Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
سورة آل عمران : الآية ١٩
كانت نَوَارُ(١) تَدِينُك الأَدْيانا
يَغْنِى: تُذِلُّكَ. وقولُ الأَعشَى ميمونِ بنِ قَيْسٍ(٧) :
هو دانَ الرِّبابَ إِذْ كَرِهوا الدِّينَ دِرَاكًا بِغَزْوةٍ وَصِيالٍ
/ يَعنى بقولِه(٣): دانَ. ذَلَّل، وبقولِه: كرِهوا الدِّينَ. الطاعةً.
٢١٢/٣
وكذلك الإسلامُ، وهو الانْقِيادُ بالتّذَلَّلِ والخشوع، والفعلُ منه ((أسلَم))،
بمعنى: دخَل فى السّلْمِ، كما يقالُ: أقحَط القومُ. إذا دخَلوا فى القَحْطِ، وأَربَعوا،
إذا دخَلوا فى الربيع، فكذلك: أسلموا، إذا دخَلوا فى السّلْم، وهو الانْقِيادُ
بالخضوعِ وتَرْكُ المُمَانَعِةِ .
فإذْ كان ذلك كذلك، فتأويلُ قولِه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ اُلْإِسْلَمُ﴾. إنّ
الطاعةَ للهِ(٤) - التى هى الطاعةُ له (٤) عندَه - "الطاعةُ لهْ) ، وإقرارُ الألسنِ والقلوبِ
له بالعُبودَةِ والذِّلَّةِ ، وانقيادُها له بالطاعةِ فيما أمَر ونهَى ، وَتَذَلُّلُها له بذلك، من غیرِ
استكبارٍ عليه، ولا انحرافٍ عنه، دونَ إشراكِ غيرِهِ مِن خَلْقِه معه فى العبودةِ
والألوهَةِ .
وبنحوِ ما قلنا فى ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثْنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ الدِّينَ
(١) فى الديوان: ((جنوب))، وفى نسخة منه: ((ظلوم)).
(٢) تقدم فى ٣٠١/٣ .
(٣) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((إن)).
(٤) سقط من : م.
(٥ - ٥) زيادة من: م.

٢٨٢
سورة آل عمران : الآية ١٩
عِندَ اللَّهِ اُلْإِسْلَمُ﴾: والإِسلامُ شهادةُ [٣٩٤/١ و] أن لا إلهَ إلا اللَّهُ، والإقرارُ بما جاء به
مِن عندِ اللَّهِ ، وهو دينُ اللَّهِ الذى شرّع لنفسِه، وبعَث به رُسُلَه، ودلّ عليه أولياءَه ، لا
يَقْبَلُ غيرَه ، ولا يَجْزِی إلا به(١) .
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ ، عن أبيه ، عن الربيعِ ،
قال: ثنا أبو العاليةِ فى قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَمُ﴾. قال: الإسلامُ
الإِخلاصُ للَّهِ وحدَه، وعبادتُه لاشريكَ له، وإقامُ الصلاةِ، وإيتاءُ الزكاةِ ، وسائرُ
الفرائضِ لهذا تَبَعُ() .
حدَّثْنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه :
﴿ أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]. قال: دخَلنا فى السّلْم، وترَكنا الحربَ(٣).
حدَّثنا ابنُ محُمَيدٍ ، قال : ثنا سَلَمةُ ، عن ابنِ إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ جعفرِ بنِ
الزُّبِيرِ: ﴿إِنَّ الّذِينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَمْ﴾: أْ ما أنت عليه يا محمدُ مِن التوحيد
للربِّ وَالتَّصْدِيقِ للرسلِ ".
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَمَا أُخْتَلَفَ اُلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ إِلَّ مِنْ بَعْدِ مَا
جَآءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيَا بَيْنَهُمَّ ﴾.
يَعنى بذلك جلّ ثناؤه: وما اختلف الذين أُوتُوا الإنجيلَ - وهو الكتابُ الذى
ذكَرَه اللَّهُ فى هذه الآيةِ - فى أمرٍ عيسى، وافترائهم على اللَّهِ فيما قالُوه فيه مِن الأقوالِ
التى كَثُر بها اختلافُهم بينَهم، وتَشتَّتَتْ بها كلمتُهم، وبايَن بها بعضُهم بعضًا،
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦١٧/٢، ٦١٨ (٢٣١٣) من طريق ابن أبى جعفر به.
(٣) سيأتى هذا الأثر فى تفسير سورة الحجرات بأطول مما هنا .
(٤) سيرة ابن هشام ٥٧٧/١ .

٢٨٣
سورة آل عمران : الآية ١٩
حتى استَحلَّ بها بعضُهم دماءَ بعضٍ، ﴿ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا
بَيْنَهُمْ ﴾ يعنى: إلا مِن بعدِ ما عَلِموا الحقَّ فيما اختَلَفوا فيه مِن أَمْرِه ، وأيقنوا أنهم
فيما يقولون فيه مِن عظيم الفِرْيةِ مُبْطلون ، فأخبرَ اللَّهُ عبادَه أنهم أَتَوْا ما أَتَوْا مِن
الباطلِ ، وقالوا ما قالُوا مِن القولِ الذى هو كفرٌ باللّهِ، على علم منهم بخطأ ما قالوه،
وأنهم لم يقولوا ذلك جهلا منهم بخَطئِه ، ولكنّهم قالُوه واختَلَفوا فيه الاختلافَ
الذى هم عليه ؛ تَعَدِّيًّا من بعضِهم على بعضٍ ، وطلبَ الرياساتِ والملكِ والسلطانِ .
كما حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن
الربيعِ فى قوله: ﴿ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ إِلَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ
بَغْيًا بَيْنَهُمَّ﴾. قال: قال أبو العاليةِ / إلا من بعد ما جاءهم الكتابُ والعلمُ ﴿بَغْيًا
بَيْنَهُمُّ﴾ يقولُ: بَغْيًا عَلَى الدنيا، وطلبَ مُلْكِها وسُلطانِها، فقَتَل بعضُهم بعضًا
على الدنيا، مِن بعدٍ ما كانوا علماءَ الناسِ (١).
٢١٣/٣
حدَّثنى المثنَى ، قال: ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ،
عن الربيعِ، عن ابنِ عمرَ أنه كان يُكْثِرُ تلاوةَ هذه الآيةِ: ﴿إِنَّ الّذِينَ عِندَ اللَّهِ
اُلْإِسْلَمُ وَمَا أُخْتَلَفَ اَلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا
بَيْنَهُمْ﴾. يقولُ: بَغْيًّا على الدنيا، وطلبَ مُلْكِها وسُلطانِها، من قِتَلِها واللَّهِ(١)
أَتِينا، ما كان علينا مَن يكونُ علينا (٢) ، بعدَ أن يأْخُذَ فينا كتابَ اللَّهِ وسنةً نَبِيِّه! ولكنَّا
أُتِيْنا مِن قِبَلِها .
حدَّثنى المُنعى، قال: ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦١٨/٢ (٣٣١٦، ٣٣١٩) من طريق ابن أبى جعفر به.
(٢) بعده فى م: (( ما)).
(٣) سقط من: م.

٢٨٤
سورة آل عمران : الآية ١٩
الربيعِ، قال : إنّ موسى لِمَّ حضره الموتُ دَعا سبعينَ حَبْرًا مِن أحبارٍ بنى إسرائيلَ،
فاستودعهم التوراةَ، وجعلهم أمناءً علیه، كلَّ حْرِ جُزءًا منه، واستخلَف موسى
يوشعَ بنَ نونٍ ، فلما مضَى القرنُ الأَوَّلُ ومضَى الثانِى ومضَى الثالثُ ، وقَعَت الفُرقةُ
بينَهم ؛ وهم الذين أوتوا العلمَ مِن أبناء أولئك السبعينَ ، حتى أَهْرَاقوا بينَهم الدماءَ،
ووَقَعِ الشَّرُّ والاختلافُ، وكان ذلك كلُّه مِن قِبَلِ الذين أُوتوا العلمَ بَغْيًا بينَهم على
الدنيا، طلبًا لسلطانِها ومُلْكِها وخزائنها وزُخْرِفِها، فسَلَّط اللَّهُ عليهم جَبابِرتَهم،
فقال اللَّهُ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَمُ﴾. إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرًا
(١)
بَلْعِبَادِ﴾(١).
فقولُ(١) الربيع بن أنس هذا يدُلُّ على أنه كان عندَه أنه معنِىٌّ بقوله: ﴿ وَمَا
اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ ﴾ اليهودُ مِن بنى إسرائيلَ، دونَ النصارَى منهم ومن
غيرهم .
وكان غيرُه يُوَجَّهُ ذلك إلى أن المعنىَّ به النصارى(٢) الذين أوتوا الإنجيلَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ محُمَيدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ ، عن ابنٍ إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ جعفرِ بنِ
الزُّبِيرِ: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ﴾:
الذى جاءك، أىْ أنّ اللَّهَ الواحدُ الذى ليس له شريكٌ، ﴿بَغْيَّا بَيْنَهُمْ﴾. يَعنى
(٤)
بذلك النصارى
.
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢/٢ إلى المصنف، إلى قوله : جبابرتهم.
(٢) فى النسخ: ((يقول)). والصواب ما أثبتنا.
(٣) بعده فى س: (منهم)).
(٤) سيرة ابن هشام ٥٧٧/١ .

٢٨٥
سورة آل عمران : الآيتان ١٩، ٢٠
القولُ فى تأويل قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بَِايَتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ
الحِسَابِ
١٩
یعنی بذلك جل ثناؤه : ومَن يَجحد حجَجَ اللهِ وأعلامه التى نصبها ذكرى لمن
عَقَل، وأدلةً لمن اعتَبَر وتَذكَّر، فإنّ اللَّهَ مُخْصٍ عليه أعمالَه التى كان يعمَلُها فى
الدنيا، فمُجازِيه بها فى الآخرةِ، فإنه جلّ ثناؤه سريع الحسابِ ، يَعنى : سريعُ
الإحصاءِ. وإنما معنى ذلك ، أنه حافظٌ على كلِّ عاملٍ عَمَلَه ، لا حاجةً به إلى عَقْدٍ ،
كما يَعْقِدُه خلقُه بأكُفِّهم ، أو يعونَه بقلوبِهم، ولكنه يحفَظُ ذلك عليهم بغيرِ كُلْفةٍ
ولا مَئونةٍ ، ولا معاناةٍ لما يُعانيه غيرُه مِن الحُتّابِ .
وبنحوِ الذى قُلنا فى معنَى: ﴿ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. كان مجاهدٌ يقولُ .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابنٍ أبى نجيح،
عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ عزّ وجلّ: ﴿ وَمَن يَكْفُرُ بِكَايَتِ اللَّهِ فَإِنَ اللَّهَ سَرِيعُ
اُلْحِسَابِ﴾. قال: إحصاؤُه عليهم .
حدَّثْنى المُنَى، قال: ثنا أبو محذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بَِايَتِ اَللَّهِ فَإِنَ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾: [٣٩٤/١ظ]
ءِ (١)
إحصاؤُه(١) .
/القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ فَإِنْ حَجُوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنَّ﴾. ٢١٤/٣
يَعنى بذلك جلّ ثناؤه: فإن حاجَّك يا محمدُ النَّفَرُ مِن نصارَى أَهلِ تَجْرانَ فى
أمرٍ عيسى صلواتُ اللَّهِ عليه، فخاصَّمُوك فيه بالباطل، فقُلْ: انقَدْتُ للَّهِ وحدَه،
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦١٩/٢ (٣٣٢٠) من طريق أبي حذيفة به .
(٢) فى م، س: ((اتبعن)). وبإثبات الياء، قرأ نافع وأبو عمرو فى الوصل، ووقف أبو عمرو بغير ياء، واختلف
عن نافع فى الوقف ، وقرأ الباقون وصلا ووقفا بغير ياء. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٢٢٢.

٢٨٦
سورة آل عمران : الآية ٢٠
بلسانِى وقلبى وجميعٍ جَوارچِى.
وإنما خصَّ جلّ ذكرُه بأمرِه بأن يقول: ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ لِلَّهِ﴾. لأن الوَجْهَ أكرمُ
جَوارِحِ ابنِ آدمَ عليه، وفيه بهاؤُه وتَعْظيمُه، فإذا خضَع وجهُه لشىءٍ ، فقد خضع
له الذی هو دونه فی الکرامةِ علیه مِن جوارحِ بدنه .
وأمَّا قولُه: ﴿وَمَنِ أَتَّبَعَنُ﴾. فإنه يَعنى: وأسلَم مَن اتَّبَعنى أيضًا وجهَه للَّهِ
معِى، و﴿ مَنِ﴾ معطوفٌ بها على التاءِ فى ﴿ أَسْلَمْتُ﴾ .
كما حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابنٍ إِسحاقَ ، عن محمدِ بنِ
جعفرِ بنِ الزُّبِيرِ: ﴿ فَإِنْ حَآْجُوكَ ﴾ أىْ: بما يأتُّونك به مِن الباطلِ مِن قولهم : خلَقنا،
وفعَلنا، وجعَلنا، وأَمَرنا . فإنما هى شُبَةُ باطِلةٌ ، قد عرفوا ما فيها مِن الحقِّ، ﴿ فَإِنْ
حَاجُوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِّ﴾ .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَقُل لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ وَالْأُمِنَ ءَأَسْلَمْتُمَّ فَإِنْ أَسْلَمُواْ
فَقَدِ اهْتَدَواْ ﴾.
يَعنى بذلك جلّ ثناؤه: ﴿ وَقُل﴾ يا محمدُ ﴿لِلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ﴾ من
اليهودِ والنصارَى، ﴿ وَاُلْأُمَّيِِّنَ ﴾ الذين لا كتابَ لهم من مشركى العربِ:
ءَ أَسْلَمْتُمْ﴾؟ يقولُ: قل لهم: هل أفرَدْتم التوحيدَ، وأخلَصتُم العبادةَ
والألوهةَ لربِّ العالمينَ، دونَ سائرِ الأندادِ والأشراكِ(٣) التى تُشْرِكونها معه
فى عبادتكم إيَّهم، وإقرارٍ كم بربوبيتِهم، وأنتم تعلمون أنه لا ربَّ غيرُه،
(١) فى ص، ت ١: ( بشىء)).
(٢) ينظر سيرة ابن هشام ٥٧٧/١.
(٣) الأشراك: جمع شريك. تهذيب اللغة ١٧/١٠.

٢٨٧
سورة آل عمران : الآية ٢٠
ولا إلهَ سواه؟ ﴿فَإِنْ أَسْلَمُواْ﴾. يقولُ: فإن انقادُوا لإفرادِ الوحدانيةِ للَّهِ،
وإخلاص العبادةِ والألوهةِ له، ﴿فَقَدِ اهْتَدَواْ﴾، يَعنى: فقد أصابُوا سبيلَ الحقِّ،
وسلَكوا مَحَجَّةَ الُّشْدِ .
فإن قال قائلٌ: وكيفَ قيل: ﴿فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ أُهْتَدَواْ ﴾ عَقِيبَ
الاستفهامِ؟ وهل يجوزُ على هذا فى الكلام أن يقالَ لرجلٍ : هل تقومُ؟ فإن تَقُمْ
أُكرِفك؟.
قيل : ذلك جائزٌ إذا كان الكلامُ مُرادًا به الأمرُ، وإن خرَج مَخْرجَ الاستفهامِ ،
كما قال جلّ ثناؤه: ﴿ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوَةِ فَهَلْ أَنْثُم مُّنَهُونَ﴾ [ المائدة:
٩١]. يَعنى: انتَهُوا. وكما قال جلّ ثناؤه مُخْبِرًا عن الحَواريِّين أنهم قالوا لعيسى:
يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآَبِدَةٌ مِّنَ السَّمَاءِ﴾
[المائدة: ١١٢]. وإنما هو مسألةٌ، كما يقولُ الرجلُ: هل أنت كافٍّ عَنَّا؟ بمعنى:
اكفُفْ عَّا. وكما يقولُ الرجلُ للرجلِ : أين أين؟ بمعنَى: أَقِمْ فلا تَبْرَحْ . ولذلك
بُوزِى فى الاستفهامِ كما يجُوزِى فى الأمرِ فى قراءةٍ عبدِ اللَّهِ : (هل أدُلُكم على
تجارةٍ تنجيكم من عذابٍ أليم « آمِنوا) (١). ففَشَّرها بالأمرِ (١)، وهى فى قراءتنا على
الخبرِ، فالمجازاةُ فى قراءتنا على قولِه: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ﴾. وفى قراءةِ عبدِ اللَّهِ على قولِه:
(آمِنُوا) على الأمرِ؛ لأنه هو التفسيرُ.
و(بنحوِ معنَى٣) ما قلنا فى ذلك قال بعضُ أهلِ التأويلِ.
(١) من الآية ١٠، ١١ من سورة الصف، وهذه القراءة ذكرها الفراء فى معانى القرآن ٢٠٢/١ وأبو حيان فى
البحر المحيط ٢٦٣/٨ وهى قراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف .
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((بالأمن)).
(٣ - ٣) فى س: ((بمعنى)).

٢٨٨
سورة آل عمران: الآيتان ٢٠ ، ٢١
٢١٥/٣
/ حدَّثنا ابنُ محُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ
جعفرِ بنِ الزُّبيرِ: ﴿ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ وَالْأُمِيِّينَ ﴾ الذين لا كتابَ لهم:
ءَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ﴾. الآية(١).
حدّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجاج ، عن ابنٍ جريج ، قال : قال
ابنُ عباس: ﴿وَقُل لِلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ وَالْأُمِّنَ﴾. قال: الأمُّون الذين لا
ء
يَكْتُبون(٢) .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿وَإِنِ تَوَلَّوْ فَإِنََّمَا عَلَيْكَ الْبَلَغُ وَاَللَّهُ بَصِيرٌ
بِالْعِبَادِ
٢٠
يَعنى جلّ ثناؤه بقولِه: ﴿وَإِنِ تَوَلَّوْاْ﴾: وإن أدبروا مُعْرِضين عمَّا تَدْعوهم
إليه مِن الإسلام، وإخلاص التوحيدِ للَّهِ ربِّ العالمين، فإِنما أنت رسولٌ مُبَلِّغٌ، وليس
عليك غيرُ إبلاغ الرسالةِ إلى مَن أرسَلتُك إليه مِن خلقِى، وأداءِ ما كلَّفْتُك مِن
طاعتى، ﴿ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾. يَعنى بذلك: واللَّهُ ذو علم بمن يَقبَلُ مِن عباده ما
أُرسَلْتُك به إليه، فيُطِيعُك(٢) بالإسلام، وبَمَن يَتولَّى منهم عنه مُعْرِضًا ، فيَرُدُّ عليك ما
أَرسَلتُك به إليه، فيَعْصِيك بإبائِه الإسلامَ .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِثَايَتِ اُللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّيْنَ بِغَيْرِ
﴾ .
حَقِ
يَعنى بذلك جلّ ثناؤه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِكَايَتِ اللهِ﴾. أْ: يَجْحَدون
(١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٧، ٥٧٨.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٢٠/٢ (٣٣٢٧) من طريق ابن جريج به .
(٣) فى ص، س: ((فيعطيك)).

٢٨٩
سورة آل عمران : الآية ٢١
حُجَّجَ اللَّهِ وأعلامَه، فيُكَذِّبون بها مِن أهلِ الكتابَين؛ التوارةٍ والإنجيلِ.
كما حدَّثنی ابنُ حُمَيدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ جعفرِ
بنِ الزُّبِيرِ ، قال: ثم جمَع أهلَ الكتابَين جميعًا، وذكّر ما أحدثوا وابتَدَعوا، مِن اليهودِ
والنصارَى، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِثَايَتِ اللَّهِ وَيَقْتُّلُونَ النَّيْجِنَ بِغَيْرٍ حَقٍّ﴾ .
إلى قولِه: ﴿قُلِ اُللَّهُمَّ مَلِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِ الْمُلْكَ مَنْ قَشَآءُ﴾ [آل عمران: ٢٦].
وأما قولُه: ﴿ وَيَقْتُلُونَ النَّبِنَ بِغَيْرِ حَقٍ﴾. فإنه يَعنى بذلك أنهم كانوا
يَقْتُلون رُسُلَ اللَّهِ الذين كانوا يُؤْسَلون إليهم بالنَهْى عما يَأْتون مِن معاصِى اللَّهِ،
وركوبٍ ما كانوا يَوْكَبونه مِن الأمورِ التى قد تَقَدَّم اللَّهُ إليهم فى كتيِهم بالزَّجْرِ عنها،
نحوَ زكريا وابنِه يحيى وما أشبهَهما مِن أنبياءِ اللَّهِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ
النَّاسِ
اختلفت [٣٩٥/١و] القَرَأَةُ فى قراءةٍ ذلك؛ فقرَأَه عامَّةُ أهلِ المدينةِ والحجازِ
والبصرةِ والكوفةِ وسائرُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ
بِالْقِسْطِ﴾. بمعنى القتلِ.
وقرأه بعضُ المتأخِّرين مِن قرأةِ الكوفةِ: ( وَيُقَاتِلُونَ)(٢). بمعنى القتالِ، تأولًا
منه قراءةً عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ، وادَّعى أن ذلك فى مصحفٍ عبدِ اللَّهِ: (وقاتلوا)(٢)،
فقَرَأ الذى وصَفنا أمرَه مِن القرأةِ بذلك التأويلِ: ( وَيُقَاتِلُونَ ).
(١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٨.
(٢) هى قراءة حمزة، وقرأ الباقون بالوجه الأول. السبعة لابن مجاهد ص ٢٠٣.
(٣) المصاحف لابن أبى داود ص ٥٩ وهى قراءة شاذة لم يقرأ بها أحد من القراء العشرة .
( تفسير الطبرى ١٩/٥ )

٢٩٠
سورة آل عمران : الآية ٢١
/ والصوابُ مِن القراءةِ فى ذلك عندَنا (١) قراءةُ مَن قَرَأَه: ﴿ وَيَقْتُلُونَ﴾؛
الإجماع الحُتَجَّةِ مِن القَرَأَةِ عليه به، مع مجىءٍ التأويلِ مِن أهلِ التأويلِ بأنّ ذلك
تأويلُه .
٢١٦/٣
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو ، قال : ثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن ابنٍ أبى نجيح،
عن مَعْقِلِ بنِ أبى مِشْكينٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّيْنَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ
الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾. قال: كان الوَحْى يأتى إلى بنى
إسرائيلَ فِيُذَكِّرون قومَهم(١) - ولم يكنْ يأتيهم كتابٌ - فيُقْتَلون ، فيقومُ رجالٌ ممن
اتََّعهم وصَدَّقهم فيُذَكّرون قومَهم، فيُقْتَلون، فهم الذين يأمُّرون بالقسطِ من
(٣)
الناس() .
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
قتادةَ فى قوله: ﴿ وَيَقْتُلُونَ النَّبِنَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ
بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾. قال: هؤلاء أهلُ الكتابِ ، كان(٤) أتباعُ الأنبياءِ يَنْهَونَهم
ويُذَكِّرونهم ، فيَقْتُلونهم (٢).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جريج فى
(١) القراءتان متواترتان ، فكلتاهما صواب .
(٢) سقط من النسخ، والمثبت من تفسير ابن أبى حاتم والدر المنثور .
(٣) تفسير مجاهد ص ٢٥٠ بنحوه .
وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٢١/٢ (٣٣٣٤)، وفيه: عن ابن أبى نجيح عن مجاهد عن معقل . وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ١٣/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((كانوا)).
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٢١/٢ (٣٣٣٣) من طريق ابن أبى جعفر به .

٢٩١
سورة آل عمران : الآية ٢١
قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِئَايَتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِنَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ
الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾. قال: كان ناسٌ مِن بنى إسرائيلَ مّن
لم يَقْرَأُ الكتابَ، كان الوحْىُ يأتِى إليهم، فيُذَكِّرون قومَهم ، فيُقْتَلون على ذلك،
فهم الذين يأمُرون بالقسطِ مِن الناسٍ .
حدَّثنى أبو عُبيدِ الوَصَّائِىُّ(١) محمدُ بنُ حفصٍ(١)، قال: ثنا ابنُ حِمْيرٍ(١)، قال:
ثنا أبو الحسنٍ مولَى بنى أسدٍ، عن مكحولٍ، عن قَبِيصةَ بنِ ذُؤيبِ الخَزَاعِىِّ ، عن
أبى ◌ُبيدةَ بنِ الجَّاحِ، قال: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، أُّ الناسِ أشدُّ عذابًا يومَ القيامةِ؟
قال: ((رَجِلٌ قتَل نَبِيًّا، أو رجلٌ أمَر بالمُكرِ ونهى عن المعروفِ)). ثم قرأ رسولُ
اللَّهِ عِ لّهِ: ﴿وَ يَقْتُّلُونَ النَّبْتِنَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ
بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾. إلى أن انتهَى إلى: ﴿ وَمَا لَهُم مِّن نَّصِينَ﴾. ثم
قال رسولُ اللَّهِ عَ لَّهِ: (( يا أبا عُبَيدةَ، قتَلت بنو إسرائيلَ ثلاثةً وأربعين نبيًّا مِن أولٍ
النهارِ ، فى ساعةٍ واحدةٍ ، فقام مائةُ رجلٍ واثنا عشَرَ رجلًا مِن عُبَّادٍ بنى إسرائيلَ ،
فأمَروا مَن قتَلهم بالمعروفِ ، ونَهَوهم عنِ المنكرِ ، فَقُتِلوا جميعًا مِن آخرِ النهارِ فى ذلك
اليومٍ، وهم الذين ذكَر اللَّهُ عزَّ وجلَّ))(٥).
فتأويلُ الآيةِ إذن : إنّ الذين يكفُرون بآياتِ اللَّهِ ، ويقتلون السَِّّين بغيرِ حقٌّ ،
ويقتُلون آمِرِيهم بالعدلِ فى أمرِ اللَّهِ ونَهْيِهِ، الذين يَنْهَوْنهم عن قتلِ أنبياءِ اللَّهِ
(١) فى النسخ: ((الوصافى)).
(٢) فى النسخ: (( جعفر)).
(٣) فى النسخ: ((حميد)).
(٤) فى النسخ: ((الذين)).
(٥) أخرجه البزار فى مسنده (١٢٨٥)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٢٠/٢ (٣٣٣٢)، والبغوى فى تفسيره
٢٠/٢، ٢١ من طريق محمد بن حمير به ،

٢٩٢
سورة آل عمران: الآيات ٢١، ٢٢، ٢٣
ور کوب معاصِیه .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿فَبَشِّرُهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿ أُوْلَيْكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ
(٢٢
أَعْمَالُهُمْ فِى الذُّنْيَا وَاُلْآَخِرَةِ وَمَا لَهُم ◌ِّنِ نَّصِرِينَ
/ يَعنى بقولِه جلّ ثناؤه: ﴿فَبَشِّرُهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾: فأخْبِرْهم يا محمدُ ،
٠٢١٧/٣
وأعلِمْهم أن لهم عندَ اللَّهِ عذابًا مُؤلمًا لهم، وهو المُوجِعُ.
وأما قولُه: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَاُلْآَخِرَةِ﴾.
فإنه يَعنى بقولِه: ﴿أُوْلَئِكَ﴾: الذين يكفرون بآياتِ اللَّهِ. ومعنى ذلك: إنّ الذين
ذكّرناهم هم الذين حَبِطَت أعمالُهم. يَعنى: بطَلت أعمالُهم فى الدنيا والآخرةِ .
فأما قولُه: ﴿فِي الدُّنْيَا﴾. فلم يَنالُوا بها مَحْمَدةً ولا ثناءٌ مِن الناسِ ؛ لأنهم كانوا
على ضَلالٍ وباطلٍ ، ولم يَرْفَعِ اللَّهُ لهم بها ذِكْرًا، بل لعَنهم وهتَك أستارَهم(١)،
وأبدَى ما كانوا يُخْفُون مِن قبائح أعمالِهم، على ألسُنِ أنبيائِه ورسلِه فى كُتُبِه التى
أنزلها عليهم، فأبقَى لهم ما بقيت الدنيا مَذَمَّةً ، فذلك حُبوطُها فى الدنيا . وأما
فى الآخرةِ؛ فإنه أعَدَّ لهم فيها مِن العقابِ ما وصَف فى كتابِه، وأعلَم عبادَه أن
أعمالَهم تصيرُ بُورًا لا ثوابَ لها؛ لأنها كانت كُفْرًا باللَّهِ، فجَزاءُ أهلِها الخلودُ فى
الجحيم .
وأما قولُه: ﴿وَمَا لَهُم مِّنْ نَّصِرِينَ﴾. فإنه يَعنى: وما لهؤلاء القومِ مِن
ناصِرٍ يَنْصُرُهم مِن اللَّهِ ، إذا هو انتَقَم منهم بما سَلَف مِن إجرامِهم واجترائِهم عليه ،
فیَسْتَنقِذَهم منه .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿أَلَ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ اُلْكِتَبِ يُدْعَوْنَ إِلَ
(١) فى س: ((أسرارهم)).

٢٩٣
سورة آل عمران : الآية ٢٣
٢٣
كِتَبٍ اُللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَوَلَى فَرِيْقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُعْرِضُونَ
يَعنى بذلك جلّ ثناؤه: ﴿أَلَ تَرَ﴾ يا محمدُ ﴿إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ
اُلْكِتَبِ﴾. يقولُ: الذين أَعْطُوا حظًّا من الكتابِ، ﴿ يُدْعَوْنَ إِلَى كِنَبِ اللَّهِ﴾﴾.
واختلف أهلُ التأويل فى الكتابِ الذى عنَى اللَّهُ بقولِه: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِنَبٍ
اللَّهِ﴾؛ فقال بعضُهم: هو التوراةُ ، دعاهم إلى الرّضا بما فيها، إذ كانت الفِرَقُ
المُنْتَحِلةُ الكتبَ تُقِرُّ بها وبما فيها ، أنها كانت أحكامَ اللَّهِ قبلَ أن يُنْسَخَ منها ما نُسِخ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ ، قال: ثنا يونسُ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ ، قال : ثنى
محمدُ بنُ أبي محمدٍ مولی زیدِ بنِ ثابتٍ ، قال : ثنی سعیدُ بنُ مُبیٍ وعکرمةُ ، عن
ابنِ عباسٍ، قال: دخَل رسولُ اللَّهِ عَ لَه [٣٩٥/١ظ] بيتَ المِدْرَاسِ على جماعةٍ مِن
يهودَ، فدعاهم إلى اللَّهِ، فقال له (١) نُعَيمُ(٢) بنُ عمرٍو والحارثُ بنُ زيدٍ: على أىِّ دِينٍ
أنت يا محمدُ؟ فقال: ((على مِلَّةِ إبراهيمَ ودينِه)). فقالا: فإن إبراهيمَ كان يهوديًّا .
فقال لهما رسولُ اللّهِ وَهِ: ((فَهَلُوا إلى التوارةِ، فَهِى بيننا وبينَكم)). فأَبَيًا(٢) عليه،
فأنزل اللَّهُ عزّ وجل: ﴿أَ تَرَ إلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِنَبِ اللَّهِ
◌َِحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ﴾. إلى قولِه: ﴿مَا كَانُواْ
يَفْتَرُونَ﴾(٤).
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((لهم)). وكتب فوقها فى ص: ((ط)). علامة أنها خطأ .
(٢) وكذا ورد اسمه فى أسباب النزول، وتفسير البغوى، وفى تفسير ابن أبى حاتم ٦٢٢/٢ (٣٣٤٠)،
وسيرة ابن هشام، والدر المنثور: ((نعمان)).
(٣) فى م: ((فأبوا)).
(٤) سيرة ابن هشام ١/ ٥٥٢، وذكره الزيلعى فى تخريج الكشاف ١٧٩/١، ١٨٠ عن المصنف، وينظر أسباب
النزول للواحدى ص ٧٠، وتفسير البغوى ٢/ ٢١، ٢٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤/٢ إلى ابن المنذر.

٢٩٤
سورة آل عمران : الآية ٢٣
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ ، عن محمدِ بنِ إسحاق ، عن محمدِ بنِ أبی
٢١٨/٣ محمدٍ مولى آلٍ زيدٍ، عن / سعيد بن جبيرٍ أو ◌ِكرمةً، عن ابنِ عباسٍٍ، قال: دخَل
رسولُ اللَّهِ عَظَالِ بِيتَ المِدْرَاسِ، فذكَر نحوَه، إلا أنه قال: فقال لهما رسولُ
اللّهِ وَمِ: ((فَهَلُمَّا إلى الثَّوارةِ)). وقال أيضًا: فأَنزَل اللَّهُ فيهما: ﴿أَلَّ تَرَ إِلَى
الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِنَ الْكِتَبِ﴾. وسائرُ الحديثِ مثلُ حديثٍ أبى كُرَيب(١).
وقال بعضُهم: بل ذلك كتابُ اللَّهِ الذى أنزله على محمدٍ ، وإنما دُعِيَت طائفةٌ
منهم إلى رسولِ اللهِ عَّهِ لِيَحْكُمَ بينَهم بالحقِّ ، فَأَبَتْ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَلَّرْ تَرَ إِلَى
الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ اَلْكِتَبِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِنَبِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَ فَرِيْقٌ
مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ﴾: أولئك أعداءُ اللَّهِ اليهودُ، دُعُوا إلى كتابِ اللَّهِ لِيَحكُمَ
بينَهم ، وإلى نبيِّه ليَحكَمَ بينَهم ، وهم يَجِدونه مكتوبًا عندَهم فى التوراةِ ١١، ثم تَوَلِّوا
عنه وهم مُغْرِضون(٢).
حدَّثنى المُثُنَّى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن
قتادةَ: ﴿أَلَ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ﴾ الآية. قال: هم اليهودُ ، دُعُوا
إلى كتابِ اللهِ وإلى نبيّه، وهم يَجِدونه مكتوبًا عندَهم، ثم يَتَولَّون وهم مُعرِضون(٤).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٢٢/٢ (٣٣٤٠) من طريق سلمة به عن عكرمة مرسلا.
(٢) بعده فى م: ((والإنجيل)).
(٣) أخرج ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٢٢/٢ (٣٣٤٢) من طريق يزيد به قوله: ﴿وهم معرضون﴾. قال:
عن کتاب الله
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢/ ٦٢٢، ٦٢٣ (٣٣٤٣) من طريق ابن أبى جعفر به ، وعزاه السيوطى
فى الدر المنثور ١٤/٢ إلى عبد بن حميد ، وابن المنذر .

٢٩٥
سورة آل عمران : الآية ٢٣
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جريجٍ
قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ اُلْكِتَبِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِنَبٍ اُللهِ
لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾. قال: كان أهلُ الكتابِ يُدْعَون إلى كتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بينَهم
بالحقِّ يكونُ، وفى الحدودِ، وكان النبيُّ عَ لَهِ يَدْعُوهم إلى الإسلامِ فَيَتَولّون عن
ذلك(١).
وأولى الأقوالِ فى تأويلِ ذلك عندى بالصوابِ أن يُقالَ: إن اللَّهَ جل ثناؤه أخبَر
عن طائفةٍ من اليهودِ الذين كانوا بينَ ظَهْرَانَىْ مُهاجَرِ رسولِ الله آل فى عهدِه ، ممن
قد أُوتِى عِلْمًا بالتوراةِ ، أنهم دُعُوا إلى كتابِ اللَّهِ الذى كانوا يُقِرُّون به(١) أنه من عندِ
اللَّهِ - وهو (٢) التوراةُ - فى بعضٍ ما تَنازَعوا فيه هم ورسولُ اللَّهِ ◌ِ ◌ِهِ، وقد يجوزُ أن
يكونَ تَنازعُهم الذى كانوا تَنَازَعوا فيه، ثم دُعُوا إلى حُكَم التوراةِ فيه ، فامتَنَعوا من
الإجابةِ إليه - كان أَمْرَ محمدٍ عَّه وأمرَ نُبُوَّتِه، ويجوزُ أن يكونَ ذلك كان أمرَ
إبراهيمَ خليلِ الرحمنِ ودينَه، ويجوزُ أن يكونَ ذلك ما دُعُوا إليه من أمرِ الإسلامِ
والإقرارِ به، ويجوزُ أن يكونَ ذلك كان فى حَدٍّ ، فإن كلَّ ذلك مما قد كانوا نازَعوا
فيه رسولَ اللَّهِ مَّهِ، فَدَعاهم فيه إلى حُكْم التوراةِ، فأتَى الإجابةَ فيه وكَتَمه
بعضُهم .
ولا دلالةَ فى الآيةِ على أىِّ (٤) ذلك كان (°مِن أىّْ)، فيجوزَ أن يقالَ(٦): هو
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤/٢ إلى المصنف .
(٢) سقط من: م، ت١، ت٢، ت ٣، س.
(٣) بعده فى م: ((فى)).
(٤) فى النسخ: ((أن)). وهو تعبير للمصنف تقدم مرارا، ينظر مثلا ٥٥٦/١، ٤٣٩/٢.
(٥ - ٥) فى م: ((ممن أبى)).
(٦) فی س: «یکون )) .

٢٩٦
سورة آل عمران : الآيتان ٢٣ ، ٢٤
هذا دونَ هذا. ولا حاجةَ بنا إلى معرفةِ ذلك؛ لأن المعنى الذى دُعوا إليه (١) ، هو مما
كان فرضًا عليهم الإجابةُ إليه فى دينهم، فامتَنَعوا منه، فأخبرَ اللَّهُ جل ثناؤه عنهم
برِدَّتِهم، وتكذيبهم بما فى كتابهم،/ ومجحودهم ما قد أخَذ عليهم ◌ُهودهم
ومَواثيقَهم بإقامتِه والعملِ به، فلن يَعْدُوا أن يكونوا فى تَكْذبيهم محمدًا عَ لَّه وما
جاء به من الحقِّ ، مِثْلَهم فی تكذییهم موسی وما جاء به، وهم يتولّونه ويُقِرُّون به .
٢١٩/٣
ومعنى قوله: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّ فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُم مُعْرِضُونَ ﴾ : ثم يشتدبِرُ عن كتابٍ
اللَّهِ الذى دعا إلى حُكْمِه، مُعْرِضًا عنه مُنْصرِفًا، وهو بحقيقتِهِ وحجتِه عالِمٌ .
وإنما قُلنا : إن ذلك الكتابَ هو (٢) التوراةُ؛ لأنهم كانوا بالقرآنِ مُكَذِّبِين،
وبالتوراةِ بزَعْمِهم مُصَدِّقِين، فكانت الحجةُ عليهم بتكذييهم بما هم به فى زَعْمِهم
مُقِرُّون، أبلغَ ، وللعُذْرِ أقطعَ .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَنْ تَمَشَنَا النَّارُ إِلََّ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ
وَغَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُنَ
.
٢٤
يعنى جل ثناؤه بقوله: ﴿بِأَنَّهُمْ قَالُوا﴾: بأن هؤلاء الذين دُعُوا إلى كتابِ اللَّهِ
ليَحْكُمَ بينَهم بالحقِّ فيما نازَعوا رسولَ اللَّهِ مَِّهِ، إنما أبَوُا الإجابةَ إلى (١) حُكْم التوراةِ
وما فيها من الحقِّ، من أجلِ قولهم: ﴿لَنَ تَمَشَنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾. وهى
أربعون يومًا، وهن الأيامُ التى عبَدوا فيها العِجْلَ، ثم يُخْرِ جُنا منها ربُّنا ، اغْتِرارًا منهم
بما كانوا يفترون، يعنى: بما كانوا يَخْتَلِقون من الأكاذيبِ والأباطيلِ، فی ادعائهم
أنهم أبناءُ اللَّهِ وأحِبَّاؤُه، وأن اللَّهَ قد وَعَد أباهم يعقوبَ أن لا يُدْخِلَ أحدًا مِن ولدِه
(١) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((جملته)).
(٢) سقط من: ت ١، س.
(٣) فى م: ((فى)) .

٢٩٧
سورة آل عمران : الآية ٢٤
النارَ إِلا تَحِلَّةَ القَسَمِ، فَأَكْذَبهم اللَّهُ على ذلك كُلُّه مِن أقوالِهم، وأخبر نَبِيَّه
محمدًاً مَِّ أنهم هم أهلُ النارِ، هم فيها خالدون، دونَ المؤمنين باللّهِ ورسلِه وما
جاءوا به من عنده .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، [٣٩٦/١و] عن قتادةَ: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ
قَالُواْ لَنْ تَمَسَنَا النَّارُ إِلََّ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾. قالوا: لن تَمَسَّنا النارُ إلا ◌َجِلَّةَ القَسَم
التى نَصَبْنا فيها العِجْلَ، ثم يَنْقَطِعُ القَسَمُ والعذابُ عَنَّا، قال اللَّهُ عزّ وجلّ :
﴿وَّهُ فِ دِينِهِم ◌َّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ أى قالوا: ﴿ نَحْنُ أَبْكَوْ الَّهِ وَأَحِبَّتُهُ.
[ المائدة : ١٨ ] .
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
الربيعِ فى قوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَنْ تَمَسَنَا النَّارُ إِلََّ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾ الآية .
قال: قالوا: لن نُعَذَّبَ فى النارِ إلا أربعين يومًا. قال: يعنى اليهودَ. قال:
وقال قتادةُ مثلَه. وقال: هى الأيامُ التى نصَبوا فيها العِجْلَ، يقولُ اللَّهُ عّ
وجلّ: ﴿ وَغَّهُ فِ دِينِهِمِ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ حينَ قالوا: ﴿ فَحْنُ أَبْنَوْ اَللَّهِ
وَأَحِبَُّهُ ﴾.
حدَّثُنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريج : قال
مجاهدٌ قولَه: ﴿ وَغَّهُمْ فِ دِينِهِمِ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾. قال: غَرَّهم قولُهم: ﴿لَن
(١) تقدم فى ١٧١/٢، ١٧٢.
(٢) أخرج آخره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٢٣/٢ (٣٣٤٦) من طريق ابن أبى جعفر به .

٢٩٨
سورة آل عمران : الآيتان ٢٤، ٢٥
تَمَسَنَا النَّارُ إِلَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾
(١
/ القولُ فى تأويل قوله: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَهُمْ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِيَتْ كُلُّ
٢٢٠/٣
٢٥
نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
يعنى بقولِه جل ثناؤه: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَهُمْ﴾: فأىَّ حالٍ يكونُ حالُ هؤلاء
القومِ الذين قالوا هذا القولَ، وفعَلوا ما فعلوا، من إغْراضِهم عن كتابِ اللَّهِ،
واغترارِهم بربِّهم ، وافترائهم الكذبَ؟ وذلك من اللَّهِ عز وجل وعيدٌ لهم شديدٌ ،
وتَهدیدٌ غَلِيظٌ .
وإنما يعنى بقولِه: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَهُمْ﴾ الآية: فما أعظمَ ما يَلْقَون مِن
عقوبةِ اللَّهِ وتَنْكيلِه بهم، إذا جمَعهم ليومٍ يُوَفَّى كلّ عاملٍ جزاءَ عملِه على قَدْرِ
استحقاقِهِ، غيرَ مظلوم فيه! لأنه لا يُعاقَبُ فيه إلا على ما اجتَرَم ، ولا يُؤَاخِذُ إلا بما
عمِل، يُجْزَى المحسنُ بإحسانِهِ ، والمُسِىءُ ياساءتِه ، لا يخافُ أحدٌ مِن خلقه يومئذٍ
منه(٢) ظُلْمًا ولا هَضْمًا .
فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَهُمْ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ﴾ . ولم
يُقَلْ : فی يومٍ لا ريبَ فيه ؟
قيل: لُخالَفةِ معنَى(٢) اللامِ فى هذا الموضعِ معنَى ((فى))، وذلك أنه لو كان
مكانَ اللامِ ((فى)) لكان معنى الكلامِ: فكيف إذا جمَعناهم فى يومِ القيامةِ ، ماذا
يكونُ لهم مِن العذابِ والعقابِ ؟ وليس ذلك المعنى فى دخولِ اللامٍ ، ولكنَّ معناه مع
اللام : فكيفَ إذا جمَعناهم لِما يَحْدُثُ فى يومٍ لاريبَ فيه ، ولِما يكونُ فى ذلك
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٢٣/٢ (٣٣٤٧) من طريق حجاج به . وفيه عن ابن جريج، عن خالد
بن الحارث ، عن مجاهد .
(٢) سقط من م، ت ٢، ت ٣، س.
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((بمعنى).

٢٩٩
سورة آل عمران : الآيتان ٢٥ ، ٢٦
اليوم من فَصْلِ اللَّهِ القضاءَ بينَ خَلْقِهِ، ماذا لهم حينَئذٍ من العقابِ وأليم العذابِ ؟
فمع اللامٍ فى : ﴿لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ﴾ نيةُ(١) فعلٍ، وخبرٌ مطلوبٌ ، قد تُرِك ذكُه
اجتِزاءً بدَلالةِ دخولِ اللامِ فى ((اليومٍ)) عليه منه، وليس ذلك مع ((فى))؛ فلذلك
اخْتِيرَت اللامُ، فأَدْخِلت فى ((اليومِ)) دونَ ((فى)).
وأمَّا تأويلُ قولِه: ﴿لََّ رَيْبَ فِيهِ﴾. فإنه : لاشكَّ فى مَجِيئِه .
وقد دلَّلْنا على أنه كذلك بالأدلةِ الكافيةِ ، مع ذكرٍ مَن قال ذلك فى تأويلِه ،
فيما مضى ، بما أغنَى عن إعادتِه(٢) .
وعَنَى بقوله: ﴿ وَوُفِيَتْ﴾: وَوَفَّى اللَّهُ، ﴿كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ)
مه
يعنى : ما عَمِلت مِن خيرٍ وشرٌّ، ﴿ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. يعنى أنه لا يَبْخَسُ المحسِنَ
جزاءَ إحسانِه ، ولا يُعاقِبُ مُسِيئًا بغيرِ مُرْمِه .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ﴾.
أما تأويلُ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ﴾. فإنه : قُلْ يا محمدُ : يا أَللَّهُ.
واختلف أهلُ العربيةِ فى نَصْبٍ ميم ﴿اللَّهُمَّ﴾ وهو مُنادَى، وحكمُ المنادى
المفردٍ غيرِ المضافِ الرفعُ، وفى دخولِ الميم فيه، وهو فى الأصلِ («اللَّهُ)) بغيرِ ميمٍ؛
فقال بعضُهم : إنما زِيدَت فيه المِيمان(٤)؛ لأنه لا يُنادَى بـ (يا))، كما يُنادَى الأسماءُ
التى لا أَلِف فيها (° ولا لامْ)، وذلك أن الأسماءَ التى لا أَلِفَ ولا لامَ فيها، تُنادَى بـ
(١) فى س: (( فيه منه)).
(٢) فى م: ((أخيرًا)).
(٣) ينظر ما تقدم فى ٢٣١/١ - ٢٣٣.
(٤) فى س: ((الميمات)).
(٥ - ٥) سقط من: م.

٣٠٠
سورة آل عمران : الآية ٢٦
٢٢١/٣ ((يا))، كقولِ القائل: يازيدُ، ويا عمرُو. / قال: فُجُعِلت الميمُ فيه خَلَفًا مِن ((يا))،
كما قالوا: فلمّ ودٌ(١) وهمّ وزُرْقُمْ)(٢) وسُتْهُمْ(٣)، وما أشْبَهَ ذلك من الأسماءِ والنعوتِ
التى يُحْذَفُ منها الحرفُ، ثم يُتدلُ مكانَه ميم. قال: فكذلك حُذِفَتْ مِن ((اللهمَّ))
((يا)) التى يُنَادَى بها الأسماءُ التى على ما وَصَفْنا، وجعِلت الميمُ خلفًا منها مما(1) فى
آخرِ الاسمِ(٥).
وأنكر ذلك مِن قولِهِم آخَرون(١)، وقالوا: قد سمِعنا العربَ تُنادِى ((اللهمَّ))
بـ ((يا)) كما تُنادِيه ولا ميمَ فيه. قالوا: فلو كان الذى قال هذا القولَ مُصیبًا فی
دَعْواه، لم تدخِلْه العربُ ((يا)»، وقد جاءوا بالخَلَفِ منها. وأَنْشَدوا فى ذلك سماعًا
مِن العربِ() :
وما عليكِ أن تَقُولى كُلَّما
"صَلَّيْتِ أوْ ◌َّْت٨ٍ) يا " اللَّهِمَّ ماً)
ارْدُدْ علينا (١٠) شيخَنا(١١) مُسَلَّما
(١) كذا وردت هذه الكلمة فى هذا الموضع، وستأتى على الصواب بعد ذلك: ((ابنم)).
(٢) كذا فى النسخ، ومعانى القرآن للفراء ٢٠٣/١، ولم نجد هذه الكلمة والتى قبلها فيما زيدت فيه الميم.
آخرا. وينظر شرح تصريف المازنى لابن جنى ١/ ١٥١، والمزهر للسيوطي ٢٥٧/٢.
الزرقم : الشديد الزرق ، للمذكر والمؤنث . التاج (زرق ).
(٣) الستهم: العظيم الاست. اللسان (س ت هـ).
(٤) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.
(٥) وهذا رأى الخليل، نقله عنه سيبويه فى الكتاب ١٩٦/٢.
(٦) هو قول الفراء، ينظر معانى القرآن ٢٠٣/١.
(٧) معانى القرآن ٢٠٣/١، واللسان (أل هـ)، والخزانة ٢/ ٢٩٦.
(٨ - ٨) فى معانى القرآن، واللسان: ((صليت أو سبحت))، وفى الخزانة: ((سبحت أو صليت)).
(٩ - ٩) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، واللسان: ((أللهُمَا)).
(١٠) فى م: ((إلينا)).
(١١) الشيخ هنا: الأب أو الزوج.