Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
سورة آل عمران : الآية ٧
يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ،﴾(١). ثم رَدُّوا تأويلَ المتشابِهِ(١) على ما عرفوا من تأويل المحكمةِ التى لا
تأويلَ لأحدٍ فيها إلا تأويلٌ واحدٌ ، فاتَّسقَ بقولِهم الكتابُ، وصدَّق بعضه بعضًا ،
فَتَفَذَتْ به الحُجّةُ، وظهَر به العذرُ، وزاح(٣) به الباطلُ، ودُمِغ به الكفرُ(٤) .
فمن قال القولَ الأُولَ فى ذلك، وقال: إنَّ الراسخين لا يَعْلَمون تأويلَ ذلك،
وإنما أخبر اللَّهُ عنهم بإيمانِهم / وتصديقهم بأنَّه مِن عندِ اللَّهِ، فإنه يَرْفَعُ ((الرَّاسخين فى ١٨٤/٣
العلمِ)) بالابتداءِ فى قولٍ (٢) البصريِّين، ويَجعَلُ خبرَه ﴿ يَقُولُونَ ءَامَنَا بِهِ،﴾. وأمّا
فى قولِ بعضِ الكوفيّين فبالعائِدِ مِن ذكرِهم فى : ﴿ يَقُولُونَ ﴾ . وفی قولِ بعضِھم
بجملةِ الخبرِ عنهم وهى ﴿ يَقُولُونَ﴾. ومَن قال القولَ الثانىَ، وزعَم أنَّ الراسخين فى
العلم يَعلَمُون تأويلَه، عطَف بـ ((الرَّاسخين)) على اسم ((اللَّهِ))، فرفعَهم(٦) بالعطفِ
عليه .
والصوابُ عندنا فى ذلك أنهم مرفوعون بجملةٍ خبرِهم بعدَهم، وهو:
يَقُولُونَ﴾؛ لما قد بَيْنًا قبلُ مِن أنهم لا يَعلَمون تأويلَ المتشابِهِ الذى ذكَره اللَّهُ عزوجل
فى هذه الآيةِ، وهو فيما بلغنى مع ذلك فى قراءةٍ أَتَىّ: (ويقولُ (٧) الرَّاسِخُونَ فِى
العِلْمِ) (٨). كما ذكرناه عن ابنِ عباسٍ أنه كان يقرؤُه. وفى قراءةٍ عبدِ اللَّهِ: (إِنْ
(١) بعده فى سيرة ابن هشام: ((فكيف يختلف وهو قول واحد من رب واحد)).
(٢) فى م: ((المتشابهة)).
(٣) زاح الشىء: بعُد وذهب، كانزاح بنفسه، تقول: أزحتُ علته فزاحت. التاج (زى ح).
(٤) سيرة ابن هشام ٥٧٧/١، وذكره ابن كثير فى تفسيره ٨/٢ عن ابن إسحاق به .
(٥) فى ت ٢: ((قولى)).
(٦) فى ت ٢: ((فعرفهم)).
(٧) فى ت ٢: ((يقولون)).
(٨) ينظر المحرر الوجيز ٢/ ٣٤٢، وتفسير البحر المحيط ٢/ ٣٨٤.

٢٢٢
سورة آل عمران : الآية ٧
تَأْوِيلُهُ إِلَّ عندَ اللَّهِ، وَالرَّاسِخُونَ فى العِلْمِ يقُولُونَ)(١).
وأمّا معنى التأويلِ فى كلام العربِ ، فإنَّه التفسيرُ والمَرَجِعُ والَصِيرُ، وقد أَنْشَدَ
بعضُ الرواةٍ بيتَ الأَعْشَى(٢) :
تَأَوَّلَ(٣) رِيِىٌّ السّقَابِ(٤) فَأَصْحَبًا
على أنَّها كانت تَأَوَّلُ محُبّها
وأصلُه : مِن آلَ الشىءُ إلى كذا، إذا صارَ إليه ورجَع، يَقُولُ أَوْلًا، وأَوَّلْتُه أنا ،
صێّْتُه إليه .
وقد قيل: إنَّ قولَه: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] أى: جَزاءً، وذلك أن
الجزاءَ هو المعنى) الذى آل إليه أمرُ القوم، وصار إليه .
ويَعنِى بقولِه: تَأْوُّلُ حُبِّها: تفسيرُ حبّها ومرجعُه. وإِنما يُريدُ بذلك أنَّ
حبَّها كان صغيرًا فى قلبِهِ، فَآلَ مِن الصِّغَرِ إلى العِظَم، فلم يَزَلْ يَنْبُتُ حتى
أَصْحَبَ(٦) فصار قديمًا، كالسَّقْبِ الصغيرِ الذى لم يَزَلْ يَشِبُّ حتى أَصْحَبَ
فصار كبيرًا مثلَ أُمُّه .
وقد يُنْشَدُ هذا البيتُ(٧) :
(١) ذكره ابن عطية فى المحرر الوجيز ٣٤٢/٢، وأبو حيان فى البحر المحيط ٣٨٤/٢، وفى المصاحف لابن أبى
داود ص ٥٩: ((وإن حقيقة تأويله ... )).
(٢) ديوانه ص ١١٣.
(٣) فى م: ((توالى)).
(٤) فى ت ٢: ((السقات)). والشّقاب: جمع الشَّقْب، وهو ولد الناقة الذكر ساعة يولد، ولا يقال للأنثى:
سقبة . ينظر التاج (س ق ب ).
(٥) سقط من : مٍ، س.
(٦) أصحب : ذَلِّ وانقاد. التاج (ص ح ب).
(٧) رواية اللسان ( رب ع، ول ی):
توالی رِبعیّ السّقابِ فأصحبا =
ولكنها كانت نَوَّى أَجْنَبِيّةٌ

٢٢٣
سورة آل عمران : الآية ٧
تَوَالِىَ رِبْعِىِّ السّقابِ فَأَصْحَبَا
على أنَّها كانتْ تَوَابعُ حُبِّها
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَالرَّسِخُونَ فِىِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّارِهِ،﴾ .
يعنى بالرّاسخين فى العلم العلماءَ الذين قد أَتْقَنُوا عِلْمَهم، ووَعَوْه فحَفِظُوه
حِفْظًا لا يَدْخُلُهم فى معرفتِهم وعلمِهم بما علِموه شكٌّ ولا لَيْسٌ . وأصلُ ذلك مِن
رُسوخِ الشىءٍ فى الشىءٍ ، وهو ثبوتُهُ وؤُلُوجُه فيه ، يقالُ منه : رسَخ الإِيمانُ فى قلبٍ
فلانٍ ، فهو يَرْسَخُ رَسْخًا ورُسُوخًا .
وقد رُوِىَ فى نعتِهم خبرٌ عن النبيِّ ◌ِِّ، وهو ما حدَّثنا موسى بنُ سَهْلٍ
الرَّمْلىُ ، قال : ثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ ، قال: ثنا فَيَاضُ بنُ محمدِ الرَّقِّى، قال : ثناعبدُ
اللَّهِ بنُ يزيدَ بنِ آدمَ، عن أبى الدَّرْداءِ / وأبى أُمامةَ، قالا: سُئِل رسولُ اللَّهِ وَهِ: مَن ١٨٥/٣
الراسخُ فى العلم؟ قال: ((مَن بَرَّتْ يمِينُه، وصدَق لسانُه، واستقام به قلبُه، وعفَّ
بطنُه ، فذلك الراسُ فى العلمِ))(١).
حدَّثنى المثنَّى وأحمدُ بنُ الحسنِ الترمذىُّ، قالا: ثنا نُعيمُ بنُ حمّادٍ ،
قال(٢): ثنا فَاضِّ الرَّقُِّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يزيدَ الأَوْدِىُّ - قال: وكان
أَدركَ أصحابَ رسولِ اللَّهِ بِهِ - قال: حدَّثنا أنسُ بنُ مالكِ وأبو أمامةَ وأبو
= قال الأزهرى: هكذا سمعت العرب تنشده، وفسروا لى توالى السقاب أنه من الموالاة، وهو تمييز شىء
من شىء. يقال: والينا الفصلانَ عن أمهاتها فتوالت، أى: فصلناها عنها عند تمام الحول ويشتد الموالاة
ويكثر حنينها فى أثر أمهاتها ويتخذ لها خندق تحبس فيه، وتسرّح الأمهات فى وجه من مراتعها، فإذا
تباعدت عن أولادها سرّحت الأولاد فى جهة غير جهة الأمهات ، فترعى وحدها فتستمر على ذلك،
وتُصحب بعد أيام ؛ أخبر الأعشى أن نوّى صاحبته اشتدت عليه فحنّ إليها حنين ربعى السقاب إذا وولى
عن أمه . تهذيب اللغة ٣٧٧/٢.
(١) أخرجه الطبرانى (٧٦٥٨) من طريق عبد الله بن يزيد به ، بزيادة أنس وواثلة .
(٢) فى ت ٢: ((قالا)).

٢٢٤
سورة آل عمران : الآية ٧
الدَّرْداءِ، أَنَّ رسولَ اللَّهِ بِ لَّمِ سُئِل عن الراسخين فى العلم، فقال: ((مَن بَرَّتْ
يِينُه، وصدَق لسانُه، واستقام به قلبُه، وعفَّ بطنُه وفرجُه، فذلك الراسخُ
فى العلم))(١).
وقد قال جماعةٌ من أهل التأويل: إنما سمَّى اللَّهُ عز وجل هؤلاء القومَ الراسخين
فى العلمِ، بقولهم: ﴿ءَامَنَا بِهِ، كُلُّ مِّنْ عِنْدِ رَيِّنَا﴾.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال : ثنا أبى، عن سفيانَ، عن جابرٍ ، عن مجاهدٍ ، عن ابنٍ
عباسٍ، قال: ﴿ وَالرَّسِخُونَ فِى الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَا بِهِ﴾ قال: الراسخون الذين
يقولون : آمنًا به كلٌّ من عندِ ربِّنا(٢) .
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿ وَالرَّسِخُونَ
فِي الْعِلْمِ﴾: هم المؤمنون، فإنهم يقولون: ﴿ ءَامَنَّا بِهِ، ﴾ بناسخه ومنسوخه ﴿ كُلّ
مِّنْ عِندِ رَيْنَاً﴾(٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، قال: قال ابنُ
نجريجٍ: قال ابنُ عباسٍ: قال عبدُ اللَّهِ بنُ سَلَامِ: ﴿ وَالرَّسِخُونَ فِىِ الْعِلْمِ﴾:
وعِلْمُهم قولُهم. قال ابنُ نجريج: ﴿ وَالزَّسِخُونَ فِى الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ﴾ وهم
(١) أخرجه ابن عساكر ٣٢٦/٣٩ - ٣٢٧ (طبعة مجمع اللغة بدمشق) من طريق نعيم به . وأخرجه ابن أبى
حاتم فى تفسيره ٥٩٩/٢ (٣٢٠٥) من طريق نعيم به عن أبى الدرداء وحده . وأخرجه ابن عساكر ٩١٧/١٥
(مخطوط) من طريق عبد الله بن يزيد الأودى، عن أنس وحده .
(٢) ينظر تفسير البغوى ٢/ ١١.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٠٠/٢ (٣٢١٢)، وعقب الأثر (٣٢١٤) من طريق عمرو به .

٢٢٥
سورة آل عمران : الآية ٧
الذين يقولون: ﴿ رَبََّ لَا تُخْ قُلُوبَنَا﴾ ويقولون: ﴿ رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا
رَبَ فِيةٍ﴾ الآية .
وأما تأويلُ قولِه: ﴿ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ،﴾. فإنه يعنى أن الراسخين فى العلم
يقولون: صدَّقْنا بما تشابَهَ من آي الكتابِ ، وأنَّه حقٌّ وإن لم نَعْلَمْ تأويلَه .
وقد حدَّثنى أحمدُ بنُ حازمٍ ، قال: ثنا أبو نُعَيم ، قال: ثنا سلَمةُ بنُ نُبِطٍ ، عن
الضّحّاكِ: ﴿ وَالرَّسِخُونَ فِى الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ،﴾ قال: المحْكَمُ والمتشابِهُ.
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿كُلِّ مِنْ عِنْدِ رَيَِّاً﴾ .
يعنى بقوله جل ثناؤه: ﴿كُلِّ مِنْ عِندِ رَبِنَاْ﴾: كلُّ المُحْكَم من الكتابِ والمتشابِهِ
منه من عندِ ربِّنا، وهو تنزيلُه ووَحْيُه إلى نبيِّه محمدٍ [٣٨٧/١ و] عٍَّ.
كما حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا أبى، عن سفيانَ، عن جابرٍ ، عن مجاهدٍ ،
عن ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿كُلِّ مِنْ عِنْدِ رَيِّنَاً﴾ (١ قال: يعنى ما نُسِخُ منه وما لم
. (٢)
يُنْسَخُ(١) .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً قوله: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ
تَأْوِيلَهُ: إِلَّا اللَّهُ﴾: والراسخون فى العلم قالوا: ﴿كُلِّ مِنْ عِنْدِ رَيِّنَا﴾(٢ آمَنُوا
بمتشابِهِه، وعمِلوا بمُحْكَمِه(٣) .
(١ - ١) سقط من: ت ٢.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٠٠/٢ (٣٢١٤) من طريق وكيع به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٧/٢ إلی ابن المنذر .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٠٠/٢ (٣٢١٥) من طريق شيبان ، عن قتادة، وفيه زيادة .
( تفسير الطبرى ١٥/٥ )

٢٢٦
سورة آل عمران : الآية ٧
١٨٦/٣
/حُدِّثْتُ عن عمّارِ بنِ الحسنِ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الرَّبيعِ
قولَه: ﴿كُلِّ مِّنْ عِنْدِ رَبِنَا﴾ يقولون: المحْكُمُ والمتشابِهُ من عندِ اللَّهِ(١) .
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی امی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَاَلْزَّسِعُونَ فِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَا بِهِ، كُلِّ مِنْ عِنْدٍ رَيِّنَاْ﴾ :
تُؤْمِنُ بالمحْكَمُ ونَدِينُ به، ونُؤْمِنُ بالمتشابِهِ ولا نَدِينُ به، وهو من عندِ اللَّهِ كلُّه(٢).
حدَّثنا يحيى بنُّ أبى طالبٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبرنا جويبرٌ، عن الضّحّاكِ
فى قوله: ﴿ وَالزَّسِخُونَ فِىِ الْعِلْمِ﴾: يَعْمَلُون(٢) به، يقولون: نَعْمَلُ بالمحْكَمُ وتُؤْمِنُ به،
ونُؤْمِنُ بالمتشابِهِ ولا نَعْمَلُ به، وكلٌّ من عندِ ربِّنا(٤) .
واختلف أهلُ العربيةِ فى حكم ((كلّ)) إذا أُضْمِرَ فيها؛ فقال بعضُ نحوبىٌّ
البصريِّين: إنما®) جاز حذفُ المرادِ الذى كان معها، الذى ((الكُلُّ)) إليه مضافٌ فى
هذا الموضع؛ لأنها اسمٌ، كما قال: ﴿إِنَّا كُلُّ فِيهَا ﴾ [غافر: ٤٨] بمعنى: إنَّ كلُّنا
فيها. قال: ولا يكونُ ((كلٌّ)) مُضْمَرًا " فيها وهى صفةٌ، لا يقالُ: مَرَرْتُ بالقومِ
كلٍّ. وإنما يكونُ فيها مُضْمَرٌ إذا جعلْتَها اسمًا، لو كان: إِنّا كلَّ فيها، على
الصفةِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّ الإضمارَ فيها(٧) ضعيفٌ، لا يَتَمَكَّنُ فى كلِّ مكانٍ .
وكان بعضُ نحويِّى الكوفيِّين يَرَى الإضمارَ فيها وهى صفةٌ أو اسمٌ سواءً؛ لأنه
غیرُ جائز أن يُحذَفَ مابعدها عنده إلا وهی کافیةٌ بنفسِها عمّا كانت تُضافُ إليه من
(١) فى م: ((ربنا)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٠١/٢ (٣٢١٧) عن محمد بن سعد به .
(٣) فى ت ١، ت ٢، س: (( يعلمون)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٠٠/٢ (٣٢١٦) من طريق جويبر به .
(٥) فى م: ((إذا)).
(٦ - ٦) سقط من: ت ٢.
(٧) فى ت ٢: ((فيه)).

٢٢٧
سورة آل عمران: الآيتان ٧ ، ٨
المُضْمَرِ، وغيرُ جائزٍ أن تكونَ كافيةً منه فى حالٍ ، ولا تكونَ كافيةً فى أُخْرَى.
وقال: سبيلُ ((الكلِّ)) و((البعضِ)) فى الدَّلالةِ على مابعدَهما بأنفسِهما وكفايتهما
منه بمعنى واحدٍ فى كلِّ حالٍ ، صفةً كانت أو اسمًا .
وهذا القولُ الثانى أَوْلَى بالقياسِ ؛ لأنها إذا كانت كافيةً بنفسِها مما حُذِف منها
فى حالٍ لدَلالِتِها عليه، فالحكمُ فيها أنها كلَّما وُجدَتْ دالَّةً على ما بعدها ، فهى
کافیةٌ منه .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَمَا يَذَكَّرُ إِلَّ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ
٧
يعنى بذلك جل ثناؤه : وما يَتَذَكَّرُ ويَتَّعِظُ ويَنْزَجِرُ عن أن يقولَ فى متشاِهِ آي
كتابِ اللَّهِ ما لا علمَ له به ، إلا أولو العقولِ والنُّهَى .
وقد حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال : ثنا سلَمةُ ، عن ابن إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ جعفرٍ
ابنِ الزُّبِيرِ: ﴿ وَمَا يَذَكَّرُ إِلَّا أُوْلُواْ الْأَلْبَبٍ ﴾ يقولُ: وما يَذَّكَّرُ فى مثلِ هذا ، يعنى: فى
ردِّ تأويلِ المتشابِهِ إلى ما قد عُرِف من تأويلِ المحكم، حتى يَتَّسِقا على معنًى واحدٍ ، إلا
٥ /
أولو الألبابٍ(١) .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ رَبَّنَا لَا تُرْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةٌ
إِنَّكَ أَنْتَ اُلْوَقَابُ
٨
يَعنى بذلك جل ثناؤه أن الدَّاسخين فى العلم يقولون: آمَّا بما تشابَهَ من آي
كتابِ اللَّهِ ، وإنه هو (٢) والمُحْكَمُ من / آيِه من تنزيلِ ربِّنا ووَحْيِه . ويقولون أيضًا:
١٨٧/٣
(١) سيرة ابن هشام ٥٧٧/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٠١/٢ (٣٢١٩) من طريق سلمة، عن ابن
إسحاق قوله .
(٢) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣.

٢٢٨
سورة آل عمران : الآية ٨
﴿ رَبَّنَا لَا تُخْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ يعنى أنهم يقولون - رغبةً منهم إلى ربِّهم فى أن
يَصْرِفَ عنهم ما ابْتُلِىَ به الذين زاغَتْ قلوبُهم من اتِّاع متشابهِ آيِ القرآنِ ؛ ابتغاءَ
الفتنةِ وابتغاءَ تأويله الذى لا يعلمُه غيرُ اللَّهِ - : يا ربَّنا، لا تجعلْنا مثلَ هؤلاء الذين
زاغَتْ قلوبُهم عن الحقِّ، فصَدُّوا عن سبيلِك؛ ﴿لَا تُرَغْ قُوبَنَا﴾: لا تُمِلْها فَتَصْرِفَها
عن هُداك، ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ له، فوقَّقْتَنَا للإيمانِ بُحكم كتابِك ومتشابِهِه،
﴿ وَهَبْ لَنَا﴾ يا ربَّنَا، ﴿مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً﴾ يعنى: من عندِك رحمةٌ . يعنى بذلك :
هَبْ لنا من عندك توفيقًا وثباتًا للذى نحن علیه مِن الإقرارِ بُحكم كتابِك ومتشابِهِه ،
﴿ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ يعنى: إِنَّك أنت المُعْطِى عبادَك التوفيقَ والسدادَ للثباتِ على
دینك ، وتصديقٍ کتابك ورسلك .
كما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ
جعفرِ بنِ الزبيرِ: ﴿ رَبََّ لَا تُعْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾. أى: لا تُمِلْ قلوبَنا وإن مِلْنا
بأحداثِناً(١)، ﴿ وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةٌ﴾ (٢).
وفى مدحِ اللَّهِ جل ثناؤه هؤلاء القومَ بما مدَحهم به - مِن رغبتهم إليه فى ألا
يُرِيغَ قلوبَهم ، وأن يُعْطِيَهم رحمةً منه؛ معونةً لهم للثباتِ على ما هم عليه من حسنٍ
البصيرةِ بالحقِّ الذى(٢) هم عليه مُقِيمون - ما أبان عن خطأً قولِ الجهَلةِ من القَدَريّةِ:
إِنَّ إزاغةَ اللَّهِ قلبَ مَن أَزاغَ قلبَه مِن عبادِه عن طاعتِهِ، وإمالتَه(٢) له عنها، جَوْرٌ؛ لأن
(١) فى م: ((بأجسادنا)).
(٢) سيرة ابن هشام ٥٧٧/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٠١/٢ (٣٢٢١) من طريق سلمة، عن ابن
إسحاق قوله .
. (٣) فى ت ٢: ((الذين)).
(٤) فى ت ١: ((لا بامنه))، وفى ت ٢: ((لا نامنه))، وفى س: ((بامنه))، وكذا فى ص ولكن غير
منقوطة .

٢٢٩
سورة آل عمران : الآية ٨
ذلك لو كان كما قالوا لكان الذين قالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُرِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ بالذمّ
أَوْلَى منهم بالمدح؛ لأن القولَ لو كان كما قالوا، لكان القومُ إنما سألوا ربَّهم
بمسألتِهم(١) إيّاه أَلَّا يُرِيغَ قلوبَهم ، ألا يَظْلِمَهم ولا يجورَ عليهم، وذلك من السائل
(٢)
جَهْلٌ؛ لأن اللَّهَ جل ثناؤه لا يَظْلِمُ عبادَه، ولا يجورُ عليهم، وقد أعلمَ عبادَه ذلك،
ونفاه عن نفسِه بقوله: ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]. ولا وجْهَ
لمسألتِه أن يكونَ بالصفةِ التى قد أخبرَهم أنه بها . وفى فسادِ ما قالوا من ذلك الدليلُ
الواضح على أنَّ عَدْلًا من اللَّهِ عز وجل إزاغةٌ مَن أَزاغ قلبَه من عبادِه عن طاعتِه ،
فلذلك استحقَّ المدحَ مَن رَغِب إليه فى أن لا يُزِيغَه، [٣٨٧/١ظ] لتوجيهِهُ(١) الرغبةَ
إلى أهلِها، ووضعِه مسألته مَوْضِعَها، مع تظاهرِ الأخبارِ عن رسولِ اللَّهِ عْظِلّهِ برغبته
إلى ربِّه فى ذلك ، مع محَلِّه منه وكرامته عليه .
حدَّثنا أبو كُرِيبٍ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن عبدِ الحميدِ بنِ بَهْرامَ، عن شهرِ بنِ
حَوْشَبٍ، عن أُمّ سلَمَةَ، أن رسولَ اللَّهِ مََّغِ قال: ((يا مُقَلِّبَ القلوبِ تَبَّتْ قلبى على
دِينِك)). ثم قرأ: ﴿ رَبَّنَا لَا تُِّعْ قُلُوَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ إلى آخرِ الآيةِ().
حدَّثنا أبو كُرِيبٍ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن عبدِ الحميدِ بنِ بَهْرامَ، عن شهرِ بنِ
حَوْشَبٍ، عن أسماءَ، عن رسولِ اللهِ ع ◌َلِ بنحوِهِ.
حدَّثنا المثنَّى، قال : ثنا الحَجّاجُ بنُ المِنْهالِ ، قال: ثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَهْرامَ
(١) فى م، ت ٢، س: ((مسألتهم)).
(٢) فى ص: ((المسائل)).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، س: ((لتوجهه)).
(٤) أخرجه أحمد ٢٩٤/٦ (اليمنية)، وابن أبى حاتم ٢ / ٦٠١ - ٦٠٢ (٣٢٢٢) من طريق وكيع
به .

٢٣٠
سورة آل عمران : الآية ٨
الفَزارىُّ، قال : ثنا شهرُ بنُ حَوْشَبٍ، قال: سمِعْتُ أمَّ سلمةَ تحدِّثُ أن رسولَ
اللَّهِ وَمٍ كان يُكْثِرُ فى دعائِه أن يقولَ: ((اللهمَّ مُقَلِّبَ القلوبِ ثَبَتْ قلبى على
دينك)). قالت: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، وإِنَّ القلبَ لَيُقَلَّبُ؟ قال: ((نعم، ما خلق اللَّهُ
١٨٨/٣ من بشرٍ من بنى آدمَ إلّ إنَّ (١) قلبه بين إصْبَعَين مِن أصابعه ، / فإن شاء أقامه ، وإن شاء
أَزَاغَه ، فنسألُ اللَّهَ ربَّنا ألا يُزِيغَ قلوبَنا بعدَ إِذْ هَدَانا، ونسألُه أن يَهَبَ لنا من لَدُنْه رحمةٌ ،
إنه هو الوهّابُ)). قالت : قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ ، ألا تُعَلِّمُنِى دعوةً أدعو بها لنفسِى ؟
قال: ((بلى (١) ، قولى: اللهمَّ ربَّ النبيّ محمدٍ ، اغفِرْ لى ذنبى، وأُذْهِبْ غيظَ قلبى،
وأَجِرْنِى من مُضِلَّاتِ الفِتَنِ)) (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ منصورٍ الطُّوسيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ الزُبيرىُّ، قال :
ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبى سفيانَ، عن جابرٍ، قال: كان رسولُ اللَّهِ صَلِّ
يُكْثِرُ أن يقولَ: ((يا مُقَلِّبَ القلوبِ ثَتْ قلبى على دينك)). فقال له بعضُ أهلِه:
تَخافُ علينا وقد آمنًّا بك وبما جِئْتَ به؟ قال: ((إنَّ القلبَ بين إِصْبَعَين مِن أصَابِعِ
الرحمنِ تبارك وتعالى، يقولُ بهما(4) هكذا)). وحرَّك أبو أحمدَ إِصْبَعَيْه. قال أبو
جعفرٍ : وإِنَّ الطُّوسئَّ(٥) وسَقَ(٦) بين إِصْبَعَيْه(٧).
(١) فى م، ومعجم الطبرانى: ((و)).
(٢) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، س: ((قال)).
(٣) أخرجه الطبرانى ٣٣٨/٢٣ (٧٨٥) من طريق حجاج بن المنهال به. وأخرجه أحمد ٣٠١/٦، ٣٠٢
(الميمنية)، وعبد بن حميد (١٥٣٢ - منتخب)، وابن مردويه - كما فى تفسير ابن كثير ١٠/٢ - من طريق
عبد الحميد بن بهرام به. وأخرجه ابن أبى شيبة ٢٠٩/١٠، ٢١٠، وأحمد ٣١٥/٦ (الميمنية)، والترمذى
(٣٥٢٢)، والطبرانى ٣٣٤/٢٣ (٧٧٢) من طريق شهر بن حوشب به .
(٤) فى م: (( به)).
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢، س: ((أبا الطوسى)).
(٦) الوشق : ضم الشىء إلی الشىء. اللسان ( وس ق).
(٧) أخرجه أبو يعلى (٢٣١٨)، والبيهقى فى الشعب (٧٥٦) من طريق سفيان به.

٢٣١
سورة آل عمران : الآية ٨
حدَّثنى سعيدُ بنُ يحيى الأموىُّ، قال: ثنا أبو معاويةَ، قال: ثنا الأعمشُ، عن
أبى سفيانَ، عن أنسٍ، قال: كان رسولُ اللّهِ وَمِ كثيرًا ما يقولُ: ((يا مُقَلِّبَ
القُلوبِ ثَبِّتْ قلبى على دينك)). قلنا: يا رسولَ اللَّهِ، قد آمنًا بك، وصدَّقْنا بما جئتَ
به ، فتَخافُ علينا؟ قال: ((نعم، إنَّ القُلوبَ بين إصْبَعَين من أصابع اللَّهِ، يُقَلِّبُها(١)
تبارك وتعالى))(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكم ، قال : ثنا بشرُ بنُ بکرٍ ، وحدَّثنی علیُّ
ابنُ سهلٍ، قال: ثنا أيوبُ بنُ بشرٍ، جميعًا" عن ابنٍ جابرٍ، قال: سمِعْتُ بُشْرَ بنَ
عُبيدِ اللَّهِ ، قال: سمِعْتُ أبا إدريسَ الخَوْلانِيَّ يقولُ: سمِعْتُ النَّوَّاسَ بنَ سَمعانَ
الكِلابِىَّ، قال: سمِعْتُ رسولَ اللَّهِ عَهِ يقولُ: ((ما مِن قلبٍ إلا بين إصْبَعَين مِن
أصابعِ الرحمنِ، إن شاءَ أقامَه، وإن شاءَ أزاغَه)). وكان رسولُ اللَّهِ مَ افلام يقولُ: ((یا
مُقَلِّبَ القلوبِ ثَبَّتْ قلوبنا على دينك ، والميزانُ بيدِ الرحمنِ ، يَرْفَعُ أقوامًا ويَخْفِضُ
آخَرِين إلى يومِ القيامةِ))(٥) .
حدَّثنى عمرُ بنُ عبدِ الملكِ الطائىُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ عُبيدةَ ، قال: ثنا الجرَّامحُ
(١) بعده فى ص، ت ٢: ((اللَّه)).
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٠٩/١٠، وفى الإيمان (٥٥)، وأحمد ١٦٠/١٩ (١٢١٠٧)، والترمذى
(٢١٤٠)، وأبو يعلى (٣٦٨٧، ٣٦٨٨)، وابن أبى عاصم فى السنة (٢٢٥)، والحاكم ٥٢٦/١ من طريق
أبی معاوية به .
(٣ - ٣) سقط من: س، وفى ص، ت ٢: ((بن جميعا))، وفى ت ١: ((بن)) وبعده بياض بمقدار كلمتين .
(٤) فى م: ((بشر)).
(٥) أخرجه الحاكم ٣٢١/٤ من طريق محمد بن عبد الله بن عبد الحكم به. وأخرجه أيضًا ٥٢٥/١،
والبيهقى فى الأسماء والصفات (٢٩٩) من طريق بشر بن بكر به .
وأخرجه أحمد ١٧٨/٢٩ (١٧٦٣٠)، وابن ماجه (١٩٩)، والنسائى فى الكبرى (٧٧٣٨)، وابن أبى
عاصم فى السنة (٢١٩)، وابن خزيمة فى التوحيد (٥٤)، وابن حبان (٩٤٣)، والبيهقى فى الأسماء والصفات
(٧٤١)، من طريق ابن جابر به .

٢٣٢
سورة آل عمران : الآية ٨
ابنُ مليحِ البَهْرانىُ، عن الزُّبَيْدِىِّ، عن جُبَيْرٍ (١)، عن سَمُرَةَ بنِ فاتكِ الأسَدىِّ، وكان
من أصحابٍ رسولِ اللهِ وَهِ، عن النبيِّ عَظِّمِ أنه قال: ((الموازينُ بيدِ اللَّهِ، يَرْفَعُ
قومًا (٢) ويضَعُ قومًا(١) ، وقلبُ ابنِ آدمَ بين إصْبَعَين من أصابع الرحمنِ، إذا (٣) شاء
أزاغَه، وإذا(١) شاء أقامَه)) (١).
حدَّثنى المثَنَّى ، قال : ثنا سُوَيدُ بنُ نصرٍ ، قال : أخبرنا ابنُ المباركِ، عن حَيْوَةَ بنِ
شُرَيح، قال : أخبرنى أبو هانئ الخَوْلانى، أنه سمع أبا عبد الرحمنِ الحُلِّيَّ يقولُ:
سمِعْتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرو بنِ العاصِ يقولُ: سمِعْتُ رسولَ اللَّهِ عِ الْغِ يقولُ: ((إن
قلوبَ بنى آدمَ كلَّها بين إِصْبَعَين مِن أصابع الرحمنِ كقَلْبٍ واحدٍ ، يُصَرَّفُ كيف
يَشاءُ(٥)). ثم يقولُ رسولُ اللَّهِ مَّه: ((اللهمَّ مُصَرّفَ القلوبِ صَرِّفْ قلوبَنا إلى
(٦)
طاعتِك))(١).
/حدَّثنا الربيعُ بنُ سليمانَ ، قال: ثنا أسدُ بنُ موسى ، قال: ثنا عبدُ الحميدِ بنُ
بَهْرامَ، قال: ثنا شهرُ بنُ حَوْشَبٍ، قال: سمِعْتُ أمَّ سلَمَةَ تُحَدِّثُ أنَّ رسولَ اللَّهِ عَمِ
كان يُكْثِرُ فى دعائِه أن يقولَ: ((اللهمَّ تَبَّتْ قلبى على دينِك)). قالت: قلتُ:
١٨٩/٣
(١) فى م: ((جويبر))، وغير واضحة فى ت ٢. وينظر تهذيب الكمال ٥٠٩/٤.
(٢) فى م: ((أقوامًا)).
(٣) فى م: ((إن)).
(٤) أخرجه ابن أبى عاصم فى السنة (٢٢٠)، وفى الآحاد والمثانى (١٠٤١، ١٠٤٢)، والطبرانى (٦٥٥٧)
من طريق جبير به .
(٥) فی ص، ت ١، ت ٢، س: ((شاء).
(٦) أخرجه النسائى فى الكبرى (٧٧٣٩) من طريق عبد الله بن المبارك به. وأخرجه أحمد ١٣٠/١١
(٦٥٦٩)، ومسلم (٢٦٥٤)، وابن أبى عاصم فى السنة (٢٢٢، ٢٣١)، والبيهقى فى الأسماء والصفات
(٢٩٨، ٧٤٠) من طريق حيوة بن شريح به .

٢٣٣
سورة آل عمران : الآيتان ٨، ٩
يا رسولَ اللَّهِ، وإِنَّ القلوبَ لَتُقَلَّبُ؟ قال: ((نعم، ما مِن خلقِ اللَّهِ مِن بنى آدمَ بشرٌ إلا
أنَّ قلبَه بين إِصْبَعَين من أصابع اللَّهِ ، إن شاء أقامَه، وإن شاء أزاغَه ، فتَسألُ اللَّهَ رَبَّنَا أَلا
يُزِيغَ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسألُه أنْ يَهَبَ لنا من لَدُنْه رحمةً ، إنه هو الوهّابُ ())).
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ رَبَّا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لََّ رَيْبَ فِيَةٍ إِنَّ اللّهَ لَا
٩
يُخْلِفُ اَلْمِيعَادَ
يَعنى بذلك جل ثناؤه أنهم يقولون أيضًا - مع قولهم : آمنًا بما تشابَهَ من آي(١)
كتابٍ ربّنا؛ كلُّ (٢) المَحْكَم والمتشابِهِ الذى فيه من عندِ ربّنا -: يا ﴿ رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ
النَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيَةٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيْعَادَ﴾.
وهذا من الكلامِ الذى اسْتُغْنِىَ بذكرٍ ما ذُكِرَ منه عمّا تُرِك ذكرُه. وذلك أن
معنَى الكلامِ : ربَّنا إِنَّك جامعُ الناسِ ليومِ القيامةِ، فاغفِرْ لنا يومئذٍ ، واعفُ عنّا، فإنك
لا تُخْلِفُ وَعْدَك أَنَّ مَن آمَن بك، واتَّبع رسولَك، [٣٨٨/١و] وعمِل بالذى أمرؤْتَه به
فى كتابِك ، أنَّك غافرُه يومئذٍ .
(٤)
وإنما هذا من القومِ مسألةٌ ربَّهم أن يُتَبَّتَهم على ما هم عليه من حُسْنٍ نُصْرَتِهم
بالإيمانِ باللَّهِ ورسوله ، وما جاءهم به من تنزيله، حتى يَقْبِضَهم على أحسنِ أعمالِهم
وإيمانِهم ، فإنه إذا فعل ذلك بهم وجَب لهم الجنةُ ؛ لأنه قد وعَد مَن فعَل ذلك به من
عبادِه(٥) أنَّه يُدْخِلُه الجنةَ. فالآيةُ وإن كانت قد خرَجتْ مَخْرَجَ الخبرِ ، فإنَّ تأويلها من
(١) فى ت ١، س: ((التواب)). وينظر ما تقدم فى ص ٢٢٩، ٢٣٠.
(٢) بعده فى س: ((القرآن)).
(٣) فى س: (( کله)).
(٤) كذا فى م، ت ١، ت ٢، س، وغير منقوطة فى ص ، ولعل الصواب : بصيرتُهم.
(٥) فى ص، ت ١: ((عبادته)).

٢٣٤
سورة آل عمران : الآيات ٩ - ١١
القومِ مسألةٌ ودعاءٌ ورغبةٌ إلى ربِّهم .
وأمّا معنى قوله : ﴿ لِيَوْمٍ لَا رَيَّبَ فِيَةٍ﴾. فإنه : لا شَكَّ فيه .
وقد بيَّنَّا ذلك بالأدلةِ على صحتِه فيما مضى قبلُ(١).
ومعنى قوله: ﴿لِيَوْمٍ﴾: فى يومٍ. وذلك يومٌ يَجْمَعُ اللَّهُ فيه خلقَه لفصل
القضاءِ بينهم فى موقفِ العَرْضِ والحسابِ .
والميعادُ: المِفْعالُ، من الوعدِ .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِى عَنْهُمْ أَمْوَلُهُمْ وَلََّ
١٠
أَوْلَدُهُمْ مِنَ الَّهِ شَيْئًا وَأُوْلَبِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ
يعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾: إنَّ الذين جحَدوا الحقَّ الذى قد
عرَفوه من نُبُوَّةِ محمدٍ عَ لَه، من يهودٍ بنى إسرائيلَ ومنافِقِيهم، ومنافِقِى العربِ
وكفارِهم، الذين فى قلوبهم زَيْغٌ، فهم يَتَبِعُون من كتابِ اللَّهِ المتشابة ابتغاء الفتنةِ وابتغاءَ
تأويله، ﴿لَنْ تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَلُهُمْ وَلَ أَوْلَدُهُم ◌ِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾. يعنى بذلك أنَّ أموالَهم
وأولادهم لن تُنْجِيّهم من عقوبةِ اللَّهِ إِنْ أحلَّها بهم عاجلًا ، فى الدنيا على تكذييهم بالحقِّ
بعد تَبينهم(١) ، واتباعِهم المتشابةَ طلبَ اللَّبْسِ، فَتَدْفَعَها عنهم، ولا يُغْنِى ذلك
عنهم منها شيئًا، وهم فى الآخرةِ ﴿ وَقُودُ النَّارِ ﴾ يعنى بذلك: حَطَبَها .
/ القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ كَدَأْبِ ءَالٍ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا
١٩٠/٣
فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ
ے
(١) ينظر ما تقدم فى ٢٣١/١ - ٢٣٣.
(٢) فى م: ((تثبيتهم))، وفى س: (( نثبتهم)) .
(٣ - ٣) فى ت ٢: ((عنهم من ذلك)).

٢٣٥
سورة آل عمران : الآية ١١
يعنى بذلك جلّ ثناؤه: إنَّ الذين كفَروا لن تُغْنِىَ عنهم أموالُهم ولا
أولادُهم مِن اللَّهِ شيئًا عندَ حُلولٍ عقوبتِنا بهم، كسُنَّةِ آلٍ فرعونَ وعادتِهم ،
والذين من قبلهم مِن الأمم الذين كذَّبوا بآياتنا، فأخذناهم بذنوبهم، فأَهْلَكْناهم
حينَ كذَّبوا بآياتِنا، "فلم تُغنِ) عنهم أموالُهم ولا أولادُهم مِن اللَّهِ شيئًا حينَ
جاءَهم بأسُنا، كالذين ◌ُوجِلُوا بالعقوبةِ على تكذيبهم ربَّهم مِن قَبْلِ آلِ
فرعونَ، مِن قومِ نوحٍ وقومِ هودٍ وقومٍ لوط وأمثالهم .
واختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلٍ قوله: ﴿كَدَأْبِ ءَالٍ فِرْعَوْنَ﴾؛ فقال
بعضُهم : معناه : کسُنَّتِهم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنَّى ، قال : ثنا إسحاقُ بنُ الحَجَاجِ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفرٍ،
عن أبيه، عن الرّبيعِ فى قوله: ﴿كَدَأْبِ ءَالٍ فِرْعَوْنَ﴾. يقولُ: كسُنَِّهم(٣).
وقال بعضُهم: معناه : كعَمَلِهم" .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشّارٍ ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، وحدَّثنى المثنَّى،
قال : ثنا أبو نُعَيم ، قال: ثنا سفيانُ، جميعًا عن جُويبٍ، عن الضّحّاكِ: ﴿كَدَأْبٍ
ءَلٍ فِرْعَوْنَ﴾. قال: كعملٍ آلٍ فرعونَ(٥).
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، س: ((دعائهم)). وينظر مجاز القرآن ١/ ٨٧.
(٢ - ٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فلن تغن))، وفى م، س: ((فلن تغنى))، وأثبتنا ما يناسب السياق.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩/٢ إلى المصنف .
(٤) فى ت ٢: (( كعلمهم)) .
(٥) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٠٣/٢، ١٧١٨/٥ عقب الأثر (٣٢٣٠، ٩١٧٧) معلقًا .

٢٣٦
سورة آل عمران : الآية ١١
حدَّثنا يحيى بنُ أبى طالبٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا جُويبرٌ، عن الضّحّاكِ فى
قولِه: ﴿كَدَأْبِ ءَالٍ فِرْعَوْنَ﴾. قال: كعملٍ آلٍ فرعونَ ..
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه :
كَذَأْبٍ ءَالٍ فِرْعَوْنَ﴾ قال: كأعمالِهم(١) ، كفعلِهم، كتَكْذيِهم حينَ كذَّبوا
الرسلّ. وقرأ قولَ اللَّهِ: ﴿مِثْلَ دَأْبٍ قَوْمٍ نُوحٍ﴾ [غافر: ٣١]. أن يُصيبَكم مثلُ الَّذى
أصابَهم عليه مِن عذابِ اللَّهِ . قال: الدَّأَبُ العملُ.
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُمَيْلَةَ يحتَّى بنُ واضحٍ، عن أبى
حمزةً، عن جابرٍ، عن عكرمةَ ومجاهدٍ فى قولِه: ﴿كَدَأْبٍ ءَلِ فِرْعَوْنَ﴾ . قال :
كفعلٍ آلٍ فرعونَ، كشَأْنٍ آلٍ فرعونَ(٢).
مُحُدِّثْتُ عن المِنْجابِ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عنِ الضّحّاكِ ،
عن ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿كَدَأْبٍ ءَالٍ فِرْعَوْنَ﴾. قال: كصُنْع آلٍ فرعونَ(١) .
وقال آخرون : معنى ذلك : كتَكّذيبٍ آلٍ فرعونَ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى موسَى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمّادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿كَدَأْبِ ءَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا﴾: ذكَر الذين
١٩١/٣ كفَروا / فقال): تكذيبهم كمثلٍ تكذيبِ الذين من قبلهم فى الجُحودِ والتّكذيبِ ).
(١) سقط من: م.
(٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٠٣/٢، ١٧١٨/٥ عقب الأثر (٣٢٣٠، ٩١٧٧) معلقًا .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢/ ٦٠٣، ١٧١٨/٥ (٣٢٣٠، ٩١٧٧) من طريق المنجاب به .
(٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢: ((وأفعال)).
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٠٣/٢ (٣٢٣١) من طريق عمرو به .

٢٣٧
سورة آل عمران : الآية ١١
وأصلُ الدَّأْبِ مِن: دَأَبْتُ فى الأمرِ دْبًا، إذا أدْمَنْتَ العملَ والتعبَ فيه. ثم إن
العربَ نقَلَت معناه إلى الشأنِ والأمرِ والعادةِ، كما قال امرؤُ القيسِ بنُ حُجٍْ(١) :
فهل عندَ رسمٍ دارِسٍ مِن مُعَوَّلٍ(٣)
وإن شِفائى عَبْرَةٌ مُهَرَاقَةٌ(٢)
وجارتها أُمّ الرَّبابِ بِمَأْسَل
كَدَأْبِك(٤) مِن أُمّ الحُوَثِرِثِ قبلَها
يَعْنى بقولِه: كدأْبِك. كشأنِك(٥) وأمرِك وفعلِك. يقالُ منه: هذا دأْيِى
ودأبُك أبدًا. يَغْنى به: فِعْلى وفِعْلُك، وأَمْرِى وأَمْرُك، وشأنِى وشأنُك. يقالُ منه:
دَأَبْتُ دُؤوبًا ودأْبًا. وحُكِى عن العربِ سَماعًا: دأَبْتُ دَأَبًا. مُثقلةً مُحرَّكةَ الهمزةِ ،
كما قيل: هذا شَعَرٌ ونَهَرٌ(١). فتُحَرِّكُ ثانيَه؛ لأنه حرفٌ مِن الحروفِ الستةِ(٢)، فأُلحق
الدَأَبُ إذا كان ثانيه مِن الحروفِ الستةِ، [٣٨٨/١ظ] كما قال الشاعرُ():
وإن وُضِعَتِ (١ بينَ الَجَالِسِ (١) شُمَّتِ
" له نَعَلٌ لا تطَّبِى(١٠)٩) الكلبَ ريحُها
وأما قولُه: ﴿ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْمِقَابٍ﴾. فإنه يعنى به: واللَّهُ شديدٌ عقابُه لَمَن كَفَر
به وكذَّب رُسلَه ، بعدَ قيامِ الحُتَّةِ عليه .
(١) ديوانه ص ٩.
(٢) فى الديوان: ((إن سفحتها)).
(٣) معول: قيل: مَبْكَى، وقيل: مستغاث، وقيل: مَحْمل ومعتمَد. اللسان (ع ول).
(٤) فى الديوان: (( كدينك)).
(٥) فى ص، ت ٢: ((كنابك))، وفى ت ١: (( كفابك)).
(٦) فى م: (( بهر)).
(٧) الحروف الستة : هى حروف الحلق .
(٨) هو كثير عزة، والبيت فى ديوانه (مجموع) ص ٣٢٤.
(٩ - ٩) فى الديوان: ((إذا طرحت لم تطب)).
(١٠) طباه يطبوه ويطبيه: إذا دعاه. اللسان (ط ب ی).
(١١ - ١١) فى الديوان: ((فى مجلس القوم)).

٢٣٨
سورة آل عمران : الآية ١٢
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمٌ
١٢
وَبِئْسَ الْمِهَادُ
اخْتَلَفَتِ القَرَأَةُ فى ذلكَ؛ فقرَأَه بعضُهم: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ
وَتُحْشَرُونَ﴾ بالتاءِ، على وجهِ الخطابِ للذين كفروا بأنهم سيُغْلَبون (١) . واحتجوا
لاختيارِهم قراءةَ ذلك بالتَّاءِ بقولِه: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ فِ فِتَتَيْنِ﴾. قالوا : فِفِى
ذلك دليلٌ على أن قولَه: ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾. كذلك خطابٌ لهم، وذلك هو قراءةُ
عامّةٍ قرأَةِ الحجازِ والبصرةِ وبعضِ الكوفيينَ . وقد يَجوزُ لمَن كانت نيتُه فى هذه الآيةِ
أن المَوْعُودِينَ بأن يُغْلَبُوا هم الذين أُمِرِ النبىُّ ◌َّمِ بأن يقولَ ذلك لهم، أن يَقْرَأَه بالتاءِ
والّاءِ؛ لأن الخِطابَ بالوَحْيِ حينَ نزَل لغيرِهم، فَيَكونُ نظيرَ قولِ القائلِ فى الكلام:
قلتُ للقومِ : إنكم مَغْلُوبون . وقلتُ لهم : إنهم مغلُوبون .
وقد ذُكِر أنّ فى قراءةِ عبدِ اللهِ: (قُلْ للذين كفروا إن تَنْتَهُوا يُغْفَوْ لكم)(٢).
وهى فى قراءتِنا: ﴿إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ ﴾ [الأنفال: ٣٨].
وقرأَتْ ذلكَ جماعةٌ مِن قرأةِ أهلِ الكوفةِ : (سَيُغْلَبون ويُحشَرون). على
معنى : قُلْ لليهودِ : سيُغْلَبُ مُشرِكو العربِ، ويُحْشَرون إلى جهنمَ. ومَن قرأ ذلك
كذلك على هذا التأويلِ، لمْ يَجُزْ فى قراءَتِه غيرُ الياءِ .
/ والذى نَخْتارُ مِن القِراءةِ فى ذلك قراءةُ مَن قرَأَه بالتَّاءِ، بمعنى: قلْ يا محمدُ
للذين كفروا مِن يهودِ بنى إسرائيلَ، الذين يَتَّبِعون ما تَشابَه مِن آي الكتابِ الذى
أَنْزَلْتُه إليك ابتغاء الفتنةِ وابتغاءَ تأويلِه: ﴿ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمٌ وَيِفْسَ
١٩٢/٣
(١) هى قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو وعاصم وابن عامر، وقرأ حمزة والكسائى بالياء، وسيأتى. السبعة
لابن مجاهد ص ٢٠٣.
(٢) ينظر معانى القرآن للفراء ١/ ١٩٢.

٢٣٩
سورة آل عمران : الآية ١٢
اٌلْمِهَادُ﴾ .
وإنما اخْتَرْنا قراءةَ ذلك كذلك، على قراءتِه بالياءِ، لدلالةِ قوله: ﴿قَدْ كَانَ
لَكُمْ ءَايَةٌ فِ فِئَتَيْنِ﴾. على أنهم بقولِه: ﴿ سَتُغْلُونَ﴾ مُخاطَبُون خطابَهم
بقوله: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ﴾. فكان إلحاقُ الخطابِ بمثلِه مِن الخطابِ أوْلِى مِن
الخطابِ بخلافِهِ مِن الخبرِ عن غائبٍ .
وأُخْرَى: أن أبا كُرَيْبِ حدَّثَنا، قال: ثنا يونُسُ بنُ بُكيرٍ، عن محمدِ بنِ
إسحاقَ ، قال : ثنى محمدُ بنُ أبي محمدٍ مولَى زيدٍ ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، أو يعِكرمةً ،
عن ابنِ عباسٍ، قال: لمّ أصابَ رسولُ اللَّهِ عَ لَّمِ قريشًا يومَ بدرٍ، فقدِم المدينةَ، جمَع
يهودَ فى سوقٍ بنى فَيْنُقاعَ فقال: ((يا مَعْشرَ يَهودَ، أسْلِمُوا قبلَ أن يُصِيبَكم مثلُ ما
أصابَ قريشًا)). فقالوا: يا محمدُ ، لا تَغُرَّنَّك نفْسُك أنكَ قَتَلْتَ نفرًا مِن قريشٍ كانوا
أَغْمارًا لا يَعْرِفُون القِتالَ، إنك واللَّهِ لو قائلْتَنالعَرَفْتَ أَنا نحن الناسُ، وأنك لم تَأْتِ(١)
مثلَنا. فأنْزَل اللَّهُ عزّ وجلّ فى ذلك مِن قولهم: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ
وَتُحْثَرُونَ إِلَى جَهَنَّمٌ وَرِفْسَ آلْمِهَادُ﴾ إلى قولِه: ﴿لِّأُوْلِ الْأَبْصَرِ﴾(١).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، قال : ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ ، عن عاصمِ بنِ
عمرَ بنِ قتادةَ، قال: لما أصابَ اللَّهُ قريشًا يومَ بدرٍ، جمَع رسولُ اللَّهِ سَ لِ يهودَ فى
سوقٍ بنى فَيْتُقَاعَ حينَ قدِم المدينةَ. ثم ذكّر نحوَ حديثٍ أبى كُريْبٍ، عن يونُسَ(٣).
حدَّثنا ابنُ محُميدٍ ، قال : ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ ، قال: كان مِن أمْرِ بنِى
(١) فى سنن أبى داود: ((تلق)).
(٢) أخرجه أبو داود (٣٠٠١)، والبيهقى فى الدلائل ١٧٣/٣، ١٧٤ من طريق يونس به.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٠٤/٢ (٣٢٣٤) من طريق سلمة به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٩/٣، ١٠ إلى ابن إسحاق .

٢٤٠
سورة آل عمران : الآية ١٢
قَيُنُقَاعَ، أن رسولَ اللَّهِ ◌ِ لَّهِ جمعَهم بسوقٍ بنى فَيْنُقَاعَ، ثم قال: (( يا معشرَ اليهودِ،
احذَرُوا مِن اللَّهِ مثلَ ما نزّل بقريشٍ مِن النِّقْمةِ، وأسْلِمُوا، فإنكم قد عرَفْتُم أنی نبیٌّ
مُؤْسَلٌ، تَجِدُون ذلكَ فى كتابِكم ، وعَهْدِ اللَّهِ إليكم)). فقالوا: يا محمدُ ، إنك تَرَى
أنَّا كقومِك (١)! لا يَغُرَّنَّك أنك لقِيتَ قومًا لا عِلْمَ لهم بالحربِ، فَأَصَبْتَ فيهم فُرْصٌ ،
إِنَّا واللَّهِ لَئِنْ حارَبْناكِ لْتَعْلَمَنَّ أَنّا نحن الناسُ(٢) .
حدّثنا ابنُ حُمیدٍ ، قال : ثنا سلمةُ ، عن محمدِ بنِ إسحاق ، عن محمدِ بنِ أبی
محمدٍ مولَى آلِ زیدِ بنِ ثابتٍ، عن سعيد بن جبيرٍ أو عكرمةً ، عن ابنِ عباسٍ ، قال :
ما نزَلَتْ هؤلاء الآياتُ إلا فيهم: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُقْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى
جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ إلى ﴿لِّأُوْلِ الْأَبْصَرِ﴾(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ مجريجٍ، عن
عكرمةً فى قوله: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمٌ وَبِئْسَ
اُلْمِهَادُ﴾. قال فِتْحاصُ اليهودىُّ فى يومٍ بدرٍ: لا يَغُوَّنَّ محمدًا أَنْ غَلَب قريشًا
وقتَلهم، إنّ قريشًا لا تُحْسِنُ القتالَ. فَنزَلَت هذه الآيةُ: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ
سَتُغْلَبُونَ وَتُحْتَرُونَ إِلَى جَهَنَّمٌّ وَيِفْسَ الْمِهَادُ﴾(٤).
قال أبو جعفرٍ: فكلُّ هذه الأخبارِ تُنِئُ(٥) عن أن المخاطَبِين بقوله:
١٩٣/٣ ﴿ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى /جَهَنَّمٌ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ هم اليهودُ الْمَقَولُ لهم:
(١) فى سيرة ابن هشام: ((قومك)).
(٢) سيرة ابن إسحاق ص ٢٩٤ (٤٩٦)، وسيرة ابن هشام ٤٧/٢، وأخرجه المصنف فى تاريخه ٤٧٩/٢ .
(٣) ابن إسحاق ص ٢٩٤ (٤٩٧)، وسيرة ابن هشام ٢/ ٤٧.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠/٢ إلى المصنف وابن المنذر.
(٥) فی س: (( تبین)) .