Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
سورة البقرة : الآية ٢٧٥
حدَّثنى موسَى، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن الشُدىِّ:
الَّذِينَ يَأْككُلُونَ الْرَّوْ لَا يَقُومُونَ﴾ ( يومَ القيامةِ) ﴿ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى
يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِنَّ﴾. يغْنى: مِن (٢) الجنونِ(٣).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَوَأْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ
مِنَ الْمَسِنَّ﴾. قال: هذا مَثلُهم يومَ القيامةِ، / لا يقُومُون يومَ القيامةِ مع الناسِ ، إلّ
١٠٣/٣
كما يَقومُ الذى يُخْنقُ مع الناسِ، يقومُ (١٤ يومَ القيامةِ كأنه خُيِقَ، كأنه مَجنونٌ.
ومعنى قوله: ﴿ يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسَِّّ﴾: يَتَخَبُلُه مِن مَسِّهِ إِيَّه. يقالُ
منه: قد مُسَّ الرجلُ (وأُلِسَْ) وأُلِقَ، فهو تمسوسٌ (" ومألُوسٌ) ومَأْلوقٌ. كلُّ ذلك
إذا ألمّ به اللَّمَمُ فيجُنَّ. ومنه قولُ اللّهِ عزّ وجلّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَتَّقَوْاْ إِذَا مَسَّهُمْ
طَهِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ﴾ [الأعراف: ٢٠١]، ومنه قولُ الأعشَى() :
وتُصْبِحُ عن(٨) غِبِّ الشّرَى وكأنما أَلَمَّ بها مِن طائفِ الجنِّ أوْلَقُ
فإن قال لنا قائلٌ: أفرأيتَ مَن عَمِلَ ما نهَى اللّهُ عنه مِن الرّبا فى تجارته ولم
يأكُلْهِ ، أَيَستحِقُّ هذا الوعيدَ مِن اللّهِ ؟
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) سقط من: الأصل.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٤٤/٢ عقب الأثر (٢٨٨٩) من طريق عمرو به .
(٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٥ - ٥) سقط من : م.
(٦ - ٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ٦ ٣.
(٧) ديوانه ص ٢٢١.
(٨) فى الديوان: ((من)).

٤٢
سورة البقرة : الآية ٢٧٥
قيل : نعم ، وليس المقصودُ مِن الرّبا فى هذه الآيةِ النهىَ عن أكلِه خاصةً ،
دونَ النهي عن العملِ به، وإنما خصَّ اللهُ وصْفَ العاملين به فى هذه الآية )
بالأكل(٢)؛ لأن(٢) الذين نزَلتْ [٦٢/٨ظ] فيهم هذه الآياتُ يومَ نزَلتْ، كانت
◌ُعْمَتُهم ومَأْكلُهم مِن الرّبا، فَذَكَرَهم بصِفَتِهِم، مُعظِّمًا بذلك عليهم أمْرَ الرِّبا،
ومُقَبِّحًا إليهم الحالَ التى هم عليها فى مَطاعِمِهم . وفى قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الْرِّيَّوْاْ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ ﴿٧) فَإِ لَّمْ تَفْعَلُواْ
فَأَذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾﴾ الآية. ما يُتْبِىُّ(٤) عن صحةٍ ما قُلنا فى ذلك، وأنّ
التحريمَ مِن اللّهِ فى ذلك كان لكلِّ مَعانِى الرِّبا، وأن سواءً العملُ به وأكلُه وأخْذُه
وإعطاؤه، كالذى تظاهرتْ به الأخبارُ عن رسولِ اللهِ عَ لّه من قوله: «لَعَنَ اللّهُ آكِلَ
الرِّبا، ومُؤْكِلَه، وكاتِبَه، وَشاهِدَيْه إذا عَلِمُوا(٥) بهِ))(٢).
القولُ فى تأويل قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَوَأَ﴾.
يَغْنى بقولِهُ(٢): ﴿ ذَلِكَ﴾: الذى وصَفَهم اللهُ به مِن قیامِهم يومَ القيامة مِن
قبورِهم، كقيام الذى يتخبّلُهُ(٣) الشيطانُ(١) مِن الجنونِ، فقال: هذا الذى ذَكَوْنا أنه
. (١ - ١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) فى م: ((الأكل)).
(٣) فى م: ((إلا أن)).
(٤) فى الأصل، ص، ت ١: (( بين).
(٥) فى ص: ((عملوا)).
(٦) أخرجه البخارى (٢٠٨٦) من حديث أبى جحيفة، ومسلم (١٥٩٧)، وأبو داود (٣٣٣٣)، والترمذى
(١٢٠٦)، وابن ماجه (٢٧٧٧)، وغيرهم من حديث عبد الله بن مسعود .
(٧) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((بذلك جل ثناؤه)).
(٨) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يتخبطه)).
(٩) بعده فى م: ((من المس)).

٤٣
سورة البقرة : الآية ٢٧٥
يُصيبُهم يومَ القيامةِ من قُبْح حالِهم، ووَحْشَةٍ قيامِهم مِن قُبُورِهم ، وسوءٍ ما حَلَّ
بهم، مِن أجلِ أنهم كانوا فى الدنيا يَكْذِبون فيَفْتَرون ويقُولون: ﴿ إِنَّمَا اُلْبَيْعُ﴾
الذى أحَلَّ اللّهُ لعبادِه ﴿ مِثْلُ الْرّبَوَأْ﴾. وذلك أنّ الذين كانوا يأكلونَ الرِّبا مِن أهلِ
الجاهليةِ، كان إذا حَلَّ مالُ أحدِهم على غَريمِهِ يقولُ الغريمُ لصاحبٍ (١) الحقِّ : زِدْنی
فى الأجلِ وأزيدَك فى مالِكَ . فكان يُقالُ لهُما إذا فَعَلَا ذلك: هذا ربًا لا يَحِلُّ. فإذا
قِيلَ لهما ذلك قالًا: سواءٌ علينا زِدْنا فى أوَّل البيع أو عندَ مَحِلِّ المالٍ. فكذَّبَهم اللّهُ فى
قِيلِهم، فقال جلّ ثناؤه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾.
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ وَأَحَلَ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الْرِيَوْ فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ
مِّن رَّبِّهِ، فَنْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا
(٢٧٥
خَلِدُونَ
يُعْنى " بقولِه: ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾: وأحلَّ الأزباحَ فى التجارةِ والشراءِ
ج
والبيع، ﴿ وَحَزَمَ الِیَا ﴾ ، يعنى الزيادة التى يُزادُها ربُّ المالِ بسببٍ زیادَتِه غريمه فى
الأجلِ وتأخيرِهِ دَيْنَه عليه . يقولُ تعالى ذكره: فليست الزيادتان اللتان / إحداهما ١٠٤/٣
من وَجْهِ البيعِ والأُخْرَى مِن وَجِهِ تأخيرِ المالِ والزِّيادةِ فى الأجلِ ، سواءً، وذلكَ أَنِّى
حرَّمتُ إحدَى الزيادتينِ - وهى التى مِن وَجْهِ تأخيرِ المالِ والزِّيادةِ فى الأجلِ -
وأحْلَلتُ الأخرَى منهما - وهى التى مِن وَجْهِ الزيادةِ على رأسِ المالِ الذى ابتاع به
البائعُ سِلْعَتَه التى يَبيعُها فيسْتَفْضِلُ فضْلَها - فقال اللّهُ جلّ ثناؤه لهم(٢) : ليست
الزيادةُ مِن وجْهِ البيع نظيرَ الزّيادةِ مِن وجهِ الرِّبا؛ لأَنِّى أَحْلَلتُ البيعَ وحَرَّمتُ الرِّبا،
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((لغريم)).
(٢ - ٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( جل ثناؤه وأحل الله)).
(٣) زيادة من: الأصل .

٤٤
سورة البقرة : الآية ٢٧٥
والأمرُ أمْرِى، والخَلَقُ خَلْقِى، أَقْضِى فيهم ما أَشاءُ، وأَسْتَعْبِدُهم بما أريدُ ، ليسَ لأحدٍ
منهم أنْ يَعترضَ فى حُكْمِي ، ولا أنْ يُخالفَ أَمْرِى، وإنما عليهم طاعتِى والتَّسْلِيمُ
لحکمی .
ثم قال جلّ ثناؤُه: ﴿فَمَنْ جَّةَمُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ، فَأَنْتَهَى﴾. يعنى بالموعظَةِ
التذكيرَ والتخويفَ الذى ذكّرهم وخوَّفَهم به فى آي القرآنِ ، وأَوْعدَهُم على أكلِهم
الرّبا مِن العقابِ. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فمن جاءَه ذلكَ، ﴿فَأَنْتَهَى﴾ عن أكْلِ الرِّبا ،
وارْتَدعَ عن العملِ به، وانزَجرَ عنه، ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾، يعنى: ما أكلَ وأخذَ ،
فمضَى قبلَ مجىءِ الموعظةِ والتحريم من ربِّه فى ذلك، ﴿ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾،
يَعنى: وأَمْرُ آكلِه إلى اللهِ بعد مجيئه الموعظةُ مِن ربِّه والتحريمُ، وبعدَ انتهاءِ آكِلِه
عن أكْلِه، ﴿ إِلَى اللّهِ ﴾ فی عِضْمتِه وتوفيقه ، إن شاء عصمه عن أكْلِه ، وثَبْتَه فى
انتهائِه عنه، وإن شاءَ خَذَله عن ذلك، ﴿ وَمَنْ عَادَ﴾، يقولُ: ومن عادَ لأْل
الرِّبا بعدَ التحريم، وقال ما كان يقولُه قَبَلَ مجىءٍ الموعظةِ من اللّهِ بالتحريمِ من
قوله: ﴿ إِنََّا الْبَيْعُ مِثْلُ الْرِّبَوَأْ﴾، ﴿فَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا
خَالِدُونَ﴾ : يغنى ففاعِلُو ذلك وقائِلُوه هم أهلُ النارِ، يعنى نارَ جهنم، ﴿ هُمْ
فِيهَا خَلِدُونَ﴾، يعنى: دائمو البقاء فيها، لا يموتون فيها ولا يَخرُجون
١)
منها ) .
وبنحوٍ ما قُلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذِكرُ مَن قَالَ ما قلنا فى قولِه: ﴿ فَمَنْ جَءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّيِّهِ، فَنْنَهَى﴾ .
[٦٣/٨و] حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.

٤٥
سورة البقرة : الآيتان ٢٧٥، ٢٧٦
أسباطُ ، عن الشُّدىِّ: ﴿ فَمَنْ جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ، فَأَنْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى
اللهِ ﴾: أما الموعظةُ فالقرآنُ، وأما ﴿ مَا سَلَفَ﴾: فَلَه ما أكَلَ من الرِّبا (١).
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الْرَّواْ وَيُرْبِىِ الضَّدَقَاتِّ وَاللَّهُ لَا
يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيم
يَعنِى بقولِه جلّ ثناؤه: ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الْرِبَواْ﴾: يَنقُصُ اللّهُ الرِّبا فيذْهِبُه.
كما حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ مجريجٍ،
قال: قال ابنُ عباسٍٍ: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الْرِبَواْ﴾. قال: يَنقُصُ(١).
وهذا نَظِيرُ الخبرِ الذى رُوى عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، عن النبيّ ◌َّ اللّهِ أنه قال:
((الرّبا وإن كَثُرَ فِإِلَى قُلِّ))(٣).
وأما قولُه جل ثناؤه: ﴿ وَيُرْبِىِ الضَّدَقَاتِ﴾. فإنه تعالى ذكرُه يعنى: أنه
يُضاعِفُ أجرَها لرَّبِّها، ويُنمِّيها له .
وقد بيّنا معنَى الرِّبا قَبلُ، والإرباءِ، وما أصلُه، بما فيه الكفايةُ من إعادَتِه .
فإن قال قائلٌ: وكيفَ إرباءُ اللّهِ الصدقاتِ ؟
قيل: إضعافُه الأجْرَ لربّها، كما قال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِى كُلِّ / سُنَبْلَةٍ مِّأْئَةُ حَبَّةٍ ﴾ ١٠٥/٣
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٤٥/٢، ٥٤٦ (٢٨٩٤)، عقب الأثر (٢٨٩٨) من طريق عمرو بن
حماد به .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦٥/١ إلى المصنف وابن المنذر.
(٣) القل: القلة، كالذل والذلة، أى أنه وإن كان زيادة فى المال عاجلا فإنه يؤول إلى نقص. ينظر النهاية ٤/ ١٠٤.
والحديث أخرجه أحمد ٢٩٧/٦، ١٢٦/٧ (٣٧٥٤، ٤٠٢٦)، وابن ماجه (٢٢٧٩)، والحاكم
٣٧/٢، ٣١٧/٤، والطبرانى (١٠٥٣٨، ١٠٥٣٩).

٤٦
سورة البقرة : الآية ٢٧٦
[البقرة: ٢٦١]، وكما قال: ﴿ مَّن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَعِفَهُ لَهُو
أَضْعَافًا كَثِيرَةً ﴾ .
وكما حدَّثنا أبو كريبٍ، قال : ثنا وكيعٌ، قال : ثنا عبادُ بنُ منصورٍ ، عن
القاسِم، أنه سمعَ أبا هريرةَ يقولُ: قال رسولُ اللّهِ وَهِ: ((إِنَّ اللّهَ يَقْبَلُ الصدقةَ
ويَأْخُذُها بِيمِينِهِ ، فيُرْبِيها لأحدِكُمْ كمَا يُرْبِى أَحَدُكُم مُهْرَه، حتى إِنَّ اللُّقْمَةَ لَتَصِيرُ
مِثْلَ أُحُدٍ))(١). (٢ وتَصْدِيقُ ذلك فى كتابِ اللّهِ: (٣وهو الذى يَقْبَلُ التوبةَ عن عبادِه
ويَأْخُذُ الصدقاتِ(٣)، و﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرَِّوْ وَيُرْبِ الصَّدَقَّتِ﴾(١).
حدَّثنى سليمانُ بنُ عُمرَ بنِ خالدِ بنِ الأقطع الرَّقِىُّ، قال : ثنا ابنُ المباركِ ، عن
سفيانَ ، عن عَبَّادِ بنِ منصورٍ، عن القاسمِ بنِ محمدٍ، عن أبى هريرةَ، ولا أُراهُ إلّا قد
رَفْعَه، قال : ((إنّ اللّه عزّ وجلّ يقبلُ الصَّدقةَ، ولا يقبلُ منها (٥) إلّ الطَّيبَ(*))).
(١) أخرجه الترمذى (٦٦٢) عن أبى كريب به. وأخرجه ابن أبى شيبة ١١١/٣، وأحمد ١٠٥/١٦
(١٠٠٨٨)، وابن خزيمة (٢٤٢٧)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٤٧/٢ (٢٩٠٨)، ١٨٧٧/٦ من طريق
وكيع به. وأخرجه أبو عبيد فى الأموال ص ٤٣٧ (٨٩٦)، وأحمد ١٣٨/١٥ (٩٢٤٥)، ١٠٥/١٦
(١٠٠٨٨)، وابن زنجويه فى الأموال ٧٥٩/٢ (١٣٠٢) - ومن طريقه البغوى فى شرح السنة (١٦٣٠) -
وابن خزيمة (٢٤٢٧) من طريق عباد بن منصور به .
(٢ - ٢) لعل هذه الزيادة إدراج فى متن هذا الحديث. وقد أدرجت هذه الزيادة أيضًا - دون لفظ آية التوبة - فى
الحديث الذى رواه القاسم عن عائشة .
(٣ - ٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات))،
واضطرب فيها ناسخ النسخة ت ٢، والمثبت من الأصل، وهو موافق لرواية المسند والترمذى كما فى تحفة الأحوذي،
وهو خلط بين الآية ١٠٤ من سورة التوبة وبين الآية ٢٥ من سورة الشورى، وليست هذه الآية موضع استشهاد فى
الحديث ههنا . وهذا الخطأ الذى ثبت فى الأصل هنا وفى هذه المصادر خطأ قديم، فقد ثبت هذا الخطأ فى
جامع المسانيد ٣٢٠/٧ (نقلا عن الشيخ شاكر)، وقال عنه العراقى - كما فى تحفة الأحوذي ٢٣/٢ -: فى هذا
تخليط من بعض الرواة، والصواب ... وقد رويناه فى كتاب الزكاة ليوسف القاضى على الصواب .
(٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٥) زيادة من: ت ٢، ت ٣.
(٦) جزء من الحديث السابق، وسيأتى بالإسناد نفسه فى سورة التوبة الآية (١٠٤).

٤٧
سورة البقرة : الآية ٢٧٦
وحدَّثنى محمدُ بنُ عمرَ بن١ِ علىِّ المقدَّمُ، قال: ثنا رَيْحانُ بنُ سعيدٍ ، قال :
ثنا عبادٌ، عن القاسم، عن عائشةَ، قالتْ: قال رسولُ اللّهِ مَّهِ: ((إنّ اللّهَ يَقْبَلُ [ ٨]
٦٤ و] الصدَقاتِ(٣) ، وَلا يَقْبَلُ منها إلا الطَّيِّبَ، ويُربيها لصاحِبِها(٤) كما يُرْبِى أحَدُكُم
مُهْرَهُ أَوْ فَصيلَه، حتى إن اللُّقْمَةَ لَتَصِيرُ مِثْلَ أُحُدٍ ))، وتَصْدِيقُ ذلك فى كتابِ اللّهِ :
﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الْرِبَواْ وَيُرْبِىِ الصَّدَقَتِّ﴾(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ الملكِ، قال: ثنا عبدُ الرزَّاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
أيوبَ، عن القاسم بن محمدٍ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللّهِ مَِّهِ: ((إنَّ
العَبْدَ إِذا تصَدَّقَ مِن طَيِّبٍ ، تَقَبَّلَها (٦) اللّهُ منه، ويَأْخُذُها بِيَمِينِهِ، وَيُْبيها كمَا يُزْبِى
أَحَدُكم مُهْرَه أَوْ فَصِيلَه، وإِنَّ الرجلَ لِيَتَصَدَّقُ بِاللُّقْمَةِ فَتَرْبُو فِى يَدِ اللّهِ - أو قال: فى
كفِّ اللّهِ - حتى تَكُونَ مِثْلَ أُحُدٍ ، فَتَصَدَّقُوا))(٧) .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعلَى، قال: ثنا المُعْتمِرُ بنُ سليمانَ ، قال: سمِعتُ
يونسَ ، عن صاحبٍ له، عن القاسم بنِ محمدٍ ، قال : قال أبو هريرةَ : قال رسولُ
اللّهِ مَّه: ((إِنَّ اللّهَ يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ بِيَمِينِهِ، ولا يَقْبَلُ منها إلَّا ما كان طَيًّا، واللّهُ يُرْبِى
لأَحَدِ كم ◌ُقْمَتَه، كمَا يُرِبِى أحدُكُمْ مُهْرَهُ وفَصِيلَه، حتى يُوافَى بها يَوْمَ القِيامَة -
وهى أعْظَمُ مِن أُحدٍ ) .
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((عمرو)).
(٢) فى الأصل: ((قال نا)). وفى الحاشية: ((فى الأم: قال: عمر بن على المقدمة)). وينظر: تهذيب الكمال
٢٦ /٠١٧٤
(٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت٣: ((الصدقة)).
(٤) فى الأصل: ((لصاحبه)).
(٥) أخرجه أحمد ٢٥١/٦ ( الميمنية) من طريق القاسم به .
(٦) فى الأصل، ت ١: ((يقبلها)).
(٧) أخرجه معمر فى جامعه (٢٠٠٥٠) عن أيوب به، وأخرجه أحمد ٧٣/١٣ (٧٦٣٤) ، وابن خزيمة
(٢٤٢٦) من طريق عبد الرزاق به .

٤٨
سورة البقرة : الآيتان ٢٧٧،٢٧٦
وأما قولُه: ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾. فإنه يعنى به: واللّهُ لا يحبُّ كُلَّ
مُصِرٍّ على كُفرٍ(١)، مُقيم عليه، مُستحلٌ أَكْلَ الرِّبا وإِطْعامَه، ﴿أَثِيمٍ﴾: مُتَمادٍ فى
الإثم برَبِّه (١) فيما نَهاهُ عنه من أكْلِ الرّبا والحرامِ وغيرِ ذلك من معاصِيه، لا يزجِرُ عن
ذلك، ولا يزعوى عنه، ولا يتعِظُّ بموعظةِ ربِّه التى وعظَه بها فى تنزيله وآي كتابه .
/ القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصََّلِحَتِ وَأَقَامُواْ
١٠٦/٣
٢٧٧١
اُلْضَلَوَةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُنَ
وهذا خبرٌ من اللّهِ جلّ ثناؤه بأنّ ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾، يعنى: الذين صَدَّقُوا
باللّهِ وبرسولِه، وبما جاء به مِن عندِ ربِّه (١٢) ، من تحريم الربا وأْلِهِ وغيرِ ذلك من سائرٍ
شَرائعِ دِينِه، ﴿وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ التى أمَرَهُم اللّهُ بها، والتى نَدَبَهم إليها،
وَأَقَامُواْ الضَّلَوةَ﴾ المفروضَةَ بحدودِها، وأَدَّوها بِسُنَّتِها(٤)، ﴿وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾
المفروضةً عليهم فى أموالهِم، بعدَ الذى سلَف منهم من أكل [٦٤/٨ظ] الربا، قبل
مَجىءٍ الموعظةِ فيه مِن عندٍ ربِّهم، ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾، يَعنِى ثوابَ ذلك مِن
أعمالِهم وإيمانِهم وصَدَقتِهم ﴿عِندَ رَبِّهِمْ﴾ يومَ حاجَتِهم إليه فی مَعادِهم، ﴿ وَلَا
خَوْفُ عَلَيْهِمْ﴾ يومئذٍ مِن عقابِهِ على ما كان سلَفَ منهم فى جاهِليتهم وكُفْرِهم ، قبلَ
مجيئهم موعظةُ رَبِّهم، من أكلِ ما كانوا أكلوا مِن الرِّبا، بما كان من إنابَتِهم،
وتويّهم إلى اللّهِ مِن ذلك عندَ مَجِيئِهم المؤْعِظةُ مِن ربِّهم، وتَصْدِيقِهم بوعْدِ اللّهِ
ووَعيدِه، ﴿وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ على تركِهم ما كانوا تركُوا(*) فى الدنيا، من أمْلٍ
(١) بعده فى م: ((بربه).
(٢) سقط من: م.
(٣) فى م: ((ربهم).
(٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢: (( بسننها)).
(٥) بعده فى ت ٢: ((من ذلك)).

٤٩
سورة البقرة : الآيتان ٢٧٧، ٢٧٨
الرِّبا والعَملِ به، إذ عايَنُوا جزِيلَ ثوابِ اللّهِ لهم(١) على تَركِهم ما تَركُوا مِن ذلك فى
الدنيا ، ابتغاءَ رضْوانِه فى الآخرةِ، فوصَلوا إلى ما وُعِدُوا على تَوْكِه .
القولُ فى تأويل قولهِ جلَّ ثناؤه: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ
٢٧٨
مِنَ الرِّبَوْاْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
يَعنى جَلَّ ثناؤه (٢): يأيها الذين(٢) صَدَّقُوا باللّهِ وبرسولِه، ﴿أَتَّقُواْ اللَّهَ﴾.
يقولُ: خافوا اللّهَ على أنفُسِكم، فاتقوه بطاعتِه فيما أمَرَكم به، والانتهاءِ عما نَهاكم
عنه، ﴿وَذَرُواْ﴾. يَعنى: ودَعُوا ﴿ مَا بَقِىَ مِنَ الرِّبَوْ﴾. يقولُ: اتركوا طلبَ ما بقِىَ
لكم مِن فَضْلٍ على رءوسٍ أموالِكم التى كانتْ لكم قبلَ أن تُرْبُوا عليها، ﴿إِن كُنتُم
مُؤْمِنِينَ﴾: إنْ كنتم مُحقِّقِينَ إيمانَكم قوْلًا، وتَصْدِيقَكم بألْسِنَتِكم بأفْعالِكم.
وذُكِرَ أن هذه الآيةَ نَزلتْ فى قومٍ أسلموا ، ولهم على قومٍ أموالٌ من ربًا كانوا
أَرْبَوه عليهم، وكانوا قد اقتضَوا) بعضَه منهم ، وبَقىَ بعضٌ، فعفا اللّهُ عزَّ وجلَّ لهم
عما كانوا قد اقتضَوه قبلَ نزولِ هذه الآيةِ ، وحرَّم عليهم اقتضاءَ ما بَقِىَ منه .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُدّىِّ: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الرِّبَواْ﴾ إلى ﴿لَا
تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾. قال : نزَلتْ هذه الآيةُ فى العباسِ بنِ عبدِ المطلبِ ورجلٍ
مِن بنى المغيرة، كانا شريكين فى الجاهليةِ، يُسْلِفان () [٦٥/٨ و] فى الرّبا إلى ناسٍ مِن
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢: (( وهم).
(٢) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٢: ((بذلك)).
(٣) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٢: ((آمنوا)).
(٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢: ((قبضوا)).
(٥) فى ص، م، ت ١، ت ٢: ((سلفا)).
( تفسير الطبرى ٤/٥ )

٥٠
سورة البقرة : الآية ٢٧٨
١٠٧/٣ ثقيفٍ، مِن / بنى غِيرةً، وهم بنو عَمرِو بنِ مُميرٍ، فجاء الإسلامُ ولهما أموالٌ عظيمةٌ
فى الرِّبا، فأنزلَ اللّهُ: ﴿ وَذَرُواْمَا بَقِىَ﴾ مِن فَضْلٍ كان فى الجاهليةِ ﴿مِنَ الرِّبَزَا﴾(٢).
وحدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُريجٍ قولَه :
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الرِّبَّوْاْ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾ . قال:
كانت ثقيفٌ قد صالَحَتِ النبيَّ ◌ِ لّهِ على أنّ ما لهم مِن ربًا على الناسِ ("فهو لهم)،
وما كان للناسٍ عليهم مِن ربًا فهو مَوْضوعٌ، فلمَّا كان الفتحُ، استعمَلَ عَتَّبَ بنَ
أَسِيدٍ على مكةَ، وكانت بنو عَمٍو بنِ عُميرٍ بنِ عَوْفٍ يأخذون الرِّبًا مِن بنى المغيرةِ ،
وكانت بنو المغيرةٍ يُؤْبُون لهم فى الجاهليةِ، فجاء الإسلامُ ولهم عليهم مالٌ كثيرٌ،
فأتاهم بنو عَمرٍو يطلُبون رِبَاهم، فأتَى بنو المغيرةِ أَنْ يُعطُوهم فى الإسلامِ، ورَفَعوا
ذلك إلى عَتَّابٍ بِنِ أَسِيدٍ، فَكَتَب عتَّابٌ إلى رسولِ اللّهِ عَلَّهِ، فنزلَتْ: ﴿يَأَيُّهَا
فَإِ لَّمْ تَفْعَلُواْ
اَلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الرَِّوْاْ إِن كُنْتُم ◌ُؤْمِنِينَ لَ
فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، إلى ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾، فكتَبَ بها رسولُ
اللّهِ مَّه إلى عتَّابٍ، وقال: ((إِنْ رَضُوا وَإلَّا فَاذِنْهُمْ بِحَرْبٍ)). قال ابنُ نجريج، عن
عكرمةً قوله: ﴿ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الرِّبَوْ﴾. يقولُ: لبنى عمرو بنٍ
عميرٍ ) . قال : كانوا يأخذون الرّبا على بنى المغيرةِ ، يزْتُمون أنهم مَسعودٌ وعبدُ يالِيلَ
وحبيبٌ وربيعةُ؛ بنو عَمرو بنِ عُميرٍ، فهم الذين كان لهم الرِّبا على بنى المغيرةِ،
فأسلَم عبدُ يالِيلَ وحبيبٌ وربيعةُ وهلالٌ ومسعودٌ (٥).
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س: ((عمرة))، وفى م: ((عمرو)). وينظر جمهرة أنساب العرب ص ٢٦٧، ٢٦٨.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم ٥٤٨/٢ (٢٩١٣) من طريق عمرو بن حماد به .
(٣ - ٣) سقط من: ص، م، ت ١، ومكانه بياض فى ت ٢.
. (٤ - ٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢.
(٥) ذكره الحافظ فى الإصابة ٦/ ٥٥١، ٥٥٢، والسيوطى فى الدر المنثور ٣٦٦/١، وعزياه إلى المصنف.
وقال الحافظ : وفى ذكر مصالحة ثقيف قبل قوله : فلما كان الفتح. نظر، ذكرت توجيهه فى أسباب النزول .

٥١
سورة البقرة : الآيتان ٢٧٨، ٢٧٩
وحدَّثنى يحيى (١) بنُ أبى طالب ، قال: أخبرنا يزيدُ ، قال: أخبرنا جُويبرٌ، عن
الضحاكِ فى قولِه: ﴿ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الرَِّّأَ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. قال:
كان ربًّا يَتَبَايَعُون به فى الجاهليةِ، فلمَّا أَسْلَموا أُمِرُوا أنْ يأخذوا رُءوسَ أموالهم (١).
القولُ فى تأويلِ قولِهِ جلّ ثناؤُه : ﴿فَإِ لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأَذَلُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ
وَرَسُولِهٌِّ﴾ .
[٦٥/٨ظ] يَعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿فَإِ لَّمْ تَفْعَلُواْ﴾: فإن لمْ تَذَرُوا ما يقِىَ من
الرّبا .
واختلفَ القَرأةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿ ◌َأَذَنُواْ ﴾؛ فقرأَتْه عامَّةُ قرَأةِ أهلِ المدينةِ :
فَأْذَنُواْ ﴾ بقصرِ ألفٍ (٢ ﴿ فَأْذَنُواْ﴾، وفتح ذَالِها، بمعنَى: كونوا على علم وإذْنٍ.
وقرأَهُ آخرون - وهى قراءةُ عامَّةِ قرأةِ الكوفيين -: (فَآَذِنوا) بمدِّ الألفِ مِن
قوله : (فآذنوا) وكسرٍ ذالِها ، بمعنى: فآذِنُوا غيرَ كم: أعْلِموهم وأخْبِزوهم بأنكم
علی خَرْبهم " .
وأوْلَى القراءتين بالصَّوابِ فى ذلك قراءَةُ مَن قرأ: ﴿ فَأْذَنُواْ ﴾ بقصرِ ألِفِها وفتحِ
ذالِها ، بمعنى: اعْلَمُوا ذلكَ واستيقِنوه، وكونوا على إذنٍ مِن اللّهِ لكم بذلك.
وإنما اخْتَرْنا ذلكَ لأَنَّ اللّهَ جلّ ثناؤه إنما أمَرَ نبيَّه عَِّلَّهِ أَن يَنْبِذَ إلى مَن أقامَ على
(١) فى م، ت ١، ت ٢، س: ((على)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم ٥٥١/٢ (٢٩٢٩) من طريق جويبر به بنحوه. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٣٦٦/١ إلى عبد بن حميد.
(٣) فى الأصل، ت١، ت٢، ت٣: ((الألف))، وفى م، ت ٣: ((الألف من)).
(٤) بقصر الألف وفتح الذال قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائى وابن عامر، وكذا روى حفص والمفضل
عن عاصم، وبمد الألف وكسر الذال قرأ عاصم فى رواية أبى بكر ، وحمزةُ، ومن طريق أبى يوسف الأعشى
عن أبى بكر عن عاصم بالوجهين . السبعة لابن مجاهد ص ١٩٢.

٥٢
سورة البقرة : الآية ٢٧٩
١٠٨/٣ شركه، الذى لا يُقَرُّ على المُقام عليه، وأنْ يَقْتُلَ المرتدَّ عن / الإسلام منهم بكل حالٍ ،
إلا أنْ يُراجِعَ الإِسلامَ، آذَنَه المشركون بأنهم على حزبه أو لمْ يُؤْذِنُوه ، فإذْ كان المأمورُ
بذلك لن يَخلُوَ مِن أحدٍ أمرين ؛ إما أنْ يكونَ كان مُشركًا مُقیمًا علی شرکه الذى لا
يُقَرُّ عليه، أو يكونَ كان مسلمًا فارتدَّ (١عن إسلامِه١) فَأُذِن بحربٍ، فأُّ الأمرين
كان ، فأَّا نُبِذَ إليه بحربٍ، لا أنّه أُمِرَ بالإيذانِ(٢) بها إن عزَم على ذلك؛ لأنَّ الأمرَ إِنْ
كان إليه، فأقام على أكْلِ الرِّبا مُستحِلَّا له، ولمْ يُؤْذِنِ المسلمين(٢) بالحربِ، لم
يَلْزِمْهم حَرْبُه، وليس ذلكَ حُكمَه فى واحدةٍ من الحالتين، فقد علِم أنه المأذونُ
بالحربِ لا الآذِنُ بها . وعلى هذا التأويلِ تأوَّلَه أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
علىِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِهِ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ
مَا بَقِىَ مِنَ الرِّبَواْ﴾ إِلى: ﴿فَذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ .. ﴾: فمن كان مقيمًا على الرّبا
لا يَنْزِعُ عنه، فحقٌّ على إمامِ المسلمينَ أنْ يَسْتَئِيبَه، فإنْ نَزَع، وإلَّا ضرَب ◌ُنقَهِ(٤) .
وحدَّثنى المثنى ، قال: ثنا مُسلِمُ بنُ إبراهيمَ ، قال : ثنا ربيعةُ بنُ كلثوم، قال :
ثنى أبى ، عن سعيدِ بنِ تجبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: يقالُ يومَ القيامةِ لآكِلِ الرّبا: خُذْ
سِلاحكَ للحربِ(٥).
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.
(٢) فى ص، ت ١، س: ((بالإنذار)).
(٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س: ((المسلمون)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٥٠/٢ (٢٩١٩) من طريق أبى صالح به. وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٣٦٦/١ إلى ابن المنذر.
(٥) تقدم تخريجه فى ص ٣٩ .

٥٣
سورة البقرة : الآية ٢٧٩
وحدَّثنى المثنى، قال : ثنا الحجاج ، قال: ثنا ربيعةُ بنُ كُلُومٍ ، قال : ثنى أبى،
عن سعيدِ بنِ تجبيرٍ ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه .
وحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قَتَادةَ قولَه :
﴿ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الرِّبََّأْ إِن كُنْتُم ◌ُؤْمِنِينَ (١٧) فَإِنِ لَّمْ [٦٦/٨و] تَفْعَلُواْ فَأَذَنُواْ بِحَرْبٍ
مِّنَ اَللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾﴾: أوْعدَهُم اللّهُ بالقتلِ كما تَسْمَعونَ، فجعلَهم بَهْرَجًا (١) أينما
(٢)
ثُقِفُوا(٣) .
وحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةً، عن سعيدِ بنِ أبِى عَرُوبَةً ، عن
قَتادةً مثلَه .
وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفر، عن أبيه ، عن
الربيعِ: ﴿فَإِ لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأَذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ قال: أَوْعدَ(٣) آكلَ الرِّبا بالقتلِ(٤).
وحدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيج، قال :
قال ابنُ عباسٍٍ قوله: ﴿فَذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ الَّهِ﴾: فاسْتَيقِنوا بحربٍ من اللّهِ ورسوله(٥).
وهذه الأخبارُ كُلُّها تُنبِىُّ عن أنّ قولَه: ﴿فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اَللَّهِ﴾ إيذانٌ مِن اللّهِ
لهم بالحربِ والقتلِ، لا أمْرٌ لهم بإيذانِ غَيرِهم بذلك(١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَلِكُمْ)
(١) البهرج: الشىء المباح، يقال: بهرج دمه: أهدره. التاج (بهرج).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم ٥٥٠/٢ (٢٩٢٢) من طريق شيبان عن قتادة به .
(٣) بعدها إحالة غير واضحة فى الأصل .
(٤) عزاه ابن كثير فى تفسيره ٤٩٠/١ إلى المصنف.
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦٦/١ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم ، وذكره ابن أبى حاتم فى
تفسيره ٥٥٠/٢ عقب الأثر (٢٩٢٢) معلقًا عن ابن جريج ، عن ابن عباس .
(٦) سقط من: ص، م، ت !، ت ٢، س.

٥٤
سورة البقرة : الآية ٢٧٩
يَعنى جلَّ ثناؤه بذلك: ﴿وَإِن تُبْتُمْ﴾ فتركتُمْ أَكْلَ الرِّبا، وأَنَبِتُم إلى اللّهِ عزّ
وجلّ ﴿ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَلِكُمْ﴾. يغنى(١) : من الديونِ التى لكم على الناسٍ
دونَ الزِّيادَةِ التى أَحْد ثْتُمُوها(٢) على ذلك رِبًّا منكم .
كما حدَّثنا ابنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريع، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قَتَادةَ:
١٠٩/٣
﴿ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ/ أَمْوَلِكُمْ﴾: " والمالُ" الذى لهم على ظهورٍ
الرجالِ ، جَعَلَ لهم رُءُوسَ أموالِهم حينَ نزَلتْ هذه الآيةُ، فأمّا الرَّحُ والفضْلُ فليس
لهم، لا ينبغى لهم أنْ يأخُذوا منه شيئًا(٤) .
وحدَّثنی المثنی ، قال : ثنی عمرُو بنُ عَوْنٍ ، قال : ثنا هُشیم ، عن مجوییٍ ، عن
الضحاكِ، قال: وضَعَ اللّهُ الرِّبَا، وجعلَ لهم رُءُوسَ أموالهم(١).
وحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن سعيدِ بنِ أبِى عَرُوبةَ ، عن
قَتَادةَ فى قوله: ﴿ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَلِكُمْ﴾ . قال: ما كان لهم من
دَينٍ، فجعَل لهم أن يأخُذوا رُءُوسَ أموالِهم، لا يزْدادُوا عليه شيئًا .
وحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السُّدِّىِّ: ﴿ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَلِكُمْ﴾: التى أَسْلفْتُم، وسَقَطَ الرِّبا.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ذُكِر لنا أن نبيَّ
-
(١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.
(٢) فى س: ((أخذتموها)).
(٣ - ٣) فى م: ((المال)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم ٥٥١/٢ (٢٩٢٦) من طريق يزيد به .
(٥) فى الأصل: ((هشام)).
(٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٥٠/٢ (٢٩٢٣) من طريق جويبر به بنحوه .
(٧) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س: ((الذى)).

٥٥
سورة البقرة : الآية ٢٧٩
اللَّهِ عِلِ [٦٦/٨ظ] قال فى خُطْبِه يومَ الفتْح: ((ألا إنَّ ربَا الجاهِليَّةِ مَوْضُوعٌ كُلُّه،
وأوّلُ رِبّا أَبْتَدِئُ بهِ رِبَا العَبَّاسِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ))(١).
وحدَّثنا المثنى، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن
الربيعِ، أنَّ رسولَ اللّهِ عَه قال فى خُطْبِهِ بِّى(٢): ((إِنَّ كُلَّ رَبّا " فى الْجَاهِلِيَّةِ
مَوْضُوعْ، وأوَّلُ رِبّا يُوضَعُ رِبا العَبَّاسِ)).
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلّ ثناؤُه : ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ
٧٩
يَعنى بذلك(٥): ﴿لَا تَظْلِمُونَ﴾ بأخْذِ كم رُءُوسَ أموالِكم التى كانت لكم
قبلَ الإِزْباءِ على غُزَمَائِكم منهم ، دونَ أرباحِها التى زِدْتُوها ربّا على (٦) مَن أخذْتُم
ذلك منه مِن غُرَمائِكم، فتأخُذُوا منهم ما ليس لكم أخْذُه، أوْ لمْ يكنْ لكم قبلُ،
﴿ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ يقولُ: ولا الغريمُ الذى يُعطِيكم ذلك دونَ الربح الذى كنتم
الزَمْتمُوه من أجلِ الزّيادةِ فى الأجلِ ، يَخَسُكم حقًّا لكم عليه، فيعْنعُكموه؛ لأنَّ ما
زادَ على رءوسٍ أموالِكم لمْ يكنْ حقًّا لكم عليه، فيكونَ بمنعِه إياكم ذلكَ ظالمً لكم .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك كان ابنُ عباسٍ يقولُ فيه وغيرُه مِن أهلِ التأويلِ .
(١) لم نقف عليه بهذا الإسناد، وأصل الحديث عند مسلم (١٢١٨) من حديث جابر رضى الله عنه،
وغيره .
(٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.
(٣ - ٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.
(٤) فى ت ٢: ((ما)).
(٥) فى ص، م، ت ٢، س: ((بقوله))، وفى ت١: ((قوله)).
(٦) زيادة من: م .
(٧) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س: ((الربا)).

٥٦
سورة البقرة : الآيتان ٢٧٩، ٢٨٠
ذِكرُ مَن قالَ ذلك
حدَّثنا المثنى ، قال : ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالح، عن عليّ بنِ أبى
طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ ﴾ :
فَتُرْبون ، ﴿ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ فتُنْقَصُون (١).
وحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله:
﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾. قال: لا تُنْقَصُونَ مِن
أموالِكم، ولا تأخذونَ باطِلًا لا يَحِلُّ لكم .
القولُ فى تأويل قوله جلّ ثناؤه: [٦٧/٨و] ﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَ
مَيْسَرَةٍ﴾ .
١١٠/٣
/ يَعنى جلَّ ثناؤُه بذلك: ﴿ وَإِن كَانَ﴾ ممن تَقِضون منه مِن غُرمائِكم
رُءُوسَ أموالكم ﴿ذُو عُسْرَقٍ﴾، يغنى مُعسرًّا برُوسٍ أموالكم التى كانت لكم
عليهم قَبَلَ الإرباءِ، فَأَنْظِروهُم إلى مَيْسرَتّهم .
وقولُه: ﴿ذُو عُسْرَةٍ﴾ مرفوعٌ بـ ﴿كَانَ﴾، والخبرُ متروكٌ، وهو ما
ذَكرْنا . وإنما صلَح تركُ خبرِها من أجلِ أَنّ النكراتِ تُضمِرُ لها العربُ أخبارَها . ولَوْ
وُجِّهَتْ ﴿كَانَ﴾ فى هذا الموضع إلى أنها بمعنَى الفعلِ المُكتَفِى بنفْسِه التامّ ، لكان
وجْهًا صحيحًا، ولم تكنْ بها حاجةٌ حينئذٍ إلى خبرٍ، فيكونُ تأويلُ الكلامِ عندَ
ذلك: وإن وُجِد ذُو عُسرَةٍ مِن غُرَمائِكم برءُوسِ أموالِكم، فنَظِرةٌ إلى مَيسرَةٍ .
وقد ذُكرَ أن ذلك فى قراءةٍ أُبىّ بنِ كعبٍ: ( وَإِنْ كانَ ذا عُشْرَةٍ) (٢) بمعنى: وإنْ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم ٥٥١/٢ (٢٩٣٠) من طريق أبى صالح به .
(٢) ينظر معانى القرآن للفراء ١/ ١٨٦، وذكر أنها قراءة ابن مسعود أيضا .

٥٧
سورة البقرة : الآية ٢٨٠
كان الغريمُ ذَا عُسرَةٍ، فَتَظِرةٌ إلى مَيسرَةٍ. وذلك وإنْ كان فى العربيةِ جائزًا، فغيرُ
جائزةٍ القراءةُ به عندَنا؛ لخلافِه خطوطَ مَصاحفٍ المسلمين .
وأما قولُه: ﴿ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. فإنه يَعِنِى: فعليكم أن تُنْظُرُوه إلى
مَيسرَيِّه، كما قال: ﴿فَنْ كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًا أَوْ بِهَِ أَذَّى مِّن رَّأْسِهِ، فَفِذْيَةٌ مِّنْ صِيَاءٍ ﴾ .
وقد ذَكرْنا وجْهَ رفع ما كان مِن نَظائِرِ هذا فيما مضَى قَبَلُ (١)، فأغْنَى ذلك عن
تکریره .
والميسَرةُ : المفْعَلةُ من اليُسرِ، مثلُ المرحمةِ والمشْأمَةِ .
ومعنى الكلام: وإنْ كان مِن غُرمائِكم ذُو عُسرَةٍ ، فعليكم أن تُنْظِرُوه حتى
يُوسِرَ بما (١) لكم، فيصيرَ مِن أهلِ اليُسرِ به .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى واصلُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضيلٍ، عن يزيدَ بنِ أبى
زيادٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى
مَيْسَرَةٌ﴾. قال: نَزلتْ فى الرّبا(٣) .
[٦٧/٨ظ] و حدّثنی يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشیمٌ، قال : أخبرنا هشام ،
عن ابنِ سيرينَ، أَنَّ رجلًا خاصَم رجلًا إلى شُريح، فقضَى عليه وأَمَر بحبْسِه ، قال :
(١) ينظر ما تقدم فى ٣٥٧/٣، ٣٥٨.
(٢) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٢، س: ((ليس)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٥٢/٢ (٢٩٣٤) من طريق محمد بن فضيل به، وأخرجه سعيد بن
منصور فى سننه ( تفسير - ٤٥٤) من طريق يزيد بن أبى زياد به .

٥٨
سورة البقرة : الآية ٢٨٠
فقال رجلٌ عندَ شُريح: إنه مُعِرٌ، واللّهُ يقولُ فى كتابِهِ: ﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةِ
فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. قال: فقال شُريح: إنما ذلك فى الرّبا، وإن اللّهَ قال فى
كتابِهِ: ﴿إِنَّ اللَّ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ
تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨]. ولَا يَأْمُرُنا اللّهُ بشىءٍ ثم يُعذِّبُنا عليه(١).
وحدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ ، قال: أخبرنا مُغيرةُ ، عن إبراهيمَ فى قولِه :
وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَفٍْ﴾. قال: ذلك فى الرِّبا(١) .
وخذَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا مُغيرةُ، عن الحسنِ(٢)، أنّ
الربيعَ بنَ خُثَيْم (٤) كان له على رجلٍ حقٌّ ، فكان يأْتِيه ، فيقومُ على بابِهِ ، ويقولُ :
أَثَمّ(٥) فلانٌ؟ إنْ كنتَ مُوسرًا فأَدِّ ، وإنْ كنتَ مُعسِرًا فإلى مَيسرَةٍ" .
/ وحدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أيوبَ، عن محمدٍ ، قال: جاء
رجلٌ إلى شُرَيْحِ، فَكلَّمه، فجعَل يقولُ: إنه مُعْسِرٌ(٢) ، قال: فظَنتُ أنه يُكَلِّمُه فى
محبوسٍ، فقال شُرَيْح: إن الرِّبا كان فى هذا الحىِّ من الأنصارِ، فَأَنْزَل اللّهُ عزّ وجل:
﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَفٍْ﴾. وقال اللّهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ
١١١/٣
(١) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٤٥٣ - تفسير) من طريق هشيم عن هشام وعن يونس معًا ، دون قوله
بعد الآية .
(٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٤٥٢ - تفسير) عن هشيم به .
(٣) كذا فى الأصل، م، وفى ص، ت ٢، س: ((الحسى))، وفى ت ١: ((الخشنى))، ورجح الشيخ شاكر
أنها الشعبى ، وذكر محقق تفسير سعيد بن منصور أن رسمها عنده : الحجبى ، واستشكلها ثم قال : ولم أجد
الحديث عند غيرهما حتى أتمكن من حل هذا الإشكال .
(٤) فى الأصل: ((جبير))، وفى م، ت ١، ت ٢، س: (( خيثم ).
(٥) فى م: ((أى)).
(٦) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٤٥٢ - تفسير) عن هشيم به، وفيه الإشكال المتقدم فى الراوى عن الربيع .
(٧) بعده فى ص، م، ت ١، س: ((إنه معسر)).

٥٩
سورة البقرة : الآية ٢٨٠
اُلْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾. فما كان اللّهُ ليَأْمُرَنا بأمرِ ثم يُعَذِّبَنا عليه، أَدُّوا الأماناتِ إلى
(١)
أهلِها(١) .
حدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةً، عن سعيدٍ، عن قتادةَ فى قولِه:
وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. قال: فَنَظِرةٌ إلى ميسرةٍ برأسٍٍ
(٢)
مالِه(٢) .
وحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَوَّ﴾: إنما أُمِرٍ فِى
الرّبا أن يُنْظَرَ المعسِرُ، وليست النظِرةُ فى الأمانةِ، ولكن تُؤْدَّى(٢) الأمانةُ إلى أهلِها (٤).
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمَّادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن الشُّدِّىِّ:
وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ﴾ برأسِ المالِ ﴿ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. يقولُ: إلى غنّى(٥).
وحدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجْ، عن ابنِ جُرَيْج، قال : قال
ابنُ عباسٍ: ﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾: هذا فى شأنِ الرِّبًا (١) .
حُدِّثتُ عن الحسين، قال : سمِعتُ أبا مُعاذٍ ، قال: أخبَرَنا عُبيدُ بنُ سليمانَ ،
قال : سمِعتُ الضَّّاكَ فى قولِه: ﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾:
هذا فى شأنِ الربا، وكان أهلُ الجاهليةِ [٦٨/٨ و] بها يتبايَعون، فلمَّا أسْلَم مَن أسْلَم
(١) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه ٣٠٥/٨ (١٥٣٠٩)، ووكيع فى أخبار القضاة ٣٦٠/٢، والنحاس فى
ناسخه ص ٢٦٣ من طريق أيوب به بنحوه .
(٢) تقدم بمعناه فى ص ٥٤.
(٣) فى ص، ت ٢: ((مؤدی))، وفى م، ت ١، س: (( يؤدى)) .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٥٢/٢ (٢٩٣٥) عن محمد بن سعد به .
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٥٣/٢ (٢٩٤٠) من طريق عمرو بن حماد به.
(٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦٨/١ إلى ابن المنذر.

٦٠
سورة البقرة : الآية ٢٨٠
منهم، أُمِروا أن يأخذوا رءوسَ أموالِهم(١).
وحدَّثنى المثنى ، قال : ثنا عبدُ اللّهِ بنُ صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن علىِّ بنِ
أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾: يغنى
(٢)
المطلوبَ(٢) .
وحدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ ، عن أبى جعفرٍ فى
قوله: ﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. قال: الموت(٣).
وحدّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا إسرائيل ، عن جابرٍ ،
"عن محمدِ بنِ" علىِّ مثلَه.
وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا قَبِيصَةُ بنُ عقبةَ، قال: ثنا سفيانُ، عن
المغيرةِ، عن إبراهيمَ: ﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. قال:
هذا فی الربا .
وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن
منصورٍ ، عن إبراهيمَ فى الرجلِ يَتَزَوَّجُ إلى ميسرةٍ ، قال: إلى الموتِ أو إلى فُرقةٍ .
وحدَّثنا أحمدُ ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن مغيرةَ ، عن إبراهيمَ:
﴿ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. قال: ذلك فى الربا (٥).
/ وحدَّثنا أحمدُ ، قال: ثنا أبو أحمد ، قال: ثنا مِنْدَلٌ ، عن لیثٍ ، عن مجاهدٍ :
١١٢/٣
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦٨/١ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٥٢/٢ (٢٩٣٢) من طريق أبى صالح به .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٥٣/٢ (٢٩٣٩) من طريق وكيع به .
(٤ - ٤) فى الأصل: ((بن محمد عن)).
(٥) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٤٥٢ - تفسير) عن هشيم به .