَلَ غَالِبَ لَكُمْ ﴾ مِن الناسِ . يقولُ :
فلن يَغْلِبَكم - مع نصرِه إياكم - أحدٌ ، ولو اجْتَمَع عليكم مَن بينَ أقْطارِها مِن خلقِه ،
فلاتَهابُوا أعداءَ اللَّهِ لقلةِ عددِكم وكثرةٍ عددِهم ، ما كنتم على أمرِه، واسْتَقَمْتُم على
طاعتِه وطاعةِ رسولِه ، فإن الغَلَبَةَ لكم ، والظَّفَرَ عليهم دونَهم، ﴿ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ
ذَا الَّذِى يَنصُرُّكُم مِّنْ بَعْدِهِ﴾ . يعنى: وإن يَخْذُلْكم ربُّكم - بخلافِكم أمرَه،
وتَرْكِكم طاعته وطاعةً رسولِه - فيَكِلْكم إلى أنفسِكم ﴿ فَمَنْ ذَا الَّذِى يَنصُرُكُمْ مِّنْ
بَعْدِهِهُ﴾ يقولُ: [٦٠/١١ظ] ( فَأْسُوا مِن نُصرةِ الناس٤ِ)، فإنكم لا تَجِدون ناصرًا
مِن بعدِ خِذْلانِ اللَّهِ إياكم إن خذَلَكم. يقولُ: فلا تَتْرُكوا أمرى وطاعتى وطاعةً
(١) سيرة ابن هشام ١١٧/٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٠٢/٣ (٤٤٢٣، ٤٤٢٤) من طريق سلمة به .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩٠/٢ إلى المصنف وابن المنذر.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٠٢/٣ عقب الأثر (٤٤٢٢) من طريق ابن أبى جعفر به.
(٤ - ٤) فى س: ((فاسألوا من نصر الله)).
(٥) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((أمرا)).

١٩٣
سورة آل عمران : الآيتان ١٦٠، ١٦١
رسولى، فَتَهْلِكوا بخِذْلانى إياكم)، ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. يعنى:
ولكن على ربّكم أيُّها المؤمنون فتَوَكّلوا دون سائرٍ خلقِه، وبه فارْضَوْا مِن جميعٍ مَن
دونَه، ولقضائِه فاسْتَشْلِموا، وجاهِدوا فيه أعداءه، يَكْفِگم بعونِه، وُمْدِدْ کم
بنصره.
كما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ
فَلَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِى يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَلِ
اٌلْمُؤْمِنُونَ ﴾: أىْ: إِن يَنْصرْكِ اللَّهُ فلا غالبَ لك مِن الناسِ، لن يَضُرَّكِ خِذْلانُ مَن
خذَلك، وإن يَخْذُلْك فلن يَنْصُرَك الناسُ، ﴿فَمَنْ ذَا الَّذِى يَنْصُّكُمْ مِّنْ بَعْدِهِ﴾
أى: لئلّاً(٢) تَنْرِكَ أمرى للناسِ، وارْفُضِ(٢) الناسَ لأمرى، ﴿وَعَلَى اللَّهِ (٤) فَلْيَتَوَكَّلِ
الْمُؤْمِنُونَ ﴾().
القولُ فى تأويلِ قوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِّ أَنْ يَغُلِّ ﴾
اخْتَلَفَت القرأةُ فى قراءةِ ذلكِ ؛ فقرَأَتْه جماعةٌ مِن قرأةِ الحجازِ والعراقِ : ﴿ وَمَا
كَانَ لِّ أَنْ يَغُلِّ (١)﴾. بمعنى: أن يَخُونَ أصحابَه فيما أفاء اللَّهُ عليهم مِن أموالٍ
(٧)
أعدائهم .
(١ - ١) فى س: ((لخذلانى)).
(٢) فى م: ((لا)).
(٣) فى ص، ت١، ت٢، ت ٣، س: ((إن قصر)).
(٤) بعده فى مصادر التخريج: (( لا على الناس)).
(٥) سيرة ابن هشام ١١٧/٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٠٣/٢ (٤٤٢٥ - ٤٤٢٧) من طريق سلمة
به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩١/٢ إلى ابن المنذر.
(٦) وهى قراءة ابن كثير وأبى عمرو وعاصم. السبعة لابن مجاهد ص ٢١٨.
(٧) فى س: ((عدوهم)).
( تفسير الطبرى ١٣/٦ )

١٩٤
سورة آل عمران : الآية ١٦١
واحتَّ بعضُ قارئى هذه القراءةِ ، أنَّ هذه الآيةَ نزَلَت على رسولِ اللهِ تلِ فی
قَطِيفةٍ فُقِدَت مِن مَغانم القومِ يومَ بدرٍ، فقال بعضُ مَن كان مع النبيِّ عَلَّهِ: لعل
رسولَ اللَّهِ عَ ◌ّهِ أَخَذَها. (ورَوَوْا فى ذلك رواياتٍ) .
فمنها ما حدَّثنا به محمدُ بنُ عبدِ الملكِ بنِ أبى الشَّوارِبِ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ
ابنُّ زيادٍ ، قال : ثنا خُصَيفٌ، قال : ثنا مِقْسَمٌ، قال: ثنى ابنُ عباسٍ أنَّ هذه الآيةَ:
﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَغُلّ﴾ نزَلَت فى قَطيفةِ حَمراءَ فُقِدت يومَ بدرٍ ، قال : فقال بعضُ
الناسِ: أَخَذَها. قال: فَأَكْثَروا فى ذلك، فَأَنْزَل اللَّهُ: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ
يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾(١).
حدَّثنا ابنُ أبى الشَّوارِب، قال: ثنا عبدُ الواحدِ ، قال: ثنا خُصَيفٌ، قال:
سأَلْتُ سعيدَ بنَ بجبيرٍ: / كيف تَقْرَأُ هذه الآيةَ: ﴿وَمَا كَانَ لِيِّ أَنْ يَغُلّ﴾ أو (يُغَلَّ)
فقال: لا ، بل ﴿ يَغُلَّ﴾، فقد كان واللَّهِ النبىُ يُغَلُّ ويُقْتَلُ.
١٥٥/٤
حدَّثنی إسحاقُ بنُ إبراهيم بن حبيبٍ بنِ الشَّهیدِ ، قال : ثنا عَتَّابُ بنُ بَشِيرٍ ، عن
خُصَيفٍ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِّ أَنْ يَغُلَّ ﴾ . قال : كان ذلك
ج
فى قَطِيفةٍ حمراءَ فُقِدَت فى غزوةٍ بدٍ ، فقال ناسٌ مِن أصحابِ النبيِّ عَ لّهِ: فلعلّ
النبيَّ أَخَذَها. فَأَنْزَل اللَّهُ جلَّ ثناؤه: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَغُلَّ﴾ . قال سعيدٌ : بلى
ج
واللَّهِ ، إِن النبيَّ لُغَلُّ ويُقْتَلُ.
(١ - ١) فى س: ((وورد فى ذلك روايتان)).
(٢) أخرجه أبو داود (٣٩٧١)، والترمذى (٣٠٠٩)، من طريق عبد الواحد بن زياد به، وأخرجه الطحاوى
فى المشكل (٥٦٠٢) من طريق خصيف به .
:

١٩٥
سورة آل عمران : الآية ١٦١
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، [٦١/١١و] قال: ثنا خَلَّادٌ، عن زُهَيْرٍ، عن خُصَيفٍ، عن
عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كانت قَطيفٌ فُقِدَت يومَ بدرٍ ، فقالوا: أخَذَها رسولُ
اللَّهِ عَهِ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيِّ أَنْ يَغُلِّ﴾(١).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا زُهَيْرٌ، قال: ثنا
خُصَيفٌ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ وعكرمةَ فى قوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِّ أَنْ يَغُلُّ﴾ . قالا :
يَغُلَّ. قال : قال عكرمةُ أَو غيرُه، عن ابنِ عباسٍ ، قال: كانت قَطيفةٌ فُقِدَت يومَ
بدرٍ ، فقالوا: أخَذَها رسولُ اللَّهِ بِ لِهِ. فَأَنْزَل اللَّهُ هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيِّ أَن
يَغُلَّ﴾ .
.ودرعا
حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى ، قال: ثنا يزيدُ ، قال : ثنا قَعةُ بنُ سُوَيْدِ الباهلىُّ ، عن
حُميدِ الأعرج، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، قال: نزَلَت هذه الآيةُ: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ
يَغُلَّ﴾. فى قَطيفةٍ حمراءَ فُقِدَت يومَ بدرٍ مِن الغنيمةِ (٢).
حدَّثْنا نصرُ بنُ علىٍّ، قال: ثنا مُعْتَمِرُ بنُ سليمانَ ، عن أبيه، عن سليمانَ
الأعمشِ، قال: كان ابنُ مسعودٍ يَقْرَأُ: ( ما كان لنبىٌ أن يُغَلَّ) . فقال ابنُ عباسٍ :
بلى، ويُقْتَلُ. قال: فذكر ابنُ عباسٍ أنه إنما كانت فى قَطِيفةٍ قالوا : إن رسولَ
اللَّهِ عَلَهٍ غَلَّها يومَ بدٍ. فَأَنْزَل اللَّهُ جلَّ ثناؤه: ﴿وَمَا كَانَ لِّ أَنْ يَغُلَّ ﴾(٢).
وقال آخرون ثمّن قرَأ ذلك كذلك ؛ بفتح الياءِ وضمِّ الغينِ: إنما نَزَّلَت هذه الآيةُ
(١) أخرجه أبو يعلى (٢٤٣٨)، والطحاوى فى المشكل (٥٦٠١)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٠٣/٣
(٤٤٢٩)، والطبرانى فى الكبير (١٢٠٢٨، ١٢٠٢٩)، والواحدى فى أسباب النزول ص ٩٣ من طريق
خصیف به .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩١/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩١/٢ إلى المصنف.

١٩٦
سورة آل عمران : الاية ١٦١
فى طَلَائِعَ كان رسولُ اللَّهِ مِّ وجههم فى وجهٍ، ثم غنِم النبىُّ ◌َ لَّهِ فلم يَقْسِمْ
للطلائع، فَأَنْزَل اللَّهُ هذه الآيةَ على نبيِّه عَ لَّهِ، يُعْلِمُه فيها أنَّ فعلَه الذى فعَله
خطأٌ ، وأنَّ الواجبَ عليه فى الحكم أن يَقْسِمَ للطلائعِ مثلَ ما قَسم لغيرِهم،
ويُعَرِّفُه الواجبَ عليه مِن الحكم فيما أفاء اللَّهُ عليه مِن الغَنائم، وأنه ليس له
أن يَخُصَّ بشىءٍ منها أحدًا ممّن شهِد الوَقْعَةَ، أو مَمَّن كان رِدْءًا لهم فى
غزوهم، دونَ أُحدٍ ..
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال ثنى أبى ، عن
أبيه ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ
اَلْقِيَمَةِ﴾. يقولُ: ما كان لنبيِّ أَن يَقْسِمَ لطائفةٍ مِن المسلمين ويَتْرُكَ طائفةٌ وَيَجورَ
فى القَسْمِ ، ولكن يَقْسِمُ بالعدلِ، ويَأْخُذُ فيه بأمرٍ / اللَّهِ ، ويَحْكُمْ فيه بما أَنْزَل اللَّهُ.
يقولُ: ما كان اللَّهُ لِيَجْعَلَ نبيًّا يَغُلُّ مِن أصحابِه، فإذا فعل ذلك النبىُّ عَلِ اسْتَنُّوا
به(١).
١٥٦/٤
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا هُشَيْمٌ ، عن جُوَثِيرٍ، عن الضحاكِ أنه كان
يَقْرَأُ: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَغُلَّ﴾. قال: أن يُعْطِىَ بعضًا ويتركَ بعضًا ، إِذا أصاب
(٢)
مَغْنِمًا(٢) .
حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال : ثنا أبى، عن سلمةَ بنِ نُبَيْطٍ، عن الضحاكِ، قال: بعَث
رسولُ اللَّهِ حَ الِ طَلائِعَ، فَغْنِمِ النبىُّ عَ لَّهِ، فلم يَقْسِمْ للطلائع، فَأَنْزَل اللَّهُ: ﴿ وَمَا
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٠٣/٣ (٤٤٣١) عن محمد بن سعد به .
(٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٠٣/٣ عقب الأثر (٤٤٣١) معلقا .

١٩٧
سورة آل عمران : الآية ١٦١
(١)
ج
كَانَ لِنِّ أَنْ يَغُلَّ﴾(١)
حُدِّثْتُ عن الحسين بن الفرج، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ ، قال: أخْبَرَنا عُبِيدُ بنُ
سليمانَ ، عن الضحاكِ: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَغُلّ﴾. يقولُ: ما كان لنبيِّ أن يَقْسِمَ
الطائفةٍ مِن أصحابِهِ ويَتْكَ طائفةٌ، ولكن يَعْدِلُ، ويَأْخُذُ فى ذلك بأمرِ اللَّهِ، ويَحْكُمُ
فيه بما أنْزَل اللَّهُ .
حدَّثنى يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أَخْبَرَنا يزيدُ ، قال: أخبرنا مجُوَيْبِرٌ، عن
الضحاكِ فى قوله : ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَغُلَّ﴾. قال: ما كان له إذا أصاب مَغْنمًا أن
يَقْسِمَ لبعضِ أصحابِهِ وَيَدَعَ بعضًا ، ولكن يَقْسِمُ بينَهم بالسَّوِيَّةِ .
وقال آخرون [٦١/١١ظ] ثمَّن قرأْ ذلك بفتح الياءِ وضمِّ الغينِ: إنما أَنْزَل ذلك تعريفًا
للناسِ أن النبىَّ عَظِلّهِ لا يَكْثُمُ مِن وَحْى اللَّهِ شيئًا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيِّ أَنْ يَغُلَّ
وَمَن يَغْلُلْ بَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ ثُمَّ تُوَى كُلُ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا
يُظْلَمُونَ﴾. أىْ: ما كان لنبيِّ أن يَكْثُمَ الناسَ ما بعَثه اللَّهُ به إليهم، عن رَهْبةٍ مِن
الناسِ ، ولا رَغْبةٍ ، ومَن يَغْلُلْ(٢) ذلك يَأْتِ به يومَ القيامةِ(١).
فتأويلُ قراءةٍ مَن قرَأ ذلك كذلك: ما يَنْبَغِى لنبيِّ أن يَكونَ غالًّا . بمعنى: أنه
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٤١٣/١٢، والواحدى فى أسباب النزول ص ٩٣ من طريق وكيع به
مطولًا .
(٢) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((يعمل)).
(٣) سيرة ابن هشام ١١٧/٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٠٤/٣ (٤٤٣٤، ٤٤٣٧) من طريق سلمة به.

١٩٨
سورة آل عمران : الآية ١٦١
ليس مِن أفعالِ الأنبياءِ خيانةُ أيمهم. يقالُ منه: غلَّ الرجلُ، فهو يَغُلُّ، إذا خان ،
غُلُولًا. ويُقالُ أيضًا منه: أغَلَّ الرجلُ، فهو يُغِلُّ إغلالًا، كما قال شُرَيْخ: ليس على
الْمُشْتَعِيرِ غيرِ المُغِلِّ ضَمانٌ(١) . يعنى غيرَ الخائنِ. ويقالُ منه: أغلَّ الجازرُ. إذا سرّق مِن
اللحمِ شيئًا مع الجلدِ(٢) .
وبما قلْنا فى ذلك جاء تأويلُ أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ الْمُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن
السدىِّ: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَغُلَّ﴾. يقولُ: ما كان يَنْبَغِى له أن يَخونَ ، فكما لا
يَنْبَغِى له أن يَخونَ فلا تَخونوا .
حدّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عیسی ، عن ابنٍ أیی
نَجِيحِ، عن مُجاهدٍ فى قوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِّ أَنْ يَغُلّ﴾. قال: أن يَخونَ(٣).
/وقرَأْ ذلك آخَرون: (وما كان لنبىّ أَن يُغَلّ). بضمِّ الياءِ وفتح الغين، وهى
قراءةُ عُظْمٍ قرأةِ أهلِ المدينةِ والكوفةِ(٤) .
١٥٧/٤
واخْتَلَف قارئو ذلك كذلك فى تأويله؛ فقال بعضُهم: معناه : ما كان لنبىّ أن
يَغُلَّه أصحابُه. ثم أُشْقِط الأصحابُ ، فبَقِى الفعلُ غيرَ مُسَمَّى فاعلُه. وتأويلُه : وما
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٤٧٨٢، ١٤٧٨٣) ووكيع فى أخبار القضاة ٣٣١/٢، والدار قطنى ٤١/٣،
والبيهقى ٦ / ٩١.
(٢) وذلك إذا سلخ فترك من اللحم ملتزقا بالإهاب . اللسان (غ ل ل ).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٠٣/٣ (٤٤٣٠) من طريق ابن أبى نجيح به. وعزاه السيوطى فى الدر
المنتور ٩١/٢ إلی عبد بن حميد.
(٤) قرأ بها نافع وابن عامر وحمزة والكسائى. وينظر السبعة لابن مجاهد ص ٢١٨.

١٩٩
سورة آل عمران : الآية ١٦١
كان لنبىّ أن يُخانَ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا هُشَيْمٌ ، قال: أخْبَرنا عوفٌ ، عن الحسنِ
أنه كان يَقْرَأُ: ( وما كان لنبيِّ أن يُغَلَّ). قال عوفٌ: قال الحسنُ: أن يُخانَ(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ( وما كان لنبىّ أن
يُغَلَّ). يقولُ: وما كان لنبىٍ أن يَغُلَّه أصحابُه الذين معه مِن المؤمنين ، ذُكِر لنا أن هذه
الآيةَ نزَلَت على النبيَِّ لِّ يومَ بدرٍ، وقد غَلَّ طوائفُ مِن أصحابِهِ(٢) .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ فى قوله : ( وما كان لنبيِّ أن يُغَلَّ). قال: أن يَغُلَّه أصحابُه(٢).
حُدِّثْتُ عن عمارٍ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ ، عن أبيه ، عن الربيع قولَه : ( وما
كان النبيِّ أن يُغَلَّ). قال الربيعُ بنُ أنسٍ: يقولُ: ما كان لنبيِّ أن يَغُلَّه أصحابُه الذين
معه. قال: ذُكِر لنا - واللَّهُ أعلم - أن هذه الآيةَ أَنْزِلَت على نبيِّ اللَّهِ عَّه يومَ بدرٍ،
وقد غَلَّ طوائفُ مِن أصحابِه (٤) .
[٦٣/١١و] وقال آخرون منهم: معنى ذلك: وما كان لنبيِّ أن يُتَّهَمَ بالغُلولِ
فيُخَوَّنَ ويُسَرَّقَ. وكأن مُتَأْوِّلى ذلك كذلك وجَّهوا قولَه: ( وما كان لنبىِ أن يُغَلَّ).
(١) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٥٣٧ - تفسير) عن هشيم به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩١/٢
إلی عبد بن حميد وابن المنذر .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩١/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد. وذكره الواحدى فى أسباب النزول
ص ٩٤.
(٣) تفسير عبد الرزاق ١٣٧/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٠٤/٣ (٤٤٣٢) عن الحسن بن يحيى به.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩١/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد.

٢٠٠
سورة آل عمران : الآية ١٦١
إلى أنه مرادٌ به ((يُغَلَّل)): ((يُفَقَّل(١)))، ثم خُفِّقَت العينُ من ((يُفَعَل))، فصارَت
((يُفَعْل))، كما قرَأْ مَن قَرَأَ قولَه: (فإنهم لا يُكْذِبونك)(١) [الأنعام: ٣٣]. بتأؤُّلِ:
يُكَذِبُونَكَ ﴾ .
وأولى القراءتين بالصوابِ فى ذلك عندى قراءةُ مَن قرأ: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ
يَغُلَّ﴾. بمعنى: ما الغُلولُ مِن صفاتِ الأنبياءِ، ولا يكونُ نبيًّا مَن غَلَّ .
وإنما احْتَرْنا ذلك لأن اللَّهَ عزَّ وجلَّ أوْعَد عَقِيبَ قولِه: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيِّ أَنْ
يَغُلَّ﴾. أهلَ الغُلولِ فقال: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ الآية والتى
بعدَها . فكان فى وَعيدِه عَقِيبَ ذلك أهلَ الغلولِ الدليلُ الواضحُ على أنه إنما نهَى
بذلك عن الغلولِ ، وأَخْبَر عبادَه أن الغلولَ ليس مِن صفاتِ أنبيائه بقولِه: ﴿ وَمَا كَانَ
لِيَّ أَنْ يَغُلَّ﴾. لأنه لو كان إنما نهى بذلك أصحاب رسولِ اللهِ عَ لِ أَن يَتَّهِموا
رسولَ اللَّهِ صَلِّ بالغلولِ، لعقَّب ذلك بالوعيدِ على التُّهَمةِ وسوء الظنِّ برسولِ
اللَّهِ عِلَّهِ ، لا بالوعيدِ على الغُلولِ ، وفى تعقيبِه ذلك بالوعيدِ على الغلولِ بيانٌ بَيِّ أنه
إنما عرَّف المؤمنين وغيرهم مِن عبادِه ، أن الغلولَ مُنْتَفٍ مِن صفةِ الأنبياءِ وأخلاقِهم ؛
لأن ذلك جُزْمٌ عظيمٌ ، والأنبياءُ لا تَأْتِى مثلَه .
فإن قال قائلٌ مّن قرَأ ذلك كذلك: فأولى منه: وَما كان النبيِّ أن يَخونَه
١٥٨/٤ أصحابُه. إن كان(١) ذلك كما ذكَرْتَ، ولم / يُعَقِّبِ اللَّهُ قولَه: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ
يَغُلَّ﴾ . إلا بالوعيدِ على الغلولِ، ولكنه إنما وجَب الحكم بالصحةِ لقراءةٍ مَن قرأ :
(( يُغَلّ)). بضمِّ الياءِ وفتح الغينِ؛ لأن معنى ذلك: وما كان للنبيّ أن يَغُلَّه أصحابُه
(١) سقط من م.
(٢) سيأتى تخريج هذه القراءة فى موضعها .
(٣) زيادة يقتضيها السياق وليست فى النسخ .