Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ سورة آل عمران : الآية ١٤٧ حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبى ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَإِسْرَافَا فِىّ أَمْرِنَا﴾. قال: خَطايانا (١). وأما قولُه: ﴿ وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾. فإنه يقولُ: اجْعَلْنا مَمَّن يَثْبُتُ لحربِ عدوّك وقتالهم ، ولا تَجعَلْنا مَمَّن يَنْهَزِمُ فتفرّ منهم ، ولا يَتْبُتَ قدمه فی مکانٍ واحدٍ حربهم ، ﴿ وَأَنْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِينَ﴾. يقولُ: وانْصُرْنا على الذين جحدوا وحدانيتَك ونبوةً نبيِّك . وإنما هذا تأنيبٌ مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤه عبادَه الذين فرُوا عن العدوِّ يومَ أحدٍ ، وترَكوا قتالَهم ، وتأديبٌ لهم، يقولُ اللَّهُ جلَّ ثناؤه لهم : هلََّ فعَلْتُم إذا قيل لكم : قُتِل نبيكم. كما فعَل هؤلاء الرِّيِّيون، الذين كانوا قبلَكم مِن أتباع الأنبياءِ، إذ قُتِلَت أنبياؤُهم ، فصبَرْتم لعدوٌّ كم صبرَهم ، ولم تَضْعُفوا وتَسْتَكِينوالعدوِّ كم ، فتُحاولوا الازتِدادَ على أعقابِكم، كما لم يَضْعُفْ هؤلاء الرّبيون، ولم يسْتَكِينوا لعدوّهم ، وسأُلْتُم ربّكم [٤١/١١ و] النصرَ والظَّفَرَ كما سأَلُوا، فَيَنْصُرَكم اللَّهُ جلَّ وعزَّ كما نُصِروا؛ فإن اللَّهَ جلَّ وعزَّ يُحِبُّ مَن صبَر لأمرِهِ، وعلى جهادِ عدوِّه، فيُعطِيه النصرَ والظَّفَرَ على عدوِّه. كما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِىّ أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَأَنصُرْنَا عَلَىَ اُلْقَوْمِ اُلْكَفِينَ﴾. أى: فقولوا كما قالوا، واعلموا أنما ذلك بذنوبٍ منكم، واسْتَغْفِروا كما اسْتَغْفَروا، وامْضُوا على دينِكم، كما مضَوا على دينهم، ولا تَرْتَدُّوا على أعقابِكم راجِعِين، واسْأَلُوه كما سألوه أن يُثَبّتَ أقدامَكم، واسْتَنْصِروه كما اسْتَنْصَروه على القوم الكافرين ، فكلُّ هذا مِن قولِهم قد كان ، وقد قُتِل نبيُهم ، فلم (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٨٣/٣ (٤٢٩٨) عن محمد بن سعد به . ١٢٢ سورة آل عمران : الآية ١٤٧ يَفْعَلوا كما فعَلْتُم (١). والقراءةُ التى هى القراءةُ فى قوله: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ﴾. النصبُ(٢)؛ الإجماع قَرَأَةِ الأُمْصارِ على ذلك، نقلًا مستفيضًا، وراثةً عن الحُجَّةِ. وإنما اخْتِير النصبُ فى ((القولِ))؛ لأن ((أن))(١) لا تكونُ إلا معرفةً، فكانت أولى بأن تكونَ هى الاسمَ دونَ الأسماءِ التى قد تَكونُ معرفةً أحيانًا ونكرةً أحيانًا ، ولذلك اخْتِير النصبُ فى كلِّ اسمٍ ولى ((كان))، إذا كان بَعده ((أن)) الخفيفةُ، كقوله: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ، إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾ [العنكبوت: ٢٤]، وقوله: (ثُمَّ لم تَكُنْ فِتْنَتَهم إلّا أن قالوا) ) [الأنعام: ٢٣]. فأما إذا كان الذى يَلِى ((كان)) اسمًا معرفةً، والذى بعدَه مثلَه، فسواءٌ الرفعُ والنصبُ فى الذى ولى ((كان))، فإن جعَلْتَ الذى ولى ((كان)) هو الاسمَ رفَعْتَه، ونصَبْتَ الذى بعدَه، وإن جعَلْتَ الذى ولى ((كان)) هو الخبرَ نصَبْتَه، وَرفَعْتَ الذى بعدَه، كقوله جل ثناؤه: ﴿ ثُمَّ كَانَ عَلِقِبَةَ الَّذِينَ أَسَنُواْ السُّوَى ﴾ [الروم: ١٠]. إن جعَلْتَ ((العاقبةَ)) الاسمَ رفَعْتَها، وجعَلْتَ ﴿السُّوَىَ﴾ هى الخبرَ منصوبةً، وإن جعَلْتَ ((العاقبةَ)) هى الخبرَ نصَبْتَ، فقلتَ: ثم (٢) كان عاقبةَ الذين أساءوا السوآَى ، وجعَلْتَ ﴿الشُّوَىَ﴾ هى الاسمَ، فكانت مرفوعةً، وكما قال الشاعرُ(١): (١) سيرة ابن هشام ١١٣/٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٨٢/٣، ٧٨٣ (٤٢٩٧) من طريق سلمة به . (٢) قراءة النصب هى قراءة الجمهور. وقرأ الحسن بالرفع. ينظر الإتحاف ١/ ١٣٠. (٣) فى م: ((إلا أن)). (٤) يأتى الكلام على هذه القراءة عند تفسير الآية ٢٣ من سورة الأنعام. (٥) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: (( و)). (٦) الست فى الكتاب لسيبويه ٥٠/١، والمحتسب لأبن جنى ١١٦/٢، وشرح الفصل لابن حش ٩٦/٧. ١٢٣ سورة آل عمران : الآيتان ١٤٧، ١٤٨ بِشَهْلانَ إِلا الخِزْىُ مَّن يَقُودُها لقد علِم الأقوامُ ما كان داءَها / وژُوِی أيضًا: ما كان داؤها بثَهْلانَ إلا الخزىَ . نصبًا ورفعًا، على ما قد بيَّنْتُ، ولو فُعِل مثلُ ذلك مع ((أن)) كان جائزًا، غيرَ أن أفصحَ الكلام ما وصَفْتُ عندَ العربِ . ١٢٢/٤ القولُ فى تأويل قوله: ﴿فَنَهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابٍ اُلْآَخِرَةِّ وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ١٤٨ [٤١/١١ظ] يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: فأعْطَى اللَّهُ الرَّبِّبين الذين وصَفَهم بما وصفهم - مِن الصبرِ على طاعةِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ بعدَ مَقْتَلِ أنبيائهم، وعلى جهادٍ عدوّهم، والاستعانةِ باللَّهِ فى أمورِهم، واقتفائِهِم مَناهجَ إمامِهم، على ما أَبْلَوْا فى اللَّهِ جلَّ وعزَّ - ﴿ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾، يعنى: جزاءً فى الدنيا، وذلك النصرُ على عدوِّهم وعدوِّ اللَّهِ، والظَّفَرُ والفتحُ عليهم، والتمكينُ لهم فى البلادِ، ﴿ وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآَخِرَةِّ﴾، يعنى: وخيرَ جزاءِ الآخرةِ، على ما أسْلَفوا فى الدنيا مِن أعمالِهم الصالحةِ ، وذلك الجنةُ ونعيمُها . كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه : ﴿ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾، فقرَأْ حتى بلَغ ﴿وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِنَ﴾: إِى واللَّهِ ، لَآتاهم الفتحَ والظهورَ والتمكينَ والنصرَ على عدوّهم فى الدنيا، ﴿ وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآَخِرَةِ﴾، يقولُ: وحسنَ الثوابِ فى الآخرةِ وهى ي (١) الجنةٌ(١). (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٨٤/٣ (٤٣٠٥، ٤٣٠٧) من طريق يزيد به . ١٢٤ سورة آل عمران : الآيتان ١٤٨، ١٤٩ حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الربيعِ قولَه: ﴿ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ﴾. ثم ذكَر نحوَه(١). حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجاجٌ ، عن ابنِ جُرَيْج فى قولِه : فَانَهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾. قال: النصرَ والغَنيمةَ. ﴿ وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآَخِرَةِ﴾ . ج قال: رضوانَ اللَّهِ ورحمتَهُ(١) . حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ: ﴿فَائَهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾: الظهورَ على عدوِّهم، ﴿وَحُسْنَ ثَوَبِ الْآَخِرَةِ﴾: الجنةَ وما أعدَّ فيها (٤). وقولُه: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: فَعَل اللَّهُ ذلك بهم" بإحسانِهم، فإنه يُحِبُّ المحسنين، وهم الذين يَفْعَلون مثلَ الذى وصَف عنهم تعالى ذكرُه، وأنهم فعَلوه حينَ قُتِل نبيُّهم . القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ ١٤٩ كَفَرُواْ يَرُذُوكُمْ عَلَى أَعْقَبِكُمْ فَتَنْقَلِبُواْ خَسِرِينَ يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: يا أيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، فى وعدِ اللَّهِ ووَعيدِه وأمرِهِ ونهِهِ، ﴿إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، يعنى: الذين جحدوا نبوةَ نبيِّكم محمدٍ عَ لِّ مِن اليهودِ والنصارى، فيما يَأْمُرونكم به، وفيما يَنْهَوْنكم عنه، فتَقْبَلوا رأيهم فى ذلك، وتَنْتَصِحوهم فيما يزْعُمون أنهم لكم فيه (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٨٤/٣ عقب الأثر (٤٣٠٥) من طريق ابن أبى جعفر به نحوه . (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٣/٢ إلى المصنف وابن المنذر. (٣) فى ص، ت ١، ت ٢، س: ((وحسن الظهور))، وفى م: (( حسن الظهور)). (٤) سيرة ابن هشام ١١٣/٢ بنحوه . (٥) سقط من: م. ١٢٥٠ سورة آل عمران : الآية ١٤٩ ناصحون /﴿يَرُدُّوكُمْ [٤٢/١١ و] عَلَىَ أَعْقَبِكُمْ﴾. يقولُ: يَحْمِلوكم على الرِّدةِ ١٢٣/٤ بعدَ الإِيمانِ، والكفرِ باللَّهِ وآياتِه ورسولِه بعدَ الإِسلام، ﴿فَتَنْقَلِبُواْ خَسِرِينَ﴾ . يقولُ: فَتَرْجِعوا عن إيمانِكم ودينكم الذى هداكم اللَّهُ عزَّ وجلّ له، ﴿ خَسِرِينَ﴾، يعنى : هالِكين، قد خسِرْتم أنفسكم ، وضلَّلْتُم عن دينكم ، وذهَبَت دنياكم وآخرتُكم . يَنْهَى بذلك أهلَ الإِيمانِ باللَّهِ أن يُطِيعوا أهلَ الكفرِ فى آرائهم ، ويَنْتَصِحوهم فى أديانِهم، كما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَرُذُوكُمْ عَلَى أَعْقَبِّكُمْ فَتَنْقَلِبُواْ خَسِرِينَ﴾. أى: عن دينكم، فَتَذْهَبَ دنياكم وآخرتُكم (١). حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاج، عن ابن جريج قولَه : ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. قال ابنُ بجريجٍ: يقولُ: لا تَنْتَصِحوا اليهود والنصارى على دينكم، ولا تُصَدِّقوهم بشىءٍ فی (٢) دينكم(٢). حدَّثنا محمدٌ ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَرُذُوكُمْ عَلَى أَعْقَبِّكُمْ فَتَنْقَلِبُواْ خَسِرِينَ﴾. يقولُ: إِن تُطِيعوا أبا سفيانَ يردَّكم(٢) كفارًا . (١) سيرة ابن هشام ١١٣/٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٨٤/٣، ٧٨٥ (٤٣١١، ٤٣١٣) من طريق سلمة به . (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٨٥/٣ (٤٣١٢) من طريق ابن ثور عن ابن جريج ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٣/٢ إلى ابن المنذر. (٣) فى م: ((يردوكم)). والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٨٤/٣ (٤٣٠٨)، من طريق أحمد بن المفضل به نحوه . ١٢٦ سورة آل عمران : الآيتان ١٥٠، ١٥١ ١٥٠ القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿بَلِ اَللَّهُ مَوْلَئِكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّصِرِينَ يعنى بذلك تعالى ذكره: أن اللَّهَ عزَّ وجلَّ مُسَدِّدُ كم أيُّها المؤمنون، فمُنْقِذُكم مِن طاعةِ الذين كفروا . وإنما قيل: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَئُكُمْ﴾؛ لأن فى قوله: ﴿إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُذُوكُمْ عَلَى أَعْقَيِكُمْ﴾ نهيًا لهم عن طاعتِهم، فكأنه قال : يا أيُّها الذين آمنوا لا تُطِيعوا الذين كفَروا، فيردُّوكم على أعقابِكم . ثم ابْتَدَأ الخبرَ، فقال: ﴿بَلِ اَللَّهُ مَوْلَئِكُمْ﴾، فأطِيعوه دونَ الذين كفروا، فهو خيرُ مَن نَصَر، ولذلك رُفِع اسمُ اللَّهِ، ولو كان [٤٢/١١ظ] منصوبًا على معنى: بل أطِيعوا اللَّهَ مولاكم دون الذين كفَروا، كان وجهًا صحيحًا . ويعنى بقوله: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَئُكُمْ﴾: بل اللَّهُ ولُكم وناصرُكم على أعدائِكم الذين كفَروا ﴿ وَهُوَ خَيْرُ النَّصِرِينَ﴾، لا مَن فَرْتُم إليه مِن اليهودِ وأهلِ الكفرِ باللَّهِ. فباللَّهِ الذى هو ناصرُكم ومولاكم فاعْتَصِموا، وإياه فاسْتَنْصِروا دونَ غيرِهِ ثَمَّن يَتْغِيكم الغَوائلَ، وتَرْصُدُكم بالمكارهِ. كما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَئِكُمٌّ﴾، إن كان ما تقولون بألْسِنتِكم صدقًا فى قلوبِكم، ﴿ وَهُوَ خَيْرُ النَّصِرِينَ﴾، أىْ: فاعْتَصِموا به، ولا تَسْتَنْصِروا بغيرِه، ولا تَرْجِعوا على أعقابِكم مُؤْتَدِّين عن دينكم(١). القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ سَنُلِقِى فِ قُلُوبٍ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَآ (١) سيرة ابن هشام ١١٣/٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٨٥/٣ (٤٣١٥) من طريق سلمة به . ١٢٧ سورة آل عمران : الآية ١٥١ أَشْرَكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، سُلْطَنَّا وَمَأْوَنَهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى ١٥١ الظَّالِمِينَ ١٢٤/٤ /يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: سيُلْقِى اللَّهُ أيُّها المؤمنون ﴿فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ بربِّهم، وجَحدوا نبوةَ محمدٍ مِِّ، ممن حارَبَكُم بِأُحُدٍ، ﴿الرُّعْبَ﴾، وهو الجَزَُّ والَلَغُ، ﴿بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللَّهِ﴾، يعنى: بشركِهم باللّهِ وعبادتهم الأصنامَ، وطاعتِهم الشيطانَ، التى لم أَجْعَلْ لهم بها حُجةً . وهى السلطانُ التى أَخْبَر اللهُ جلَّ ثناؤه أنه لم يُتَزِّلْه بكفرِهم وشركِهم. وهذا وعدٌ مِن اللَّهِ جل ثناؤه أصحابَ رسولِه، بالنصرِ على أعدائِهم، والفَلْجِ(١) عليهم ما اسْتَقاموا على عهدِه، وتَمَشَكوا بطاعتِهِ، ثم أُخْبَرَهم تعالى ذكرُه ما هو فاعلٌ بأعدائِه بعدَ مصيرِهم إليه، فقال جل ثناؤُه: ﴿ وَمَأْوَنُهُمُ النَّارِ﴾ يعنى: ومَرْجِعُهم الذى يَرْجِعون إليه يومَ القيامةِ النارُ. ﴿وَبِئْسَ مَثْوَى اَلَلِمِينَ﴾. يقولُ: وبئس مُقامُ الظالمين الذين ظلموا أنفسهم باكتسابِهم ما أُوْجَب لها عقابَ اللَّهِ، النارُ. كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا سلمةُ ، عن ابن إسحاقَ : ﴿ سَنُلْقِی فی قُلُوپٍ الَّذِينَ كَفَرُواْ الزُّعْبَ [٤٣/١١ و] بِمَآ أَشْرَكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، سُلْطَنَّأَ ٥ . فإنى سأُلْقِى فى قلوبِ الذين (١٥ وَمَأْوَنُهُمُ النَّارِ وَبِئْسَ مَثْوَى الَّلِينَ كفَروا الرعبَ الذى به كنتُ أَنْصُرُكم عليهم، بما أَشْرَكوا بى، ما لم أجْعَلْ لهم به حجةٌ ، أْ: فلا تَظُنُّوا أن لهم عاقبةَ نصرٍ ، ولا ظهورٍ عليكم ، ما اعْتَصَمْتُم بی . واتَّبَعْتُم أمرى، للمُصيبةِ التى أصابَتْكم منهم، بذنوبٍ قدَّمْتُموها لأُنفسِكم، خالَفْتُم (١) الفَلْج : الظفر والفوز. (٢) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س. ١٢٨ سورة آل عمران : الآيتان ١٥١، ١٥٢ بها أمرى، وعصَيْتُم فيها نبيِّى عليه السلامُ (١). حدَّثنى محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أشْباطُ، عن السدىِّ، قال: لما ارْتَحَل أبو سفيانَ والمشركون يومَ أحدٍ مُتَوَجّهين نحوَ مكةً ، انْطَلَق أبو سفيانَ حتى بلَغ بعضَ الطريقِ، ثم إنهم ندموا فقالوا: بئس ما صنَعْتُم ، إنكم قتَلْتُموهم، حتى إذا لم يَبْقَ إلا الشَرِيدُ ترَكْتُموهم، ارْجِعوا فاسْتَأْصِلوهم . فقذَف اللَّهُ جلَّ وعزَّ فى قلوبهم الرعبَ ، فانْهَزَموا ، فَلَقُوا أَعرابيًّا ، فجعلوا له مجُعْلًا ، فقالوا له: إن لقِيتَ محمدًا فأخْبِرْهم بما قد جَمَعْنا لهم . فأخْبَرَ اللَّهُ تعالى ذكرُه رسولَه عَلَه، فطلَبَهم حتى بلَغ حمراءَ الأسَدِ ، فأَنْزَل اللَّهُ جلَّ ثناؤه فى ذلك، يذكُرُ أبا سفيانَ حينَ أراد أن يَرْجِعَ إلى النبيِّ عَلَّهِ، وما قُذِف فى قلبِهِ مِن الرعبِ ، فقال: ﴿سَنُلْقِى فِي قُلُوبٍ اُلَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَآ (٣)(٤) أَشْرَكُواْ بِاَللَّهِ ﴾ القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ ﴾. يعنى بقولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾: ولقد صَدَقكم الله أيُّها المؤمنون مِن أصحابٍ محمدٍ مَّ ◌َّه بِأَحَدٍ، ﴿وَعْدَهُ﴾ الذى وعَدَكم " على لسان رسوله محمدٍ ماله . (١) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٣، وأخرجه ابن أبى حاتم ٧٨٥/٣ (٤٣١٧) من طريق سلمة به مختصرًا. (٢) فى م: ((فأخبره)). (٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٣/٢ إلى المصنف. (٤) بعده فى ص: (( يتلوه القول فى تأويل قوله ولقد صدقكم الله وعده وصلى الله على سيدنا محمد النبى وآله وصحبه وسلم بسم الله الرحمن الرحيم رب یسر أخبرنا أبو بكر محمد بن داود بن سليمان قال أخبرنا أبو جعفر محمد بن جریر)) .. وبعده فى ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (( أخبرنا أبو بكر محمد بن داود بن سليمان قال أخبرنا أبو جعفر محمد ابن جریر رحمه الله)) . (٥) فى م: ((وعدهم)). ١٢٩ سورة آل عمران : الآية ١٥٢ والوعدُ الذى كان وعَدَهم على لسانِه بأحدٍ / قولُهُ عَ لَّمِ للرُماةِ: ((اثْبُتوا ١٢٥/٤ مكانَكم ولا تَبْرَحوا وإن رأَيْتُمونا قد هزَمْناهم، فإنا لن نَزالَ غالِبِين ما ثبتُم مكانَكم ». وكان وعَدَهم رسولُ اللَّهِ مَ لِ النصرَ يومَئذٍ إِن انتَهَوْا إلى أمرِه. كالذى حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ ، قال: ثنا أشْباطُ ، عن السدىِّ، قال: لما بَرَز رسولُ اللَّهِ نَّ لَه إلى المشركين بأحدٍ، أَمَر الرُّماةَ ، فقاموا بأصلِ الجبلِ فى وجوهٍ خيلِ المشركين، وقال: ((لا تَبْرَحوا مكانَكم إن رأيتمونا قد هزَمناهم ، فإِنَّا لن نزالَ غالبين [٤٣/١١ظ] ما ثَبُّم مكانَكم)). وأمَّر عليهم عبدَ اللهِ بنَ مجبيرٍ أخا خَوَّاتِ بنِ جُبيرٍ . ثم إن طلحةَ بنَ عثمانَ صاحبَ لواءٍ المشركين قام فقال : يا معشر أصحابٍ محمدٍ ، إنكم تَزْعُمون أن اللَّهَ يُعَجِّلُنا بسيوفِكم إلى النارِ ، ويُعَجِّلُكم بسيوفِنا إلى الجنةِ ، فهل منكم أحدٌ يُعَجِّلُه اللَّهُ بسيفى إلى الجنةِ ، أو يعَجِّلُنى بسيفِه إلى النارِ ؟ فقام ٦ إليه علىُّ بن أبى طالبٍ رضى اللَّهُ عنه، فقال: والذى نفسى بيدِه، لا أُفارِقُك حتى يُعَجِّلَك اللَّهُ بسيفى إلى النارِ، أو يُعَجِّلَنى بسيفِك إلى الجنةِ . فضرَبه علىٍّ، فقطَع رجلَه فسقَط، فانْكَشَفَت عورتُه، فقال: أَتْشُدُك اللَّهَ والرحمَ يا بنَ عمِّ. فترَكه، فكبّرَ رسولُ اللَّهِ مَت ◌ِهِ ، وقال لعلىّ أصحابُه: ما منَعك أن تُجْهِزَ عليه؟ فقال: إن ابنَ عمى ناشَدنى اللَّهَ حينَ انكَشَفت عورتُه، فاسْتَحْيَيْتُ منه. ثم شدَّ الزبيرُ بنُ العوامِ والمِقْدادُ بنُّ الأسودِ على المشركين، فهزَماهم، وحمَل النبىُّ عَِّ وأصحابُه، فهزَموا أبا سفيانَ، فلما رأى ذلك خالدُ بنُ الوليدِ وهو على خيلِ المشركين حمَل، فرَمتْه الرُّماةُ فانْقَمَع، فلمَّا نظَر الرُّماةُ إلى رسولِ اللهِ صَلّهِ وأصحابِه فى جوفٍ عسكرِ المشركين يَنْتَهِيونه ، بادَروا الغنيمةَ ، فقال بعضُهم: لا نَتْرِكُ أمرَ رسولِ اللَّهِ عَمِ. فانْطَلَق عامَّتُهم، فلحِقوا بالعسكرِ، فلما رأَى خالدٌ قلةً الرّماةِ صاح فى خيلِه، ثم حمَل فقتَل التُماةَ، وحمَل على أصحابِ النبيِّ عَّ ◌ِلِّ، فلمَّا ١٣٠ سورة آل عمران : الآية ١٥٢ رأَى المشركون أن خيلَهم تُقاتِلُ تَنادَوْا، فَشَدُّوا على المسلمين، فهزَموهم (١) وقتلوهم(١). حدَّثنا هارونُ بنُ إِسحاقَ ، قال: ثنا مُصْعَبُ بنُ المِقْدام ، قال : ثنا إسرائيلُ ، قال: ثنا أبو إسحاقَ ، عن البَراءِ، قال: لما كان يومُ أحدٍ ، ولقِينا المشركين، أجْلَس رسولُ اللَّهِ ◌ِ ◌ِهِ رجالاً بإزاءِ الرُّماةِ، وأمَّر عليهم عبدَ اللَّهِ بنَ جُبيرٍ أخا خَوَّاتِ بنِ تجبيرٍ، وقال لهم: ((لا تَبْرَحوا مكانَكم، إن رأيْتُمونا ظهَرْنا عليهم ولا تَبْرَحوا مكانَكم ، وإن رأَيْثُموهم ظهَروا علينا فلا تُعِينونا)). فلمَّا لِقِىَ(١) القومَ هزَم المشركين، حتى رأَيْتُ النساءَ رفَعْن عن سُوقِهن، وبدَت خَلاخِلُهن، فجعَلوا يقولون: الغنيمةَ الغنيمةَ. قال عبدُ اللَّهِ: مَهْلًا، أما علِمْتُم ما عهِد إليكم رسولُ اللَّهِ سَمِ فَأَبَوْا، فانْطَلَقوا، فلمَّا أَتَوْهم صرّف اللَّهُ وجوهَهم ، فأُصِيب مِن المسلمين سبعون قَتِيلًا(١). حدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيع، قال: ثنا أبى، عن إِسرائيلَ ، عن أبى إسحاقَ ، عن البَراءِ نحوَه . [٤٤/١١و] حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمى ، قال : ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه جلَّ وعزَّ: ﴿وَلَقَدْ صَدَفَّكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ: إِذْ تَحُسُونَهُم بِإِذْنِهٌِ﴾. فإن أبا سفيانَ أَقْبَل فى ثلاث ليالٍ خَلَوْن مِن شوالٍ، حتى ١٢٦/٤ نزَل بأحدٍ، وخَرج النبىُّ ◌َه، فأذّن فى الناسِ، فاجْتَمَعوا، وأمَّر / الزبيرَ على (١) أخرجه المصنف فى تاريخه ٢/ ٥٠٩، ٥١٠. (٢) فى م: ((التقى)). (٣) أخرجه المصنف فى تاريخه ٥٠٧/٢، ٥٠٨، وأخرجه البخارى (٤٠٤٣)، وابن حبان (٤٧٣٨) والبيهقى فى الدلائل ٢٦٧/٣، ٢٦٨ من طريق إسرائيل به، وأخرجه الطيالسى (٧٦١)، وأحمد ٥٤٤/٣٠ - ٥٥٦، ٥٦٢ (١٨٥٩٣، ١٨٦٠٠)، والبخارى (٣٠٣٩، ٣٩٨٦، ٤٠٦١، ٤٠٦٧)، وأبو داود (٢٦٦٢)، والنسائى (٨٦٣٥، ١١٠٧٩ - كبرى)، والبيهقى فى الدلائل ٢٦٩/٣ وغيرهم من طريق أبى إسحاق به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٥/٢ إلى ابن المنذر. ١٣١ سورة آل عمران : الآية ١٥٢ الخيلِ، ومعه يومَئذٍ المقْدادُ بنُ الأسودِ الِكِنْدِىُّ، وأعْطَى رسولُ اللَّهِ مَّهِ اللواءَ رجلًا مِن قريشٍ، يقالُ له : مُصعبُ بنُ عميرٍ. وخرَج حمزةُ بنُ عبدِ المطلبِ بالحُشَّرِ(١)، وبعَثْ حمزةَ بينَ يديه ، وأَقْبَل خالدُ بنُ الوليدِ على خيلِ المشركين ومعه عكرمةُ بنُ أبی جهلٍ، فبعث رسولُ اللَّهِ مََّهِ الزبيرَ، وقال: ((اسْتَقْبِلْ خالدَ بنَ الوليدِ، فكُنْ یازائِه حتى أُوذِنَك)). وأمَر بخَيْلِ أخرى، فكانوا مِن جانبٍ آخرَ، فقال: (( لا تَبْرَحوا حتى أَوْذِنَكم)). وأَقْبَل أبو سفيانَ يَحْمِلُ اللَّاتَ والعُزَّى، فَأَرْسَل النبىُّ عَِّ إلى الزبيرِ أن يَحْمِلَ، فحمَل على خالدِ بنِ الوليدِ ، فهزَمه اللَّهُ ومَن معه، فقال جلَّ وعزَّ : ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ: إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ، حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَزَعْتُمْ فِى الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّنْ بَعْدِ مَآ أَرَنَكُم مَّا تُحِبُّونٌَ﴾. وإن اللَّهَ تبارك وتعالى وعَد المؤمنين أن يَنْصُرَهم، وأنه معهم(١) . حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ مسلمٍ بنِ عبيدِ اللَّهِ الزهرىُّ، و(٢) محمدُ بنُ يحيى بنٍ حَبَّانَ، وعاصمُ بنُ عمرَ بنِ قَتَادَةَ ، والحصينُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ عمرو بنِ سعدِ بنِ معاذٍ ، وغيرُهم مِن عُلمائِنا - فى قصةٍ ذكَرها عن أُحدٍ - ذكَر أن كلَّهم قد حدَّث ببعضِها ، وأن حديثَهم اجْتَمَع فيما ساق مِن الحديثِ، فكان فيما ذكَر فى ذلك أن رسولَ اللَّهِ عَمِ نزَل الشِّعْبَ مِن أُحدٍ فى عُدْوةِ الوادى إلى الجبلِ، فجعَل ظهرَه وعسكرَه إلى أحدٍ، وقال: (( لا يقاتلَنَّ أحدٌ حتى تَأْمُّرَه بالقتالِ)). وقد سرَّحَت قريشٌ الظَّهْرَ(٤) والكُراعَ (٥) فى زروعٍ كانت (١) الحُشَرُ: جمع حاسر، وهو الذى لا درع عليه ولا مِغْفر. النهاية ٣٨٣/١. (٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ٥٠٨/٢، ٥٠٩، وأخرج آخره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٩٩/٢ (١٦٢٥ - تحقیق حکمت بشیر یاسین). (٣) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((أن)). (٤) الظهر: الإبل التى يحمل عليها ويركب. اللسان (ظ هـ ر). (٥) الكراع : الخيل . اللسان (ك رع). ١٣٢ سورة آل عمران : الآية ١٥٢ بِالصَّمْغةِ( مِن قَنَاةٍ(١) للمسلمين، فقال رجلٌ مِن الأنصارِ حينَ نهَى رسولُ اللَّهِ صَاحِ عن القتالِ: أَتُرْعَى زروعُ بنى قَيْلَةَ(١٢) ولمَّا نُضَارِبْ. وَتَعْبَأُ) رسولُ اللَّهِ ◌َّه للقتالِ وهو فى سبعِمائةِ رجلٍ، وتعبَّأْت(١) قريشٌ وهم ثلاثةُ آلافٍ، ومعهم مائتا فرسٍ قد جَنَبوها ، فجعلوا على مَيْمَنةِ الخيلِ خالدَ بنَ الوليدِ ، وعلى مَيْسَرتِها عكرمةَ بنَ أبى جهلٍ، وأمَّر رسولُ اللَّهِ وَلَّهِ على الرُّماةِ عبدَ اللهِ بنَ جبيرٍ أخا بنى عمرو بنِ عوفٍ ، وهو يومَئذٍ مُعَلَّمْ بثيابٍ بيضٍ، والرّماةُ خمسون رجلًا، وقال: ((انْضَعْ() عنا الخيلَ بالنَّبْلِ ، لا يَأْتُونا مِن خلفِنا، إن كانت لنا أو علينا فاتْبُتْ مكانَك، لا نُؤْتَيَنَّ مِن قِبَلِك)) . فلما التَّقَى الناسُ، ودنا بعضُهم مِن بعضٍ ، واقْتَتَلوا [٤٤/١١ظ] حتى حمِيَت الحربُ، وقاتَل أبو دُجانةَ حتى أَمْعَن فى الناسِ ، وحمزةُ بنُ عبدِ المطلبِ وعلىُّ بن أبى طالبٍ فى رجالٍ مِن المسلمين، فأنْزَل اللَّهُ نصرّه، وصدَقَهم وعدَه، فحشُوهم بالسيوفٍ حتى كشَفوهم، وكانت الهزيمةُ لا شكَّ فيها(1). حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال : ثنا سلمةُ ، عن ابنِ إسحاقَ ، عن يحيى بنِ عِبَّادِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ الزبيرِ، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: قال الزبيرُ: واللَّهِ لقد رأيتُنى أَنْظُرُ إلى خَدَمُ" (١) الصمغة: أرض قرب أحد من المدينة. معجم البلدان ٣/ ٤١٨. (٢) القناة: واد يأتى من الطائف وينتهى إلى أصل قبور الشهداء بأحد. ينظر معجم البلدان ٤/ ١٨٢. (٣) بنو قيلة: هم الأوس والخزرج أمهما قيلة بنت الأرقم بن عمرو. جمهرة أنساب العرب ص ٣٣٢. (٤) فى م: ((صفنا)). (٥) فى م: ((تصاف)). (٦) جنبوها: قادوها إلى جنبهم. ينظر اللسان (ج ن ب). (٧) انضح : ادفع . (٨) سيرة ابن إسحاق ص٣٠١ عن الزهرى به، وهو فى السيرة لابن هشام ٢/ ٦٥، ٦٦ كلاهما بأم من ذلك. (٩) الخدم : جمع خَدَمةٍ، وهى الخلخال، وقد تسمى الساق خدمة حملا على الخلخال لكونها موضعه . اللسان (خ د م) . ١٣٣ سورة آل عمران : الآية ١٥٢ هندِ بنتِ عُثْبَةَ وصواحبِها مُشَمِّراتٍ هَواربَ، ما دون أَخْذِهنَّ قليلٌ ولا كثيرٌ، إذ مالت الرماةُ إلى العسكرِ حينَ كشَفْنا القومَ عنه، يُرِيدون النَّهْبَ ، وخلّوا ظهورَنا للخيل ، فأَتِينا مِن أَدْبارِنا، وصرَخ صارخٌ: ألا إن محمدًا قد قُتِل. فانْكَفَأْنَا وَانْكَفَأ علينا القومُ ، بعد أن أَصَبْنا أصحابَ اللواءِ، حتى ما يَدْنُوَ منه أحدٌ مِن القومِ(١). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ فى قوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ ﴾. أى: ولقد وفَيْتُ لكم بما وعَدْتُكُم مِن النصرِ على (٣) عدوّ كم(٢). /حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع قولَه جلّ وعزَّ: ١٢٧/٤ ﴿ وَلَقَدْ صَدَنَّكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾. وذلك يومَ أَحدٍ، قال لهم: ((إنكم سَتَظْهَرون ، فلا أَعرِفنَّ(١) ما أصَبْتُم مِن غنائمِهم شيئًا، حتى تَفْرُغوا)). فترَكوا أَمْرَ نبيِّ اللَّهِ عَ لَّهِ وَعَصَوْا، ووقَعوا فى الغنائم، وذَسُوا عهدَه الذى عهِد إليهم ، وخالفوا إلى غيرِ ما أمَرَهم به(٥). القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ﴾. يعنى بذلك تعالى ذكرُه : ولقد وَفَى اللَّهُ لكم أيُّها المؤمنون مِن أصحابٍ محمدٍ ، بما وعَدَكم مِن النصرِ على عدوٌّ كم بأحدٍ ، حينَ ﴿ تَحُسُّونَهُم﴾ ، يعنى : حينَ تَقْتُلونهم . يقالُ منه: حسَّه يَحُسُّه حشًا : إذا قتَلَه . (١) فى م: ((إحداهنَّ)). (٢) سيرة ابن هشام ٢/ ٧٧، ٧٨، كما أخرجه المصنف فى تاريخه ٥١٣/٢. (٣) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٣. (٤) فى م: ((فلا تأخذوا)). والمعنى: أى لا يخفى علىَّ ذلك ولا مقابلته بما يوافقه وفيه زجر عن فعل هذا . ینظر التاج (ع ر ف). (٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٥/٢ إلى المصنف وابن أبى حاتم . ١٣٤ سورة آل عمران : الآية ١٥٢ كما حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ سعيدِ الواسطىُ ، قال : أخبرنا يعقوبُ بنُ عيسى ، قال : ثنى عبدُ العزيزِ بنُ عِمْرانَ بنِ عبدِ العزيزِ بنِ عمرَ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ عن محمدِ بنِ عبدِ العزيزِ، عن الزهرىِّ، عن عبد الرحمنِ بنِ المِشْوَرِ بنِ مَخْرمةَ، عن أبيه، عن عبد الرحمنِ بنِ عوفٍ فى قوله: ﴿إِذْ تَحُسُونَهُمْ﴾. قال : الحَسُ القتلُ. حدَّثنی يونسُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: أُخْبرَنى ابنُ أبى الرِّنادِ، عن أبيه، قال: سمِعْتُ عبيدَ اللَّهِ بنَ عبدِ اللهِ(١) يقولُ فى قولِ اللَّهِ: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾. قال: القتلُ(٢). حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أُبی نَجيح، عن مجاهدٍ: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾. قال: تَقْتُلونهم(٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدْ صَدَفَّكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ: إِذْ تَحُونَهُمْ﴾، أى: قتلًا ﴿بِإِذْنِهِ﴾(٤). [٤٥/١١و] حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ فى قوله: ﴿إِذْ تَحُُونَهُم﴾ يقولُ: إذ تَقْتُلونهم(٥). (١) بعده فى مصادر التخريج: ((عن ابن عباس)). وهو الصواب، ولعله سقط من رواية الطبرى. (٢) أخرجه الإمام أحمد فى المسند ٢٨٧/١، ٢٨٨، وابن أبى حاتم فى تفسيره ( تحقيق د. حكمت بشير) ٥٩٩/٢ (١٦٢٧)، والطبرانى فى المعجم الكبير ١٦٥/١٠ (١٠٧٣١)، والحاكم فى المستدرك ٢٩٦/٢، ٢٩٧، والبيهقى فى الدلائل ٢٦٩/٣ - ٢٧١، كلهم عن ابن أبى الزناد عن أبيه عن عبيد الله عن ابن عباس. (٣) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره (تحقيق د.حكمت بشير) ٦٠٠/٢ (١٦٢٩) معلقا . (٤) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره (تحقيق د. حكمت بشير) ٦٠٠/٢ (١٦٣٣) معلقا . (٥) فى الأصل: (( تقاتلونهم)). والأثر فى تفسير عبد الرزاق ١٣٥/١. ١٣٥ سورة آل عمران : الآية ١٥٢ حُدِّثْتُ عن عمارٍ ، عن ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع: ﴿إِذْ تَحُسُونَهُم بِإِذْنِهٌِ﴾: والحسُّ القتلُ(١). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ الْمُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ: ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ: إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهٌِ﴾. يقولُ: (٢) تَقْتُلونهم(٢) . حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُم بالسيوفِ ، أى : بالقتلِ(٣). حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ ، عن مباركٍ ، عن الحسنِ : ﴿ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ﴾، يعنى القتلَ(٤). حدَّثنى علىُ بنُ داودَ ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحِ، عن علىِّ ابنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهٌِ﴾. يقولُ (٥) تقتلونهم . وأما قولُه: ﴿بِإِذْنِهِ﴾، فإنه يعنى: بحُكْمى وقَضائى لكم بذلك، وتَسْليطى إياكم عليهم . ١٢٨/٤ / كما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ﴾ يقولُ: تحسّونهم بإذنى وتَشْليطى أيديكم عليهم، وكَفِّى أيديهم عنكم (١). (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره (تحقيق د.حكمت) ٦٠١/٢ (١٦٣٤) من طريق ابن أبى جعفر به. (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره (تحقيق د. حكمت بشير) ٦٠٠/٢ (١٦٣١) من طريق أسباط به . (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٨٦/٣ (٤٣١٩) من طريق سلمة به. وينظر سيرة ابن هشام ٢/ ١١٣. (٤) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره (تحقيق د. حكمت بشير) ٦٠٠/٢ (١٦٣٠) معلقا . (٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٥/٢ إلى المصنف. (٦) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٣ ١٣٦ سورة آل عمران : الآية ١٥٢ القولُ فى تأويل قوله: ﴿ حَتَّىَ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَزَعْتُمْ فِ الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَآ أَرَكُمْ مَّا تُحِبُّونٌَ﴾ . يعنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿حَتََّ إِذَا فَشِلْتُمْ﴾: حتى إذا جبُثْتُم ووخِمْتُمْ(١)، ﴿وَتَنَزَعْتُمْ فِى الْأَمْرِ﴾. يقولُ: واخْتَلَفْتُم فى أمرِ اللَّهِ. ﴿وَعَصَيْتُمْ ﴾. يقولُ وخالَفْتُم نبيَّكُمْ عَلَه، فترَكْتُم أمرَه، وما عهِد إليكم . وإنما يعنى بذلك الرّماةَ الذين كان ◌َِّ أمَرّهم بلزومٍ مركزِهم ومقعدِهم مِن فم الشِّعْبِ بأحدٍ ، بإزاءِ خالدِ بنِ الوليدِ ومَن كان معه مِن فُرِسانِ المشركين الذين ذكَرْنا قبلُ أَمْرَهم . وأما قولُه: ﴿مِنْ بَعْدِ مَآ أَرَكُم مَّا تُحِبُّونَ﴾ ، فإنه يعنى بذلك : مِن بعد الذى أراكم اللَّهُ أيُّها المؤمنون بمحمدٍ عَ لَّهِ مِن النصرِ والظّفَرِ بالمشركين، وذلك هو الهزيمةُ التى كانوا هزَمُوهم عن نسائِهم وأموالهم، قبلَ تَرْكِ الرُّماةِ مَقاعدَهم، التى كان رسولُ اللَّهِ عَلِ أَقْعَدَهم فيها، وقبلَ خروجٍ خيلِ المشركين على المؤمنين مِن ورائهم. وبنحوِ الذى قلنا تَظاهَرَت الأخبارُ عن أهلِ التأويلِ ، وقد مضَى ذِكْرُ بعضِ مَن قال ذلك، وسنَذْكُرُ قولَ بعضِ مَن لم نذكُرْ قولَه فيما مضى . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿حَتَّىَ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَزَعْتُمْ فِى الْأَمْرِ﴾، أى: اخْتَلَقْتُم فى الأمرِ ﴿ وَعَصَدْتُم [٤٥/١١ظ] مِنْ بَعْدِ مَا أَرَكُم مَّا تُحِبُّونٌَ﴾، وذاكم يومَ أحدٍ، عهِد إليهم نبىُّ اللَّهِ عْظَمِ، وأمَرّهم بأمرٍ، فَتَسُوا العهدَ، وَاوَزوا وخالَفوا ما أمَرَهم نبىُّ اللّهِ يَّهِ، فصرّف(٢) عليهم عدوَّهم ، بعدَ ما أراهم مِن عدوّهم ما يُحِبُّون . (١) سقط من: ت٢، ت٣، س، وفى م: ((ضعفتم)). (٢) فى م: ((فانصرف)). ١٣٧ سورة آل عمران : الآية ١٥٢ حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، أن رسولَ اللَّهِ مَّ لَه ، بعَث ناسًا مِن الناسِ - يعنى: يومَ أحدٍ - فكانوا مِن ورائهم، فقال رسولُ اللَّهِ مَ له: «كُونوا هلهنا، فرُدُّوا وجهَ مَن فرَّمنا، وكونوا حَرَسًا لنا مِن قِبَلٍ ظهورِنا)). وأنَّ رسولَ اللَّهِ عْظَّه لمّ هزَم القومَ هو وأصحابُه(٢) الذين آمنوا الذين كانوا مجعِلوا مِن ورائهم، فقال بعضُهم لبعضٍ، لما رأوا النساءَ مُصْعَداتٍ فى الجيلِ، ورأوا الغَنائمَ، قالوا: انْطَلِقُوا بنا إلى رسولِ اللَّهِ عَ لَيهِ، فَأَدْرِكوا الغنيمةَ قبلَ أن تُشْبَقوا إليها. وقالت طائفةٌ أخرى: بل نُطِيعُ رسولَ اللّهِ مَ الغِ ، فَتَتْبُتُ مَكانَنا. فذلك قولُه لهم: ﴿مِنكُم مَن يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ للذين أرادوا الغنيمةَ، ﴿ وَمِنكُمْ مَن يُرِيدُ الْآَخِرَةَ﴾ للذين قالوا: نُطِيعُ رسولَ اللّهِ وَ ◌َه ، ونَثْتُ مكانَنا. فأتَوْا محمدًا عَظِيمِ، فقُتلوا(٣) فكان فشلاً حينَ تَنَازَعوا بينَهم، يقولُ: ( وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَآ أَرَكُمْ مَّا تُحِبُّونٌَ﴾، كانوا قد رأوا الفتحَ والغَنيمةَ(٤). /حُدِّثْتُ عن عمارٍ، عن ابنٍ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع: ﴿حَتَّى إِذَا ١٢٩/٤ فَشِلْتُمْ﴾. يقولُ: جُنْتُم عن عدوِّكم، ﴿ وَتَغَزَعْتُمْ فِىِ اٌلْأَمْرِ﴾. يقولُ: اْتَلَفْتُم، ﴿وَعَصَلْتُم مِّنْ بَعْدِ مَآ أَرَكُمْ مَّا تُحِبُّونٌَ﴾، وذلك يومَ أحدٍ ، قال لهم: ((إنكم ستَظْهَرون فَلا أعرِفنَّ ما أصَبْتُم مِن غَنائمِهم شيئًا، حتى تَفْرُغوا)). فترَكوا أمرَ نبيِّ اللَّهِ عَ لَهِ وَعَصَوْا، ووقَعوا فى الغَنائِم، ونَشوا عهدَه الذى عهِده إليهم ، وخالَفوا إلى غيرِ ما أمَرَهم به ، فانْصَرَف عليهم عدوُّهم مِن بعدِ ما أراهم فيهم (١ - ١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((قدمنا)). (٢) بعده فى م: ((اختلف). (٣) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س. (٤) أخرجه المصنف فى تاريخه ٢/ ٥٠٨، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٨٦/٣، ٧٨٨، ٧٨٩، (٤٣٢٢، ٤٣٢٧، ٤٣٣٣) عن محمد بن سعد به . ١٣٨ سورة آل عمران : الآية ١٥٢ (١) ما يُحِبُون(١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُرَيج: حَتََّ إِذَا فَشِلْتُمْ﴾. قال ابنُ مجريجٍ: قال ابنُ عباسٍ: الفشلُ الجُبْهُ(٢). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال : ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ: ﴿حَتَّىَ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَزَعْتُمْ فِى الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّنْ بَعْدِ مَآ أَرَكُم مَّا تُحِبُّونٌَ﴾ ، مِن الفتحِ() . حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾، أى: تَخاذَلْتُم ﴿وَتَنَزَعْتُمْ فِ اُلْأَمْرِ﴾ أى: اختَلَفْتُم فى أمرى وَعَصَيْتُمْ﴾، أى: ترَكْتُم أمرَ نبيِّكم عَّهِ، وما عهِد إليكم، يعنى: الرّماةَ ﴿مِّنْ بَعْدِ مَآ أَرَنَكُم مَّا تُحِبُّونٌَ﴾، أى: الفتحَ لا شكٌّ فيه، وهزيمةَ القومِ عن نسائهم (٤٠) وأموالهم(٤) . حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن المباركِ، [٤٦/١١ و] عن الحسنِ: ﴿مِّنْ بَعْدِ مَآ أَرَكُمْ مَّا تُحِبُّونَ﴾، يعنى: مِن الفتحِ. وقيل: معنى قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَزَعْتُمْ فِىِ الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ﴾. حتى إذا تَنَازَعْتُم فى الأمرِ فشِلْتُم وعصَيْثُم ﴿مِّنْ بَعْدِ مَآ أَرَكُم مَّا تُحِبُّونَ﴾، و(٢) أنه مِن المُقُدَّم الذى معناه التأخيرُ. وأن الواوَ أَدْخِلت فى ذلك، (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٨٦/٣ (٤٣٢٠، ٤٣٢٣) من طريق ابن أبى جعفر به مقتصرًا على أوله . (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٥/٢ إلى المصنف وابن المنذر. (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٨٨/٣ (٤٣٢٩) من طريق أحمد به . (٤) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٤، وأخرجه ابن أبى حاتم إلى قوله: ((تخاذلتم)) فى تفسيره ٧٨٦/٣ (٤٣٢١) من طريق سلمة به . (٥) سقط من : م. ١٣٩ سورة آل عمران : الآية ١٥٢ وَنَدَيْنَهُ ﴾ [ الصافات: ١٠٣ ومعناها: السقوطُ كما قيل: ﴿ فَلَمَّ أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِيِنِ ١٠٣، ١٠٤]. معناه: نادَيْناه. وهذا مَقولٌ فى ((حتى إذا)) وفى ((فلما أن)) و ((فلما)) ) ومنه قولُ اللَّهِ عز وجل: ﴿حَتََّ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوِجُ وَمَأْجُوجُ﴾. ثم قال: ﴿ وَأَقْتَرَبَ اُلْوَعْدُ الْحَقُّ ﴾ [الأنبياء: ٩٦، ٩٧]. ومعناه: اقْتَرَب. وكما قال (٢) الشاعرُ(): ورأيْتُمُ أبناءَكُمْ شَبُّوا حتى إذا قَمِلَتْ(٢) بطونُكُمُ إن اللئيمَ العاجزَ الخَبُّ وقلَبْتُمُ ظهْرَ المِجَنِّ (٤) لنا القولُ فى تأويل قوله: ﴿ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ اُلْآخِرَةٌ﴾. يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾. الذين تركوا مقعدَهم الذى أَقْعَدَهم فيه رسولُ اللَّهِ وَهِ بِالشِّعْبِ مِن أُحُدٍ لخيلِ المشركين، وَقُوا بمعسكرِ المسلمين؛ طَلَبَ النَّهْبِ، إذ رَأَوْا هزيمةَ المشركين. ﴿وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ اُلْآَخِرَةَ﴾ يعنى بذلك الذين ثبتوا مِن الرُّماةِ فى مقاعدِهم التى أقْعَدَهم فيها رسولُ اللَّهِ عِلَهُ (٥)؛ محافظةً على عهدِ رسولِ اللَّهِ عَ لَهِ " وأمرِه)، وايْتِغَاءَ ما عندَ اللَّهِ مِن الثوابٍ بذلك مِن فعلِهم ، والدارِ الآخرةِ . كما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّل، قال: ثنا أسباطُ ، (١ - ١) فى م: ((لما)). (٢) البيتان فى المقتضب ٢/ ٨١، ومعانى القرآن للفراء ١٠٧/١، ٢٣٨. (٣) فى المقتضب: ((امتلأت))، وفى س: ((ثملت)). وقملت بطونكم، أى: كثرت قبائلكم . ينظر اللسان (ق م ل). (٤) قلبتم ظهر المجن لنا ، أى : عاديتمونا بعد مودة ورعاية . (٥) بعده فى م: ((واتبعوا أمره)). (٦ - ٦) سقط من : م . ١٤٠ سورة آل عمران : الآية ١٥٢ عن السدىِّ: ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الذُّنْيَا / وَمِنكُمْ مَن يُرِيدُ الْآَخِرَةَ﴾ ١٣٠/٤ فالذين انْطَلَقوا يُرِيدون الغَنيمةَ هم أصحابُ الدنيا، والذين بَقُوا وقالوا: لا نُخالِفُ قولَ رسولِ اللهِ . أرادوا الآخرةَ. حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ مثلَه(١). حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال : سمِعْتُ أبا مُعاذٍ ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿مِنكُم مَن يُرِيدُ الذُّنْيَا وَمِنكُمْ مَن يُرِيدُ الْآَخِرَةَ﴾: فإِنَّ نبىَّ اللَّهِ أمَر يومَ أحدٍ طائفةٌ مِن المسلمين، فقال: ((كُونوا مَسْلَحةٌ(٢) للناسِ)). بمنزلةٍ أمرهم أن يَثْبُتُوا بها، وأمَرَهم ألا يَرِيمُوا(٢) مكانَهم حتى يَأْذَنَ لهم ، فلما لَقِىَ نبُ اللَّهِ يومَ أحدٍ أبا سفيانَ ومَن معه مِن المشركين، هزَمَهم نبىُ اللَّهِ عَلَهِ، فلمَّا رَأَى الْمَسْلَحةُ أن اللَّهَ هزَم المشركين، انْطَلَق بعضُهم وهم يَتَنادَوْن: الغنيمةَ الغنيمةَ لا تَفُتْكم. وثبَت بعضُهم مكانَهم، وقالوا: لا نَرِيمُ موضعَنا حتى يَأْذَنَ لنا نبىُ اللَّهِ [٤٦/١١ ظ٢ ◌ِِّ. ففى ذلك نزَل: ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الذُّنْيَا وَمِنكُمْ مَن يُرِيدُ الْآَخِرَةَ﴾. فكان ابنُ مسعودٍ يقولُ : ما شعَرْتُ أن أحدًا مِن أصحابِ النبىِّ صَ لِّ كان يُرِيدُ الدنيا وعَرَضَها حتى كان يومُ أحدٍ (٤) . حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاج، قال : قال ابنُ مجريج : قال (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٨٨/٣ (٤٣٣١) عن محمد بن سعد به . (٢) المسلحة: القوم الذين يحفظون الثغور من العدو، وسموا مسلحة لأنهم يكونون ذوى سلاح. اللسان (س ل ح). (٣) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((يبرحوا)). وهما بمعنى. (٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٦/٢ إلى المصنف.