Indexed OCR Text

Pages 581-600

٥٨١
سورة آل عمران : الآية ٩٣
الوجع، وكان لا يُؤْذيه بالنهارِ، فحلَف لئن شفاه اللَّهُ لا يأكلُ عرقًا أبدًا. وذلك قبلَ
أن تُنَزَّلَ التوراةُ، فقال اليهودُ للنبىِّ عَ ◌ّهِ: نَزَلَتِ / التوراةُ بتحريم الذى حرَّم إسرائيلُ ٤/٤
على نفسِه. قال اللَّهُ لمحمدٍ عَّهِ: ﴿قُلْ فَأَتُواْ بِالتَّوْرَنَةِ فَتْلُوهَا إِن كُنتُمْ
صَدِقِينَ﴾. وكذَبوا، ليس فى التوراةٍ(١).
قال أبو جعفرٍ : وأولى الأقوالِ فى ذلك عندَنا بالصوابِ(٢): قولُ من قال: معنى
ذلك: كلُّ الطعام كان حِلَّا لبنى إسرائيلَ مِن قبلٍ أن تنزَّلَ التوراةُ ، إلَّ ما حرَّم إسرائيلُ
على نفسِه، من غيرِ تحريم اللَّهِ ذلك عليه، فإنه كان حرامًا عليهم بتحريم أبيهم
إسرائيلَ ذلك عليهم، من غيرٍ أن يُحَرِّمَه اللَّهُ عليهم فى تنزيلٍ، ولا بوحي قبلُ
التوراةِ ، حتى نَزَّلَتِ التوراةُ، فحرَّم اللَّهُ عليهم فيها ما شاء، وأحلَّ لهم فيها ما
أَحبَّ. وهذا قولٌ قالتْه جماعةٌ من أهلِ التأويلِ، وهو معنى قولِ ابنِ عباسٍ
الذى ذكَوْناه قبلُ .
ذكرُ بعضِ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ
كَانَ حِلَّا لِبَنِىّ إِسْرَّهِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَِّيلُ عَلَى نَفْسِهِ، مِن قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ
التَّوْرَنَّةُ﴾: وإسرائيلُ هو يعقوبُ، ﴿قُلْ فَأَتُواْ بِالتَّوْرَنَّةِ فَتْلُوهَا إِن كُنتُمْ
صَدِّقِينَ﴾. يقولُ: كلُّ الطعامِ كان حِلَّا لبنى إسرائيلَ مِن قبلِ أن تُنَزَّلَ التوراةُ ، إلا
ما حرَّم إسرائيلُ على نفسِه، فلمّا أَنْزَل اللَّهُ التوراةَ حرَّم عليهم فيها (" ما شاء)، وأحلَّ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٠٦/٣ (٣٨٢٣) من طريق ابن جريج عن ابن عباس ببعضه، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٥٢/٢ إلى ابن المنذر، مطولًا .
(٢) بعده فى ص، ت١، س: (( أن)).
(٣ - ٣) فى ص، ت ١، س: ((أشياء)).

٥٨٢
سورة آل عمران : الآية ٩٣
(١)
لهم ما شاء(١).
حُدِّثت عن عمارٍ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن قتادةً بنحوِه .
واختلف أهلُ التأويلِ فى الذى كان إسرائيلُ حرَّمه على نفسِه ؛ فقال بعضُهم:
كان الذى حرَّمه إسرائيلُ على نفسِهِ العُرُوقَ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال : أخبرنا أبو بشرٍ، عن يوسفَ
ابنِ ماهَكَ ، قال : جاء أعرابىّ إلى ابنِ عباسٍ، فقال: إنه جعَل امرأته عليه حرامًا .
قال: ليست عليك بحرام. قال: فقال الأعرابىُّ: ولمَ؟ واللَّهُ يقولُ فى كتابِه :
﴿كُلُّ الطّعَامِ كَانَ حِلَّا لِبَنِىّ إِسْرَّهِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَِّيلُ عَلَى نَفْسِهِ،﴾ .
قال : فضَحِك ابنُ عباسٍ وقال : وما يُدْريك ما كان إسرائيلُ حرَّم على نفسِه ؟ قال :
ثم أَقْبَل على القومِ يُحدِّثُهم، فقال: إسرائيلُ عَرَضتْ له الأَنْساءُ(٢) فَأَضْنَتْه، فجعَل
اللَّهِ عليه، إن شفاه اللَّهُ منها لا يَطْعَمُ عِرقًا. قال: فلذلك اليهودُ تَنْزُِ العروقَ من
(٣)
اللحم(٣).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبى بشرٍ،
قال : سمِعتُ يوسفَ بنَ ماهَكَ ، يُحدِّثُ أن أعرابًا أتَى ابنَ عباسٍ ، فذكر رجلًا حرَّم
امرأته ، فقال: إنها ليست بحرام. فقال الأعرابيّ: أرأيتَ قولَ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿كُلُّ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٠٦/٣ (٣٨٢١) من طريق شيبان عن قتادة دون أوله .
(٢) الأنساء: جمع نَسَا . وتقدم تعريف عرق النسا فى ص ٥٧٨ .
(٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٠٨ - تفسير) من طريق أبى بشر به نحوه، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٥١/٢ إلی عبد بن حميد .

٥٨٣
سورة آل عمران : الآية ٩٣
الطّعَامِ كَانَ حِلَّا لِبَنِىّ إِسْرَّهِيلَ إِلَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَءِيلُ عَلَى نَفْسِهِ،﴾. فقال: إن
إسرائيلَ كان به عِرِقُ النَّسَا ، فحلَف لئن عافاه اللَّهُ ألا يأكُلَ العروقَ من اللحم . وإنها
ليست عليك بحرامٍ .
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن سليمانَ التَّيْميِّ ، عن أبى
مِْلَزٍ فى قوله: ﴿ كُلُّ / الطّعَامِ كَانَ حِلَّا لِّبَنِىَّ إِسْرَّهِ يلَ إِلَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَاءِيلُ عَلَى ٥/٤
نَفْسِهِ،﴾. قال: إن يعقوبَ أخَذه وجعُ عِرقِ النَّسَا، فجعَل للَّهِ عليه، أو (١) أَقْسَم،
أو قال: لا يَأْكُلُه من الدوابٌّ. قال: والعروقُ كلُّها تَبَعٌ لذلك العرقِ .
حدَّثْنا بشرٌ ، قال : ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن الذى
حرَّم إسرائيلُ على نفسِه، أن الأَنْساءَ أَخَذَتْه ذاتَ ليلةٍ ، فأَسْهَرتْه، فتألَّى(٢)، إنِ اللَّهُ
شفَاه لا يَطعَمُ نَسًا أبدًا. فَتَبَّعَتْ بنوه العروقَ بعدَ ذلك، يُخْرِجونها [٤٣١/١ ظ] مِن
اللحم .
حُدِّثت عن عمارٍ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ ، عن أبيه ، عن قتادةَ بنحوِه . وزاد
فيه : قال: فتأَلَّى؛ لئن شفاه اللَّهُ لا يَأْكلُ عِرقًا أبدًا. فجعَل بنوه بعدَ ذلك يَتَبَّعون
العروقَ فيُخْرِجونها من اللحم ، وكان الذى حرَّم على نفسِه مِن قبلِ أن تُنزَّلَ التوراةُ ،
العروقَ .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ ، عن
قتادةَ فى قوله: ﴿ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَءِ يلُ عَلَى نَفْسِهِ،﴾. قال: اشتكى إسرائيلُ عِرقَ
ءُ
النَّسَا، فقال: إِنِ اللَّهُ شفَانِى لَأَحَرٌمَنَّ العروقَ. فحرَّمها (١).
(١) فى ت ١، ت ٢، س: ((أن)).
(٢) أى : حلف .
(٣) تفسير عبد الرزاق ١٢٦/١.

٥٨٤
سورة آل عمران : الآية ٩٣
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال : ثنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا سفيانُ الثورىُّ،
عن حبيبٍ بنِ أبي ثابتٍ ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال : كان إسرائيلُ
أخَذه ◌ِرِقُ النَّسَا، فكان يَبِيتُ له زُقَاءٌ، فجعَل للَّهِ عليه إن شفاه ألَّ يأكُلَ العروقَ ،
فَأَنْزَل اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلَّا لِّبَنِىّ إِسْرَّهِيلَ إِلَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَِّيلُ
عَلَى نَفْسِهِ،﴾. قال سفيانُ: له زُقاءٌ، يعنى: صياحُ.
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبى نجيح،
عن مجاهدٍ ، فى قوله: ﴿ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَِّيلُ عَلَى نَفْسِهِ، ﴾. قال: كان يشتكى
عِرِقَ النَّسَا، فحرَّم العروقَ(٢) .
حدَّثنى المُثُنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال : ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحِ، عن
مجاهدٍ مثله .
حدّثنا ابنُ حُمیدٍ ، قال : حدثنا جریٌ، عن منصورٍ ، عن حبیبٍ بنِ أبی ثابتٍ ،
عن ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلَّا لِبَنِي إِسْرَّهِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ
إِسْرَِيلُ عَلَى نَفْسِهِ، مِن قَبْلِ أَنْ تُغَزَّلَ التَّوْرَنَّةٌ﴾. قال: كان إسرائيلُ يَأْخُذُهُ عِرِقُ
النَّسَا، فكان يَبيتُ وله زُقاءٌ، فحرَّم على نفسِه أن يأْكُلَ عِرقًا .
وقال آخرون : بل الذى كان إسرائيلُ حرَّم على نفسِه لحومُ الإبلِ وألبانُها .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجْ، عن ابنٍ نجريجٍ، عن
عبدِ اللَّهِ بنِ كَثِيرٍ ، قال: سمِعنا أنه اشتكى شكوى، فقالوا : إنه عرقُ النَّسَا. فقال:
(١) تفسير عبد الرزاق ١٢٦/١.
(٢) تفسير مجاهد ص ٢٥٦.

٥٨٥
سورة آل عمران : الآية ٩٣
ربِّ، إنَّ أحبَّ الطعامِ إلىَّ لحومُ الإبلِ وألبانُها، فإن شَفَيْتَنِى فإنى أَحرِّمُها علىَّ (١).
قال ابنُ نجريج: وقال عطاءُ بنُ أبى رباحٍ: لحومُ الإبلِ وألبانُها حرَّم إسرائيلُ(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ سِنانٍ ، قال: ثنا أبو بكر الحنفىُّ، قال : ثنا عبَّدٌ، عن الحسنِ
فى قوله: ﴿ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلَّا لِبَنِىٌّ إِسْرَّهِيلَ﴾. قال: كان إسرائيلُ حرَّم
على نفسِه لحومَ الإبلِ، وكانوا يزعمون أنهم يجدون فى التوراةِ تحريمَ إِسرائيلَ على
نفسِه لحومَ الإبلِ، وإنما كان حرَّم إسرائيلُ على نفسِه لحومَ الإبلِ / قبلَ أن تُنَزَّلَ ٦/٤
التوراةُ ، فقال اللَّهُ: ﴿فَأَتُواْ بِالتَّوْرَنَةِ فَتْلُوهَا إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ﴾. فقال: لا
تجدون فى التوراةٍ تحريمَ إسرائيلَ على نفسِه، أىْ (١ لحمَ الإبلِ.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال : ثنا يحيى بنُ سعيدٍ ، قال : ثنا سفيانُ ، قال: ثنا
حبيبُ بنُ أبي ثابتٍ، قال: ثنا سعيدٌ . عن ابنِ عباسٍ، أن إسرائيلَ أخَذه ◌ِرقُ
النَّسَا، فكان يَبِيتُ بالليلِ له زُقاءٌ. يعنى: صياح. قال: فجعَل على نفسِه لئن شَفَاه
اللَّهُ منه لا يَأْكُلُه، يعنى لحومَ الإبلِ. قال: فحرَّمه اليهودُ. وتلا هذه الآيةَ: ﴿كُّ
اُلْطَّعَامِ كَانَ حِلَّا لِبَنِىّ إِسْرَّهِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَءِيلُ عَلَى نَفْسِهِ، مِن قَبْلِ أَنْ تُغَزَّلَ
التَّوْرَنَّةُ قُلْ فَأَتُواْ بِالتَّوْرَنَةِ فَتْلُوهَا إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ﴾. أىْ: إِنَّ هذا قبلَ
(٤)
التوراةٍ() .
حدَّثنا أبو كُرِيبٍ ، قال : ثنا يحيى بنُ عيسى ، عن الأعمشِ، عن حَبيبٍ ، عن
(١) ذكره أبو حيان فى البحر المحيط ٣/٣ عن عبد الله بن كثير.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٢/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر عن عطاء.
(٣) فى النسخ: ((إلا)). وهو ما لا يستقيم مع السياق المذكور فى بقية الأثر قبل هذه اللفظة، والمثبت ما
يستقيم به السياق . وهو صنيع الشيخ شاكر رحمه اللَّه.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٠٥/٣ (٣٨١٨)، والحاكم ٢٩٢/٢، والبيهقى ٨/١٠ من طريق
يحيى بن سعيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥١/٢ إلى عبد بن حميد والفريانى وابن المنذر.

٥٨٦
سورة آل عمران : الآية ٩٣
سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ فى: ﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَءِيلُ عَلَى نَفْسِهِ، ﴾. قال:
حرَّم العروقَ ولحومَ الإبلِ . قال : كان به عِرِقُ النَّسَا، فأكّل مِن لحومِها ، فبات بليلةٍ
يَزْقو، فحلَف أَلَّ يأكُلَه أبدًا (١).
حدَّثنا أبو كُرِيبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ فی
قوله: ﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَِّيلُ عَلَى نَفْسِهِ،﴾. قال: حرَّم لحومَ(٢) الأنعامِ(٣) .
قال أبو جعفرٍ: وأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ قولُ ابنِ عباس الذى رواه
الأعمشُ، عن حبيبٍ، عن سعيدٍ عنه، أن ذلك العروقُ ولحومُ الإبل؛ لأن
اليهودَ مُجْمِعةٌ إلى اليوم على ذلك من تحريمِهما، كما كان عليه من ذلك
أوائلُها .
وقد رُوى عن رسولِ اللَّهِ مَّهِ بنحوِ ذلك خبرٌ، وهو ما حدَّثنا به أبو
كُريبٍ ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، عن عبد الحميدِ بنِ بَهْرامَ، عن شهرِ بنِ حَوْشَبٍ،
عن ابنِ عباسٍ، أن عِصابةٌ من اليهودِ حَضَرتْ رسولَ اللّهِ يَّامٍ، فقالوا: يا أبا
القاسم، أخبرنا أَّ الطعامِ حرَّم إسرائيلُ على نفسِه مِن قبل أن تُنَزَّلَ التوراةُ؟
فقال رسولُ اللَّهِ ◌َِّّهِ: ((أَنْشُدُكم بالَّذِى أَنْزَل التوراةَ على موسى، هل
تَعْلَمون أن إسرائيلَ يعقوبَ مَرِض مرضًا شديدًا، فطال سُقْمُه منه، فتَذَر للَّهِ
نَذْرًا؛ لئن عافاه اللَّهُ من سُقْمِه، لَيُحَرِّمَنَّ أَحبَّ الطعامِ والشرابِ إليه، وكان
أحبَّ الطعامِ إليهِ لُحْمانُ الإبلِ، وأحبَّ الشرابِ إليه ألبانُها ))؟ فقالوا: اللَّهمَّ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٠٥/٣ (٣٨١٨) من طريق الأعمش به .
(٢) فى ص: ((لحم)) .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٠٥/٣ (٣٨٢٠) من طريق وكيع به .

٥٨٧
سورة آل عمران : الآيتان ٩٣ ، ٩٤
(١)
نعم (١).
وأمَّا قولُه: ﴿قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَثَةِ فَتْلُوهَا إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ﴾. فإن معناه :
قل يا محمدُ للزاعِمين من اليهودِ أن اللَّهَ حرَّم عليهم فى التوراةِ العروقَ ولحومَ الإبلِ
وألبانَها ﴿ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَثَةِ فَتْلُوهَا﴾. [٤٣٢/١و] يقولُ: قل لهم: جِيئوا بالتوراةِ
فاتْلُوها ، حتى يتبيَّنَ لمن خفِى عليه كَذِبُهم ، وقيلُهم الباطلَ على اللَّهِ من أمرِهم ، أن
ذلك ليس مما أَنْزَلُه فى التوراةِ ﴿إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ﴾. يقولُ: إن كنتم محقِّين
فى دَعْواكم أن اللَّهَ أَنْزَل تحريمَ ذلك فى التوراةِ ، فَأَتُونا بها ، فاتْلُوا تحريمَ ذلك علينا
منها .
وإنما ذلك خبرٌ من اللَّهِ عن كَذِيِهم ؛ لأنهم لا يَجِيئون بذلك أبدًا على صخَّتِه،
فَأَعْلَمَ اللَّهُ بكذبِهِم عليه نبيَّه ◌ِلَّه، وجعَل إعلامَه إِيَّه ذلك حجّةٌ له عليهم؛ لأن
ذلك إذا كان يَخْفَى على كثيرٍ من أهلِ ملَتِهم، فمحمدٌ عَلَّه - وهو ◌ُمىّ من
غيرِ مَّتِهم، لولا أن اللَّهَ أَعْلَمَه ذلك بوحي مِن عندِه - كان أَحْرَى ألا يَعْلَمَه،
فكان فى ذلك له ◌َّمِ من أعظم الحجَّةِ عليهم بأنه نبيٌ للَّهِ إليهم ؛ لأن ذلك من أخبارٍ
أوائلِهم، كان من خَفِىٌّ علومِهم الذى لا يعلَمُه غيرُ خاصَّةٍ منهم ، إلَّا من أَعْلَمَه الذى
لا يَخْفَى عليه خافيةٌ؛ مِن نبيِّ أو رسولٍ، أو مَن أَطْلَعه اللَّهُ على علمِه ممَّن شاء مِن
خَلْقِه .
٦/٤
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ فَمَنِ اُفْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ
اُلََّلِمُونَ(
٩٤
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣/ ٧٠٤، ٧٠٥ (٣٨١٦)، والطبرانى فى الكبير (١٣٠١٢) من طريق
عبد الحميد بن بهرام به .

٥٨٨
سورة آل عمران : الآيتان ٩٤ ، ٩٥
يعنى جلَّ ثناؤه بذلك: فمَن كَذَب على اللَّهِ منَّا ومنكم، مِن بعدٍ مجيئِكم
بالتوراةٍ ، وتلاوتِكم إيَّها، وعَدَمِكم ما ادَّعَيْثُم من تحريم اللَّهِ العروقَ ولحومَ الإبلِ
وألبانَها فيها، ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الَّلِمُونَ ﴾ يعنى: فَمَن فَعَل ذلك منهم ﴿فَأُؤْلَئِكَ ﴾
يعنى: فهؤلاء الذين يفعلون ذلك ﴿هُمُ الَّلِمُونَ﴾. يعنى: فهم الكافرون القائلون
على اللَّهِ الباطلَ .
كما حدَّثنا المُثَنَّى ، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن زكريا ،
عن الشعبىِّ: ﴿فَأُؤْلِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. قال: نَزَلتْ فى اليهودِ .
القولُ فى تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿ قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَأَنَِّعُواْ مِلَّةَ إِنْزَهِيَمَ حَنِيفًا وَمَا
٩٥
كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: قل يا محمدُ : صدَق اللَّهُ فيما أَخْبَرنا به من قولِه :
كُلُّ الطّعَامِ كَانَ حِلَّا لِّبَنِىِّ إِسْرَّهِيلَ﴾. وأن اللَّهَ لم يُحرِّمْ على إسرائيلَ ولا
على ولدِهِ العروقَ ولا لحومَ الإبلِ وألبانَها، وأن ذلك إنما كان شيئًا حرَّمه
إسرائيلُ على نفسِه وولدِه بغيرِ تحريم اللَّهِ إِيَّاه عليهم فى التوراةِ، وفى كلِّ ما
أَخْبَر به عبادَه من خبرٍ، دونَكم أنتم يا معشرَ اليهودِ الكَذَبةِ فى إضافتِكم تحريمَ
ذلك إلى اللَّهِ عليكم فى التوراةِ، المفتريةِ على اللَّهِ الباطلَ فى دعْوَاكم عليه غيرَ
الحقِّ. ﴿ فَتَبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَهِيَمَ حَنِيفًا﴾. يقولُ: فإن كنتم أيُّها اليهودُ محقِّين فى
دعْوَاكم أنكم على الدينِ الذى ارْتَضاه اللَّهُ لأنبيائِه ورسلِه، فاتبعُوا ملةَ إِبراهيمَ خليلٍ
اللَّهِ ، فإنكم تعلَمون أنه الحقُّ الذى ارْتَضاه اللَّهُ من خلقِه دينًا ، وابْتَعَث به أنبياءَه ،
وذلك الحنيفيَّةُ، يعنى : الاستقامةَ على الإسلامِ وشرائعِه، دونَ اليهوديةِ والنصرانيةِ
والمُشْرِكةِ .

٥٨٩
سورة آل عمران : الآيتان ٩٥ ، ٩٦
وقولُه: ﴿ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ يقولُ: لم يكنْ يُشْرِكُ فى عبادتِه أحدًا من
خلقِه ، فكذلك أنتم أيضًا أيها اليهودُ ، فلا يَتَّخِذْ بعضكم بعضًا أربابًا من دونِ اللَّهِ ،
تُطيعونهم كطاعةِ إبراهيمَ ربَّه. وأنتم يا معشرَ عَبَدةِ الأوثانِ، فلا تَّخذوا الأوثانَ
والأصنامَ أربابًا، ولا تعبدوا شيئًا من دونِ اللَّهِ؛ فإن إبراهيمَ خليلَ الرحمنِ كان دينُه
إخلاصَ العبادةِ لربِّه وحدَه، من غيرِ إشراكِ أحدٍ معه فيه، فكذلك أنتم أيضًا ،
فَأَخْلِصوا له العبادةَ، ولا تشركوا معه فى العبادةِ أحدًا، فإن جميعَكم مُقِرُّون
بأن إبراهيمَ كان على حقٍّ وهَدْي مستقيم، فاتَّبِعوا ما قد أجْمَع جميعُكم على
تَصْويِه /من مَّتِه الحنيفيَّةِ، ودَعُوا ما اخْتَلَفتم فيه من سائرِ المللِ غيرِها، أيها ٧/٤
الأحزابُ، فإنها بِدَعُ ابْتَدَعْتُموها، إلى ما قد أَجْمَعتم عليه أنه حقٌّ، فإن الذى
أَجْمَعتم عليه أنه صوابٌ وحقٌّ من ملةِ إبراهيمَ ، هو الحقُّ الذى ارْتَضَيْتُه ، وابْتَعثتُ به
أنبيائِى ورسلِى ، وسائرُ ذلك هو الباطلُ الذى لا أقبَلُه من أحدٍ مِن خَلْقی جاءنى به يومَ
القيامةِ .
وإنما قال جلَّ ثناؤه: ﴿ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. يعنى به: وما كان من
عَدَدِهم وأوليائِهم . وذلك أن المشركين بعضُهم من بعضٍ فى التَّظاهُرِ على كفرِهم،
ونُصْرةِ بعضِهم بعضًا، فبرَّأ اللَّهُ إبراهيمَ خليلَه أن يكونَ منهم، أو من ١) نُصَرائِهم
وأهلِ ولايتِهم. وإنما عنَى جلَّ ثناؤه بالمشركين: اليهود والنصارى وسائرَ الأديانِ
غيرِ الحنيفيَّةِ . قال: لم يكنْ إبراهيمُ من أهلِ هذه الأديانِ المشركةِ ، ولكنه كان حنيفًا
مسلمًا .
القولُ فى تأويل قوله : ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بَِّّةَ مُبَارَكًا وَهُدَّى
لِلْعَلَمِينَ
(١) زيادة يقتضيها السياق .
٠

٥٩٠
سورة آل عمران : الآية ٩٦
اختلف أهلُ التأويل فى تأويل ذلك ؛ فقال بعضُهم : تأويلُه : إن أولَ بیتٍ وُضِع
للناسِ يُعْبَدُ اللَّهُ فيه مُبارَكًا وهدى للعالمين الذى يبكّةً. قالوا: وليس هو أولَ بيتٍ
وُضِع فى الأرضِ ؛ لأنه قد كانت قبلَه بيوتٌ كثيرةٌ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا هنَّدُ بنُ الشَّرِىِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سِماكٍ، عن خالدِ بنِ
عُرْعُرةَ ، قال : قام رجلٌ إلى علىّ، فقال: ألا تُخْبرُنى عن البيتِ، أَهو أولُ بيتٍ وُضِع
فى الأرضِ؟ فقال: لا، ولكنَّه أولُ بيتٍ وُضِع [٤٣٢/١ظ] فيه (١) البركةُ، مَقامُ
إبراهيمَ، ومَن دخَلَه كان آمنًا(٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن
سِماكٍ، قال: سمِعتُ خالدَ بنَ عُرْعُرةَ ، قال: سمِعتُ عليًّا وقيل له: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ
وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِّكَّةَ﴾: هو أولُ بيتٍ كان فى الأرضِ؟ قال: لا . قال: فأين
كان قومُ نوحٍ، وأين كان قومُ هُودٍ؟ قال : ولكنه أولُ بيتٍ وُضِع للناسِ مباركًا
(٢)
وهُدّى(٢) .
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةً، عن أبى رَجاءٍ ، قال: سأل حفصٌ الحسنَ
وأنا أسمَعُ، عن قولِه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِّكَّةَ مُبَارَكًا﴾ . قال : هو
أولُ مسجدٍ عُبِد اللَّهُ فيه فى الأرضِ.
حدَّثنا عبدُ الجَّارِ بنُ يحبى الرَّمْلُّ، قال: ثنا ضَمْرةُ، عن ابنِ شَؤْذَبٍ ، عن مَطَرِ
(١) فى النسخ: ((فى)). والمثبت مما تقدم فى ٢ / ٥٦١.
(٢) تقدم تخريجه فى ٢ /٥٦٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧١٠/٣ (٣٨٣٩) من طريق سماك به .

٥٩١
سورة آل عمران : الآية ٩٦
فى قوله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَّةَ﴾ . قال: قد كانت قبلَه بيوتٌ ،
ولكنه أولُ بيتٍ وُضِع للعبادةِ(١) .
حدَّثنى محمدُ بنُ سِنانٍ ، قال : ثنا أبو بكرِ الحَنَفىُ ، قال : ثنا عبَادٌ ، عن الحسنِ
قولَه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾: يُعبَدُ اللَّهُ فِيه ﴿لَلَّذِى بِبَكَّةَ﴾(١).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال : ثنا الحِمَّانِىُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن سالم، عن سعيد
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبََّّةَ مُبَارَكًا﴾ قال: وُضِع للعبادةِ .
٨/٤
/وقال آخرون: بل هو أولُ بيتٍ وُضِع للناسِ. ثم اخْتَلَف قائلو ذلك فى
صفةٍ وضعِه أولَ؛ فقال بعضُهم: خُلِقٍ قبلَ جميع الأَرَضين، ثم دُحِيَتِ الأَرَضون
مِن تحتِه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عُمارةَ الأَسَدِىُّ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى ، قال : أخبرنا
شيبانُ ، عن الأعمشِ، عن بُكيرِ بنِ الأَخْنسِ، عن مجاهدٍ ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو،
قال : خلَق اللَّهُ البيتَ قبلَ الأرضِ بألفى سنةٍ ، وكان - إذا كان عرشُه على الماءِ -
زَبْدَةً بيضاءً، فدُحيت الأرضُ من تحتِه (٢) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ الملكِ بنِ أبى الشَّواربِ ، قال : ثنا عبدُ الواحدِ بنُ زیادٍ ،
قال : ثنا خُصيفٌ ، قال : سمِعتُ مجاهدًا يقولُ : إن أولَ ما خلَق اللَّهُ الكعبةُ ، ثم
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٢/٢ إلى المصنف.
(٢) أخرجه الحاكم ٢/ ٥١٨، والبيهقى فى دلائل النبوة ٤٤/٢، وفى الشعب (٣٩٨٣) من طريق مجاهد به
نحوه، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٢/٢ إلى ابن المنذر والطبرانى.

٥٩٢
سورة آل عمران : الآية ٩٦
دحًا الأرضَ مِن تحتِها (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن ابنٍ أبى نجيح ،
عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ : كقولِه:
﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
حدَّثنى محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُدىّ: ﴿إِنَّ أَوَّلَ
بَيّتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَّةَ مُبَارَكًا وَهُدَّى لِلْعَلَمِينَ﴾: أمَّا ﴿ أَوَّلَ بَيْتٍ ﴾ فإنه يومَ
كانت الأرضُ ماءً، كان زَبْدَةً على الأرضِ، فلما خلَق اللَّهُ الأرضَ خلَق البيتَ
معها ، فهو أولُ بيتٍ وُضِع فى الأرضِ(٣).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةً فى قوله: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾. قال : أولُ بيتٍ
وضَعه اللَّهُ عزَّ وجلَّ فطاف به آدمُ ومَن بعدَهُ(٤) .
وقال آخرون : موضعُ الكعبةِ موضعُ أولٍ بيتٍ وضَعه اللَّهُ فى الأرضِ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ذُكِر لنا أن البيتَ هَبَط
(١) ذكره البغوى فى تفسيره بنحوه ٢/ ٧٠.
(٢) أخرجه الأزرقى فى أخبار مكة ٤٠/١ من طريق آخر، عن مجاهد، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٢/٢
إلی عبد بن حميد .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٠٧/٣ (٣٨٢٨) من طريق أحمد بن المفضل به نحوه، وعنده: على
البحر. بدل : على الأرض .
(٤) تفسير عبد الرزاق ١٢٦/١، ١٢٧.

٥٩٣
سورة آل عمران : الآية ٩٦
مع آدمَ حينَ هبَط . قال: أَهْبِطُ معك بَيْتِى يُطافُ حولَه، كما يطافُ حولَ عرشى .
فطاف حولَه آدمُ ، ومن كان بعدَه من المؤمنين، حتى إذا (٩) كان زمنُ الطَّوفانِ - زمنَ
أَعْرَق اللَّهُ قومَ نوح - رفَعه اللَّهُ وطهَّره من أن يُصِيبَه عقوبةُ أهلِ الأرضِ، فصار
معمورًا فى السماءِ، ثم إن إبراهيمَ تَتَبَّع منه أثرًا بعدَ ذلك ، فبناه على أساسٍ قديم كان
قبلَهُ(٢).
والصوابُ من القولِ فى ذلك ما قال جلَّ ثناؤه فيه: إن أولَ بيتٍ مباركٍ وهُدِّى
وُضِع للناسِ للَّذى بيكّةً. ومعنى ذلك: إن أولَ بيتٍ وُضِع للناسِ ؛ أى لعبادةِ اللَّهِ
فيه، ﴿ مُبَارَكًا وَهُدِّى﴾، يعنى بذلك: ومَآبَا لنُسُكِ الناسِكين، وطَوافِ الطائِفين،
تعظيمًا للَّهِ، وإجلالاً له، للَّذى بيكّةَ؛ لصحَّةِ الخبرِ بذلك عن رسولِ اللَّهِ عِ له.
وذلك ما حدَّثنا به محمدُ بنُ المُثَنَّى ، قال : ثنا ابنُ أبي عَدِىٌّ، عن شُعْبةَ ، عن
سليمانَ ، عن إبراهيمَ التَّيْمِىّ، عن أبيه، عن أبى ذرٍّ، قال: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، أَىُّ
مسجدٍ وُضِع أوَّلَ؟ قال: ((المسجدُ الحرامُ)). قال: ثم أىٌّ؟ قال: ((المسجدُ
الأَقْصَى )). قال: كم بينَهما؟ قال: ((أربعون سنةً))(٣).
فقد بيَّن هذا الخبرُ عن رسولِ اللهِ ◌َّهِ أن المسجد الحرامَ هو أولُ مسجدٍ وضَعه
اللَّهُ فى الأرضِ، على ما قلنا. فأمَّا فى مَوْضِعِه (٢) بيتًا بغيرِ معنى بيتٍ للعبادةِ والهُدى
والبركةٍ ، ففيه من الاختلافِ ما قد ذكرتُ بعضَه فى هذا الموضع، وبعضَه فى سورةٍ
٩/٤
(١) فى م: ((إذ)).
(٢) أخرجه الأزرقى فى أخبار مكة ١٢/١ من طريق معمر، عن قتادة بنحوه مختصرًا .
(٣) أخرجه ابن حبان (١٥٩٨) من طريق ابن أبى عدى به، وأخرجه الطيالسى (٤٦٤)، وأحمد ١٦٠/٥،
١٦٦، ١٦٧ (الميمنية)، وأبو عوانة ٣٩٢/١ من طريق شعبة به .
(٤) فى م، ت ٢: ((وضعه)). والمثبت هو لفظ المصنف الذى ذكره فى ٢/ ٥٥٢.
( تفسير الطبرى ٣٨/٥ )

٥٩٤
سورة آل عمران : الآية ٩٦
((البقرة)) ) وغيرِها مِن سُورِ القرآنِ، وبيَّنتُ الصوابَ من القول عندنا فى ذلك ، بما
أغنى عن إعادتِه فى هذا الموضعِ .
وأما قولُه: ﴿لَلَّذِى بِّكَّةَ مُبَارَكًا﴾. فإنه يعنى: لَلْبِيتُ الذى بُمْدَحَمِ الناسِ؛
لطوافِهم فى حَجّهم وعُمَرِهم .
وأصلُ البَكِّ الرَّحْمُ. يقالُ منه : بكَّ فلانٌ فلانًا. إذا زحَمه (٢ وصدَمه٢).
فهو يَبْكُّه بَكًّا. وهم يَتَبَاكُّون فيه. يَعْنى به: يَتَزاحَمون ويَتَصادَمون فيه .
فكأنَّ ((بَكَّةَ)) فَعْلَةٌ، مِن: بكَّ فلانٌ فلانًا: زَحَمه(٣) . سُمّيت البقعةُ بفعلِ الْمُزْدَحِمِين
بها .
فإذا كانت بكّةُ ما وَصَفْنا، وكان موضعَ ازْدِحامِ الناسِ حولَ البيتِ،
وكان لا طَوافَ يجوزُ خارج المسجدِ ، كان معلومًا بذلك أَنْ يكونَ ما حولَ
الكعبةِ مِن [٤٣٣/١و] داخلِ المسجدِ، وأنَّ ما كان خارجَ المسجدِ فـ ((مكةُ))
لا ((بكةُ))؛ لأنه لا معنى خارجَه يُوجبُ على الناسِ الَّاكٌ فيه. وإذا كان ذلك
كذلك، كان بيِّنَا بذلك فسادُ قولٍ مَن قال: بكةُ اسمٌ لبطنٍ مكةً. ومكةُ اسمُ
(٤)
.
للخرَم
(١) ينظر ما تقدم فى ٥٤٩/٢ - ٥٥٦ .
(٢ - ٢) فى ص، س: ((صدمةٌ أو زحمةً)).
(٣) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((من زحمة)).
(٤) بعده فى ص: ((يتلوه ذكر من قال فى ذلك ما قلنا، من أن بكة موضع مزدحم الناس للطواف.
والحمد لله على عونه وإحسانه - وصلى اللَّه على محمد وآله الطاهرين وسلم تسليما. بسم الله الرحمن
الرحیم. رب یسر. أخبرنا أبو بكر محمد بن داود بن سلیمان البغدادی قال: حدثنا محمد بن جرير)).
وبعده فى ت ١، س: ((أخبرنا أبو بكر محمد بن داود بن سليمان البغدادى، قال : حدثنا محمد بن
جرير رحمه اللّه)).

٥٩٥
سورة آل عمران : الآية ٩٦
ذكرُ مَن قال فى ذلك ما قلنا؛
مِن أن بكَّةَ موضعُ مُزْدَحَمِ الناسِ للطوافِ
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن محُصينٍ، عن أبى مالكٍ
الغِفَارِىِّ فى قولِهِ : ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِّكَّةَ﴾ . قال : بكّةُ موضعُ
البيتِ ، ومكةُ ما سوى ذلك(١).
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا مغيرةُ، عن إبراهيمَ مثلَه(١).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال : ثنا حكّامٌ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن أبى جعفرٍ ،
قال : مرَّتِ امرأةٌ بينَ يَدْى رجلٍ وهو يصلِّى وهى تطوفُ بالبيتِ ، فدَفَعها. قال
أبو جعفرٍ: إنها بكَّةُ ، يَبْكُ بعضُها بعضًا(٣).
حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى ، قال : ثنا عبدُ الصمدِ ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن
مجاهدٍ ، قال: إنما سُمّيت بكَّةَ لأن الناسَ يَتَبَاكُون فيها؛ الرجالُ والنساءُ(٤).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن حمادٍ ، عن سعيدٍ ، قال :
قلتُ: لأىِّ شىءٍ سمّيت بكَّةَ؟ قال: لأنهم يَتَبَاكُون فيها. قال: يعنى:
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ص ٢٩٠ (القسم الأول من الجزء الرابع)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٠٩/٣
(٣٨٣٦)، من طريق حصين به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٣/٢ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد.
(٢) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٥٠٩ - تفسير)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٠٩/٣ (٣٨٣٨) من
طريق مغيرة به .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٠٨/٣ (٣٨٣٢) من طريق عمرو به ، وفيه : بعضهم بعضا .
(٤) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٥١٤ - تفسير)، والبيهقى فى الشعب (٤٠١٦) من طريق شعبة به
بلفظ آخر، وأخرجه ابن أبى شيبة ص ٢٩٠، ٢٩١ ( القسم الأول من الجزء الرابع ) من طريق الحكم عن
مجاهد .

٥٩٦
سورة آل عمران : الآية ٩٦
يَزْدَحِمون(١).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا أبى، عن سفيانَ ، عن الأسودِ بنِ قيسٍ ، عن أخيه،
عن ابنِ الزُّبيرِ، قال: إنما سُمِّيت بكَّةَ لأنهم يَأْتونها حُجَاجًا(٢).
حدَّثْنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ
وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَّكَّةَ مُبَارَكًا﴾: فإن اللَّهَ بكَّ به الناسَ جميعًا، فيصلِّى النساءُ
قُدَّامَ الرجالِ ، ولا يَصْلُعُ يبلدٍ غيرِه (٢) .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ: ((بكَّةُ))؛ بكَّ الناسُ بعضُهم بعضًا، الرجالُ والنساءُ يصلِّى بعضُهم بينَ يَدَىْ
بعضٍ، لا يَصْلُحُ ذلك إلا بمكةً(٤).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا أبى، عن فُضيلٍ بنٍ مرزوقٍ ، عن عطيةَ العَوْفِىِّ،
قال: بكَّةُ موضعُ البيتِ، ومكَّةُ ما حولَها (٥) .
١٠/٤
احدّثنی یونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهب، قال : أخبرنی یحیی بنُ أَزْهَرَ، عن
غالبٍ بنِ عُبيدِ اللَّهِ ، أنه سأَل ابنَ شِهابٍ عن بكَّةَ، قال: بَكَّةُ البيتُ والمسجدُ . وسأَله
(١) فى م: ((يتزاحمون)).
والأثر أخرجه ابن أبى شيبة ص ٢٩٠ ( القسم الأول من الجزء الرابع ) عن وكيع به ، وأخرجه سعيد بن
منصور (٥١١ - تفسير) من طريق سفيان به، دون آخره .
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ص ٢٩٠ (القسم الأول من الجزء الرابع) ، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٠٨/٣
(٣٨٣٠) من طريق وكيع به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٣/٢ إلى ابن المنذر.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٠٩/٣ (٣٨٣٣)، والبيهقى فى الشعب (٤٠١٥) من طريق سعيد به ،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٣/٢ إلى عبد بن حميد.
(٤) تفسير عبد الرزاق ١٢٦/١، ١٢٧.
(٥) أخرجه ابن أبى شيبة ص ٢٩١ ( القسم الأول من الجزء الرابع ) عن وكيع به .

٥٩٧
سورة آل عمران : الاية ٩٦
عن مكَّةَ، فقال ابنُ شِهابٍ: مَكَّةُ الحرمُ كلُّه(١).
حدَّثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا حجَّاجْ، عن عطاءٍ ومجاهدٍ ،
قالا : بكَّةُ بكَّ فيها الرجالُ والنساءُ(١) .
حدَّثنى عبدُ الجبارِ بنُ يحيى الرَّمْلىُّ، قال: قال ضَمْرةُ بنُ ربيعةَ: بَكَّةُ المسجدُ ،
ومكَّةُ البيوتُ(٣) .
وقال بعضُهم بما حدَّثنى به يحيى بنُ أبى طالبٍ ، قال : أخبرنا يزيدُ ، قال :
أخبرنا جُوييٌ، عن الضخَاكِ فى قوله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبِّكَّةَ﴾ .
قال: هى مكَّةُ(٤).
وقيل: ﴿ مُبَارَكًا﴾؛ لأن الطوافَ به مغفرةٌ للذنوبِ .
فأما نصبُ قولِه: ﴿ مُبَارَكًا﴾. فإنه على الخروجِ(٥) من قوله: ﴿وُضِعَ﴾؛
لأن فى ﴿وُضِعَ﴾ ذِكْرًا مِن ((البيتِ)) هو به مشغولٌ، وهو معرفةٌ، و((مبارَكٌ))
نكرةٌ لا يَصْلُحُ أن يَتْبَعَه فى الإعرابِ(١) .
وأمّا على قولٍ مَن قال: هو أوَّلُ بيتٍ وُضِع للناسِ - على ما ذَكَوْنا فى
ذلك قولَ مَن ذكَرْنا قولَه - فإنه نَصْبٌ على الحالِ من قولِه: ﴿لَلَّذِى
بَكَّةَ﴾؛ لأن معنى الكلام على قولهم: إن أوَّلَ بيتٍ وُضِع للناسِ البيتُ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٣/٢ إلى المصنف.
(٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٠٩/٣ عقب الأثر (٣٨٣٣) عن مجاهد معلقا .
(٣) ذكره الطوسى فى التبيان ٥٣٥/٢.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٣/٢ إلى المصنف.
(٥) الخروج : النصب على الحال . مصطلحات النحو الكوفى ص ٥٩ .
(٦) ينظر ما تقدم فى ص ٥٧٢.

٥٩٨
سورة آل عمران : الآيتان ٩٦، ٩٧
الذى (١) ببكَّةَ مباركًا. فـ((البيتُ)) عندَهم من صفتِه(٢) ((الذى بيكَّةَ))، و((الذى))
بصِلَتِهِ معرفةٌ، و((المباركُ)) نكرةٌ ، فتُصِب على القطع منه فى قولِ بعضِهم، وعلى الحالِ
فى قولِ بعضِهم، ﴿وَهُدِّى﴾ فى موضعِ نصبٍ على العطفِ على قوله: ﴿ مُبَارَكًا﴾.
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿فِيهِ ءَايَتُ بِنَكٌ﴾ .
اخْتَلَفت القرَأَةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرأه قرأةُ الأمصارِ: ﴿فِيهِ ءَايَتُ بَيْنَكٌ﴾ على
جِماعِ ((آيةٍ)) ، بمعنى : فيه علاماتٌ بِيِّناتٌ .
وقرأ ذلك ابنُ عباس : (فِيهِ آيَةٌ بَيِّنةٌ) . يعنى بها : مقام إبراهيمَ . يُرادُ بها علامةٌ
م.(٣)
واحدةٌ(٣) .
ثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ قولِه: ﴿فِهِ ءَايَتُ بِيِنَكٌ﴾. وما تلك
الآياتُ؟ فقال بعضُهم: مَقامُ إبراهيمَ والمَشْعِرُ ، ونحو ذلك.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فِيهِ ءَايَتٌ بَيْنَكُ﴾: مَقامُ إبراهيمَ والْمَشْعُ(٥).
حدَّثنا الحسنُ(١) بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةً ومجاهدٍ : ﴿فِيهِ مَايَتُ بَيْنَكُ مَّقَامُ إِبْرَهِيمٌ ﴾ قالا: مقامُ إبراهيمَ من الآياتِ
(١) زيادة لابد منها ليستقيم السياق.
(٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س: ((صفة)).
(٣) ينظر تفسير ابن أبى حاتم ٧١١/٣ (٣٨٤٧)، والتبيان ٥٣٧/٢.
(٤) بعده فى م، ت ٢: ((الحرام)) .
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧١٠/٣ (٣٨٤٤) عن محمد بن سعد به .
(٦) فى النسخ: ((إسحاق)). وهو خطأ، وتقدم مرارًا.

٥٩٩
سورة آل عمران : الآية ٩٧
(١)
البيّنات
.
وقال آخرون: الآياتُ البيّناتُ مقامُ إبراهيمَ، ﴿ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنَاً ﴾
/ذكر من قال ذلك
١١/٤
حدَّثنى محمدُ بنُ سِنانٍ ، قال: ثنا أبو بكر الحنفىُ، قال : ثنا عَبَّادٌ، عن الحسنِ
فى قوله: ﴿فِهِ ءَايَتُ بَيِّنَكُ﴾. قال: مَقامُ إبراهيمَ، ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنَّاً﴾(١).
وقال آخرون : الآياتُ البيّناتُ هو مقامُ إبراهيمَ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُّدِّىِّ قوله: ﴿فِهِ ءَايَتُ بَيِنَكُ مَّقَامُ إِبْرَهِيمٌ﴾: أما ((الآياتُ البيناتُ)) فمقامُ
إبراهيمَ .
وأما الذين قرَءوا ذلك: (فيه آيةٌ بيّنةٌ) (٢) على التوحيدِ، فإنهم عَنَوا بالآيةِ البيّنةِ
مقامَ إبراهيمَ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا محمدُ [٤٣٣/١ظ] بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن ابنٍ
(١) تفسير عبد الرزاق ١٢٧/١.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٤/٢ إلى عبد بن حميد.
وقال الزمخشرى : ويجوز أن تذكر فيه آيات بينات مقام إبراهيم وأمن من دخله ؛ لأن الاثنين نوع من الجمع
كالثلاثة والأربعة ، ويجوز أن تذكر هاتان الآيتان ويطوى ذكر غيرهما دلالة على تكاثر الآيات، كأنه قيل : فيه
آيات بينات مقام إبراهيم وأمن من دخله وكثير سواهما . الكشاف ١/ ٤٤٧.
(٣) وهى قراءة شاذة لم يقرأ بها أحد من القراء العشرة .

٦٠٠
سورة آل عمران : الآية ٩٧
أبى نَجَيح، عن مجاهدٍ: ﴿فِيهِ ءَايَتُ بَيْنَكُ﴾. قال: قدَماه فى المَقَامِ آيَةٌ بيّةٌ .
يقولُ: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنَا﴾. قال: هذا شىءٌ آخرُ(١).
حُدِّثت عن عمارٍ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ ، عن أبيه ، عن ليث ، عن مجاهدٍ :
( فِيهِ آيَةٌ بَيِّنَةٌ مَقامُ إِبْرَاهِيمَ ) قال: أَثْرُ قدميْه فى المقامِ آيَةٌ بِيَّةٌ .
وأولى الأقوالِ فى تأويلِ ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال : الآياتُ البيّناتُ منهن
مقامُ إبراهيمَ. وهو قولُ قتادةَ ومجاهدٍ ، الذى رواه معمرٌ عنهما، فيكونُ الكلامُ
مرادًا فيه(٢) .
(١) ((منهن))، فترَكَ ذِكْرَه اكتفاءً بدَلالةِ الكلامِ عليها .
فإن قال قائلٌ : فهذا المقامُ من الآياتِ البيّناتِ ، فما سائرُ الآياتِ التى من أجلِها
قيل: ﴿ءَايَتُ بَيِّنَكٌ﴾؟
قيل : منهن المقامُ، ومنهن الحجَرُ، ومنهن الحَظِيمُ.
وأصحُ القراءتين فى ذلك قراءةُ من قرَأ: ﴿فِيهِ ءَايَتْ بَيْنَكٌ﴾. على
الجماع ؛ لإجماع قرأةِ أمصارِ المسلمين على أن ذلك هو القراءةُ الصحيحةُ دونَ
غيرِها .
وأما اختلافُ أهلِ التأويلِ فى تأويلِ: ﴿ مَّقَامُ إِزَهِيمٌ ﴾. فقد ذكرناه فى
سورةِ ((البقرة))، وبيَّنَّا أولى الأقوالِ بالصوابِ فيه هنالك، وأنه عندَنا المَقَامُ المعروفُ
. (٣)
.
به
(١) تفسير مجاهد ص ٢٥٦، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧١١/٣ (٣٨٤٥)، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٥٤/٢ إلى عبد بن حميد والأزرقى وابن المنذر.
(٢) فى م: ((فيهن)).
(٣) ينظر ما تقدم فى ٥٢٥/٢- ٥٢٩.