Indexed OCR Text

Pages 561-580

٥٦١
سورة آل عمران : الآيات ٨٦ - ٨٩
الكتابِ من اليهودِ والنصارى، رَأَوْا نَعْتَ(١) محمدٍ عَظِّمِ فى كتابِهم، وأَقَرُّوا (١) به،
وشَهِدوا أنه حقٌّ ، فلمَّا بُعِث من غيرِهم حَسَدوا العربَ على ذلك، فأنكروه وكفَروا
بعدَ إقرارِهم ، حسدًا للعربِ، حينَ بُعِث من غيرِهم(٣).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن الحسنِ
فى قوله: ﴿ كَيْفَ يَهْدِى اَللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَنِهِمْ﴾. قال: هم أهلُ الكتابِ،
كانوا يَجِدون محمدًا عَ لَّه فى كتابِهم، ويَستَفْتِحون به، فكفَروا بعدَ إيمانهم(٤).
قال أبو جعفرٍ: وأشبهُ القولَين بظاهرِ التنزيلِ ما قال الحسنُ، من أن هذه الآيةَ
مَعْنِىٌّ بها أهلُ الكتابِ ، على ما قاله، غيرَ أن الأخبارَ بالقولِ الآخرِ أكثرُ، والقائلين به
أعلمُ بتأويلِ القرآنِ. وجائزٌ أن يكونَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ أَنزَل هذه الآياتِ بسببِ القومِ
الذين ذُكِر أنهم كانوا ارتدُّوا عن الإسلامِ، فجمَع قِصَّتَهم وقصةَ مَن كان سبيلُه
سبيلَهم فى ارتِدادِه عن الإيمانِ بمحمدٍ مَ ◌ّله فى هذه الآياتِ. ثم عَرَّف عبادَه سُنَّتَه
فيهم، فيكونُ داخلًا فى ذلك كلُّ مَن كان مؤمنًا بمحمدٍ عَ لِّ قبلَ أن يُبْعَثَ، ثم كفَر
به بعدَ أن يُعِث، وكلُّ مَن كان كافرًاثم أسلم على عهدِه ◌ِلَّهِ ، ثم ارتدَّ وهو حىٍّ عن
إسلامِه. فيكونُ مَعْنِيًّا بالآيةِ جميعُ هذيْنِ الصِّنْفَيْنْ وغيرهما، ممن كان بمثل
معناهما°) ، بل ذلك كذلك إن شاءَ اللَّهُ .
فتأويلُ الآيةِ إذن: ﴿كَيْفَ يَهْدِى اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيَمَنِهِمْ﴾ . يعنى :
كيف يُرْشِدُ اللَّهُ للصوابِ، ويُوَفِّقُ الإِيمانِ، قومًا جَحَدوا نُبوَّةَ محمدٍ عَ لَه، ﴿ بَعْدَ
(١) فى ص: ((بعث)).
(٢) فى ص، ت ١: ((أقرا)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٩/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٤) تفسير عبد الرزاق ١٢٥/١، وفيه: (( ويستخفون به)).
(٥ - ٥) فى ت ١: ((من كان بمعناهما)).
( تفسير الطبرى ٣٦/٥ )

٥٦٢
سورة آل عمران : الآيات ٨٦ - ٨٩
إِيمَنِهِمْ ﴾. أى : بعدَ تَصْديقهم إِيَّاه، وإقرارِهم به فيما جاءَهم به من عندِ ربِّه،
﴿ وَشَهِدُوّأْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌ﴾. يقولُ: وبعدَ أن أقَرُّوا أن محمدًا رسولُ اللَّهِ عَ لَه إلى
خَلْقِهِ حَقًّا. ﴿ وَجَاءَ هُمُ الْبَيِّنَاتُّ﴾. يعنى: وجاءهم الحُجَجُ من عندِ اللَّهِ ، والدلائلُ
بصحةِ ذلك. ﴿ وَاَللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ: واللهُ لا يُوَفِّقُ(١) للحَقِّ
والصوابِ الجماعةَ الظَّلَمَةَ، وهم الذين بَدَّلوا الحقَّ إلى الباطلِ، فاختاروا الكفرَ على
الإيمانِ .
وقد دلَّلنا فيما مضى قبلُ على معنى ((الظُّلْمِ))، وأنه وَضْعُ الشىءٍ فی غیرِ
مَوضعِه، بما أغنَى عن إعادته(١) .
أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمْ﴾. يعنى: هؤلاءِ الذين كفروا بعدَ إِيمانِهم، وبعدَ أن
شَهِدوا أن الرسولَ حقٌّ . ﴿ جَزَآؤُهُمْ﴾: ثوابُهم من عملِهِم الذى عَمِلوه. ﴿ أَنَّ
عَلَيْهِمْ لَغْنَةَ اللَّهِ﴾. يعنى: أن يَحِلَّ(١) بهم من اللَّهِ الإقصاءُ والبُعْدُ، ومن الملائكةِ
والناسٍ ما(٢) يَسوءُهم من العقابِ. ﴿أَجْمَعِينَ ﴾ . يعنى: من جمیعِهم، لا من"
بعضٍ مَن سمَّاه جلّ ثناؤه من الملائكةِ والناسٍ ، ولكن مِن جميعِهم . وإنما جعَل ذلك
جلَّ ثناؤه ثوابَ عملِهم؛ لأن عملَهم كان باللهِ كُفْرًا .
وقد بَيَّنا صفةً لعنةِ الناسِ الكافرَ فى غيرِ هذا الموضع، بما أغنَى عن إعادتِه (١).
(١) فى ت ١: ((يوقف)).
(٢) ينظر ما تقدم فى ٥٥٩/١، ٥٦٠.
(٣) فى ص، م: ((حل)).
(٤ - ٤) فى ص، م: ((إلا مما))، وفى ت١، ت٣، س: ((إلا ما))، وفى ت٢: ((مما)). والمثبت ما يستقيم به
السياق .
(٥) سقط من: م.
(٦) ينظر ما تقدم فى ٢٣٢/٢، ٧٣٣.

٥٦٣
سورة آل عمران : الآيات ٨٨ - ٩٠
خَلِينَ فِيهَا﴾. يعنى: ما كِثينِ. ﴿فيها﴾. يعنى: فى عقوبةِ اللَّهِ. ﴿لَا
يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ ﴾ : لا يُنْقَصون من العذابِ شيئًا فى حالٍ من الأحوالِ ، ولا
يُنَفَّسون فيه. ﴿وَلَا هُمْ يُنَظَرُونَ﴾. يعنى: ولا هم يُنْظَرون لَعْذِرةٍ يَعْتَذِرون.
وذلك كلُّه أَعْنَى (١) الخلودِ فى العقوبةِ فى الآخرةِ.
ثم استَثْنَى جلَّ ثناؤه الذين تابُوا من هؤلاء الذين كفروا بعدَ إِيمانِهم ، فقال تعالى
ذكرُه: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ ﴾ . يعنى: إلا الذين تابُوا من بعد
ارتدادِهم عن إيمانِهِم، فراجَعوا الإيمانَ باللهِ وبرسولِه، وصَدَّقوا بما جاءهم به نبيُهم
عَ المِ من عندِ ربِّهم. ﴿ وَأَصْلَحُواْ﴾. يعنى: وعمِلوا الصالحاتِ من الأعمالِ.
◌ْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾. يعنى: فإن اللَّهَ لِن فَعَل ذلك بعدَ كفرِهِ ﴿غَفُورٌ﴾ .
يعنى : ساتِرٌ عليه ذنبَه الذى كان منه من الرِّدَّةِ ، فتارِكٌ عقوبتَه عليه ، وفَضِیحتَه به يومَ
القيامةِ، غيرُ مُؤاخِذِه به إذا مات على التوبة منه. ﴿ رَّحِيمٌ﴾: مُتَعَطِّفُ عليه
بالرحمة .
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ أَزْدَادُواْ
٩٠
كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَتِكَ هُمُ الضَّالُونَ
اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك ؛ فقال بعضُهم: عنَى اللَّهُ عزَّ وجلَّ بقولِه :
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ ببعضِ أنبيائه الذين يُعِثُوا قَبْلَ محمدٍ عَ ◌ّهِ بعدَ إِيمانِهم، ﴿ثُمَّ
أَزْدَادُوا كُفْرًا﴾ بكَفْرِهِم بمحمدٍ عَظ ◌ِلّهِ، ﴿لَّنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ﴾ عندَ حُضورِ الموتِ ،
وحَشْرَجتِه بنفسِه .
(١) أعنى الخلود : أشده نصبا وتعبا. وينظر اللسان (ع ن ی).

٥٦٤
سورة آل عمران : الآية ٩٠
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سِنانٍ ، قال : ثنا أبو بكرِ الحَفىُّ ، قال: ثنا عَبَّادُ بنُ منصورٍ ،
٣٤٣/٣ عن الحسن فى قوله: / ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَنِهِمْ ثُمَّ أَزْدَادُوا كُفْرًا لَّنْ تُقْبَلَ
تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَآَلُّونَ﴾، قال: اليهودُ والنصارى لن تُقْبَلَ توبتُهم عندَ
(١)
الموتٍ(١).
حدَّثَنَا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ
بَعْدَ إِيمَنِهِمْ ثُمَّ أَزْدَادُوا كُفْرَا﴾: أولئك أعداءُ اللَّهِ اليهودُ، كفَروا بالإنجيلِ
وبعيسى ، ثم ازدادوا كُفْرًا بمحمدٍ عَلَّه والفُرْقانِ(٢) .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن
قتادةَ فى قولِه: ﴿ ثُمَّ أَزْدَادُوا كُفْرَا﴾. قال: ازدادوا كُفْرًا حتى حضَرهم الموتُ،
فلم تُقْبَلْ تَوبتُهم حينَ حضَرهم الموتُ. قال مَعْمَرٌ: وقال مثلَ ذلك عطاءٌ
(٣)
اخُراسانیُ(٣)
.
حدَّثنى المُثُنَّى ، قال: ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن
قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَنِهِمْ ثُمَّ أَزْدَادُوا كُفْرًّا لَّنْ تُقْبَلَ تَّوْبَتُهُمْ
وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾ . وقال: هم اليهودُ، كفروا بالإنجيل، ثم ازدادوا كفرًا
حينَ بَعَث اللَّهُ محمدًا بِهِ، فأنكروه وكذَّبوا به(٤).
(١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٠٢/٢ عقب الأثر (٣٨٠٤) معلقًا.
(٢) ذكره الواحدى فى أسباب النزول ص ٨٤، والبغوى فى تفسيره ٢/ ٦٤، ٦٥.
(٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٢٥، ١٢٦، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٠٢/٢ (٣٨٠٤) عن الحسن بن
يحيى به .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٠١/٢ (٣٨٠١) من طريق شيبان، عن قتادة . وعزاه السيوطى فى = .

٥٦٥
سورة آل عمران : الآية ٩٠
وقال آخرون : معنى ذلك : إن الذين كفروا من أهلِ الكتابِ بمحمدٍ بعدَ إِيمانِھم
بأنبيائِهم، ﴿ ثُمَّ أَزْدَادُوا كُفْرًا﴾. يعنى: ذُنوبًا، ﴿لَّنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾: مِن
ذنوبِهم ، وهم على الكفرِ مُقِيمون .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثْنَا المُنَّى، قال: ثنا عبدُ الوهَّابِ ، قال: ثنا داودُ، عن رُفَيع: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَنِهِمْ ثُمَّ أَزْدَادُوا كُفْرًا﴾: ازدادوا ذُنوبًا وهم كفارٌ، ﴿لَّنْ تُقْبَلَ
تَوْبَتُهُمْ ﴾. من تلك الذنوبِ ما كانوا على كفرِهم وضَلالتِهم(١) .
حدَّثنا ابنُ المُثُنَّى ، قال : ثنا ابنُ أبى عدىٍّ، عن داودَ ، قال : سألتُ أبا العاليةِ ،
قال: قلتُ: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيَمَنِهِمْ ثُمَّ أَزْدَادُوا كُفْرًا لَّنْ تُقْبَلَ
تَوْبَتُهُمْ﴾. قال: إنما هم هؤلاء النصارى واليهودُ الذين كفروا، ثم ازدادوا كفرًا
بذنوب أصابوها ، فهم يتوبون منها فى كفرِهم(٢) .
حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيَانِ الشّكَّرِىُّ(٢) ، قال: أخبرنا ابنُ أبِى عَدِىِّ، عن داودَ ،
قال : سألتُ أبا العاليةِ عن الذين آمنوا ثم كفَروا، فذكر نحوًا منه .
حدَّثنا ابنُ المُثُنَّى، قال : ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ ، قال: سألتُ أبا العاليةِ
عن هذه الآيةِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَنِهِمْ ثُمَّ أَزْدَادُواْ كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَّوْبَتُهُمْ
وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّالُونَ﴾. قال: هم اليهودُ والنصارى والمجوسُ ، أصابوا ذُنوبًا فى
= الدر المنثور ٤٩/٢ إلى عبد بن حميد.
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٠٢/٢ (٣٨٠٥) من طريق داود به بمعناه .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٠١/٢ (٣٧٩٩) من طريق داود بن أبى هند به بمعناه . وعزاه السيوطى
فى الدر المنثور ٤٩/٢ إلى ابن المنذر.
(٣) فى م: ((اليشكرى)). وينظر تهذيب الكمال ٤١٣/١٦.

٥٦٦
سورة آل عمران : الآية ٩٠
كفرِهم، فأرادوا أن يَتوبوا منها، ولن يَتوبوا من الكفرِ، أَلَّا تَرَى أنه يقولُ :
؟
وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّالُونَ
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا سفيان ، عن داود ، عن
أبى العاليةِ فى قوله: ﴿لَّنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ﴾. قال : تابوا من بعضٍ ولم يتوبوا من
(١)
الأصلِ (١) .
◌ُلِّثتُ عن عَمَّارٍ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ ، عن أبيه ، عن داود بنِ أُبی هندٍ ، عن
أبى العاليةِ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيَمَنِهِمْ ثُمَّ أَزْدَادُواْ كُفْرًا ﴾ . قال: هم
اليهودُ والنصارى، يُصِيبون الذنوبَ، فيقولون: نَتوبُ. وهم مُشْرِكون، قال اللَّهُ
عزَّ وجلَّ : لن تُقْبَلَ التوبةُ فى الضلالةِ .
وقال آخرون: بل معنى ذلك: إن الذين كفروا بعدَ إِيمانِهم بأنبيائهم(١)، ﴿ثُمَّ
أَزْدَادُواْ كُفْرًا ﴾. يعنى بزيادتِهِم الكُفْرَ تمامَهم(٢) عليه حتى هَلَكوا وهم عليه
مُقِيمون . ﴿ لن تقبل توبتهم﴾: لن تَنْفَعَهم توبتُهم الأولى وإيمانُهم، لكَفْرِهم الآخِرِ
ومَوْتِّهم .
ذكرُ مَن قال ذلك :
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ (*) قوله: ﴿ ثُمَّ أَزْدَادُواْ كُفْرًا﴾. قال: تمّوا) على كُفْرِهم. قال ابنُ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٠٢/٢ (٣٨٠٣) من طريق أبى عاصم به ، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٥٠/٢ إلى ابن المنذر وعبد بن حميد .
(٢) فى ص: (( بإنبائهم)).
(٣) فى م، س: ((بما هم)). وتم على الشىء أقام عليه واستمر . التاج (ت م م).
(٤) فى م، ت ١: ((عكرمة)) .
(٥) فى ص، م: ((نموا)).

٥٦٧
سورة آل عمران : الآية ٩٠
مجرَيج: ﴿لَّنْ تُقْبَلَ تَّوْبَتُهُمْ﴾. يقولُ: إيمانُهم أولَّ مرةٍ لن يَنْفَعَهم(١).
وقال آخرون : معنى قوله : ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ : ماتوا كفارًا ، فکان ذلك هو
زيادتَهم من كُفْرِهم. وقالوا: معنى: ﴿لَّنْ تُقْبَلَ تَّوْبَتُهُمْ﴾: لن تُقْبَلَ توبتُهم عندَ
موتهم .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا محمدٌ ، قال: ثنا أحمدُ ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَنِهِمْ ثُمَّ أَزْدَادُواْ كُفْرَا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَتِكَ هُمُ الضَّالُونَ﴾:
أما: ﴿ أَزْدَادُوا كُفْرًا﴾؛ فماتوا وهم كفارٌ، وأما: ﴿لَّنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾؛ فعندَ
موتِه إذا تاب لم تُقْبَلْ تَوْبتُه(٢) .
قال أبو جعفرٍ : وأولَى هذه الأقوالِ بالصوابِ فى تأويل هذه الآيةِ قولُ مَن قال :
عَنى بها اليهودَ. وأن يكونَ تأويلُه: إن الذين كفروا من اليهودِ بمحمدٍ عَ لِّ عندَ
مَبْعَتِهِ ، بعدَ إِيمانِهِم به قبلَ مَبْعَثِه، ثم ازدادوا كُفْرًا بما أصابوا من الذنوبِ فى كُفْرِهم
ومُقامِهم على ضَلالِهم، لن تُقْبَلَ تَوبتُهم من ذنوبهم التى أصابوها فى كُفْرِهم،
حتى يتوبوا من كفرِهم بمحمدٍ عَ لَّه، ويُراجِعوا التوبةَ منه، بتَصْديقِ ما جاء به من
عندِ اللهِ .
وإنما قُلنا : ذلك أولى الأقوالِ فى هذه الآيةِ بالصوابِ ؛ لأن الآياتِ
قبلَها وبعدَها فيهم نزَلت، فأولى أن تكونَ هى فى معنى ما [٤٢٩/١ظ] قبلَها
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٠/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٠١/٢ (٣٨٠٠) من طريق أحمد بن مفضل به بشطره الأول .
(٣) فى ص، ت٢: ((بتصديقه).

٥٦٨
سورة آل عمران : الآية ٩٠
وما بعدها إذ(١) كانت فى سياقٍ واحدٍ .
وإنما قلنا : معنى ازديادِهم الكفرَ ما أصابوا فى كفرِهم من المعاصى ؛ لأنه جلَّ
ثناؤه قال: ﴿لَّنْ تُقْبَلَ تَّوْبَتُهُمْ﴾. فكان معلومًا أن معنى قوله: ﴿لَّنْ تُقْبَلَ
تَوْبَتُهُمْ﴾. إنما هو مَعْنِىٌّ به: لن تُقْبَلَ توبتُهم مما ازدادواً من الكفر على كفرهم
بعدَ إِيمانِهم، لا مِن كفرِهم؛ لأن اللَّهَ تعالى ذكرُه وعَد أن يَقْبَلَ التوبةَ من عبادِه ،
فقال: ﴿ وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ النَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، ﴾ [الشورى: ٢٥]. فمُحالٌ أَن يقولَ عزَّ
٥
وجلَّ : أَقْبَلُ، ولا أقبَلُ . فى شىءٍ واحدٍ . وإذ كان ذلك كذلك - وكان من حُكم
اللَّهِ فى عبادِه أنه قابِلٌ توبةً كلِّ تائبٍ من كلِّ ذنبٍ، وكان الكفرُ بعدَ الإِيمانِ أُحدَ
تلك الذنوبِ التى وَعَدَ قَبَولَ التوبةِ منها بقولِه: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ
وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ - عُلِم أن المعنَى / الذى لا يَقْبَلُ التوبةَ منه غيرُ
المعنى الذى يَقْبَلُ التوبةَ منه. وإذ كان ذلك كذلك، فالذى لا يَقْبَلُ منه التوبةً هو
الازديادُ على الكفرِ بعدَ الكفرِ، لا يَقْبَلُ اللَّهُ(١) توبةَ صاحبِه ما أقام على كفرِه؛ لأن
اللَّهَ لا يَقْبَلُ من مُشْرِكٍ عملاً ما أقام على شِرْكِه وضَلالِه، فأمَّا إن تابَ من شِرْكِه
وكفرِهِ وأصلَح، فإن اللَّهَ - كما وصَف به نفسَه - غفورٌ رحيمٌ .
٣٤٥/٣
فإن قال قائلٌ: وما يُنكَرُ أن يكونَ معنى ذلك كما قال مَن قال: فلن تُقْبَلَ
تَوْبِتُهم من كفرِهم عندَ حُضورٍ (أجلِه، و(٥) تَوْبِتُه الأولى٤)؟
(١) فى ص، ت ٢: ((إذا)).
(٢) فى ص: ((أرادوا)).
(٣) بعده فى ص، ت ٢، س: (( منه).
(٤ - ٤) لعل صواب السياق: ((أجلهم وتوبتهم الأولى)).
(٥) فی ص، س: ((أو)).

٥٦٩
سورة آل عمران : الآية ٩٠
قيل : أنكَرنا ذلك لأن التوبةَ من العبدِ غيرُ كائنةٍ إلا فى حالٍ حياتِهِ ، فأما بعدَ
مماِه فلا توبةً ، وقد وَعَد اللَّهُ عَزَّ وجلَّ عبادَه قَبولَ التوبةِ منهم ما دامتْ أرواحهم فى
أجسادِهم، ولا خلافَ بينَ جميع الحَُّةِ فى أن كافرًا لو أسلَم قبلَ خُروج نفسِه
بطَرْفِةِ عينٍ، أن حُكْمَه حكمُ المسلمين فى الصلاةِ عليه والمُوَارَثةِ ، وسائرِ الأحكام
غيرهما (١). فكان معلومًا بذلك أن توبتَه فى تلك الحالِ لو كانت غيرَ مَقْبولةٍ ، لم
يَنْتَقِلْ حُكْمُه من حكم الكفارِ إلى حكمِ أهلِ الإسلامِ ، ولا منزلةً بينَ الموتِ والحياةِ
يجوزُ أن يقالَ: لا يَقْبَلُ اللَّهُ فيها توبةَ الكافرِ. فإذ صَحَّ أنها فى حالٍ حياتِه مَقْبولةٌ ،
ولا سبيلَ بعدَ الْمَماتِ إليها، بطَل قولُ الذى زعم أنها غيرُ مقبولةٍ عندَ حضورِ الأجلِ .
وأما قولُ مَن زعَم أن معنى ذلك : التوبةُ التى كانت قبلَ الكفرِ . فقولٌ لامعنَى
له؛ لأن اللَّهَ عزَّ وجلَّ لم يَصِفِ القومَ بإيمانٍ كان منهم بعدَ كُفْرٍ ، ثم كُفْرٍ بعدَ إيمانٍ ،
بل إنما وَصَفهم بكَفْرٍ بعدَ إيمانٍ ، فلم يَتَقَدَّمْ ذلك الإيمانَ كفرٌ كان للإيمانِ لهم توبةٌ
منه ، فيكونَ تأويلُ ذلك على ما تأوَّله قائلُ ذلك . وتأويلُ القرآنِ على ما كان موجودًا
فى ظاهرِ التلاوةِ - إذا لم تكُنْ حُجَّةٌ تدلّ على باطنٍ خاصٍّ - أولى من غيرِه وإن
أمكن تَوْجیھُه إلی غیرِه .
وأما قولُه: ﴿ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّالُونَ﴾. فإنه يعنى بذلك: وهؤلاء الذين
كَفروا بعدَ إِيمانِهم ثم ازدادوا كُفْرًا، هم الذين(٢) ضَلُّوا(٣) سبيلَ الحقِّ، فأخْطَقُوا
مَنْهَجَه، وتَرَكوا نَصَفَ (٤) السبيلِ وهدَى اللَّهِ(٥)، (٢ حَيْرةً منهم ، وعمّى عنه ) .
(١) فى ص، ت١، س: ((غيرها)).
(٢) بعده فى ت ٢: (( كفروا)).
(٣) فى ص، ت ١، س: ((أضلوا)).
(٤) فى م: ((منصف)). ونصف السبيل عدله وجادته .
(٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، وبعده فى م: ((الذى)).
(٦ - ٦) فى ص: ((خبرهم منهم))، وفى م: ((أخبرهم عنه فعموا عنه)) .

٥٧٠
سورة آل عمران : الآيتان ٩٠، ٩١
وقد بيًّّا فيما مضى معنى ((الضلالِ)) بما فيه الكفايةُ(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُوَأْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم
مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى ◌ِّهِتَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّصِرِينَ
يعنى بذلك جلّ ثناؤه: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أى: جحَدوا نُبوَّةً
محمدٍ ◌ِِّ ولم يُصَدِّقوا به وبما جاء به من عندِ اللَّهِ مِن أهل كلِّ مِلَّةٍ ؛ يهودِها
ونَصاراها ومجوسِها وغيرِهم، ﴿ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ ﴾. يعنى: وماتوا على ذلك
من جُحودِ نُبوَّتِه وجحودٍ ما جاء به، ﴿فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الْأَرْضِ
ذَهَبًا وَلَوِ اُفْتَدَى بِذْءٍ﴾. يقولُ: فلن يُقْبَلَ ممن كان بهذه الصفةِ فى الآخرةِ جَزاءٌ
ولا رِشْوةٌ على تَرْكِ عُقويتِه / على كُفْرِه، ولا يُعْلٌ على العَفْوِ عنه، ولو كان له ٣٤٦/٣
من الذهبٍ قَدْرُ ما يَملأُ الأرضَ من مَشْرِقِها إلى مَغْرِبِها، فَرَشا وجَزَى (١) على تركٍ
عقوبته، وفى العفو عنه على كفرِه، ◌ِوَضًا مما اللَّهُ مُحِلٌّ به من عذابِه(٢)؛ لأن
الرّشا إنما يَقْبَلُها مَن كان ذا حاجةٍ إلى ما رُشِى(٤)، فأمَّا مَن له الدنيا والآخرةُ،
فكيف يَقْبَلُ الفِدْيَةَ وهو خَلَّقُ كلِّ فِذْيةٍ افتدَى بها مُفْتَدٍ من(٥) نفسِه أو غيرِهِ؟
وقد بَيَّنا أن معنى (( الفِدْيةِ)): العِوَضُ والجزاءُ من المُفْتَدِى منه، بما أغنَى عن
إعادته فى هذا الموضعِ() .
ثم أخبرَ عزَّ وجلَّ عما لهم عندَه، فقال: ﴿ وَأُوْلَئِكَ﴾. يعنى: هؤلاء الذين
(١) ينظر ما تقدم فى ١٩٧/١ - ١٩٩.
(٢) فى ص، ت ١: (( جزاء)).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢: ((عباده))، وفى س: ((عقابه).
(٤) فى ت ١، س: ((رشا)).
(٥) فى م: ((عن )).
(٦) ينظر ما تقدم فى ٣/ ١٨٠.

٥٧١
سورة آل عمران : الآية ٩١
كفَروا وماتوا وهم كفارٌ، ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيٌِّ﴾. يقولُ: لهم عندَ اللَّهِ فى الآخرةِ
عذابٌ مُوجِعٌ، ﴿ وَمَا لَهُم مِّن نَّصِرِينَ ﴾ . يعنى: وما لهم من قريبٍ ولا حميمٍ ولا
صديقٍ يَنْصُرُه فيَسْتَنِقِذَه من اللَّهِ ومن عذابِه، كما كانوا يَنْصُرونه فى الدنيا على مَن
حاوَل أذَاه ومَكْروهَه .
وقد حدَّثنا بِشْرٌ، قال : ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ ، قال : ثنا أنسُ بنُ
مالك، أن نبيَّ اللَّهِ عَهِ كان يقولُ: ((يُجَاءُ بالكافرِ يومَ القيامةِ فيُقالُ له : أرأيتَ لو
كان لكَ مِلءُ الأرضِ ذَهَبًا، أكُنْتَ مُفْتَدِيًّا به؟ فيقولُ: نعم. قال فيُقالُ: لقد سُئِلتَ
ما هو أيسَرُ مِن ذلك)). فذلك قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ
مِنْ [٤٣٠/١ و] أَحَدِهِم مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ اُفْتَدَى بِؤُهَ﴾.
حدَّثنى محمدُ بنُ سِنانٍ ، قال: ثنا أبو بكر الحنفىُ، قال: ثنا عَبَّادٌ ، عن الحسنِ ،
قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَانُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الْأَرْضِ
ذَهَبًا﴾. قال: هو كلُّ كافٍ (٢).
ونُصِب قولُه: ﴿ذَهَبًا﴾ على الخروجِ من المقدارِ الذى قبلَه والتفسيرٍ () منه،
وهو قولُه: ﴿مِّلْءُ الْأَرْضِ﴾. كقولِ القائلِ: عندى قَدْرُ زِقُ سَمْنًا، وَقَدْرُ رَطْلٍ
عَسَلًا. فالعسلُ(٤) مُبَيَّنٌ(° به ما ذُكِر من المقدارِ، وهو نكرةٌ منصوبةٌ على التفسيرِ
(١) أخرجه أحمد ١٧/٢١، ٤٧١ (١٣٢٨٨، ١٤١٠٧)، وعبد بن حميد (١١٧٩)، والبخارى
(٦٥٣٨)، ومسلم (٢٨٠٥)، وأبو يعلى (٢٩٢٦، ٢٩٧٦، ٣٠٢١)، وابن حبان (٧٣٥١)، والبيهقى فى
البعث (٩١، ٩٢) من طريق سعيد بن أبى عروبة به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٠٢/٢ (٣٨٠٦) من طريق أبى بكر الحنفى به .
(٣) التفسير: التمييز. وينظر ما تقدم فى ٢٤٣/٢ .
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢: ((بالعسل)).
(٥) فى ت ١، س: ((يبين)). والمبين: المميز. ينظر شرح التسهيل ٣٧٩/١.
(٦) فى ص، ت ١، ت ٢، س: ((عما)).

٥٧٢
سورة آل عمران : الايتان ٩١، ٩٢
للمقدارِ، والخروج منه .
وأما نحويو البصرة، فإنهم زعموا أنه نَصَب الذهبَ لاشتغالٍ(١) الملءٍ(٢)
بالأرضِ، ومجىءٍ الذهبِ بعدَهما، فصار نصبُها نظيرَ نصبِ الحالِ ، وذلك أن
الحالَ يَجِىءُ بعدَ فعلٍ قد شُغِل بفاعِلِه فيْصَبُ، كما يُنْصَبُ المفعولُ الذى يأتى بعدَ
الفعلِ الذى قد شُغِل بفاعلِه. قالوا: ونظيرُ قولِه: ﴿مِّلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا﴾. فى
نَصْبِ الذهبِ فى الكلام: لى مِثْلُك رجلًا. بمعنى: لى مِثْلُك من الرجالِ. وزعَموا
أن نَصْبَ الرجلِ لاشتغالِ الإضافةِ بالاسم، فنُصِب كما يُنْصَبُ المفعولُ به؛
الاشتغالٍ (٢) الفعلِ بالفاعلِ.
وأُدِلَت الواوُ فى قوله: ﴿ وَلَوِ اُفْتَدَى بِدٍُّ﴾. لمحذوفٍ من الكلام بعدَه ، دلَّ
عليه دخولُ الواوِ، (٤ كالواوٍ فى قوله: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ اُلْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] .
وتأويلُ الكلام: وليكونَ من الموقنين (١) أَرَيْناه ملكوت السماواتِ والأرضِ. فكذلك
ذلك فى قوله: ﴿ وَلَوِ آَفْتَدَى بٍِّ ﴾. ولو لم يكن فى الكلام واو لكان الكلامُ
صحيحًا ، ولم يكنْ هناك متروكٌ، وكان: فلن يُقبلَ من أحدِهم ملء الأرضِ ذهبًا لو
افتدى به .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿لَن نَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا نُنفِقُواْ مِنْ شَىْءٍ
(١) فى ت ١، س: ((لاستعمال)).
(٢) فى ت ٢: ((الملل)).
(٣) فى ت ١، س: ((لاستثقال)).
(٤ - ٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢.
(٥) بعده فى ص، ت ١، ت ٢: ((لمتروك من الكلام دل عليه دخول الواو وتأويل الكلام وليكون من
الموقنين)) .

٥٧٣
سورة آل عمران : الآية ٩٢
فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ، عَلِيمٌ
٩٢
/ يعنى بذلك جلّ ثناؤه: لن تُدْرِكوا أيُّها المؤمنون البِرّ، وهو البِرُّ من اللَّهِ الذى ٣٤٧/٣
يَطْلُبونه منه بطاعتِهم إيّه، وعبادتِهم له، ويَرْجونه منه، وذلك تَفَضُّلُه عليهم
بإدخالِهِم جنتَه، وصَرْفِ عذابِهِ عنهم. ولذلك قال كثيرٌ من أهلِ التأويلِ : البِرُ
الجنةُ؛ لأن يِرَّ الرَّبِّ بعبدِه فى الآخرةِ إكرامُه (١) إِيَّاه بإدخالِهِ الجنةَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ ، قال: ثنا وكيعٌ، عن شَرِيكِ، عن أبى إسحاقَ، عن عمرو بنٍ
ميمونٍ، فى قوله: ﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبِرَّ﴾. قال: الجنةُ(٢).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانىُ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن أبى إسحاقَ ، عن
عمرو بنٍ ميمونٍ فى قوله: ﴿لَنْ نَنَالُواْ الْبِرَّ﴾ . قال: البِرُّ الجنةُ .
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُّدِّىّ: ﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبَرَّ﴾: أما البِرُّ فالجنةُ(٣).
فتأويلُ الكلام: لن تَنالوا أيُّها المؤمنون جنةَ ربِّكم ﴿ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا
تُحِبُّونَ﴾. يقولُ: حتى تَتَصَدَّقوا مِما تُّون (٢) وَتَهْوَوْنُ) أن يكونَ لكم من نَفيسٍ
أموالِكم .
كما حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَنْ ثَنَالُواْ
(١) فى م: ((وإكرامه)).
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٢٤/١٣ عن شريك به .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٠٣/٣ عقب الأثر (٣٨٠٩) من طريق عمرو ، عن أسباط به .
(٤ - ٤) فى ص، ت ١، ت ٢: ((فتهوون)).

٥٧٤
سورة آل عمران : الآية ٩٢
اٌلْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَا تُحِبُّونَ﴾. يقولُ: لن تَنالوا ( بِوَّرَبِّكم١) حتى تُنْفِقوا مما يُعْجِبُكم ،
ومما تَهْوَوْن من أموالِكم(٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، عن عَبَّدٍ، عن الحسنِ قولَه: ﴿لَن
نَنَالُواْ الْبَرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَا تُحِبُّونَ﴾. قال: من المالِ .
وأما قولُه: ﴿ وَمَا نُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ، عَلِيمٌ ﴾ . فإنه يعنى به : ومهما
تُنْفِقوا من شىءٍ فتَتَصَدَّقوا به من أموالِكم، فإن اللَّهَ تعالى ذكرُه بما يَتَصَدَّقُ به
المُصَدِّقُ منكم، فيُنْفِقُه مما يُحِبُّ من مالِهِ فى سبيلِ اللهِ، وغيرِ ذلك ﴿عَلِيمٌ﴾ .
يقولُ: هو ذو علم بذلك كلِّه، لا يَغْزُبُ عنه شىءٌ منه ، حتى يُجازِیَ صاحبه عليه
جزاءَه فى الآخرةِ .
كما حدَّثْنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا نُنفِقُواْ مِن
شَىْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ، عَلِيمٌ﴾. يقولُ: محفوظٌ لكم ذلك، اللَّهُ به عليم، شاكرٌ له(٢) .
وبنحوِ التأويلِ الذى قلنا تأوَّل هذه الآيةَ جماعةٌ من الصحابة والتابعين .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أُبی
نجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿لَنْ ثَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَا تُحِبُّونَ﴾ .
قال : كتَب عمرُ بنُ الخطابِ إِلى أبى موسى الأشعرىِّ أَن يَتَاعَ له جاريةٌ من
(١ - ١) فى ص: ((بربكم))، وفی ت ٢: (( بیر کم))، وفی ت ١، س: ((بركم)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥١/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٠٤/٣ (٣٨١٥) من طريق شيبان ، عن قتادة .

٥٧٥
سورة آل عمران : الآية ٩٢
جَلُولاءً(١) يومَ فُتِحَت مدائنُ كسرى، فى قتالِ سعدٍ بنِ أبِى وَقَّاصٍ، فدَعا بها
عمرُ بنُ الخطابِ ، فقال: إن اللَّهَ يقولُ: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَا
◌ُحِبُّونَ﴾. فأعْتَقَها عمرُ. وهى مِثْلُ قولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى
حُبِّهِ، مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨]. ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ
خَصَاصَةٌ﴾ (٢) [الحشر: ٩]
٣٤٨/٣
/ حدَّثنى المُنَّى، قال: ثنا أبو محذَيفَةَ ، قال: ثنا شِبْلٌ ، عن ابنِ أبی نَجیح ، عن
مجاهدٍ مثلَه سواءً .
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ ، قال: ثنا ابنُ أبى عدىٍّ، عن حُمَيدٍ ، عن أنسٍ بنِ مالكِ،
قال: لَّ نزلت هذه الآيةُ: ﴿لَن ثَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. أو هذه الآيةُ:
﴿مَن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥/ الحديد: ١١]. قال أبو طلحة:
يا رسولَ اللَّهِ، حائطى الذى بكذا وكذا صَدقةً، ولو استطعتُ أن أجعَلَه سِرًّا لم
أَجعَلْه علانيةً. فقال رسولُ اللَّهِ وَ طَهِ: (( اجْعَلْها فى فُقْراءِ أهلِكَ))(٣).
[٤٣٠/١ ظ] حدَّثنى المثنى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا حَمَّادٌ، عن
ثابتٍ ، عن أنسٍ بنِ مالكِ، قال: لما نزلت هذه الآيَةُ: ﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ
مِمَا تُحِبُّونَ﴾. قال أبو طلحةً: يا رسولَ اللَّهِ، إن اللَّهَ يسألُنا من أموالِنا، اشْهَدْ أَنِّى قد
(١) أى من سبى جلولاء. وجلولاء اسم للوقعة التى كانت بين المسلمين والفرس فى صفر من سنة ست
عشرة ، وفيها انتصر المسلمون بعد قتال لم يسمع بمثله ، وقتل من الفرس يومئذ مائة ألف ، حتى جللوا وجه
الأرض بالقتلى ، فلذلك سميت جلولاء. ينظر تاريخ المصنف ٢٤/٤ - ٣٤، والبداية والنهاية ٢٠/١٠ - ٢٤.
(٢) تفسير مجاهد ص ٢٥٥، ٢٥٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٠/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) أخرجه أحمد ١٩١/١٩، ١٧٩/٢٠، ٢٩٥/٢١ (١٢١٤٤، ١٢٧٨١، ١٣٧٦٧)، وعبد بن
حميد (١٤١٣)، والترمذى (٢٩٩٧)، وأبو يعلى (٣٨٦٥)، وابن خزيمة (٢٤٥٨، ٢٤٥٩) ،
والطحاوى ٢٨٩/٣، ٣٨٦/٤، والدار قطنى ١٩١/٤ من طريق حميد به.

٥٧٦
سورة آل عمران : الآية ٩٢
جعَلتُ أرضِى بِأَرْيَحًا (١) للهِ. فقال رسولُ اللَّهِوَمِ: ((اجعَلها فى قَراتِك)) . فجَعَلها
بينَ حسانَ بنِ ثابتٍ وأبىّ بنِ كعبٍ (١).
حدَّثنا عمرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: ثنا ليثٌ، عن
ميمونِ بنِ مِهْرانَ، أن رجلاً سأل أبا ذرٍّ: أىُّ الأعمالِ أفضلُ؟ قال: الصلاةُ
عمادُ الإسلامِ، والجهادُ سَنامُ العملِ، والصدقةُ شىءٌ عَجَبٌ(٢) . فقال: يا أبا
ذرِّ، لقد ترَكتَ شيئًا هو أوثَقُ عملى فى نفسى لا أراك ذكَرْتَه. قال: ما هو؟
قال: الصيامُ. فقال: قُرْبَةٌ، وليس هنا(٤). وتلا هذه الآيةَ: ﴿لَنْ تَنَالُواْ الْبِرَّ
حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَا تُحِبُّونَ ﴾(٥).
حدَّثنی يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وَهْبٍ ، قال : أخبرَنى داودُ بنُ عبدِ الرحمنِ
المكُ، عن عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ أبى حسينٍ، عن عمرو بن دينارٍ ، قال:
لمَّا نَزَلت هذه الآيةُ: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. جاءزيَّدٌ بفرسٍ له،
يقالُ لها : سَبْلٌ(١). إلى النبيِّ عَظَلَه، فقال: تَصَدَّقْ بهذه يا رسولَ اللَّهِ . فأعطاها
(١) كذا فى النسخ، وسنن أبى داود. ويقال أيضًا: بيرحاء. بالمد والقصر، بفتح الراء وضمها، مصروف
وممنوع. قال الزمخشرى: هو بوزن ((فَيُعَلى)) من البراح، وهى الأرض الظاهرة، وهو اسم مال وموضع
بالمدينة. ينظر الفائق ٩٣/١، ومشارق الأنوار ١١٥/١، ١١٦، والنهاية ١/ ١١٤، وعون المعبود ٥٨/٢.
(٢) أخرجه أحمد ٤٣١/٢١ (١٤٠٣٦)، ومسلم ٤٣/(٩٩٨)، وأبو داود (١٦٨٩)، والنسائى
(٣٦٠٤)، وابن خزيمة (٢٤٦٠)، وابن حبان (٧١٨٣)، والدار قطنى ١٩١/٤، والبيهقى ٢٨٥،١٦٥/٦،
وفى الشعب (٣٤٢٣)، وابن عبد البر فى التمهيد ٢١٦/١ من طريق حماد بن سلمة به . وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٥٠/٢ إلى ابن المنذر وابن مردويه .
(٣) فى م: ((عجيب).
(٤) فى ص، م، ت١، ت ٣: ((هناك)). والمثبت موافق لما فى الدر المنثور.
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٠/٢ إلى المصنف.
(٦) فى م: ((سيل)). والمثبت موافق لما فى كتاب الخيل لأبى عبيدة ص ١٧٩. وينظر تاج العروس (س ب ل).

٥٧٧
سورة آل عمران : الآيتان ٩٢، ٩٣
رسولُ اللَّهِ مَّمِ ابَه أسامةَ بنَ زيدِ بنِ حارثةَ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، إنما أردتُ أن
أتصَدَّقَ به. فقال رسولُ اللَّهِ عَ لَّهِ: ((قد قُبِلَت صَدَقَتُك)) (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن
أيوبَ وغيرِه أنها حينَ نزَلَت: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. جاءزِيدُ بنُ
حارثةَ بفرسٍ له كان يُحِبُّها، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، هذه فى سبيلِ اللَّهِ. فَمَل رسولُ
اللَّهِ مِِّ عليها أسامةَ بنَ زيدٍ ، فكأنَّ زيدًا وَجَد فى نفسِه، فلما رأى ذلك منه
النّبِىُّ عَِّّهِ، قال: ((أمَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ قَبِلها))(٢) .
كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلَّا لِّبَنِىّ إِسْرَّهِيلَ إِلَّ مَا حَرَّمَ
القول فى تأويل قوله :.
إِسْرَءِيلُ عَلَى نَفْسِهِ، مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَنَّةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَنَةِ فَتْلُوهَا إِن كُنتُمْ
صَدِقِينَ
٩٣)
يعنى بذلك جلّ ثناؤُه أنه لم يَكُنْ حرَّم على بنى إسرائيلَ - وهم ولَدُ يعقوبَ ابنِ
إسحاقَ بنِ إبراهيمَ خليلِ الرحمنِ - شيئًا من الأطعمةِ من قبلٍ أن تُنَزَّلَ التوراةُ ، بل
كان ذلك كلُّه لهم حلالً، إلَّا ما كان يعقوبُ حرَّمه على نفْسِه، فإنَّ ولدَه حَّموه
اسْتِنانًا بأبيهم يعقوبَ ، من غيرٍ تحريم اللَّهِ ذلك عليهم فى وَحْي ، ولا تنزيلٍ ، ولا على
لسانِ رسولٍ له إليهم، مِن قبلِ نزولِ التوراةِ .
ثم اختلف أهلُ التأويلِ فى تحريم ذلك عليهم : هل نزَل فى التوراةِ أم لا؟ فقال
بعضُهم: لِمَّ أَنْزَل اللَّهُ عزَّ وجلَّ التوراةَ حرَّم عليهم مِن ذلك ما كانوا يُحرِّمونه قبلَ
نزولها .
(١) أخرجه ابن عساكر فى تاريخه ٣٦٧/١٩ من طريق ابن وهب به .
(٢) تفسير عبد الرزاق ١٢٦/١.
( تفسير الطبرى ٣٧/٥ )

٥٧٨
سورة آل عمران : الآية ٩٣
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال : ثنا أسباطُ ، عن
الشُدىِّ قوله: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلَّا لِبَنِي إِسْرَّهِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَوِيلُ عَلَى
نَفْسِهِ، مِن قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ الثَّوْرَنَةُ قُلْ فَأْتُواْ بِلتَّوْرَثَةِ فَتْلُوهَا إِن كُنتُمْ
صَدِقِينَ﴾. قالت اليهودُ: إنما نُحرِّمُ ما حرَّم إسرائيلُ على نفسِه، وإنما حرَّم
إسرائيلُ العُرُوقَ، كان يأْخُذُه عِزْقُ النَّسَا(١)، كان يأخُذُه بالليلِ، ويترُكُه بالنهارِ ،
فحلَف لئنِ اللَّهُ عافاه منه لا يأكلُ عِْقًا أبدًا. فحرَّمه اللَّهُ عليهم. ثم قال: ﴿قُلّ
فَأَتُواْ بِالتَّوْرَثَةِ فَتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾. ما حرَّم هذا عليكم غيرى ؛
بغيكم، فذلك قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِبَتٍ أُحِلَّتْ
◌َهُمْ﴾ [ النساء: ١٦٠].
فتأويلُ الآيةِ على هذا القولِ: كلُّ الطعام كان حِلَّا لبنى إسرائيلَ، إلا ما حرَّم
إسرائيلُ على نفسِه من قبل أن تُنزَّلَ التوراةُ ، فإن اللَّهَ حرَّم عليهم من ذلك ما كان
إسرائيلُ حرَّمه على نفسِه فى التوراةِ ؛ ببغيهم على أنفسِهم وظلمِهم لها . قل
يا محمدُ: فَأَتوا أيُّها اليهودُ - إِن أَتْكَرتم ذلك - بالتوراةِ، فَاتْلُوها إن كنتم
/صادقين أنَّ اللَّهَ لم يُحرِّمْ ذلك عليكم فى التوراةِ، وأنكم إنما تحرِّمونه لتحريم
٢/٤
(١) عرق النسا: وجع يبتدئ من الوَرِك من خَلْف، وينزل إلى الركبة، وربما بلغ الكعب، وكلما طال زمانُه
زاد نزولُه، فربما امتدَّ إلى الأصابع بحسب كثرة مادته وقلَّتها، ويَهْزُل معه الرّجل، والفخِذ، ويصعب
الانكباب وتسوية القامة، وربما انخلع بسببه طرّف الفَخِد. ينظر الموجز فى الطب لابن النفيس ص ٢٦٧.
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٦٢/٢ عن المصنف. وينظر تفسير البغوى ٢ / ٦٨، وتفسير القرطبى ١٣٤/٤،
١٣٥.
والعروق المقصودة هى العروق التى تكون فى اللحم، جمع عِزْق وهو الأجوف الذى يكون فيه الدم،
والعَصَب: غير الأجوف. ينظر تفسير البغوى ٢ / ٦٨، والنهاية ٢١٩/٣.

٥٧٩
سورة آل عمران : الآية ٩٣
إسرائيلَ إِيَّاه على نفسِه .
وقال آخرون: ما كان شىءٌ من ذلك عليهم حرامًا ، ولا حرَّمه اللَّهُ عليهم فى
التوراة ، وإنما هو شىءٌ حرَّموه على أنفسِهم، اتّباعًا لأبيهم، ثم أضافوا تحريمَه إلى
اللَّهِ، فكذَّبهم اللّهُ عزَّ وجلَّ فى إضافتهم ذلك إليه، فقال اللَّهُ عزَّ وجلَّ لنبيّه
محمدٍ عَ الَلِ : قل لهم يا محمدُ: إن كنتم صادقين، فأَتُّوا بالتوراةِ فاتْلُوها حتى ننظُرَ
هل ذلك فيها أم لا؟ فيتبيَّنَ(١) كَذِبُهم لمن يَجْهَلُ أمرّهم.
ذكرُ من قال ذلك
حُدِّثت عن الحسينِ بنِ الفَرَج، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ ، قال: أخبرنا عُبيدُ بنُ
سليمانَ ، قال: سمِعتُ الضَّحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَءِيلُ عَلَى
نَفْسِهِ﴾: إسرائيلُ هو يعقوبُ، أخَذه عِرْقُ النَّسَا، فكان لا تَبِيتُ(٢) الليلَ مِن
وجَعِه، وكان لا يُؤْذِيه بالنهارِ، فحلَف لئن شفاه اللَّهُ لا يأكُلُ عِزْقًا أبدًا. وذلك
قبلَ نزولِ التوراةِ على موسى، فسأل نبىُّ اللَّهِ عَ لِ اليهودَ: ما هذا الذى حرَّم
إسرائيلُ على نفسِه؟ فقالوا: نَزَلتِ التوراةُ بتحريم الذى حرَّم إسرائيلُ. فقال اللَّهُ
لمحمدٍ عَ له: [٤٣١/١ و] ﴿قُلْ فَأَتُواْ بِالتَّوْرَنَّةِ فَتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾
إلى قولِه: ﴿فَأُؤْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. وكذَبوا واقْتَرَوْا؛ لم تُنزَّلِ التوراةُ
(٣)
بذلك (٣).
وتأويلُ الآيةِ على هذا القولِ : كلُّ الطعام كان حِلَّا لبنى إسرائيلَ من قبل أن
(١) فى م، ت ١، ت ٢، س: ((ليتبين)).
(٢) فی ص ، م: (( يثبت )).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣/ ٧٠٦، ٧٠٧ (٣٨٢٥) من طريق أبى معاذ به مقتصرًا على آخره .

٥٨٠
سورة آل عمران : الآية ٩٣
تُنْزَّلَ التوراةُ وبعدَ نزولِها ، إلا ما حرَّم إسرائيلُ على نفسِه من قبل أن تُنَزَّلَ التوراةُ .
بمعنى : لكنَّ إسرائيلَ حرَّم على نفسِه من قبلِ أن تُنَزَّلَ التوراةُ بعضَ ذلك. وكأنَّ
الضحَّاكَ وَجَّه قولَه: ﴿ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَِّيلُ عَلَى نَفْسِهِ، ﴾. إلى الاستثناءِ الذى
يُسمِّيه النخويون الاستثناءَ المنقطعَ .
وقال آخرون : تأويلُ ذلك: كلُّ الطعامِ كان حِلَّ لبنى إسرائيلَ إلا ما حرَّم
إسرائيلُ على نفسِه من قبل أن تنزَّلَ التوراةُ، فإنَّ ذلك حرامٌ على ولدِه، بتحريمِ
إسرائيلَ إِيَّاه على ولدِه، من غيرِ أن يكونَ اللَّهُ حرَّمه على إسرائيلَ ولا على ولدِه.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى
أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلَّا لِبَنِىّ
إِسْرَّهِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَِّيلُ عَلَى نَفْسِهِ، ﴾: فإنه حرَّم على نفسِه العروقَ ،
وذلك أنه كان يشْتَكى عِرقَ النَّسَا، فكان لا ينامُ الليلَ، فقال: واللَّهِ لئن عافانى اللَّهُ
منه لا يأكُلُه لى ولدٌ، وليس مكتوبًا فى التوراةِ. وسأل محمدٌ عَل نفرًا من أهلِ
الكتابِ، فقال : (( ما شأنُ هذا حرامًا))؟ فقالوا: هو حرام علينا من قبلِ الكتابِ .
فقال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿كُلُّ الطّعَامِ كَانَ حِلَّا لِبَنِىّ إِسْرَِّيلَ﴾ إلى: ﴿إِن كُنتُمْ
صَدِقِينَ﴾(١).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجَّاجٌ ، قال : قال ابنُ نجريجٍ : قال
ابنُ عباسٍ: أَخَذه - يعنى إسرائيلَ - عِرْقُ النَّسَا، فكان لا يَبِيتُ (١) بالليلِ مِن شدةِ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٠٦/٣ (٣٧٢٢) عن محمد بن سعد به، من قوله : سأل محمد
(٢) فى م، ت ٢: ((يثبت).