Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
سورة البقرة : الآية ٢٨٦
قَبْلِنَاْ﴾. يقولُ: التشديدُ الذى شدَّدْتَه على مَن قبلَنا مِن أهلِ الكتابِ (١).
حدَّثنى يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: سأَلْتُ - يعنى مالكًا - عن
قوله: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًّا﴾. قال: الإِصرُ الأمرُ الغَليظُ(٢) .
فأما الأَصْرُ بفتح الألفِ فهو ما عطَف به الرجلُ على غيرِهِ مِن رَحِمٍ أو قَرايةٍ،
يقولُ : قد أصَرَتْنى رحِمی بينى وبينَ فلانٍ عليه. بمعنى: عطَفَتْنى عليه، و: ما
يَأْصِرُنى عليه. أىْ: ما يَعْطِفُنى عليه. و: بينى وبينَه آصِرَةُ رحِم تَأْصِرُنى عليه أصْرًا .
يعنى به : عاطفةُ رحمٍ تَعْطِفُنی علیه .
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بٌِ﴾ .
يعنى بذلك جل ثناؤه: وقولوا أيضًا: ربّنا لا تُكَلِّفْنا مِن الأعمالِ ما لا نُطِيقُ
القيام به لثِقَلِ حمله علینا .
وكذلك كانت جماعةُ أهلِ التأويلِ يَتَأْوَّلونه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿رَبَّنَا وَلَا
تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهٌِّ﴾: تشديدٌ تُشَدِّدُ به، كما شدَّدتَ على مَن كان قبلنا(٢).
حدَّثنى يحيى بنُ أبى طالبٍ ، قال: أَخْبَرَنا يزيدُ، قال: أَخْبَرَنا جُوَيْرٌ، عن
الضحاكِ قولَه: ﴿ وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِءٌ﴾. قال: لا تُحَمِّلْنا مِن الأعمالِ ما
، (٤)
لا تُطِيقُ(٤).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٨٠/٢ (٣٠٩٨) من طريق ابن أبى جعفر به.
(٢) ينظر البحر المحيط ٢/ ٣٦٩.
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١١٢/١ عن معمر ، عن قتادة بمعناه .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٧٧/١ إلى المصنف .
( تفسير الطبرى ١١/٥ )

١٦٢
سورة البقرة : الآية ٢٨٦
حدَّثنى يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ رَبَّنَا وَلَا
تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهٌِ﴾: لا تَفْتَرِضْ علينا مِن الدينِ ما لا طاقة لنا به فتَعْجِزَ
(١)
عنه(١).
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيج: ﴿ وَلَا
تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةً لَنَا بٌِ﴾: مَسْخُ القِرَدةِ والخَنَازِيِ(١).
حدَّثنى سَلَامُ بنُ سالمِ الخُراعىُّ، قال : ثنا أبو حفصٍ عمرُ بنُ سعيدِ التُّوخِىُّ ،
قال: ثنا محمدُ بنُّ شُعيبٍ بنِ شابورَ ، عن "سلّامٍ بنِ سابورَ" فى قوله: ﴿ رَبَّنَا وَلَا
تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهٍ﴾. قال: الغُلْمةُ(٥).
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ :
﴿ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهٌِّ﴾: مِن التغليظِ والأَعْلالِ التى كانت عليهم
مِن التحريم().
وإنما قلنا : إن تأويلَ ذلك: ولا تُكَلِّفْنا مِنِ الأعمالِ ما لا نُطِيقُ القيامَ به .
على نحوِ الذى قلنا فى ذلك؛ لأنه عَقيبَ مسألةِ المؤمنين ربَّهم ألا يُؤَاخِذَهم إن
نَسُوا أَو أَخْطَئُوا، ولا يَحْمِلَ عليهم إصرًا كما حمَله على الذين من قبلهم،
(١) ينظر المحرر الوجيز ٣٢١/٢، والبحر المحيط ٣٦٩/٢.
(٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٨١/٢ عقب الأثر (٣١٠٤) معلقا .
(٣) فى م: ((سابور)).
(٤ - ٤) فى ص: ((سلام بن سابورا))، وفى م: ((سالم بن شابور)).
(٥) الغلمة: هيجان شهوة النكاح من المرأة والرجل. اللسان (غ ل م).
والأثر ذكره ابن عطية فى المحرر الوجيز ٢/ ٣٢١، وأبو حيان فى البحر المحيط ٣٦٩/٢، عن سلام بن
سابور، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٧٧/١ إلى المصنف .
(٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٨١/٢ (٣١٠٧) من طريق عمرو به .

١٦٣
سورة البقرة : الآية ٢٨٦
فكان إلحاقُ ذلك بمعنَى ما قبلَه مِن مسألتِهم التَّيْسيرَ فى الدِّينِ [٩٨/٨و]، أَوْلَى
مما خالَف ذلك المعنى .
" فإن قال قائلٌ: أوَ كان جائزًا أن يُكَلِّفَهم ما لا طاقةَ لهم به فيَشْأَلوه ألا
يُكَلِّفَهم ذلك ؟
قيل : إن تَكْليفَ ما لا يُطاقُ على وجْهَين:
أحدُهما : ما ليس فى بِئْيةِ المُكَلَّفِ احْتِمالُه، فذلك ما لا يَجوزُ تَكْلِيفُ الربِّ عبدَه
بحالٍ ، وذلك كتَكْلِيفِ الأَعْمَى النَّظَرَ، وتكليفِ الْمُفْعَدِ العَدْوَ، فهذا النوعُ مِن التكليفِ
هو الذى لا يَجوزُ أن يُضافَ إلى اللَّهِ جلَّ وعزّ، ولا تَجوزُ مسَأَلتُه صرفَه وتَخْفيفَه عنه ؛
لأن ذلك مسألةٌ مِن العبدِ ربَّه - إن سأله - ألا يَفْعَلَ ما قد أعْلَمَه أنه لا يَفْعُه به .
والوجهُ الثانى: ما فى بِئْيةِ المكلَّفِ احْتِمالُه، غيرَ أنه يَحْتَمِلُه بمشقةٍ شَديدةٍ وكُلْفةٍ
عظيمةٍ، مَخُوفٍ على مُكَلَّفِه التَّصْبِيعُ والتَّفْرِيطُ ؛ لِغِلَظِ مِحْنِه عليه فيه، وذلك
كتكْليفٍ قَرْضِ مَن أصاب جسده بولٌ موضعَ البولِ الذى أصابه بمِقْراضٍ ، وكإقامةٍ
خمسين صلاةً فى اليوم والليلةِ ، وما أُشْبَهَ ذلك مِن الأعمالِ التى وإن كانت الأبْدانُ
لها مُخْتَمِلةً ؛ فإن الأَعْلَبَ مِن أمرِها خوفُ التَّضْبيع عليها والتَّقْصيرِ ، فذلك هو الذى
سأَل المؤمنون ربَّهم ألا يُحَمِّلَهم ، ورغِبوا إليه فى تَخْفيفِه وتَيْسيرِه عليهم ؛ لأن ذلك
مِن الأمورِ التى لو أمَرِ اللَّهُ تعالى ذكرُه بها عبادَه وتعَبَّدهم بها كان عدْلًا منه، وتَخفيفُه
ذلك عنهم فضلٌ منه تفَضَّل به علیھم ، ورحمةٌ منه بهم ، فرغب المؤمنون إلی ربِّهم فى
تَعَطُّفِه عليهم بفضله ورحمتِه، وإن كانت المنزلةُ الأخرى عدلًا منه، إذ كان فى
تفَضُّلِه عليهم التخفيفُ ، وفى عدلِه عليهم التشديدُ الذى لا يُؤْمَنُ معه هَلاكُهم) .
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.

١٦٤
سورة البقرة : الآية ٢٨٦
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ وَأَعْفُ عَنَّا وَأَغْفِرْ لَنَا﴾ .
وفى هذا أيضًا مِن قولِ اللَّهِ جلَّ ثناؤه خبرًا عن المؤمنين مِن مسألتِهم إياه ذلك ،
الدلالةُ الواضحةُ أنهم سألوه تَيْسيرَ فرائضِه عليهم بقولِه: ﴿ وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةً
١٥٩/٣ لَنَا بِهِ﴾. لأنهم عقّبوا ذلك بقولهم: ﴿وَأَعْفُ / عَنَّا﴾. مسألةٌ منهم ربَّهم أن يعفوَ
لهم عن تقصيرٍ إن كان منهم فى بعضٍ ما أمَرَّهم به مِن فرائضِه ، فيَصْفَحَ لهم عنه ،
ولا يُعاقِتَهم عليه ، وإن خفَّ ما كلَّفهم مِن فرائضِه على أبدانهم.
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال بعضُ أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونُسُ ، قال: أُخْبَرَنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَاعْفُ
عَنَّا﴾. قال: اعْفُ عنا إن قصَّرْنا [٩٨/٨] عن شىءٍ مِن أمرِك مما أَمَوْتَنا به (١).
وكذلك قولُه: ﴿وَأَغْفِرْ لَنَا﴾. يعنى: واسْتُرْ علينا زَلَّةٌ إن أَتَّيناها فيما بينَنا
وبينَك ، فلا تَكْشِفْها ولا تَفْضَحْنا بإظهارِها .
وقد دلَّلْنا على معنى ((المغفرةِ)) فيما مضَى قبلُ(١).
كما حدَّثنی یونُسُ، قال: أُخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿ وَأَغْفِرْ
لَنَا﴾: إن انْتَهَكْنا شيئًا مما نهَيتنا عنه .
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَأَرْحَمْنَأْ
یعنی بذلك جل ثناؤه : تغَمَّدْنا منك برحمةٍ تُنْجِینا بها مِن عقابك ، فإنه ليس
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٧٧/١ إلى المصنف. وستأتى بقيته فيما يأتى.
(٢) تقدم فى ٧٢٠/١، ٧٢١ .

١٦٥
سورة البقرة : الآية ٢٨٦
بناجٍ مِن عقابِك أحدٌ إلا برحمتِك إياه دونَ عملِه ، وليست أعمالُنَا مُنْجِيتَنا إن أنت لم
تَرْحَمْنا فوقِّقْنا لما يُرْضِيك عنا .
كما حدَّثنى يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : أُخْبَرَنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زید
فى قوله: ﴿ وَأَرْحَمْنَاً﴾. قال: يقولُ: لا نَنالُ العملَ بما أمَرْتَنا به، ولا نَتْرِكُ مَا نَهَيْتَنا
عنه إلا برحمتك. قال: ولم يَنْجُ أحدٌ إلا برحمتك(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ أَنْتَ مَوْلَئِنَا فَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِينَ
٢٨٦
يعنى بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ أَنْتَ مَوْلَنَا﴾: أنت وليّنا تَلِينا بنصرِك دونَ مَن
عاداك وكفَر بك؛ لأنا مؤمنون بك ومُطِيعوك فيما أمَرْتَنا ونَهَيْتَنَا، فأنت ولىُّ مَن
أطاعك ، وعدُؤُّ مَن كفَر بك فَعَصَاك ﴿فَأَنصُرْنَا﴾؛ لأنا حِزْبُك ﴿عَلَى الْقَوْرِ
اُلْكَفِرِينَ﴾ الذين جحَدوا وحدانيتَك، وعبّدوا الآلهةَ والأُنْدادَ دونَك، وأطاعوا
فى معصيتِك الشيطانَ .
والمؤْلَى فى هذا الموضع ((المَفْعَلُ))، مِن: ولى فلانٌ أمرَ فلانٍ، فهو يَلِيه وَلايَةً ،
وهو وليّه ومولاه. وإنما صارَت الياءُ مِن ((مولى)) ألفًا لانفتاح اللام قبلَها التى هى عينُ
الاسم .
وقد ذُكِر أن اللَّهَ جلَّ ثناؤه لما أَنْزَل هذه الآيةَ على رسولِه عَلِ فتلاها رسولُ
اللَّهِ ◌َِّ ، استجاب اللَّهُ له فى ذلك كلِّه.
ذكرُ الأخبارِ التى جاءَت بذلك
حدَّثنى المثنى بنُ إبراهيمَ ومحمدُ بنُ خلفِ العسقلانىُ، قالا: ثنا آدمُ
العسقلانىُ ، قال : ثنا وَرْقاءُ، عن عطاءِ بنِ السائبِ ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ ، عن ابنٍ
(١) تقدم أوله فى ص ١٦٤ .

١٦٦
سورة البقرة : الآية ٢٨٦
عباسٍ، قال: لمّ نزَلَت هذه الآيةُ: [٩٩/٨و] ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن
رَّبِّهِ﴾. قال: قرَأَها رسولُ اللَّهِ مَ له، فلما انتَهَى إلى قوله: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا
وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾. قال اللَّهُ: قد غفَوْتُ لكم. فلما قرَأ: ﴿ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن
◌َّسِينَآ أَوْ أَخْطَأَنَا﴾. قال اللَّهُ عز وجل: (( لا أؤاخذُ كم. فلما قرأ: ﴿ وَلَا تَحْمِلْ
عَلَيْنَآ إِصْرًا﴾. قال جلَّ ثناؤه: لا أحمِلُ عليكم. فلما قرَأ: ﴿ وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا
طَاقَةَ لَنَا بِهِءٌ﴾. قال اللَّهُ عزَّ وجل١َّ): لا أحَمِّلُكم. فلما قرأ: ﴿ وَأَعْفُ عَنَّا﴾.
قال الله عز وجل: قد عفوت عنكم. فلما قرَأ): ﴿ وَأَغْفِرْ لَنَا﴾. قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ:
قد غفرت لكم . فلما قرأ: ﴿ وَأَرْحَمْنَاً﴾. قال اللَّهُ عز وجل: قد رحِمْتُكم. فلما قرأ:
﴿ فَأَنْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِينَ﴾. قال اللَّهُ جلَّ ثناؤه: قد نصَرْتُكم عليهم.
١٦٠/٣
احدَّثنى يحتى بنُ أبى طالبٍ، قال: أُخْبَرَنَا يَزِيدُ، قال: أُخْبَرَنا مُوَيْبِرٌ، عن
الضحاكِ، قال: أتَى جبريلُ رسولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليهما وسلَّم فقال: يا محمدُ ،
قلْ: ﴿ رَبَّا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن ◌َّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. فقالها، فقال جبريلُ عليه
السلامُ: قد فعَل. وقال له: قلْ: ﴿ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًّا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى
اُلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾. فقالها، فقال جبريلُ عَِّ: قد فعَل. فقال: قلْ: ﴿رَبَّنَا وَلَا
تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِءٌ﴾. فقالها، فقال جبريلُ: قد فعل. فقال: قلْ:
وَأَعْفُ عَنَّا وَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَاْ أَنْتَ مَوْلَئِنَا فَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ﴾.
فقالها، فقال له جبريلُ عَلَه: قد فعَل(٣).
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال : ثنا أَسْباطُ ، عن
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س.
(٢) أخرجه أبو عوانة فى مسنده ٧٦/١، والطحاوى فى المشكل (١٦٣٠)، والطبرانى فى الأوسط
(٩٣٠٨)، والبيهقى فى الشعب ٤٦٣/٢ من طريق آدم به.
(٣) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٤٨٣ - تفسير)، والبيهقى فى الشعب (٢٤١٠) من طرق عن
الضحاك بنحوه .

١٦٧
سورة البقرة : الآية ٢٨٦
السدىِّ أن هذه الآيةَ حينَ نزَلَت: ﴿ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ فقال
له جبريلُ صلى الله عليهما وسلم: فعل ذلك يا محمدُ. ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا
إِصْرًّا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةً لَنَا بِهِ، وَاعْفُ
عَنَّا وَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَاْ أَنْتَ مَوْلَئِنَا فَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِينَ﴾. فقال جبريلُ
فى كلِّ ذلك: فعَل ذلك يا محمدُ(١).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ، قال: ثنا وَكيعٌ، وحدَّثنا سفيانُ ، قال: ثنا أبى، عن سُفيانَ ،
عن آدمَ بنِ سليمانَ مولى خالدٍ ، قال : سمِعْتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ ، عن ابنِ عباسٍ، قال :
أَنْزَل اللَّهُ عزَّ وجلّ: ﴿ ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ،﴾ إلى قوله: ﴿رَبَّنَا لَا
تُؤَاخِذْنَآ إِن ◌َسِينَآ أَوْ أَخْطَأَنَ﴾. فقرَأ: ﴿ رَبََّا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن ◌َسِينَآ أَوْ
أَخْطَأْنَا﴾. قال: فقال: قد فعَلْتُ. ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًّا كَمَا حَمَلْتَهُ
عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾. فقال. قد فعَلْتُ. ﴿ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا
بِهِ﴾ قال: قد فعلتُ. ﴿ وَأَعْفُ عَنَّا وَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَاْ أَنْتَ مَوْلَئِنَا فَانْصُرْنَا عَلَى
اُلْقَوْمِ الْكَفِرِينَ﴾ قال: قد فعَلْتُ(٢).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سليمانَ، عن مُصْعَبٍ بنِ ثابتٍ ، عن
العَلاءِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ يعقوبَ، عن أبيه، عن أبى هريرةَ ، قال: أَنْزَل اللَّهُ تبارك
وتعالى: ﴿ رَبََّا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. قال أبى: قال أبو هريرةً :
قال رسولُ اللَّهِ تَظِهِ: ((قال اللَّهُ: نعم)). ﴿ رَبَّنَا [٩٩/٨ظ] وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا
إِصْرًّا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ إلى آخرِ الآيةِ . قال أبى: قال أبو هريرةَ:
قال رسولُ اللَّهِ عِ لّهِ: ((قال اللَّهُ عز وجل: نعم")) ).
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٧٧/١ إلى المصنف.
(٢) تقدم تخريجه فى ص ١٣١ .
(٣ - ٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٤) تقدم تخريجه فى ص ١٣٠، ١٣١ .

١٦٨
سورة البقرة : الآية ٢٨٦
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ (١) ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن آدمَ بنِ
سليمانَ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ ، قال: نزلت هذه الآيةُ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا
وُسْعَهَأَ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتّْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآَ أَوْ أَخْطَأَنَ﴾
قال: ويقولُ: قد فعَلْتُ. ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًّا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى
الَّذِينَ مِن قَبْلِنَاْ﴾. قال: ويقولُ: قد فعَلْتُ. فَأُعْطِيَت هذه الأمةُ خَواتيمَ سورةٍ
((البقرة))، ولم تُعْطَها الأممُ قبلَها .
حدَّثنا علىُّ بنُ حربِ المَوْصلىُّ، قال: ثنا ابنُ فُضَيْلٍ، قال: ثنا عَطاءُ بنُ
السائبِ ، عن سعيدِ بنِ تجبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِ اللَّهِ جلَّ وعزَّ: ﴿ ءَامَنَ الرَّسُولُ
بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ،﴾ إلى قوله: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾. قال: قد غفَرْتُ لكم .
﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ إلى قولِه: ﴿لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَسِينَآ أَوْ
١٦١/٣ أَخْطَأَنَّ﴾. قال: لا أُؤَاخِذُكم. ﴿ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا﴾. / قال: لا
أُخْمِلُ عليكم . إلى قولِه: ﴿ وَاعْفُ عَنَّا وَأَغْفِرْ لَنَا وَأُرْحَمْنَاْ أَنْتَ مَوْلَئِنَا ﴾ إلى آخرِ
السورة . قال : قد عَفَوْتُ عنكم ، وغفَرْتُ لكم ، ورَحِمْتُكم، ونَصَرْتُكم على القومِ
(٢)
الكافرين (٣).
ورُوِى عن الضحاكِ بنِ مُزاحِمٍ أن إجابةَ اللَّهِ ( تبارك وتعالى فى هذه الآيةِ
كانت" للنبىُّ عَلّهِ خاصّةً.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال: سَمِعْتُ أبا مُعاذٍ ، قال: أخبرنا عُبَيْدُ بنُ
سليمانَ، قال: سَمِعْتُ الضّحّاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَِّينَآَ أَوْ
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((حميد)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٧٧/٢، ٥٧٩، ٥٨١، ٥٨٢ (٣٠٧٨، ٣٠٩٣، ٣٠٩٦،
٣١٠٨، ٣١١٠، ٣١١٣) عن على بن حرب به .
(٣ - ٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.

١٦٩
سورة البقرة : الآية ٢٨٦
أَخْطَأَنَا﴾ إلى آخرِ السورةِ: فإن جبريلَ عليه السلامُ أَقْرَأْها نبيَّ اللَّهِ ◌ٍَّ ، فسألها
نبىُّ اللَّهِ ربَّه جلَّ ثناؤه، فأعطاها إِّه، فكانت للنبىِّ عَّمِ خاصّةً(١).
حدَّثنى المثنَّى بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا أبو نُعيم ، قال : ثنا سفيانُ ، عن أبى إسحاقَ
أن مُعاذًا كان إذا فرغ من هذه السورةِ: ﴿فَأَنصُرُنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ﴾. قال:
(٢)
آمينَ(٢).
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٧٨/١ إلى المصنف.
(٢) أخرجه أبو عبيد فى فضائل القرآن ص ١٢٥، وابن أبى شيبة ٤٢٦/٢ من طريق سفيان به، وفى
إستادهما: ((عن أبى إسحاق عن رجل عن معاذ)).
وإلى هنا انتهى الجزء الثامن من المخطوط الأصل. وآخره: ((آخر تفسير سورة البقرة والحمد لله رب العالمين
كثيرا كما هو أهله وصلى الله على محمد وآله. تم السفر الثامن من جامع البيان عن تأويل آى الفرقان بحمد الله
وعونه وصلى الله على محمد نبيه وعلى آله الطيبين وسلم تسليما يتلوه إن شاء الله أول تفسير آل عمران)). وسيجد
القارئ أرقام أوراق المخطوط ت١ بين معكوفین .

١٧٠
سورة آل عمران : الآية ٢،١
سورة آل عمران
بِسْمِ اللَّهِ الرَّمِ الرَّحَمَةِ
ربِّ يسّر
أخبرنا أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جریرِ بنِ یزیدَ :
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿أَّ اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّ مُّوَ﴾
قال أبو جعفرٍ : قد أتيْنَا على البيانِ عن معنى قوله: ﴿الَّ﴾. فيما مضى، بما
أغنى عن إعادته فى هذا الموضعِ(١)، وكذلك البيانِ عن قولِه: ﴿اللَّهُ ﴾ (١).
وأما معنى قوله: ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. فإنه خبرٌ من اللَّهِ عزَّ وجلَّ أخبَر عبادَه
أن الألوهةَ خاصَّةٌ به دونَ ما سواه من الآلهةِ والأندادِ ، وأن العبادةَ لا تصلُحُ ولا
تجوزُ إلا له، لانفرادِهِ بالربوبيةِ وتَوَحَدِه بالأَلوهيَّةِ، وأن كلَّ ما دونَه فمِلْكُه، وأن
و
·كلَّ ماسواه فخَلْقُه ، لاشريكَ له فى سلطانِهِ ومِلْكِه؛ احتجاجًا منه تعالى ذكرُه
عليهم، بأن ذلك إذْ كان كذلك، فغيرُ جائزةٍ لهم عبادةُ غيرِهِ ولا إشراكُ أحدٍ
معه فى سلطانِه، إذ كان كلُّ معبودٍ سواه فمِلْكُه، وكلُّ مُعَظِّم غيرِهِ فخَلْقُه؛
وعلى المملوكِ إفرادُ الطاعةِ لمالكِه، وصَرْفُ خدمتِه إلى مولاه ورازقِه، ومُعَرِّفًا(١)
مَن كان مِن خَلْقِه - يومَ أنزل ذلك إلى نبيّه محمدٍ عَلَه ، بتنزيلِه ذلك إليه،
وإرسالِهِ به إليهم على لسانِه ، صلواتُ اللَّهِ عليه وسلامُه - مُقِيمًا على عبادةٍ وَثَنٍ أو
(١) ينظر ما تقدم فى ٢٠٤/١ - ٢٢٨.
(٢) ينظر ما تقدم فى ١٢١/١ - ١٢٤.
(٣) فى النسخ: ((معرف)) والصواب ما أثبتنا، والسياق: ((أخبر عباده أن الألوهة خاصة به دون ما سواه ...
احتجاجا منه ... ومعرفًا من كان من خلقه ... أنه مقيم على ضلالة)).
:

١٧١
سورة آل عمران : الآية ٢
صنم، أو شمسٍ أو قمرٍ ، أو إنسىٍّ أو مَلَكِ ، أو غير ذلك من الأشياء التى كانت بنو
آدمَ مُقِيمةً على ( عبادتِها وإلاهتِها)، ومُتَّخذَه(٢) دونَ مالكِه وخالقِه إلهًا وربًّا أنه
مُقِيمٌ على ضلالةٍ ، ومنعزلٌ عن المَحَتَجَةِ ، وراكبٌ غيرَ السبيلِ المستقيمةِ، بصرفِه
العبادةَ إلى غيرِهِ، ولا أحدَ له الألوهةُ غيرُه.
وقد ذُكِر أن هذه السورةَ ابتدأ اللَّهُ بتنزيلِ فاتحتِها، بالذى ابتدأ به مِن نفي الأُلُوهَةِ
أن تكون لغيره ، ووَصْفِه نفسه بالذی وصفها به فى ابتدائها ؛ احتجاجًا منه بذلك على
طائفةٍ من النَّصارَى قَدِمُوا على رسولِ اللهِ عَ ظِلّهِ مِن تَجْرَانَ فحامجوه فى عيسى صلواتُ
اللَّهِ عليه، وأْحَدُوا فى اللَّهِ، فأنزل اللَّهُ عَزَّ / وجلَّ فى أمرِهم وأمرٍ عيسى من هذه ١٦٢/٣
السورةِ ، نَيِّفًا وثلاثين آيةً من أوَّلِها ؛ احتجاجًا عليهم وعلى من كان على مثلٍ مقالتهم
النبيِّه محمدٍ عَّهِ، فَأَبَوْا إلا المُقَامَ على ضلالتِهم وكفرِهم فدعاهم إلى المباهلةِ ،
فأبَوْا ذلك وسأُلُوا قَبولَ الجِزْيةِ منهم، فَقَبِلها مِلَّمِ منهم ، وانصرَفُوا إلى بلادِهم. غيرَ
أن الأمرَ وإن كان كذلك، وإيّاهم قصَد بالحجاج ، فإنَّ مَن كان معناه من سائرِ الخلقِ
معناهم فى الكفرِ باللَّهِ ، واتخاذٍ ماسوى اللَّهِ ربًّا وإلها معبودًا، معمومون بالحُبَّةِ التى
حجَ اللَّهُ تبارك وتعالى بها مَن نزَلتْ هذه الآياتُ فيه، ومحجوجون فى الفُرقانِ الذى
فَرَق به لرسولِه ◌َّالَِّ بينَه وبينَهم .
ذكرُ الروايةِ عمن ذكرنا قولَه فى نزولِ افتتاح هذه السورةِ أنه نزَل فى
الذين وصَفْنا صِفَتَهم من النَّصارَى
حدَّثنا محمدُ بنُ حميدٍ ، قال: حدَّثنا سلَمةُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثنى محمدُ
(١ - ١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((عبادته وإلاهته)).
(٢) سقط من: س، وفى م: (( متخذته)) .
(٣) فى س: ((الإسلام)).

١٧٢
سورة آل عمران : الآية ٢
ابنُّ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ جعفرٍ، قال: قَدِم على رسولِ اللهِ ◌ِ الغِ وفدُ نَجْرَانَ،
ستون راكبًا ، فيهم أربعةَ عشَرَ رجلًا مِن أشرافِهم، فى الأربعةَ عشَرَ [٣٨٠/١ظ] ثلاثةُ
نَفَرٍ ، إليهم يئولُ أمرُهم: العاقبُ ؛ أميرُ القومِ وذو رأيهم وصاحبُ مَشورتِهم،
والذى لا يَصْدُرُون إلا عن رأيِهِ، واسمُه عبدُ المسيح، والسيِّدُ؛ ثِمالُهم(١) وصاحبُ
رحلِهم ومُجْتمَعِهم، واسمُه الأَيْهَمُ، وأبو حارثةَ بنُ علقمةَ؛ أحدُ بكرٍ بنِ
وائلٍ، "أسْقُفُّهم وحَبْرُهم " وإمامُهم وصاحبُ مِدْراسِهم.
وكان أبو حارثةً قد شَرِف فيهم، ودرَس كتبَهم، حتى حسُن علمُه فى
دينهم ، فكانت ملوكُ الرومِ من أهلِ النصرانيّةِ قد شرَّفُوه ومؤَّلُوه وأخدَمُوه وبَنَوْا له
الكنائسَ، وبسَطُوا عليه الكراماتِ ؛ لما يَتْلُغُهم عنه من علمِه واجتهادِه فى دينهم .
(٥)
قال ابنُّ إسحاقَ: قال محمدُ بنُ جعفرِ بنِ الزُّبيرِ: قَدِموا على رسولِ اللَّهِ وَآلِ
المدينةَ، فدخلوا عليه مسجدَه حينَ صلَّى العصرَ، عليهم ثيابُ الحبّراتِ(٢) مجبَبٌ
وأرديةٌ ، فى جمال رجالٍ) بَلْحارثِ بنِ كعبٍ. قال: يقولُ بعضُ مَن رآهم من
أصحابٍ رسولِ اللهِ عَ لَّهِ يومَئذٍ: ما رأينا بعدَهم وفدًا مثلَهم ، وقد حانتْ صلاتُهم ،
فقاموا يُصَلُّون فى مسجدٍ رسولِ اللهِ عَ لَه، فقال رسولُ اللّهِ عَه: ((دَعُوهم)).
فَصَلَّوْا إلى المَشْرِقِ .
(١) الثمال: الغياث الذى يقوم بأمر قومه. تاج العروس (ث م ل).
(٢) فى م: ((أخو)). وينظر سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٣.
(٣ - ٣) فى س: ((أشيبهم وخيرهم)).
(٤) المدراس : الموضع الذى يدرسون فيه كتابهم .
(٥) فی م: (( دينه)) .
(٦) الحِبَرَةُ: ضرب من برود اليمن مُنَمَّرة. تُجمع على: حِبّر وحِبَرات. يقال: برد خَبير، وبرد حِبّرة.
(٧ - ٧) سقط من النسخ ، والمثبت من سيرة ابن هشام .

١٧٣
سورة آل عمران : الآية ٢
قال : وكانت تسميةُ الأربعةَ عشَرَ منهم الذين يتُولُ إليهم أمرُهم : العاقبُ وهو
عبدُ المسيح، والسيِّدُ وهو الأَتِهَمُ، وأبو حارثةَ بنُ عَلْقمةَ أخو(١) بكرِ بنِ وائلٍ،
وأوسٌ، والحارثُ، وزيدٌ، وقيسٌ، ويزيدُ، ونُبية، وخويلدٌ، و("عمرٌو، وخالدٌ،
وعبدُ اللَّهِ ، ويُحَتَّسُ، فى ستين راكبًا، فكلُّم رسولَ اللَّهِ مِ لِّ منهم أبو حارثةَ بنُ
عَلْقمةَ، والعاقبُ عبدُ المسيح، والأَيْهَمُ السَّيِّدُ، وهم من النصرانيةِ على دينٍ
الملِكِ، مع اختلافٍ من أمرِهم يقولون: هو اللَّهُ. ويقولون: هو ولدُ اللَّهِ . ويقولون:
هو ثالثُ ثلاثةٍ . وكذلك قولُ النصرانيةِ، فهم يَحْتَجُون فى قولهم: هو اللَّهُ. بأنه
كان يُحيِى الموتى، ويُثْرِيُ الأسقامَ، ويُخْبِرُ بالغُيُوبِ، ويَخلُقُ من الطين كهيئةٍ
الطيرِ ثم يَنفُخُ فيه فيكونُ طائرًا، وذلك كلُّه بإذنِ اللَّهِ، ليجعلَه آيةٌ للناسِ .
ويَحتُّون فى قولِهم: إنه ولدُ اللَّهِ . أنهم يقولون: لم يكنْ له أَبٌّ يُعْلَمُ ، وقد تكلّم
فى المهدِ ، شىءٌ لم يَصْنَعْه أحدٌ من ولدِ آدمَ قبلَه . ويَحتجُون فى قولهم : إنه ثالثُ
ثلاثةٍ . بقولِ اللَّهِ عز وجل: فعلْنا وَأَمَرْنا ، وخلَقْنا وقضَيْنا. فيقولون: لو كان واحدًا
ما قال إلا : فعلْتُ وأمَرْتُ وقضَيْتُ وخَلَقْتُ، ولكنّه هو، وعيسى، ومريمُ. ففى كلِّ
ذلك من/ قولهم قد نزل القرآنُ، وذكَرِ اللَّهُ لنبيّه عَلَّهِ فيه قولَهم، فلمّا كلَّمه الحَبْرانِ، ١٦٣/٣
قال لهما رسولُ اللَّهِ صَ لَمِ: ((أَسْلِما)). قالا: قد أسلَمْنا. قال: ((إنَّكما لم تُشْلِما،
فأسْلِما)). قالا: بلى، قد أسلَمْنا قبلَك. قال: ((كَذَبْتُمَا، يَمْنَعُكُما مِن الإسلامِ
دعاؤُ كما للَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَدًا، وعبادَتُكما الصَّلِيبَ، وأَكْلُكما الخِزِيرَ)). قالا: فمن
(١) كذا فى السيرة وجميع النسخ، وتقدم فى الصفحة السابقة ((أحد)). وهما واحد.
(٢) فى النسخ: ((ابن)). والمثبت من سيرة ابن هشام.
(٣) فى النسخ: ((هو)). والمثبت من سيرة ابن هشام.
(٤) فى م: ((بشىء))، وفى السيرة: ((وهذا)).

١٧٤
سورة آل عمران : الآية ٢
أبوه يا محمدُ ؟ فصمَت رسولُ اللَّهِ عَ الآلِ عنهما فلم يُچِبهما ، فأنزل اللهُ فى ذلك من
قولِهم، واختلافِ أمرِهم كلِّه، صدرَ سورةٍ ((آل عمرانَ)) إلى بِضْعِ وثمانين آيَةً
منها، فقال: ﴿اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُ﴾. فافتَح السورةَ بتَثْرِئتِهُ(١) نفسَه
تبارك وتعالى مما قالوا ، وتوحيده إيّاها بالخلقِ والأمرِ، لا شريكَ له فيه؛ ردًّا عليهم ما
ابتدعوا من الكفرِ، وجعلوا معه من الأندادِ، واحتجاجًا عليهم بقولهم فى
صاحبِهم، ليُعَرِّفَهم بذلك ضَلالتَهم، فقال: ﴿اللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أى ليس معه
شريكٌ فى أمرِه (٢) .
حدَّثنى المثنَّى ، قال: حدَّثنا إسحاقُ ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
الرَّبِيعِ فى قوله: ﴿الَّ ﴿ اللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا هَُّ﴾. قال: إن النَّصارَى أَتَوْا رسولَ
اللَّهِ عَلَّهِ فخاصَمُوه فى عيسى ابنِ مريمَ، وقالوا له: من أبوه؟ وقالوا على اللَّهِ الكَذِبَ
والبُهْتَانَ - لا إلهَ إلا هو، لم يَتَّخِذْ صاحبةً ولا ولدًا - فقال لهم النبيُّ مَ له: ((ألستُم
تَعْلَمُون أنَّه لا يكونُ وَلَدٌ إلا وهو يُشْبِهُ أباه؟)). قالوا: بلى. قال: ((ألستُم تَعْلَمُون أَنَّ
ربَّنا حىٍّ لا يموتُ، وأَنَّ عيسى يأتى عليه الفَناءُ؟)). قالوا: بلى. قال: ((ألستُم
تَعْلَمُون أنَّ رَبَّنَا قَيُّمٌ على كلِّ شيءٍ، يَكْلَؤُه ويَحْفَظُه ويَرْزُقُه؟)). قالوا: بلى. قال:
((فهل ◌َمْلِكُ عيسى من ذلك شيئًا؟)). قالوا: لا. قال: ((أفلستُم تَعْلَمُون أنَّ اللَّهَ عَّ
وجلَّ لا يَخْفَى عليه شيءٌ فى الأرضِ ولا فى السماءِ؟)). قالوا: بلى. قال: ((فهل
يعلَمُ عيسى من ذلك شيئًا إلا ما عُلِّمَ؟)). قالوا: لا. قال: ((فإِنَّ رِبَّنَا صَوَّرَ عيسى فى
الرَّحِم كيف شاء)) (١). قال: ((ألستُم تَعْلَمون أنَّ ربَّنا لا يَأْكُلُ الطعامَ، ولا يَشْرَبُ
(١) فى م: ((بتبرئة)). وفى س، والسيرة: ((بتنزيه)).
(٢) سيرة ابن هشام ٥٧٣/١ - ٥٧٦، وأخرجه البيهقى فى الدلائل ٣٨٢/٥ من طريق يونس ، عن ابن
إسحاق به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/٢ إلى ابن المنذر. وسيذكر المصنف بقيته مفرقة فيما سيأتى.
(٣) بعده فى م: ((فهل تعلمون ذلك؟ قالوا: بلى)).

١٧٥
سورة آل عمران : الآية ٢
الشَّرابَ، ولا يُحْدِثُ الحَدَثَ؟)). قالوا: بلى. قال: ((ألستم تَعْلَمون أنَّ عيسى حَمَلَتْه
امرأةٌ كما تَحْمِلُ المرأةُ ، ثم وَضَعَتْه كما تَضَعُ المرأةُ وَلَدَها ، ثم غُذِّىَ كما يُغَذَّى الصبىُ،
ثم كان يَطْعَمُ الطعامَ، ويَشرَبُ الشَّرابَ، ويُحْدِثُ الحَدَثَ؟)). قالوا: بلى. قال:
((فكيف يكونُ هذا كما زعمتُم؟)). قال: فعرفوا ثم أبَوْا إلا ◌ُحُودًا، فأنزل [١٣٨١/١]
(١
اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿الَمَّ ﴿ اللَّهُ لَآّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُومُ
القولُ فى تأويلٍ قولِه : ﴿ آلْحَىُّ الْقَيُّومُ
اختلفت القَرَأَةُ فى ذلك؛ فقرأتْه قَرَأةُ الأمصارِ: ﴿ الْحَىُّ الْقَيُ﴾ .
وقرَأ ذلك عمرُ بنُ الخَطَّابِ وابنُ مسعودٍ، فيما ذُكِر عنهما: (الحىُّ
(٢)
الْقِيَّامُ)().
وذُكِر عن عَلْقمةَ بنِ قيس أنه كان يقرأ : (الحَّ القَيِّمُ ).
حدَّثنا بذلك أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا عثّامُ بنُ علىٍّ، قال: حدَّثنا الأعمشُ ،
عن إبراهيمَ ، عن أبى مَعْمَرٍ، قال: سَمِعْتُ عَلقمةَ يقرأُ : (الحَىِّ القَيِّمُ ). قلت : أنتَ
سَمِعْتَه؟ قال: لا أدرِى(٣) .
/حدَّثنا أبو هشام الرّفاعىُ، قال: حدَّثْنا وَكيعٌ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن ١٦٤/٣
إبراهيمَ ، عن أبى معمرٍ ، عن عَلْقمةً مثلَه .
وقد رُوِى عن عَلْقمةَ خلافُ ذلك، وهو ما حدَّثنا أبو هشام ، قال: حدَّثنا
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٨٥/٢ (٣١٢٤) من طريق ابن أبى جعفر به .
(٢) تنظر قراءة عمر فى فضائل القرآن لأبى عبيد ص ١٦٨، وسنن سعيد بن منصور (٤٨٦ - تفسير)، وقراءة
ابن مسعود فى سنن سعيد بن منصور (٤٨٩ - تفسير)، والمعجم الكبير (٨٦٩٠)، والمصاحف لابن أبى داود
ص ٥٩.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/٢ إلى المصنف وابن الآنبارى.
٠

١٧٦
سورة آل عمران : الآية ٢
عبدُ اللَّهِ، قال: حدَّثنا شَيْبانُ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن أبى معمرٍ ، عن
عَلْقمةَ أنه قرأ: (الحَّ القَيَّامُ)(١).
والقراءةُ التى لا يجوزُ غيرُها عندَنا فى ذلك ما جاءت به قراءةُ المسلمِين نقلًا
مستفيضًا، عن غيرِ تَشاعٍُ(١٢) ولا تَواطؤٍ، وراثةً، وما كان مُثْتًا فى مصاحفِهم؛
وذلك قراءةُ من قرَأ: ﴿ الْحَىُّ الْقَيُّومُ﴾ .
القولُ فى تأويلٍ قوله: ﴿الْحَىُّ﴾ .
اختلف أهلُ التأويلِ فى معنى قوله: ﴿ اٌلْحَىُّ﴾؛ فقال بعضُهم : معنى ذلك مِن
اللَّهِ تعالى ذكرُه أنه وصَف نفسَه بالبقاءِ، ونفَى الموتَّ الذى يجوزُ على مَن سواه مِن
خلقِه عنها .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ ، قال: حدَّثنا سلَمةُ بنُ الفضل، قال : حدَّثنی محمدُ
ابنُ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ جعفرِ بنِ الزُّبِيرِ: ﴿الْحَىُّ ﴾ : الذى لا يموتُ، وقد مات
عيسى وصُلِب فى قولِهم. يعنى فى قولِ الأحبارِ الذين حامجُوا رسولَ اللَّهِ عَ لِ من
نَصارَى أهلٍ تَجْرَانَ(٣) .
حدَّثنى المثنَّى ، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن
الرّبيع: ﴿اَلْعَىُّ﴾. قال: يقولُ: حىٍّ لا يموتُ(٤).
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/٢ إلى المصنف وابن الأنبارى.
(٢) فى م: ((تشاغر)).
(٣) سيرة ابن هشام ٢/ ٥٧٦.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٨٦/٢ (٢٥٧١) من طريق ابن أبى جعفر به .
:

١٧٧
سورة آل عمران : الآية ٢
وقال آخرون: معنى ((الحىّ)) الذى عَناه اللَّهُ عزَّ وجلَّ فى هذه الآيةِ ، ووصف به
نفسَه، أنه المُتُيَسِّرُ له تدبيرُ كلِّ ما أراد وشاء، لا يَمتنعُ عليه شىءٌ أراده ، وأنه ليس
كمن لا تدبيرَ له من الآلهةِ والأندادِ .
وقال آخرون : معنى ذلك أن له الحياةَ الدائمةَ التى لم تَزَلْ له صفةً ، ولا تزالُ
كذلك. وقالوا: إنما وَصف نفسَه بالحياةِ لأن له حياةً، كما وصَفها بالعلم لأن لها
علمًا ، وبالقُدْرةِ لأن لها قدرةً .
ومعنى ذلك عندى أنه وصَف نفسَه بالحياةِ الدائمةِ التى لا فَناءَ لها ولا انقطاعَ ،
ونفَى عنها ما هو حالٌّ بكلِّ ذى حياةٍ من خلقِه ؛ من الفَناءِ وانقطاع الحياةِ عندَ مجىءٍ
أجلِه ، فأخبرَ عبادَه أنه المستوجِبُ على خلقِه العبادةَ والأَلُوهةَ، والحىُّ الذى لا يموتُ
ولا یییدُ، کما یموثُ كلُّ مَن اتُخِذَ مِن دونهربًّا ، ویبیدُ كلُّ من ادعىَ مِن دونِه إلهًا ،
واحتجّ على خلقِه بأنَّ مَن كان يَبِيدُ فیزولُ ويموتُ فيَفْنَى، فلا يكونُ إلهًا يَستوجبُ
أن يُعْبَدَ دونَ الإِلهِ الذى لا يَبِيدُ ولا يموتُ، وأَنَّ الإلهَ هو الدائمُ الذى لا يموتُ ولا يَبِيدُ
ولا يَفْنَى، وذلك اللَّهُ الذى لا إلَهَ إلا هو.
القولُ فى تأويلِ قوله: ﴿ الْقَيُّمُ﴾ .
قد ذكّوْنا اختلافَ القرأةِ فى ذلك ، والذى نختارُ منه ، وما العِلّةُ التى مِن أجلِها
اخترنا ما اخترنا من ذلك .
فأمّا تأويلُ جميع الوجوهِ التى ذكَرْنا أن القرأةَ قرأتْ بها ، فمتقارِبٌ ، ومعنى
ذلك كلِّه: القَيِّمُ بحفظِ كلِّ شىءٍ ورَزْقِه وتدبيرِه، وتصريفِه فيما شاء وأحبَّ ، مِن
تغییرٍ وتبدیل ، وزيادة ونقصٍ .
/ كما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصم، قال: حدَّثنا عيسى ١٦٥/٣
( تفسير الطبرى ١٢/٥ )

١٧٨
سورة آل عمران : الآية ٢
ابنُّ ميمونٍ ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى نَجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ جلَّ ثناؤه: ﴿الْحَىُّ
الْقَيُّومُ﴾. قال: القائمُ على كلِّ شيءٍ (١) .
حدَّثنى المُثُنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةً، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحِ،
عن مجاهدٍ مثلَه(٢) .
حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ ، عن أبيه ، عن
الرَّبِيعِ: ﴿ الْقَيُ﴾: فَيُّمٌ على كلِّ شيءٍ؛ يَكْلَؤُه ويَحْفَظُه ويَرْزُقُه(٣) .
وقال آخرون: معنى ذلك: القَّامُ على مكانِه. ووجَّهوه إلى القيامِ الدائمِ،
الذى لا زوالَ معه ولا انتقالَ، وأنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ إنما نفَى عن نفسِه - بوَصْفِها.
بذلك - التغيُّرَ والتنقُّلَ من مكانٍ إلى مكانٍ ، وحدوثَ التبدُّلِ الذى يَحدُثُ فى
الآدميّين وسائرِ خلقِه غيرهم.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: حدَّثنا سلَمةُ، عن محمدٍ (١) بن إسحاقَ، عن محمدِ بنِ
جعفرٍ بِنِ الزُّبيرِ: ﴿ اَلْقَيُّومُ﴾: القَيَّامُ على مكانِهِ ، مَن سلطانُه فى خلقِه لا يزولُ ، وقد
زال عيسى فى قولهم - يعنى فى قول الأحبارِ الذين حاجُوا النبىَّ مَّهِ من أهلِ نجرانَ
فی عیسی - عن مكانه الذی کان به، وذهب عنه إلی غیرِه () .
وأولى التأويلَين بالصوابِ ما قاله مجاهدٌ والرّبيعُ، وأن ذلك وصفٌ من اللَّهِ
(١) تفسير مجاهد ص ٢٤٨، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٨٦/٢ (٢٥٧٣).
(٢) أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (٩٦) من طريق أبى حذيفة به .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٨٦/٢ (٢٥٧٢) من طريق ابن أبى جعفر به .
(٤) فى النسخ: ((عمر)).
(٥) سيرة ابن هشام ١ / ٥٧٦، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٨٦/٢ (٣١٢٩) من طريق ابن إسحاق قوله .

١٧٩
سورة آل عمران : الآية ٢
تعالى ذكرُه نفسَه بأنَّه القائمُ بأمرٍ كلِّ شىءٍ فى رَزْقِه والدفْع عنه ، وكِلائِه وتدبيرِه،
وصَرْفِه فى قدرتِهِ ، مِن قولِ العربِ : فلانٌ قائمٌ بأمرٍ هذه البلدةِ. تَعْنى بذلك: المُتُوَلِّى
تدبيرَ أمرِها. [٣٨١/١ظ] فـ ((القيّومُ)) - إذا كان ذلك معناه - ((الفَيْعُولُ))، من قولٍ
القائل: اللَّهُ يقومُ بأمرٍ خلقِه. وأصلُه ((القَيْرُومُ))، غيرَ أنَّ الواوَ الأولى من
((القَيْؤُومِ))، لما سبقتْها ياءٌ ساكنةٌ وهى متحرّكةٌ ، قُلِبَتْ ياءٌ، فُعِلَتْ هى والياءُ التى
قبلَها ياءً مشدّدةً ؛ لأن العربَ كذلك تفعَلُ بالواوِ المتحرّكةِ إذا تقدَّمَتْها ياءٌ ساكنةٌ .
وأما ((القَيّامُ))، فإن أصلَه ((القَيْوامُ))، وهو ((الفَتْعَالُ))، مِن: قام يقومُ،
سَبَقت الواوَ المتحرِّكَةَ مِن ((قَيْوامِ)) ياءٌ ساكنةٌ، فجُعِلَتا جميعًا ياءً مشدّدةً .
ولو أنَّ القَيُّومَ ((فَقُولٌ))، كان ((القَؤُومَ))، ولكنَّه ((الفَيْعُولُ)). وكذلك
((القَيَّامُ)) لو كان ((الفَقَّالَ)) لكان ((القَوَّامَ))، كما قيل: الصَّوّامُ والقَوَّامُ. وكما قال
جلَّ ثناؤه: ﴿كُونُواْ قَوَمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ ﴾ [المائدة: ٨]. ولكنَّه
((الفَتْعالُ))، فقال: القَيَّامُ.
وأمَّا ((القَيِّمُ)) فهو ((الفَيْعِلُ))، من: قامَ يقومُ، سَبَقَّت الواوَ المتحرّكةَ ياءٌ
ساكنةٌ، فجُعِلَتا ياءً مُشدَّدةٌ، كما قيل: فلانٌ سيِّدُ قومِه . من: سادَ يَسُودُ، وهذا
طعامٌ جيّدٌ ، من : جادَ يجودُ ، وما أشبه ذلك .
وإنما جاء ذلك بهذه الألفاظِ ؛ لأنه قصَد به قَصْدَ المبالغةِ فى المدح، فكان
((القَيُّومُ)) و ((القَيَّامُ)) و((القَيِّمُ)) أبلغَ فى المدحِ من القائم. وإنما كان عمرُ رضِى اللَّهُ
عنه يختارُ قراءته، إن شاء اللّهُ: ((القَيَّامُ)) ؛ لأن ذلك الغالبُ على مَنطِقِ أهلِ الحجازِ،
فى ذواتِ الثلاثةِ من الياءِ والواوٍ، فيقولون للرجلِ الصَّاغ: الصَّيَّاعُ. ويقولون
للرجلِ الكثيرِ الدَّوَرانِ: الدَّيَّارُ. وقد قيل: إن قولَ اللَّهِ جلَّ ثناؤه: ﴿لَا نَذَرْ عَلَى
اُلْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]. إنما هو: ((دَوَّارًا))، ((فَقَّالًا))، مِن: دارَ

١٨٠
سورة آل عمران : الآيتان ٢، ٣
يَدُورُ. ولكنَّها نزَلتْ بلغةِ أهلِ الحجازِ ، وأُقِّتْ كذلك فى المصحفِ .
/ القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَبَ بِآلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيِِّ ﴾
١٦٦/٣
يقولُ جلَّ ثناؤه : يا محمدُ ، إِنَّ ربَّك وربَّ عيسى وربَّ كلِّ شيءٍ، هو الربُّ
الذى أنزل عليك الكتابَ، يعنى بـ ((الكتابِ)): القرآنَ، ﴿ بِآلْحَقِ﴾ يَعنى بالصِّدْقِ
فيما اختلف فيه أهلُ التوراة والإنجيلِ ، وفيما خالَفك فيه مُحاجُوك مِن نَصارَى أهلِ
تَجْرانَ، وسائرِ أهلِ الشركِ غيرِهم، ﴿ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّهِ﴾ ، يَعنى بذلك القرآنَ أنه
مُصَدِّقٌ لما كان قبلَه مِن كتبِ اللَّهِ التى أنزلَها على أنبيائِه ورسلِه ، ومُحَقِّقٌ ما جاءت به
رسلُ اللَّهِ مِن عندِه ؛ لأنَّ مُنَزِّلَ جميع ذلك واحدٌ ، فلا يكونُ فيه اختلافٌ ، ولو كان
من عندٍ غيرِه لكان فيه اختلافٌ كثيرٌ.
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : حدّثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا عیسی ، عن ابنٍ
أبى تَجِيح، عن مجاهدٍ: ﴿ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيِهِ﴾. قال: لما قبلَه من كتابٍ أو
(١)
رسول(١).
حدَّثنى المثنَّى ، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحِ،
عن مجاهدٍ: ﴿ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: لما قبلَه من كتابٍ أو رسولٍ .
حدَّثنى محمدُ بنُ محُميدٍ، قال: حدَّثنا سلَمةُ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ
إسحاقَ، عن محمدِ بنِ جعفرِ بنِ الزُّبِيرِ: ﴿ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ ﴾ أى:
(١) تفسير مجاهد ص ٢٤٨، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٨٧/٢ (٣١٣٥).