Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
سورة آل عمران : الآية ١٤
الْمُقَنَطَرَةِ﴾ فيقولُ: المَضْروبةُ حتى صارت دَنانيرَ أو دراهمَ(١).
وقد رُوِى عن النبيِّ ◌َ ◌ّه فى قوله: ﴿ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَهُنَّ قِنِطَارًا ﴾ [ النساء: ٢٠]،
خبرٌ لو صحَّ سندُه لم نَعْدُه إلى غيرِهِ، وذلك ما حدَّثنا به ابنُ عبدِ الرحيم البَرْقَىُّ،
قال: ثنى عمرُو بنُّ أبى سَلَمَةَ، قال: ثنا زُهَيرُ بنُ محمدٍ ، قال: ثنى أبانُ بنُ أبی
عَيَّاشِ وحُمَيدٌ الطويلُ، عن أنسٍ بنِ مالك، عن رسولِ اللَّهِ عَ له: ﴿وَءَاتَّيْتُمْ
إِحْدَدُهُنَّ قِنْطَارًا﴾. قال: ((ألفا مِئِينَ(٢)). يعنى ألفين(٤).
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ .
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى معنَى: ﴿الْمُسَوَّمَةِ﴾؛ فقال بعضُهم: هى الرَّاعيةُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنا ابنُ وَ کیع، قال : ثنا أبی، عن سفيان، عن حبیبِ بنِ أبی ثابتٍ ، عن
سعيدِ بنِ جُبيرٍ : ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾. قال: الراعيةُ التى تَرْعَى(٥).
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: [٣٩١/١ظ] ثنا سفيانُ، عن
حَبيبٍ ، عن سعيد بن جبيرٍ مثلَه .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٠٩/٢ (٣٢٦٥) من طريق عمرو به .
(٢ - ٢) فى النسخ: ((عبد الرحمن)). والمثبت كما تقدم فى ٦٣/١، وتفسير ابن أبى حاتم .
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((ومين))، وفى الموضع الأول من تفسير ابن أبى حاتم: ((ألف
دينار))، وفى الموضع الثانى: ((ألفا دينار))، وفى المستدرك: ((ألفا أوقية)). وفى الدر المنثور: ((ومائتين)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢/ ٦٠٨، ٩٠٦/٣ (٣٢٥٦، ٥٠٥٣) عن أحمد بن عبد الرحيم به ،
والحاكم ١٧٨/٢ من طريق عمرو بن أبى سلمة به .
(٥) تفسير سفيان ص ٧٥. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦١٠/٢ (٣٢٦٩) من طريق وكيع وأبى
نعيم به .

٢٦٢
سورة آل عمران : الآية ١٤
حدَّثنى المثَنَّى ، قال : ثنا أبو نُعَيْم، قال : ثنا سفيانُ ، عن حَبيبٍ ، عن سعيدِ بنِ
جبيرٍ مثلَه .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال: أُخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أَخْبَرَنا سفيانُ ، عن
حَبيبٍ بنِ أبى ثابتٍ ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ: هى الراعيةُ ، يعنى السائمةَ(١).
حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال : ثنا أبى، عن طلحةَ القَتَّادِ ، قال: سمِعْتُ عبدَ اللَّهِ بنَ
عبدِ الرحمنِ بنِ أَبْزَى يقولُ : الراعيةُ(١) .
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی ابی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾. قال: الراعيةُ(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةً، عن الحسنِ:
﴿ وَالْخَيْلِ اٌلْمُسَوَّمَةِ﴾: المُسَرَّحَةُ فِى الَّعْيِ .
٢٠٣/٣
/حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الربيعِ،
قوله: ﴿ وَاُلْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾. قال: الخيلُ الراعيةُ(٤).
حُدِّثْتُ عن عمارٍ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ ، عن أبيه ، عن ليثٍ ، عن مُجاهدٍ أنه
كان يقولُ : الخيلُ الراعيةُ .
وقال آخرون: المُسَوَّمةُ الحِسانُ .
(١) تفسير عبد الرزاق ١١٧/١.
(٢) ينظر تغليق التعليق ١٨٨/٤، وذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٠١/٢ عقب الأثر (٣٢٦٩) عن عبد اللَّه
ابن عبد الرحمن بن أبزى معلقا .
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٦/٢ عن المصنف. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١/٢ إلى المصنف.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦١٠/٢ عقب الأثر (٣٢٦٩) من طريق ابن أبى جعفر به.

٢٦٣
سورة آل عمران : الآية ١٤
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشّارٍ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال : ثنا سفيانُ ، عن حَبيب ،
قال: قال مُجاهدٌ: المسومةُ المُطَهَّمةُ(١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أُخْبَرَنا الثورىُّ، عن
حَبيبٍ بنِ أبي ثابتٍ ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾. قال: المُطَهَّمَةُ
و (٢)
الحِسانُ(٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
نَجيح، عن مُجاهدٍ فى قولِه: ﴿ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾. قال: الْمُطَهَّمَةُ حُسْنًا(٣).
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيج، عن
مُجاهِدٍ مثلَه .
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا أبو نُعيم ، قال : ثنا سفيانُ، عن حَبيبٍ ، عن مُجاهدٍ :
الْمُطَهَّمَةُ(٤) .
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال : ثنا أبو عبدِ الرحمنِ المُقْرِئُ، قال: ثنا سعيدُ بنُ أبى
أيوبَ ، عن بَشيرِ بنِ أبى عمرو الخَوْلانيّ، قال: سأَلْتُ عكرمةَ عن ﴿ وَالْخَيْلِ
(١) المطهم من الناس والخيل: الحسن التام ، كل شىء منه على حدته، فهو بارع الجمال. اللسان
(ط هـ م).
(٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١١٧.
(٣) تفسير مجاهد ص ٢٤٩. ومن طريقه أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦١٠/٢ (٣٢٧٠) .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦١٠/٢ (٣٢٧١) من طريق أبى نعيم ووكيع به .
(٥) فى النسخ: ((بشر)). والصواب ما أثبتنا، وينظر تهذيب الكمال ٤ / ١٧١.

٢٦٤
سورة آل عمران : الآية ١٤
اُلْمُسَوَّمَةِ﴾. قال: تَسويُها حُسْنُها (١).
حدَّثنى يونُسُ ، قال: أُخْبَرَنا ابنُ وهبٍ ، قال: أَخْبَرَنى سعيدُ بنُ أبى أيوبَ ، عن
بَشِيرِ (١) بن أبى عمرو الخَوْلانِيٌّ، قال: سمِعْتُ عكرمةَ يقولُ: ﴿وَالْخَيْلِ
اُلْمُسَوَّمَةِ﴾. قال : تسويمُها الحُشْنُ.
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ:
وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَمِ﴾: الرائعةُ.
وقد حدَّثنى بهذا الحديثِ عن عمرو بنِ حمادٍ غيرُ موسى، قال: الراعيةُ(١) .
وقال آخرون : الخيلُ المسؤَّمَةُ : المُغْلَمةُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىُّ بنُ داودَ ، قال : ثنا أبو صالح ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ ، عن
ابنِ عباسٍ: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾، يعنى: المُعْلَمةَ(٤) .
حدَّثنا بشرّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَالْخَيْلِ
اُلْمُسَوَّمَةِ ﴾ ، وسِيماها شِيَتُها .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أْبَرَنا مَعْمٌ، عن
قَتَادَةً فى قولِه: ﴿ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾. قال: شِيَةُ الخيلِ فى وُجوهِها(٥).
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١/٢ إلى المصنف ، وعبد بن حميد.
(٢) فى النسخ: ((بشر)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦١٠/٢ عقب الأثر (٣٢٦٩) من طريق عمرو به .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١/٢ إلى المصنف.
(٥) تفسير عبد الرزاق ١١٧/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦١١/٢ (٣٢٧٢) عن الحسن بن یحیی به .

٢٦٥
سورة آل عمران : الآية ١٤
وقال غيرُهم : المسؤَمةُ المُعَدَّةُ للجهادِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿ وَالْخَيْلِ
اُلْمُسَوَّمَةِ﴾. قال: المُعَدَّةُ للجهادِ .
قال أبو جعفر: أَوْلَى هذه الأقوالِ بالصوابِ فى تأويلِ قوله: ﴿وَالْغَيْلِ
اٌلْمُسَوَّمَةِ﴾ المُعْلَمَةُ بالشِّياتِ الحسانِ الرائعةُ حُسْنًا مَن رآها؛ لأن التسويمَ فى كلامٍ
العربِ هو الإعلامُ، فالخيلُ الحِسانُ مُعلَمةٌ بإعلامِ اللهِ إياها بالحسنِ مِن ألوانِها
وشِيَاتِها وهيئاتِها، وهى المُطَهَّمَةُ أيضًا. ومِن ذلك قولُ نابغةٍ بنى ذُنْيانَ فى صفةٍ
(١)
الخيل(١) :
(" وضُعْرٍ(٢) كالقِداح(٢) مُسوَّماتٍ عليها مَغْشَرٌ أَشْباهُ چِنٌّ
يعنى بالمسؤَّماتِ: الْمُعْلَماتِ . وقولُ لَبيدٍ (4) :
وغَداةَ قاعِ القُرْنَتَينُ(١) أَتَّيْنَهم(٢)
زُجَلًا(٧) يَلُوحُ خِلالَها التَّشْويمُ
فمعنى تأويلٍ مَن تَأَوَّل ذلك المُطَهَّمَةَ، والمُعلمةَ ، والرائعةَ، واحدٌ .
(١) ديوانه ص ١٢٨.
(٢ - ٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((بسمر))، وفى س: ((شيم)). والمثبت من الديوان.
(٣) القداح، جمع قِدْح: السهم قبل أن يراش وينصل. القاموس المحيط (ق د ح).
(٤) شرح ديوان لبيد ص ١٣٣.
(٥) قال فى شرح الديوان : القرنتين موضع. وقال ياقوت: يوم القرنتين كانت فيه وقعة لغطفان على بنى
عامر. معجم البلدان ٤/ ٧٠. ولكن لبيدا يفخر به ، فلعله كان لبنى عامر .
(٦) فى ص، ت ١، ت ٢، س: ((أتيتهم))، وفى رواية الديوان: ((أتتهم)).
(٧) فى الديوان: ((زهوا)). وزُجَلًا: جماعات. اللسان (زج ل).

٢٦٦
سورة آل عمران : الآية ١٤
وأما قولُ مَن تأوَّله بمعنى الراعيةِ ، فإنه ذهَب إلى قولِ القائل: أَسَمْتُ الماشيةَ،
فأنا أُسِيمُها إِسامةٌ . إذا أَرْعَيْتَها الكَلَأَ والعُشْبَ، كما قال اللَّهُ عز وجل: ﴿وَمِنْهُ
شَجَرٌ فِيهِ تُِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠]. بمعنى تُؤْعُون. ومنه قولُ الأخطل(١):
أوْلَى لك(٢) ابنَ مُسِيمةِ الأجْمالِ
مثلِ ابنِ بَزْعةً) أو كآخَرَ مِثْلِه
يعنى بذلك : راعيةَ الأجْمالِ .
فإذا أُرِيد أن الماشيةَ هى التى رعَتْ ، قيل: سامَتِ الماشيةُ تَسومُ سَوْمًا. ولذلك
قيل : إبلٌ سائمةٌ . بمعنى: راعية، (٢ غيرَ أنه غيرُ مُسْتَفيضٍ فى كلامِهم: سؤَّمْتُ
الماشيةَ . بمعنى: أَرْعَيْتُها ، وإنما يُقالُ إذا أُرِيد ذلك: أَسَمْتُها . فإذا كان ذلك كذلك،
فتوجيهُ تأويلِ المسؤَّمةِ إلى أنها المُغْلَمَةُ بما وصَفْنا مِن المعانى التى تقَدَّم ذكرُناها أُصَحُ .
وأما الذى قاله ابنُ زيدٍ مِن أنها المُعَدَّةُ فى سبيل اللَّهِ ، فتأويلٌ مِن معنى المسوَّمةِ
[٣٩٢/١ و] بمَعْزِلٍ.
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَالْأَنْعَمِ وَالْحَرْثِ﴾ .
/ فالأَنْعامُ جمعُ نَعَمِ ، وهى الأزْوائجُ الثَّمانيةُ التى ذكَّرَها فى كتابه (٥)، مِن
الضَّأْنِ والمَغَزِ والبقرِ والإبلِ. وأمَّا الحَرَّثُ فهو الزَّرِعُ.
٢٠٥/٣
وتأويلُ الكلام: زُيِّن للناسِ حبُّ الشَّهواتِ مِن النساءِ، ومِن البنينَ ، ومِن كذا
(١) شرح ديوانه ص ٢٤٩.
(٢ - ٢) فى ص، ت ٢، ت ٣: ((ابن برعة))، وفى س: ((أبى برعة)).
(٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٤ - ٤) سقط من: ت ٢، ت ٣، س، وفى م، ت ١: ((أنه)).
(٥) يشير إلى الآيات ١٤٢ - ١٤٤ من سورة ((الأنعام)).

٢٦٧
سورة آل عمران : الآية ١٤
(١) كذا، ومِن الأنعامِ والحَرَّثِ.
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ ذَلِكَ مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَالَّهُ عِندَهُ حُسُْ
اُلْمَشَابِ
١٤
يعنى بقوله جل ثناؤُه: ﴿ ذَلِكَ ﴾ جميعَ ما ذَكَر فى هذه الآيةِ مِن النساءِ
والبنينَ ، والقَناطيرِ المقنطرةِ مِن الذهبِ والفضةِ ، والخيلِ المسؤَّمةِ، والأنعامِ والحرثِ،
فكنَى بقولِه: ﴿ ذَلِكَ﴾ عن جميعِهن، وهذا يَدُلُّ على أن ((ذلك)) يَشْتَمِلُ على
الأشياءِ الكثيرةِ المختلفةِ المعانى ، ويُكْنَى به عن جميعِ ذلك .
وأما قولُه: ﴿مَنَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيًّا﴾. فإنه خبرٌ مِن اللَّهِ عن أن ذلك كلَّه مما
يَسْتَمْتِعُ به فى الدنيا أهلُها أحياءً، فيَبَلَّغون به فيها، ويَجْعَلونه وُصْلةً " فى معاِشِهم،
وسببًا لقَضاءِ شَهواتِهم، التى زُيِّن لهم حبُّها(٢) فى عاجلِ دنياهم، دونَ أن يَكونَ عُدَّةٌ
المعادِهم، وقُزْبةً لهم إلى ربِّهم ، إلا ما أُسْلِك فى سبيلِهِ ، وأَنْفِق منه فيما أمرَ به .
وأما قولُه: ﴿وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَشَابِ﴾. فإنه يعنى بذلك جل ثناؤه :
وعندَ اللَّهِ حُسنُ المآبِ ، يعنى: حسنُ المَرْجِعِ .
كما حدَّثنی موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن الشُّدىِّ: ﴿وَاللَّهُ
عِندَهُ حُسْنُ الْمَغَابِ﴾. يقولُ: حسنُ المُتْقَلبِ، وهى الجنةُ(٤).
وهو مصدرٌ على مثالٍ مَفْعَلٍ ، مِن قولِ القائلِ: آبَ الرجلُ إلينا ، إذا رجَع، فهو
يَقُوبُ إيابًا وأَوْبَةً وأَيْبةً ومَآبًا. غيرَ أن موضعَ الفاءِ منها مَهْموزٌ ، والعينُ مُبْدَلَةٌ مِن الواوِ
(١) بعده فى م، ت ١، س: ((من)).
(٢) الوُصْلةُ : الذريعة . اللسان ( وص ل ) .
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (( حملها)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦١٢/٢ (٣٢٧٨) من طريق عمرو بن حماد به .

٠٢٦٨
سورة آل عمران : الآيتان ١٤، ١٥
إلى (١) الألفِ بحركتِها(١) إلى الفتح، فلما كان حظّها الحركةَ إلى الفتح، وكانت
حركتُها مَنْقولةً إلى الحرفِ الذى قبلَها - وهو فاءُ الفعلِ - انْقَلَبت فصارَت ألفًا ،
كما قيل: قال. فصارَت عينُ الفعلِ ألفًا؛ لأن حظّها الفتح. والمآبُ مثلُ المَقَالِ
والمعادِ والمَحَالِ، كلُّ ذلك مَفْعَلٌ، مَنْقولةٌ حركةُ عينِه إلى فائِهِ، فَمُصَيَّرةٌ(١) واؤه أو
ياؤُه ألفًا؛ لفتحةِ ما قبلَها .
فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿ وَاَللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَشَابِ﴾ وقد علِمْتَ ما
عندَه يومَئذٍ مِن أليم العذابِ وشديد العقابِ ؟
قيل : إن ذلك معنىٌّ به خاصٍّ مِن الناسِ، ومعنى(٤) ذلك: واللَّهُ عندَه حسنُ
المآبِ للذين اتَّقَوْا ربَّهم، وقد أَنْبَأَنا عن ذلك فى هذه الآيةِ التى تَلِيها .
فإن قال : وما حسنُ المآبِ؟ قيل: هو (٥) ما وصَفه به جل ثناؤه، وهو المَرْجِعُ
إلى جناتٍ تَجْرِى مِن تحتها الأنهارُ، مُخَلَّدًا فيها، وإلى أزواج مُطَهَّرةٍ ، ورِضْوانٍ مِن
اللَّهِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ قُلٌ أَوْنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْ عِنْدَ رَبِّهِمْ
جَنَّكُ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَجُ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوٌَ مِّنَ اللهِ
١٥
وَاَللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ
يعنى جل ثناؤُه: قلْ يا محمدُ للناسِ الذين زُيِّن لهم حبُّ الشَّهواتِ مِن النساءِ
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((التى)).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((تحركها)).
(٣) فى م: ((فتصير))، وفى س: ((فصيرت)).
(٤) فى ت ١، س: ((يعنى))، وفى ت ٢، ت ٣: ((يبقى))، وغير منقوطة فى ص .
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((و)).

٢٦٩
سورة آل عمران : الآية ١٥
٢٠٦/٢
والبنينَ، وسائرٍ ما ذكّر ربُّنا / جل ثناؤه: ﴿أَوْنَبِشْكُمْ﴾: أُخْبِرُكُمْ وَأُعْلِمُكم،
﴿بِخَيْرٍ مِّنْ ذَلِكُمْ﴾ يعنى: بخيرٍ وأفضلَ لكم، ﴿مِّن ذَلِكُمْ﴾ يعنى: مما زُيِّن
لكم فى الدنيا محُبُّ شهوتِهِ مِن النساءِ والبنينَ والقناطيرِ المقنطرةِ مِن الذهبِ والفضةِ ،
وأنواع الأموالِ ، التى هى مَتاعُ الدنيا .
ثم اخْتَلَف أهلُ العربيةِ فى الموضع الذى تَنَاهَى إليه الاستفهامُ مِن هذا الكلامِ؛
فقال بعضُهم: تَناهَى ذلك عندَ قولِه: ﴿مِّنِ ذَلِكُمْ﴾ ثم ابتدأ الخبرَ عما للذين
اتَّقوا عند ربِّهم، فقيل: ﴿ لِلَّذِينَ اتَّقَوْاْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّلتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ
خَلِدِينَ فِيهَا﴾ فلذلك رفَع الجناتِ .
ومَن قال هذا القولَ لم يُجِزْفى قوله: ﴿جَنَُّ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا اُلْأَنْهَدُ﴾ إلا
الرفعَ ، وذلك أنه خبرٌ مبتدأ، غيرُ مَردودٍ على قوله: ﴿بِخَيْرٍ﴾. فيكونُ الخفضُ فيه
جائزًا. وهو وإن كان خبرًا مبتدأُ عندَهم، ففيه إبانةٌ عن معنى ((الخير)) الذى أمَر اللَّهُ
عز وجل نبيَّه عَ لِ أن يَقولَ للناسِ: أُ نَبِّئُكم به. و((الجنات)) على هذا القولِ مرفوعةٌ
باللامِ التى فى قوله: ﴿ لِلَّذِينَ أَتَّقَوْاْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾.
وقال آخرون منهم بنحوٍ مِن هذا القول ، إلا أنهم قالوا : إن جعَلْتَ اللامَ التى
فى قوله: ﴿ لِلَّذِينَ﴾ مِن صلةِ الإنباءِ، جاز فى ((الجنات)) الخفضُ والرفعُ؛ الخفضُ
على الردِّ على ((الخير))، والرفعُ على أن يَكونَ قولُه: ﴿لِلَّذِينَ أَتَّقَوْاْ﴾ خبرَ مبتدأٌ .
على ما قد يتِنَّه قبلُ .
وقال آخرون: بل مُنْتَهَى الاسْتِفهامِ قولُه: ﴿عِندَ رَبِّهِمْ﴾ ثم ابتَدَأْ :
جَنَّكُ تَجْرِى مِن ◌َّحْتِهَا اُلْأَنْهَدُ﴾. وقالوا: تأويلُ الكلامِ: ﴿قُلْ أَؤُنِشُكُم بِخَيْرٍ
مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ أَنَّقَوْاْ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾. ثم كأنه قيل: ماذا لهم؟ أو ما ذاك؟ أو على أنه
يقالُ: ماذا لهم؟ أو ما ذاك؟ فقال: هو ﴿ جَنَّبٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ ﴾ الآية .

٢٧٠
سورة آل عمران : الآية ١٥
وأولى هذه الأقوالِ عندى بالصوابِ قولُ مَن جعَل الاستفهامَ مُتَناهِيًّا عندَ قولِه :
بِخَيْرٍ مِن ذَالِكُمْ﴾. والخبرَ بعدَه مبتدأ عمَّن له الجناتُ بقوله: ﴿ لِلَّذِينَ اتَّقَوْاْ عِندَ
رَبِّهِمْ جَنٌَُّ﴾. فيَكونُ مَخْرَجُ ذلك مَخْرَجَ الخبرِ، وهو إبانةٌ عن معنى ((الخير))
الذى قال: أَؤُ نَبِّئُكم(١) به؟ فلا يَكونُ بالكلامِ حينئذٍ حاجةٌ إلى ضميرٍ .
قال [٣٩٢/١ظ] أبو جعفر محمدُ بنُ جَرير الطبرىُّ: وأما قولُه: ﴿خَلِينَ
فِيهَا﴾ . فمنصوبٌ على القطعِ .
ومعنى قوله: ﴿ لِلَّذِينَ أَتَّقَوْاْ﴾: للذين خافوا اللَّهَ فأطاعوه، بأداءِ فَرائضِه،
واجْتِنابِ مَعاصِيه، ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يعنى بذلك: لهم جناتٌ تَجْرِى مِن تحتها الأنهارُ
عندَ ربّهم .
والجناتُ البساتينُ، وقد بيَّنا ذلك بالشواهدِ فيما مضى، وأن قوله : ﴿ تَجْرِى
مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. يعنى به: مِن تحتِ الأشْجارِ. وأن الخلودَ فيها دَوامُ البقاءِ
فيها ، وأن الأزواجَ المُطَهَّرةَ هن نساءُ الجنةِ اللَّاتى طُهِّرْنَ مِن كلِّ أَذِى يَكونُ بنساءٍ
أهلِ الدنيا، مِن الحيضِ والمنىّ والبولِ والنّفاسِ، وما أشْبَهَ ذلك مِن الأذى، بما أغْنَى
عن إعادته فى هذا الموضعِ(٢) .
وقولُه: ﴿ وَرِضْوَابٌ مِّنَ اللهِ﴾. يعنى: ورضا اللَّهِ. وهو مصدرٌ مِن قولٍ
القائل: رضِى اللَّهُ عن فلانٍ، فهو يَرْضَى عنه رِضًا، منقوصٌ، ورِضْوانًا ورُضْوانًا
ومَرْضاً . فأما الرُّضْوانُ بضمِّ الراءِ فهو لغةُ قيسٍ، وبه كان عاصمٌ يَقْرَأ(٣).
(١) فى ص، م، ت ٢، ت ٣: ((أنبئكم)).
(٢) ينظر ما تقدم فى ٤٠٦/١ - ٤٠٨، ٤١٩ - ٤٢٢.
(٣) فى رواية أبى بكر عنه، وروى حفص عنه بالكسر كقراءة الباقين. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٢٠٢.

٢٧١
سورة آل عمران : الآيتان ١٥، ١٦
وإنما ذكَر اللَّهُ جل ثناؤه فيما ذكَر للذين اتَّقَوْا عندَه مِن الخيرِ رِضْوانَه؛ لأن
رِضْوانَه أعلى منازلٍ كرامةِ أهلِ الجنةِ .
٢٠٧/٣
/ کما حدّثنا ابنُ بشارٍ ، قال: ثنی أبو أحمد الزُّنثرىُّ، قال : ثنا سفيانُ ، عن
محمدِ بنِ الُكَدِرِ ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ، قال: إذا دخَل أهلُ الجنةِ الجنةَ ، قال اللَّهُ
تباركَ وتعالَى: أَعْطِيكم أفضلَ مِن هذا؟ فيقولون: أَىْ ربَّنا ، أىُّ شىءٍ أفضلُ مِن
هذا؟ قال : رِضْوانِى (١).
وقولُه: ﴿ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾. يعنى بذلك: واللَّهُ ذو بصرٍ بالذى
يَتَّقِيهِ مِن عبادِه، فيَخافُه فيُطِيعُه ، ويُؤْثِرُ ما عندَه، مما ذكَر أنه أعَدَّه للذين اتَّقَوْه على
حُبِّ ما زُيِّن له فى عاجلِ الدنيا مِن شَهَواتِ النساءِ والبنينَ وسائرٍ ما عدَّد منها تعالى
ذِكرُه، وبالذى لا يَتَّقِيه فيَخافُه، ولكنه يَعْصِيه ويُطِيعُ الشيطانَ ، ويُؤْثِرُ ما زُيِّن له فى
الدنيا مِن حُبِّ شهوةِ النساءِ والبنينَ والأموالِ ، على ما عندَه مِن النَّعيم المقيم، عالمٌ
تعالى ذِكرُه بكلِّ فريقٍ منهم ، حتى يُجازِىَ كلّهم عندَ مَعادِهم إليه جزَاءَهم ؛ المحسنَ
پاحسانه ، والمسیءَ پاساءته .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَيَّنَا إِنَّثَآ ءَامَنَا فَأَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا
١٦
وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ
ومعنى ذلك: قلْ هل أُنَبِّئُكم بخيرٍ مِن ذلكم؟ للذين اتَّقَوْا يقولون: ﴿ رَبَّنَآَ
إِنَّنَآ ءَامَنَا فَأَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ .
وقد يَحْتَمِلُ(٢) ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ وجهين مِن الإعرابِ؛ الخفضُ على الردّ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦١٣/٢ (٣٢٨٧) من طريق سفيان به بنحوه ، ومن طريقه مرفوعا أخرجه
ابن حبان (٢٦٤٧ - موارد)، والحاكم ٨٢/١، ٨٣ بنحوه .
(٢) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((المعنى كذلك)).

٢٧٢
سورة آل عمران : الآيتان ١٦، ١٧
على ((الذين)) الأولى، والرفعُ على الائتِداءِ، إذ كان فى مبتداً آية أخرى غير التى فيها
((الذين)) الأولى، فيكونُ(١) رفعُها نظيرَ قولِ اللَّهِ عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَشْتَرَى مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١]. ثم قال فى مبتدأ الآيةِ التى بعدَها:
﴿ التَّهِبُّونَ الْعَبِدُونَ ﴾ [ التوبة: ١١٢]. ولو کان جاء ذلك مخفوضًا كان جائزًا .
ومعنى قوله: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَيَّنَآ إِنَّشَآ ءَامَنَا﴾: الذين يقولون : إننا
صدَّقنا بك وبنبيِّك، وما جاء به مِن عندك، ﴿ فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ يقولُ: فاسْتُرْ
علينا ذنوبَنا ١ بعفوك عنها، وتركِك عقوبتنا عليها، ﴿ وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾: ادْفَعْ
عنا عذابَك إيَّنا بالنارِ أن تُعَذِّبَنا بها. وإنما معنى ذلك: لا تُعَذِّبْنا يا ربَّنا بالنارِ . وإنما
خَصُّوا المسألةَ بأن يَقِيَهم عذابَ النارِ؛ لأن مَن زُخْزِح يومَئذٍ عن النارِ ، فقد فاز بالنجاةِ
مِن عذابِ النارِ (١) ، وحسُنَ مآئُه .
وأصلُ قولِه : ﴿وَقِنَا﴾. مِن قولِ القائلِ: وقَى اللَّهُ فلانًا كذا، يُرادُ به : دفَع
عنه ، فهو يَقِيه . فإذا سأَل بذلك سائلٌ قال : قِنِى كذا .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿اُلْضَِّينَ وَالْعَدِينَ وَالْقَِّنِينَ وَالْمُفِقِينَ﴾.
يعنى بقولِه: ﴿ اُلْضَّبِينَ﴾: الذين صبروا فى البأساءِ والضَّرَّاءِ وحين البأسِ.
ويعنى بـ ﴿ وَالضَدِقِينَ﴾: الذين صدَقوا اللَّهَ فى قولِهم بتحقيقهم الإقرارَ به
وبرسوله، وما جاء به مِن عندِه، بالعملِ بما أمَره به ، والانتهاءِ عما نهاه عنه .
ويعنى بـ ﴿ وَالْقَانِتِينَ﴾: المُطِيعِين له. وقد أتَيْنا على الإبانة عن كلِّ هذه
(١) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((فى)).
(٢) سقط من: م.
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((الله)).

٢٧٣
سورة آل عمران : الآية ١٧
الحروفِ ومَعانِيها بالشَّواهِدِ على صحةِ ما قلْنا فيها ، وبالإِخْبارِ عمَّن قال فيها قولًا ،
فيما مضى بما أغْنَى عن إعادتِه فى هذا الموضع (١) .
وقد كان قتادةُ يقولُ فى ذلك بما حدَّثنا به بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال : ثنا
سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الضَِّينَ وَالْضَدِينَ وَالْقَدِنِينَ﴾: ((الصادقين)): قوم
صدَقَت أَقْواهُهم (١) ، واسْتَقامَت قلوبُهم وألْسنتُهم، وصدَقوا فى السرِّ والعَلانيةِ،
و((الصابرين)): قومٌ(١) صبّروا على طاعةِ اللَّهِ، وصبّروا عن محارمِه، والقانتون: هم
، (٤)
المُطِيعون للَّهِ(٤).
وأما المتُفِقون: فهم المُؤْتُونَ زَكَواتِ (٥) أموالهم، وواضِعوها على ما أمرهم اللَّهُ
بإيتائها (١) ، والمُتْفِقون أموالَهم فى الوجوهِ التى أُذِن اللَّهُ لهم جل ثناؤه بإنفاقِها فيها .
وأما ﴿ اُلْضَبِينَ وَالضَدِينَ﴾ وسائرُ هذه الحروفِ، فمخفوضٌ ردًّا على
قوله: ﴿ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآَ إِنَّنَاَ ءَامَنَا﴾. والخفضُ فى هذه الحروفِ يَدُلُّ على
أن قوله: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾. خفضٌ ردًّا على قوله: ﴿ لِلَّذِينَ اتَّقَوْاْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾.
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَالْمُسْتَغْفِنَ بِالْأَسْحَارِ
١٧
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى القومِ الذين هذه الصفةُ صفتُهم ؛ فقال بعضُهم: هم
المُصَلُّون بالأسحارِ .
(١) ينظر ما تقدم فى ٢/ ٤٦١، ٣٧٥/٤ وما بعدهما .
(٢) فى س: ((أقوالهم)) .
(٣) فى ص، ت ١: (( يوم)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦١٤/٢ (٣٢٩٢، ٣٢٩٤) من طريق يزيد به دون آخره ، وعلق آخره
فى ٦١٥/٢ عقب الأثر (٣٢٩٧).
(٥) فى س: ((زكاة)).
(٦) فى م: (( بإتيانها)).
( تفسير الطبرى ١٨/٥ )

٢٧٤
سورة آل عمران : الآية ١٧
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَالْمُسْتَغْفِنَ
بِالْأَسْحَارِ﴾: [٣٩٣/١و] هم أهلُ الصلاةِ(١).
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن قتادةَ:
﴿ وَالْمُسْتَغْفِنَ بِالْأَسْحَارِ﴾. قال: يُصَلُّون بالأسحار(٢) .
وقال آخرون: هم المُسْتَغْفِرون .
ذکرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال : ثنا أبى، عن حُرَيْثِ بنِ أبِى مَطَرٍ، عن إبراهيمَ بنِ
حاطب، عن أبيه ، قال : سمِعْتُ رجلًا فى السَّحَرِ فى ناحيةِ المسجدِ وهو يقولُ:
ربِّ أَمَرْتَنَى فَأَطَعْتُك، وهذا سَحَرٌّ فَاغْفِرْ لى. فنظَرْتُ فإِذا ابنُ مسعودٍ (١).
حدَّثنى المُنَّى، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا الوليدُ بنُ مسلم، قال: سأَلْتُ عبدَ
الرحمنِ بنَ يزيدَ بنِ جابرٍ عن قولِ اللَّهِ عز وجل: ﴿ وَالْمُسْتَغْفِنَ بِالْأَسْحَارِ﴾. قال:
حدَّثنى سليمانُ بنُ موسى ، قال : ثنا نافعٌ، أن ابنَ عمرَ كان يُحْيِى الليلَ صَلاةٌ ، ثم
يقولُ : يا نافعُ أسْحَرْنا؟ فيقولُ : لا. فيُعاوِدُ الصلاةَ ، فإذا قلتُ : نعم . قعَد يَسْتَغْفِرُ
ويَدْعُو حتى يُصْبِحَ(٤) .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١/٢ إلى عبد بن حميد .
(٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦١٥/٢ عقب الأثر (٣٣٠٠) معلقًا .
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٨/٢ عن المصنف .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦١٦/٢ (٣٣٠٢)، وابن عساكر ٤٨/٣٧ من طريق الوليد بن مسلم به .
وینظر مختصر قيام الليل ص ٣٤.

٢٧٥
سورة آل عمران : الآيتان ١٧، ١٨
حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال : ثنا أبى ، عن بعضِ البَصْرِيِّين، عن أنسٍ بنِ مالكِ ، قال :
أُمِْنا أن نَسْتَغْفِرَ بالأسْحارِ سبعينَ استغفارةً(١).
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسْحاقُ ، قال: ثنا زيدُ بنُ الحُبَابِ ، قال: ثنا أبو يعقوبَ
الضَّبِىُّ، قال: سمِعْتُ جعفرَ بنَ محمدٍ يقولُ: مَن صلَّى مِن الليلِ، ثم اسْتَغْفَر فى
آخرِ الليلِ سبعين مرةً، كُتِب مِن المستغفرين بالأسحارِ(٢) .
وقال آخرون: هم الذين يَشْهَدون الصبحَ فى جماعةٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
/ حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ مَسْلَمَةَ أخو القَعْنَبِيِّ، قال: ثنا يعقوبُ بنُ ٢٠٩/٣
عبد الرحمنِ، قال : قلتُ لزيدِ بنِ أسْلَمَ: مَن ﴿ الْمُسْتَغْفِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾؟ قال: هم
الذين يَشْهَدون الصبحَ(٣) .
وأوْلَى هذه الأقوالِ بتأويلٍ قولِه: ﴿ الْمُسْتَغْفِنَ بِالْأَسْحَارِ﴾ قولُ مَن قال: هم
السائلون ربّهم أن يَسْتُرَ عليهم فَضيحتَهم بها؛ ﴿ بِالْأَسْحَارِ﴾ وهی جمعُ سَحَرٍ .
وأظْهَرُ مَعانى ذلك أن تكونَ مَسْألتُهم إياه بالدُّعاءِ. وقد يَحْتَمِلُ أن يَكونَ معناه
تَعُّضَهم لمغفرتِه بالعملِ والصلاةِ ، غيرَ أن أَظْهَرَ معانيه ما ذكَرْنا مِن الدعاءِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَئِكَةُ وَأُوْلُواْ أَلْعِلْمِ
قَائِمًا بِالْقِسْطِّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْغَيِزُ الْحَكِيمُ
١٨
(١) عزاه ابن كثير فى تفسيره ١٨/٢ إلى ابن مردويه، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ١٢،١١ إلى المصنف
وابن مردويه، بلفظ: أمرنا رسول اللَّه ◌َاتٍ به. وينظر مختصر قيام الليل ص ٣٨.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢/٢ إلى المصنف.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦١٥/٢ (٣٣٠١) من طريق إسماعيل بن مسلمة به، وأخرجه ابن أبى
شيبة ٤٩٨/١٣ من طريق عقبة بن أبى يزيد القرشى ، عن زيد بن أسلم .

٢٧٦
سورة آل عمران : الآية ١٨
يَعنى بذلك جل ثناؤه: شهِد اللَّهُ أنه لا إلهَ إلا هو، وشهِدَت الملائكةُ، وأولو
العلمِ .
فالملائكةُ معطوفٌ بهم على اسمِ اللَّهِ، و﴿ أَنَّهُ﴾ مَفتوحةٌ ب﴿ شَهِدَ﴾.
وكان بعضُ البصرِيين(١) يَتَأَوَّلُ قولَه: ﴿شَهِدَ اللهُ﴾: قضَى اللَّهُ، وَيَرْفَعُ
الملائكةَ بمعنى: والملائكةُ شهودٌ وأولو العلمِ .
وهكذا قرأت قرأةُ أهلِ الإسلامِ بفتحِ الألفِ مِن ﴿ أَنَّهُ﴾ على ما ذكَوْتُ مِن
إعمالِ ﴿شَهِدَ﴾ فى ﴿أَنَّهُ﴾ الأولى، وكسرٍ الألفِ مِن ﴿إِنَّ﴾ الثانيةِ
وابتدائِها . سوى أن بعضَ المتأخرين مِن أهلِ العربيةِ كان يَقْرَأْ ذلك جميعًا بفتح
ألفَيْهما(٢)، بمعنى: شهِد اللَّهُ أنه لا إلهَ إلا هو وأن الدينَ عندَ اللَّهِ الإسلامُ. فعَطف
بـ((أن الدينَ)) على ﴿أَنَّهُ﴾ الأولى، ثم حذَف واوَ العطفِ وهى مُرادةٌ فى الكلامِ.
ء
واْتَبَّ فى ذلك بأن ابنَ عباسٍ قرَأ ذلك: (شهِد اللَّهُ إنه لا إله إلا هو) الآية . ثم قال :
(أن الدِّينَ). بكسرٍ ((إن)) الأولى، وفتح ((أن )) الثانيةِ بإعمالِ ﴿شَهِدَ﴾ فيها،
وجعلِ ((إن)) الأولى اعْتِراضًا فى الكلامِ، غيرَ عاملٍ فيها ﴿شَهِدَ﴾، وأن ابنَ
مسعودٍ قرأ: (شهِد اللهُ أن (١) لا إله إلا هو) بفتح ((أن))، وكسرِ ((إن)) مِن: ﴿إِنَّ
الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَمُ﴾ على معنى إعمالِ الشهادةِ فى ((أن)) الأولى، و((إن))
الثانيةُ مُجْتَدَأَةٌ . فزعم أنه أراد بقراءته إياهما بالفتحِ جمعَ قراءةِ ابنِ عباسٍ وابنٍ مسعودٍ .
فخالَف بقراءتِه ما قرَأْ مِن ذلك على ما وصَفْتُ ، جميعَ قرأةِ أهلِ الإسلامِ المتقدمين
(١) يعنى أبا عبيدة فى مجاز القرآن ٨٩/١. وسيردُّ المصنف قوله فيما بعد.
(٢) هو الكسائى، ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٢٠٢ - ٢٠٣ .
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((أنه)). وينظر البحر المحيط ٢/ ٤٠٣. وعزا السيوطى فى الدر المنثور ١٢/٢
هذه القراءة إلى أبى بكر بن أبى داود فى المصاحف، وفى المصاحف ص ٥٩: ((أنه)). خطأ.

٢٧٧
سورة آل عمران : الآية ١٨
منهم والمتأخرين ، بدَغْوَى تأويلٍ على ابنِ عباسٍ وابن مسعودٍ ، زعَم أنهما قالاه وقرأ
به ، وغيرُ معلوم ما ادُّعِى عليهما بروايةٍ صحيحةٍ ولا سقيمةٍ. وكفَى شاهدًا على
خطأ قراءةٍ(١) خروجها مِن قرأةٍ(٢) أهلِ الإسلامِ. فالصوابُ إذ كان الأمرُ على ما
وصَفْنا مِن قراءةِ ذلك، فتحُ الألفِ مِن ((أنه)) الأولى، وكسرُ الألفِ مِن ((إن))
الثانيةِ، أَغْنِى مِن قوله: ﴿ إِنَّ الذِينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَمُ﴾. انتِداءً.
وقد رُوِى عن الشُّدىِّ فى تأويلِ ذلك قولٌ كالدالٌ على تصحيح ما قرَأ به فى
ذلك مَن ذكَرْنا قولَه مِن أهلِ العربيةِ، فى فتح أن مِن قولِه : (أن الدينَ). وهو ما
حدَّثنی موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أَسْباطُ، عن السدىِّ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ
لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَئِكَةُ﴾ إلى ﴿لَا إِلَهَ إِلَ هُوَ اُلْعَِزُ الْحَكِيمُ﴾: فإن اللَّهَ
/يَشْهَدُ هو والملائكةُ والعلماءُ مِن الناسِ أن الدينَ عندَ اللَّهِ الإسلامُ(١).
فهذا التأويلُ يَدُلُّ على أن الشهادةَ أَّما هى عاملةٌ فى ((أن)) الثانيةِ، التى فى
قوله: (أنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ). فعلى هذا التأويلِ جائزٌ فى ((أن))(٤) الأُولى
وجهان مِن التأويلِ؛ أحدُهما: أن تكونَ الأولى منصوبةٌ على وجهِ الشَّرطِ ، بمعنى :
شهِد اللَّهُ بأنه واحدٌ . فتكون مَفْتوحةً بمعنى الخفضِ فى مذهبٍ بعضِ أهلِ العربيةِ ،
وبمعنى النصبِ فى مذهبٍ بعضِهم، والشهادةُ عاملةٌ فى ((أن)) الثانيةِ، كأنك
قلتَ: شهِد اللَّهُ أن الدينَ عندَ اللَّهِ الإِسلامُ؛ لأنه واحدٌ. ثم تقَدَّم ((لأنه واحدٌ))،
فتفتَحُها على ذلك التأويلِ .
٢١٠/٣
(١) فى م: ((قراءته)).
(٢) فى م: ((قراءة)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦١٦/٢، ٦١٧ (٣٣٠٤، ٣٣٠٨) من طريق عمرو به.
(٤) كتب فوقها فى ص: ((فى))، وفى ت ٢، س: ((أن فى)).

٢٧٨
سورة آل عمران : الآية ١٨
والوجهُ الثانى: أن تكونَ ((إن)) الأولى مَكْسورةً بمعنى الابتداءِ؛ لأنها مُعْتَرَضٌ
بها ، والشهادةُ واقعةٌ على ((أن)) الثانيةِ. فيَكونُ [٣٩٣/١ظ] معنى الكلام: شهِد اللَّهُ -
فإنه لا إلهَ إلا هو - والملائكةُ أن الدينَ عندَ اللَّهِ الإِسلامُ. كقولِ القائلِ: أَشْهَدُ - فإنى
مُحِقٌّ - أنك مما تُعابُ به بَرِىءٌ. فـ((إن)) الأولى مكسورةٌ؛ لأنها مُعْتَرِضةٌ ، والشهادةُ
واقعةٌ على ((أن )) الثانية .
وأما قولُه: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِّ ﴾. فإنه بمعنَى أنه الذى يَلِى العَدْلَ بينَ خلقِه.
والقِشْطُ هو العدْلُ، مِن قولِهم: هو مُقْسِطٌ ، وقد أَقْسَط ، إذا عدَل .
ونُصِب ﴿قَائِمًا﴾ على القطعِ .
وكان بعضُ نحوبى أهلِ البصرةِ يَزْعُمُ أنه حالٌ مِن ((هو)) التى فى: ﴿لَآ إِلَهَ
إِلَّا هُوَ﴾ .
وكان بعضُ نحوبى الكوفةِ يَزْعُمُ أنه حالٌ مِن اسم ((اللَّه)) الذى مع قوله:
﴿ شَهِدَ الله﴾ فكان معناه: شهِد اللَّهُ القائمُ(١) بالقِسْطِ أنه لا إله إلا هو. وقد ذُكِر
أنها فى قراءةِ ابنِ مسعودٍ كذلك: ( وأولو العلم القائمُ بالقِسْطِ ) ثم حُذِفَت الألفُ
واللامُ مِن القائم ، فصار نكرةً، وهو نعتٌ لمعرفةٍ فنُصِب.
وأولى القولين بالصوابِ فى ذلك عندى قولُ مَن جعَله قَطْعًا على أنه مِن نعتِ
اللَّهِ جل ثناؤه ؛ لأن الملائكةَ وأُولى العلم مَعْطُوفون عليه ، فكذلك الصحيحُ أن يكونَ
قولُه : ﴿قَبِمًا﴾ حالًا منه .
وأما تأويلُ قولِه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْغَيِزُ الْحَكِيمُ﴾ فإنه نفْىٌ أن يَكونَ
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((العالم)).
(٢) ينظر معانى القرآن للفراء ١/ ٢٠٠.
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((القسط)).

٢٧٩
سورة آل عمران : الآية ١٨
شىءٌ يَسْتَحِقُّ العُبودَةَ غيرَ الواحدِ الذى لا شَريكَ له فى مُلْكِه .
ويعنى بـ ((العزيز)): الذى لا يَمْتَنِعُ عليه شىءٌ أراده، ولا يَنْتَصِرُ منه أحدٌ عاقَبَه أو
انْتَقَم منه، ((الحكيم)) فى تدبيرِهِ، فلا يَدْخُلُه خَلَلٌ .
وإنما عنَى جل ثناؤه بهذه الآيةِ نَفْىَ ما أضافَت النصارى الذين حاجُوا رسولَ
اللَّهِ عَظِلّهِ فى عيسى مِن البُنُوَّةِ، وما نسَب إليه سائرُ أهلِ الشركِ مِن أَنَّ له شَريكًا،
واتخاذِهم دونَه أربابًا، فأخْبَرَهم اللَّهُ عن نفسِه ، أنه الخالقُ كلَّ ما سواه، وأنه ربُّ
كلِّ ما أنَّخَذه كلُّ كافٍ وكلُّ مشركِ ربًّا دونَه، وأن ذلك مما يَشْهَدُ به هو وملائكته
وأهلُ العلم به مِن خلقِه، فبدَأْ جل ثناؤه بنفسِه تَعْظِيمًا لنفسِه، وتَنْزِيهًا لها عما نسَب
الذين ذكَّرْنا أمرَهم مِن أهلِ الشركِ به ما نسَبوا إليها ، كما سنَّ لعبادِه أن يَبْدَءوا فى
أمورِهم بذكرِهِ قبلَ ذِكْرٍ غيرِهِ، مُؤَدِّبًا خلقَه بذلك .
والمرادُ مِن الكلامِ الخبرُ عن شهادةِ مَن ارْتَضاهم مِنْ(١) خلقِه فقدَّموه؛ مِن
ملائكتِهِ وعُلماءِ عبادِهِ ، فَأَعْلَمَهم أن ملائكته - التى يُعَظِّمُها العابدون غيرَه مِن أهلِ
الشركِ، ويَعْبُدُها(١) الكثيرُ منهم - وأهلَ العلم منهم، / مُنْكِرون ما هم عليه مُقِيمون
من كُفْرِهم ، وقولِهِم فى عيسى ، وقولَ مَنِ اتَّخَذ ربًّا غيرَه مِن سائرِ الخلقِ ، فقال:
شهِدتِ الملائكةُ وأولو العلم أنّه لا إلهَ إلا هو، وأن كلَّ مَن اتَّخَذ ربًّا دونَ اللَّهِ فهو
كاذِبٌ . احتجاجًا منه لنبيِّه عليه السلامُ، على الذين حامجُوه مِن وفدٍ نَجْرَانَ فى
عيسى .
٢١١/٣
واعتُرِض بذكْرِ اللَّهِ وصفتِه، على ما يَنْثُ(٢)، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿ وَأَعْلَمُواْ
(١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((يعبده).
(٣) فى م: ((نبينه))، وفى س: (( بينه)).
:

٢٨٠
سورة آل عمران: الآيتان ١٨، ١٩
أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]. افتتاحًا باسمِه الكلامَ،
فكذلك افتَتَح باسمِه والثناءِ على نفسِه الشهادةَ بما وصَفنا من نَفْي الألوهةِ عن
غيرِهِ، وتَكْذیبِ أهلِ الشركِ به .
فأما ما قال الذى وصَفْنا قولَه مِن أَنّه عنَى بقولِه: ﴿شَهِدَ﴾: قَضَى. فمِمَّا لا
يُعرَفُ فى لغةِ العربِ ولا العَجَم ؛ لأَن الشهادةَ معنًى ، والقضاءَ غيرُها .
وبنحوِ ما قلنا فى ذلك رُوِى عن بعضِ المُتُقدِّمِين القولُ فى ذلك .
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ جعفرٍ بنِ
الزُّبيرِ: ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَكَبِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ ﴾ : بخلافٍ ما
قالوا، يعنى بخلافٍ ما قال وَقْدُ نَجْرَانَ مِن النصارَى، ﴿قَبِمًا بِالْقِسْطِّ ﴾ أىْ:
(١)
بالعدلِ(١) .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو محذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبى نجيحِ، عن
مجاهدٍ: ﴿ بِالْقِسْطٍ﴾ : بالعدلِ .
القولُ فى تأويلٍ قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ الَّهِ الْإِسْلَمْ﴾.
ومعنى الدِّينِ فى هذا الموضعِ: الطاعةُ والذّلَّةُ، من قولِ الشاعرٍ (٢):
وكان الناسُ إلا نحنُّ دِينَا
ويوم الحَزَّنِ إِذْ حَشَدَت مَعَدِّ
يعنى بذلك: مُطِيعينَ على وَجْهِ الذُّلِّ. ومنه قولُ القُطَامِىّ(١):
(١) سيرة ابن هشام ٥٧٧/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦١٦/٢ (٣٣٠٥) من طريق سلمة ، عن ابن
إسحاق قوله ، مقتصرًا على : بخلاف ما قالوا .
(٢) أنشده الفراء فى معانى القرآن ٨١/٣ عن المفضل، والشطر الثانى منه فى اللسان (د ی ن).
(٣) ديوانه ص ٥٨.