Indexed OCR Text
Pages 661-680
٦٦١
سورة البقرة الآية : ٢٦٤
مَوَاقعُ الطَّيْرِ على الصُّفِىِّ »
والصَّفْوانُ هو الصَّفَا، وهى الحجارةُ المُلْسُ.
وقولُه: ﴿عَلَيْهِ تُرَابٌ﴾. يعنى: على الصفوانِ ترابٌ ﴿فَأَصَابَهُ﴾ يعنى:
أَصاب الصَّفْوانَ ﴿ وَإِلٌ﴾، وهو المطرُ الشديدُ العظيمُ، كما قال امرؤُ القيسِ(١):
ساقِطُ الأَكْنافِ واهٍ مُنْهَمِرْ
ساعَةٌ ثم انْتَحاها وابلٌ
يقالُ منه: وبَلَتِ السماءُ فهى تَبِلُ وَبْلًا، وقد وُبِلَتِ الأَرضُ، فهى
تُوبَلُ .
وقولُه: ﴿فَتَرَكَكَمُ صَلَّدًا﴾. يقولُ: فترَك الوابلُ الصَّفْوانَ صَلْدًا. والصَّلْدُ
من الحجارةِ : الصُّلْبُ الذى لا شىءَ عليه مِن نباتٍ ولا غيرِه، وهو من الأُرَضِين : ما
لا يَنْبُتُ فيه شىءٌ، وكذلك من الرءوسِ، كما قال رُؤْبةُ(٢):
الَمَّا رَأَثْنِى خَلَقَ الُمَوَّهِ(٣)
٦٦/٣
بَرَّاقَ أَصْلادِ الجبينِ الأَمْلَّهِ(٤)
ومن ذلك يقالُ للقِدرِ الشَّخِينةِ البطيئةِ الغَلْىِ: قِدْرٌ صَلُودٌ . وقد صلَدتْ تَصْلُدُ
صُلُودًا، ومنه قولُ تَأْبَطَ شَرًا (٥):
(١) ديوانه ص ١٤٥.
(٢) ديوانه ص ١٦٥.
(٣) الموهة لون الماء. يقال: ما أحسن موهة وجهه. قال ابن برى: يقال: وجه مموه. أى : مزين بماء الشباب.
اللسان ( م و هـ).
(٤) الجَلَهُ: ذهاب الشعر من مقدم الجبين. اللسان (ج ل هـ).
(٥) ديوانه ص ١٧٤.
٦٦٢
سورة البقرة الآية : ٢٦٤
ولستُ بجِلْبٍ (١ جِلْبِ رَعْدٍ) وقِرَّةٍ(٢) ولا بصَفًا صَلْدٍ عن الخيرِ أَعْزَلِ
ثم رجَع جلّ ذكرُه إلى ذكرِ المنافقين الذين ضرَب المثلَ لأعمالِهم، فقال :
فكذلك أعمالُهم بمنزلةِ الصَّفْوانِ الذى كان عليه ترابٌ ، فأصابه الوابلُ من المطرِ ،
فذهَب بما عليه من الترابِ ، فترَكه نَقِيًّا لا ترابَ عليه ولا شىءَ، يَراهم المسلمون فى
الظاهرِ أن لهم أعمالًا ، كما يُرَى الترابُ على هذا الصَّفْوانِ، بما يُراءُونهم به ، فإذا
كان يومُ القيامةِ وصارُوا إلى اللَّهِ جلّ جلالُه اضْمَحَلَّ ذلك كلُّه؛ لأنه لم يكنْ للَّهِ،
كما أُذهَب الوابلُ من المطرِ ما كان على الصَّفْوانِ مِن الترابِ ، فترَكه أملسَ لا شىءَ
عليه ، فذلك قوله: ﴿لَا يَقْدِرُونَ﴾ يعنى به الذين يُنْفِقون أموالَهم رئاءَ الناسِ،
ولا يُؤْمِنون باللّهِ ولا باليوم الآخرِ. يقولُ: لا يَقْدِرُون يومَ القيامةِ علی ثوابٍ شیءٍ مما
كسبوا فى الدنيا؛ لأنهم لم يَعملُوهُ(١) لمَعادِهم، ولا طلبٍ(٤) ما عند اللَّهِ فى
الآخرةِ ، ولكنهم عمِلوه رِئاءَ الناسِ، وطلبَ حَمْدِهم ، فإنما حظّهم من أعمالِهم ما
أرادُوه وطلَبُوه بها، ثم أخبرَ جلّ ثناؤه أنه ﴿لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ ﴾ يقولُ: لا
يُسَدِّدُهم لإصابةِ الحقِّ فى نَفَقاتِهم وغيرِها، فيُوَفِّقَهم لها، وهم للباطلِ عليها
مُؤْثِرون ، ولكنه يترُكُهم(١) فى ضَلالِهِم يَعْمَهُون ، فقال جل ثناؤه للمؤمنين : لا
تكونوا كالمنافقِين الذين هذا المَثَلُ صفةٌ أعمالِهم ، فتُبْطِلُوا أجورَ صدَقاتِكم ، بمنِّكم
(١ - ١) فى م، واللسان (ج ل ب): ((جلب ليل))، وفى الديوان واللسان (ع زل)، وإصلاح المنطق
ص ٣٦: ((جلب ريح )) .
والجلب : بكسر الجيم وضمها وبسكون اللام ، السحاب الذى لا ماء فيه ، وقيل : سحاب رقيق لا ماء فيه ،
وقيل: هو السجاب المعترض تراه كأنه جبل. اللسان (ج ل ب).
(٢) القِرَّةُ والقُرُّ: البرد الشديد .
(٣) فى ص، م: (( يعملوا)).
(٤) فى م: ((لطلب)).
(٥) فى م: (( تركهم)).
٦٦٣
سورة البقرة الآية : ٢٦٤
على من تَصَدَّقْتُم بها عليه، وأذاكم لهم، كما بطَل أجرُ نفقةِ المنافِقِ الذى أَنفقَ مالَه
رِئاءَ الناسِ، وهو غيرُ مؤمنٍ باللّهِ واليومِ الآخرِ عند اللَّهِ .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
[٣٨/٨و] ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ عن قتادةَ قولَه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾. فقرأْ حتى بلغ: ﴿عَلَى شَىْءٍ مِّمَا كَسَبُواْ﴾ :
فهذا مَثَلٌ ضرَبه اللَّهُ لأعمالِ الكفارِ يومَ القيامةِ ، يقولُ : لا يَقْدِرُون على شىءٍ مما كسبوا
يومئذٍ، كما ترَك هذا المطرُ الصَّفَاةَ الحجَرَ ليس عليه شىءٌ، أَنْقَى ما كان عليه(١).
حدَّثنى المثنَّى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الرَّبيعِ :
﴿لَا نُبْطِلُواْ / صَدَقَتِكُمْ بِالْمَنّ وَاَلْأَذَى﴾ إلى قولِهِ: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِى اُلْقَوْمَ ٦٧/٣
اُلْكَفِرِينَ﴾: هذا مثلٌ ضرَبه اللَّهُ لأعمالِ الكافرِين يومَ القيامةِ ، يقولُ: لا يَقْدِرُون
على شىءٍ مما كسبوا يومئذٍ، كما ترَك هذا المطرُ الصَّفا نَقِيًّا لا شىءَ عليه (١).
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿لَا تُبْطِلُواْ
صَدَقَتِكُمْ بِالْمَنِّ وَاَلْأَذَى﴾ إلى قولِهِ: ﴿عَلَى شَىْءٍ مِّمَا كَسَبُواْ﴾: أمّا
الصَّفْوانُ الذى عليه ترابٌ فأصابه المطرُ فذهَب ترابُه فتركه صَلْدًا ، فكذلك هذا الذى
يُنْفِقُ مالَه رياءَ الناسِ، ذهَب الرياءُ بنفقتِه، كما ذهَب هذا المطرُ بترابِ هذا الصَّفا ،
﴿ لَا
فترَكه نَقِيًّا، فكذلك ترَكه الرياءُ لا يَقْدِرُ على شىءٍ مما قدَّم ، فقال للمؤمنين :
(١) سقط من: م.
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥١٨/٢ (٢٧٤٦) بمعناه من طريق يزيد بن زريع به، وعزاه السيوطى
فى الدر المنثور ٣٣٩/١ إلى عبد بن حميد .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥١٩/٢ (٢٧٥١) من طريق ابن أبى جعفر به .
٦٦٤
سورة البقرة الآية : ٢٦٤
نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِلْمَنِّ وَاُلْأَذَى﴾ فَتَبْطُلَ كما بطَلتْ صدقةُ الرياء (١).
حدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن مجوييرٍ، عن
الضَّحّاكِ، قال: أَلَّا يُنْفِقَ الرجلُ مالَه خيرٌ من أن يُنْفِقَه ثم يُتْبِعَه منَّا وأذِّى، فضرَب اللَّهُ
مثلَه كمثَلٍ كافٍ أَنَفقَ مالَه، لا يُؤْمِنُ باللَّهِ ولا باليومِ الآخرِ، فضرَب اللَّهُ مَثَلَهما
جميعًا: ﴿ كَمَثَلِ صَفَوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ فكذلك مَن
أَنْفق مالَه ثم أَتْبَعَه منَّا وأذِّى .
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ایی ، قال : ثنی عمّی ، قال : ثنی أیی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يََّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ﴾ إلى:
كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَائِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ : ليس عليه شىءٌ،
وكذلك المنافقُ يومَ القيامةِ لا يَقْدِرُ على شىءٍ مما كسَب .
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، قال : قال ابنُ جريجٍ فى
قوله: ﴿لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِالْمَنْ وَاُلْأَذَى﴾ قال : يَمُنُّ بصدقتِه ، ويُؤذِیه فيها حتى
يُتْطِلَها .
حدَّثنی يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قوله : ﴿ثُمَّ لَا
يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُواْ مَنَّا وَلَآَ أَذْىٌ﴾. فقرَأ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُبْطِلُواْ
صَدَقَتِكُمْ بِالْمَنّ وَاَلْأَذَى﴾ حتى بلَغْ ﴿لََّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّمَا كَسَبُواْ﴾
ثم قال : أترى الوابلَ يَدَعُ من الترابِ على الصَّفْوانِ شيئًا؟ فكذلك مَنُّك وأَذاك لم
يَدَعْ مما أَنفقْتَ شيئًا. وقرَأ قولَه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِلْمَنّ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥١٧/٢ (٢٧٤٣) من طريق عمرو به مختصرًا .
٦٦٥
سورة البقرة الآية : ٢٦٤
وَاُلْأَذَى﴾. وقرأ: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلِأَشُسِكُمْ ﴾ فقرأ حتى بلَغ: ﴿وَأَنْتُمْ لَا
تُظْلَمُونَ ﴾ .
[٣٨/٨ظ] القولُ فى تأويلٍ قولِه عزّ وجل: ﴿صَفْوَانٍ﴾ .
قد بيّا معنى الصَّفْوانِ بما فيه الكفايةُ ، غير أنّا أَرَدْنا ذكرَ من قال مثلَ قولِنا فى
ذلك من أهلِ التأويلِ .
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى، قال: ثنى عمِّى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾: كمثَلِ الصفاةِ .
حدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُويبرٍ، عن
الضَّحّاكِ: ﴿ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾: والصَّفْوانُ : الصَّفَا .
حدَّثنى المثنَّى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الرَّبِعِ
(٢)
مثلَه(٢) .
/حدَّثنی موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن ٦٨/٣
السدىِّ: أمّا ﴿ صَقْوَانٍ﴾، فهو الحَجَرُ الذى يُسَمَّى الصَّفَاةَ(٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ مثلَه(٤).
حدَّثنى المثنَّى ، قال : ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاويةُ، عن علىّ بنِ أبى طلحةً ،
(١) فى الأصل: ((صفاة)).
والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٩/١ إلى المصنف.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥١٩/٢ (٢٧٥١) من طريق ابن أبى جعفر به .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥١٧/٢ (٢٧٤٣) من طريق عمرو بن حماد به بمعناه .
(٤) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥١٨/٢ عقب الأثر (٢٧٤٧) معلقًا .
٦٦٦
سورة البقرة الآية : ٢٦٤
عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿صَفْوَانٍ﴾: يعنى الحجْرَ().
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿فَأَصَابَهُ وَابِلٌ﴾ .
قد مضى البيانُ عنه، وهذا ذكرُ من قال قولَنا فيه .
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ، قال: أمّا
﴿ وَابِلٌ﴾ : فمطرٌ شديدٌ(٢).
حدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن مجُوييرٍ، عن
الضَّحّاكِ: ﴿ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ﴾ : الوابلُ : المطرُ الشديدُ.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ مثلَهُ(٣).
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع، مثلَه (٤).
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿فَكَهُ صَلَّدًا﴾.
ذكرُ من قال نحوَ ما قُلْنا فى ذلك
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ ، قال : ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿فَتَرَكَةُ صَلْدًا﴾. يقولُ: نَفِيًّا .
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّى ، قال : ثنى أبى،
عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَتَرَكَهُمْ صَلْدًّا﴾ قال: تَرَكَها نَقِيَّةً ، ليس عليها
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥١٨/٢ (٢٧٤٧) من طريق أبى صالح به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥١٨/٢ عقب الأثر (٢٧٤٧) من طريق عمرو بن حماد به .
(٣) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥١٨/٢ عقب الأثر (٢٧٤٨) معلقًا.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥١٨/٢ عقب الأثر (٢٧٤٨) من طريق ابن أبى جعفر به، وأخرجه فى
٥١٩/٢ (٢٧٥١) من طريق ابن أبى جعفر به بلفظ: المطر.
٦٦٧
سورة البقرة الآيتان : ٢٦٤، ٢٦٥
شىءٌ (١).
(١)
[٣٩/٨و] حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حَجّاجْ، قال : قال ابنُ
نجريج: قال ابنُ عباسٍ قولَه: ﴿فَتَرَكَهُ صَلَّدًا﴾ قال: ليس عليه شىءٍ(٢).
حدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُوبِيرٍ، عن
الضَّحّاكِ: ﴿فَتَرَكَتُ صَلْدًا﴾: فتركه جَرْدًا .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن
قتادةَ: ﴿فَتَرَكَهُ صَلَّدًا﴾: ليس عليه شىءٍ(٢).
حدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا أبو صالح، قال : ثنى معاويةُ، عن علىٍّ ، عن ابنِ
عباسٍ: ﴿فَتَرَكَُ صَلًَّا﴾: ليس عليه شىءٌ(٤).
القولُ فى تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمُ أَبْتِغَآءَ
مَرْضَاتٍ اُللَّهِ وَتَأْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾.
/ يعنى بذلك جل ثناؤُه: ومثَلُ الذين يُنْفِقون أموالهم فيَصَّدَّقُون بها، ويَحْمِلون ٦٩/٣
عليها فى سبيلِ اللهِ ، ويُقَوُّون بها أهلَ الحاجةِ من الغُزاةِ والمجاهدِين فى سبيلِ اللَّهِ،
وفى غيرِ ذلك من طاعاتِ اللَّهِ، طلَبَ (°مرضاتِ اللَّهِ، ﴿وَتَلْبِيتَا مِّنْ أَنْفُسِهِمْ﴾.
يعنى بذلك: وتثبيتًا من أنفسِهم لهم على إنفاقِ ذلك فى طاعةِ اللَّهِ وتحقيقًا . من
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٩/١ إلى المصنف.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٩/١ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم، وينظر ابن أبى حاتم
٥١٨/٢ (٢٧٤٩).
(٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٠٧.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٩/١ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٥ - ٥) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((مرضاته وتثبيتا يعنى بذلك: وتثبيتا من أنفسهم يعنى: لهم)).
٦٦٨
سورة البقرة الآية : ٢٦٥
قولِ القائلِ : ثَبَّتُّ فلانًا فى هذا الأمرِ : إذا صحَّحْتَ عزمَه وحقَّقْتَه وقوَّيْتَ فيه رأيه ،
أُثْتُه تثبيتًا، كما قال ابنُ رَوَّاحةً(١) :
فَثَبَتَ اللَّهُ ما آتاكَ مِنْ حَسَنٍ
تَثْبِيتَ مُوسَى ونَصْرًا كالَّذى نُصِرُوا
وإنما عنَى اللَّهُ جل ثَنَاؤُه بذلك أن أنفسَهم كانت مُوقِنَةً مُصَدِّقَةٌ بوعدٍ
اللَّهِ إِيَّاها فيما أَنفقتْ فى طاعتِهِ بغيرٍ منٍّ ولا أَذِّى، فتبَُّّهم فى إنفاقِ أموالهم
ابتغاء مرضاةِ اللَّهِ، وصَحَّحتُ عَزْمَهم وآراءَهم يقينًا منها بذلك، وتصديقًا
بوعدِ اللَّهِ إِيَّاها ما وعَدها. ولذلك قال مَن قال مِن أهلِ التأويلِ فى تأويلٍ
قوله: ﴿وَتَثْبِيتًا﴾: وتصديقًا. ومن قال منهم: ويقينًا؛ لأن تثبيتَ أنفسِ المنفِقِين
أموالهم ابتغاء مرضاةِ اللَّهِ إِيَّهم، إنما كان عن يقينٍ منها ، وتصديقٍ بوعدِ اللَّهِ جلّ
وعزّ .
ذِكرُ من قال ذلك من أهل التأويل
حدَّثنا ابنُ بشّارٍ، قال : ثنا يحيى، عن سفيانَ ، عن أبى موسى ، عن الشعبىِّ :
وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنْفُسِهِمْ﴾. قال: تصديقًا وتَثْقِينًا (٢).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأَهْوازىُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ ، قال: ثنا سفيانُ ،
عن أبى موسى، عن الشعبىِّ: ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾. قال: وتصديقًا من
أنفسِھم .
(١) ديوانه ص ١٥٩.
(٢) أخرجه ابن زنجويه فى الأموال (٢٣١٦)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٥١٩/٢، ٥٢٠ (٢٧٥٥، ٢٧٥٦)
من طريق سفيان به ، وسقط من عند ابن زنجويه ذكر سفيان .
٦٦٩
سورة البقرة الآية : ٢٦٥
حدَّثنا موسى بنُ [٣٩/٨ظ] هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا
أسباطُ ، عن السدىِّ: ﴿وَقَلْبِيْتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ : ثباتٌ ونصرةٌ .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن
قتادةَ فى قوله: ﴿ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾. قال: ( ثقةً من أنفسِهم(١).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه :
﴿ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنْفُسِهِمْ﴾: يقينًا من أنفسِهم . قال : التثبيتُ اليقينُ(٢).
حدَّثنى يونسُ ، قال : ثنا علىُّ بنُ مَعْبَدٍ ، عن أبى معاويةً، عن إسماعيلَ ، عن أبى
صالحٍ فى قوله: ﴿ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾. قال: يقينًا من عندِ أنفسِهم(٤).
وقال آخرون: معنى قوله: ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾. أنهم كانوا يَتَثَبَّتُون فى
الموضعِ الذى يَضَعُون فيه صدقاتِهم .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشّارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنٍ أبى
نَجيح، عن مجاهدٍ : ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾. قال: يَتَكَّتُون أين يَضَعُون
أموالهم .
حدَّثنى المثنَّى ، قال : ثنا سُويدُ بنُ نصرٍ ، قال : أخبرنا ابنُ المبارَكِ ، عن عثمانَ بنِ
الأسودِ، عن مجاهدٍ: ﴿ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾. فقلت له: ما ذلك التثبيتُ ؟
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س .
(٢) تفسير عبد الرزاق ١٠٧/١.
(٣) ينظر تفسير القرطبى ٣١٤/٣.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٩/١ إلى المصنف.
٦٧٠
سورة البقرة الآية : ٢٦٥
قال: يَتَبَّتُون أين يَضَعُون أموالَهم (١).
حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال: ثنا أبى، عن عثمانَ بنِ الأسودِ ، عن مجاهدٍ :
وَتَثَّبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ قال: كانوا يَتَثَبَّتُون أين يَضَعُونها .
٧٠/٣
/حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال : ثنا أبى، عن علىٍّ بنِ علىٍّ بنِ رِفاعةً، عن الحسنِ فى
قوله: ﴿ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ قال: كانوا يَتَتَبَّقُون أين يَضَعُون أموالَهم . يعنى
زكاتَهم .
حدَّثَنى المثنّى ، قال: ثنا سُويدٌ ، قال: أخبرنا ابنُ المبارَكِ، عن علىٍّ بنِ علىٍّ ،
قال : سمِعْتُ الحسنَ قرَأَ: ﴿ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ قال:
كان الرجلُ إذا هَمَّ بصدَقَةٍ تَثَبَّتَ ، فإن كان للَّهِ مضَى، وإن خالَطه شكٌّ أَمْسَكَ(٢).
وهذا التأويلُ الذى ذكَرْناه عن مجاهدٍ والحسنِ تأويلٌ بعيدُ المعنى مما يدلُّ عليه
ظاهرُ التلاوةِ، وذلك أنهم تأوَّلُوا قولَه: ﴿وَتَثْبِيتًا﴾. بمعنى: وتثبُّتًا. فزعَموا أن
ذلك إنما قيل كذلك لأن القومَ كانوا يَتَبَّتُون أين يَضَعُون أموالَهم. ولو كان
التأويلُ(٣) كذلك لكان: وتَثَبُنًا من أنفسِهم؛ لأن المصدرَ من الكلام إذا(٤) كان
على ((تَفَعَّلْتُ)) التَّفَعُلُ، فيقالُ: تَكَوَّمْتُ تَكَثِّمًا، وَتَكَلَّمْتُ تَكَلُّمًا. وكما(٥) قال
جلّ ثناؤه: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوْفٍ﴾ [النحل: ٤٧]. من قولِ القائلِ: تخوَّفَ فلانٌ
هذا الأمرَ تَخَوُّفًا. فكذلك قولُه: ﴿ وَتَثْبِيتًا﴾ لو كان مِن تَثَبُّتِ القومِ فى وَضْعٍ
(١) أخرجه ابن زنجويه فى الأموال (٢٣١٥)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٢٠/٢ (٢٧٥٧) من طريق
عثمان بن الأسود به .
(٢) أخرجه ابن زنجويه فى الأموال (٢٣١٧) من طريق ابن المبارك به .
(٣) فى الأصل: ((هذا التأويل)).
(٤) سقط من: ص، وفى م: ((إن )).
(٥) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((أن)).
٠
٦٧١
سورة البقرة الآية : ٢٦٥
صدَقاتِهم مواضعَها، لكان الكلامُ: وتَثَبُّنًا من أنفسِهم. لا: ﴿ وَتَثْبِيتًا﴾. ولكنَّ
معنى ذلك ما قُلْنا مِن أنه : وتَثْبِيتٌ من أنفسِ القومِ إيّاهم بصحةِ العزمٍ ، واليقينِ بوعدِ
اللهِ تعالى ذكرُه .
[٤٠/٨و] فإن قال قائلٌ: وما تُتْكِرُ أن يكونَ ذلك نظيرَ قولِ اللَّهِ عزّ وجلّ :
وَبَثَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨]. ولم يقلْ: تَبْتُلًا. قيل: إن هذا مخالفٌ لذلك،
وذلك أن هذا إنّما جاز أن يقالَ فيه: ﴿تَبْتِيلًا﴾. لظهورِ ﴿ وَبَتَّلْ إِليهِ ﴾ فکان فی
ظهورِه دلالةٌ على متروكٍ من الكلام الذى (١ منه قيل: ﴿تَبْتِيلًا﴾ " وذلك المتروكُ
هو : وتَبَّلْ) فيبَتِّلَكِ اللَّهُ إليه تَبْتِيلاً. وقد تفعلُ العربُ مثلَ ذلك(١)، تُخْرِجُ المصادرَ
على غيرِ ألفاظِ الأفعالِ التى تَقَدَّمَتْها، إذا كانت الأفعالُ المتقدِّمةُ لها(٤) تَدُلُّ على ما
أَخْرِجَتْ منه، كما قال جلّ وعزّ: ﴿ وَاَللَّهُ أَنْبَكُمْ مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [ نوح: ١٧].
وقال: ﴿ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: ٣٧]. فالنباتُ مصدرُ نَبَتَ ، وإنما جاز
ذلك المجىءِ ((أَنْبتَ)) قبلَه، فدلَّ على المتروكِ الذى منه قيل: نَبَاتًا. والمعنى: واللَّهُ
أَنْبتَكم فتَبَتُمْ من الأرضِ نَباتًا. وليس قبلَ(١) قوله: ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ كلامٌ
يجوزُ أن يكونَ متوهّمًا به أنه معدولٌ عن بنائِه ، (" وأنَّ معنى" الكلام: ويَتَبَّتُون فى
وضعِ الصدقاتِ مواضعَها. فيُصْرَفَ إلى المعانى التى صُرِف إليها قولُه: ﴿وَبَّلْ إِلَيْهِ
تَبْتِيلاً﴾. وما أشبه ذلك من المصادرِ المعدولةِ عن الأفعالِ التى هى ظاهرةٌ قبلَها .
(١) زيادة من : م .
(٢ - ٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((وذلك أن المتروك هو: تبتل)).
(٣) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((أحيانا)).
(٤) لیست فی : ص، م، ت ١، ت ٢.
(٥) سقط من : ص، م.
(٦ - ٦) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((ومعنى).
٦٧٢
سورة البقرة الآية : ٢٦٥
وقال آخرون: معنى قوله: ﴿ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنْفُسِهِمْ﴾: واحتسابًا من
أنفسِهم .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً:
﴿ وَتَنْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ يقولُ: احتسابًا من أنفسِهم (١).
وهذا القولُ أيضًا قولٌ(٢) بعيدُ المعنى من معنى التثبيتِ(٢)؛ لأن التثبيتَ لا
يُغْرَفُ فى شىءٍ من الكلامِ بمعنى الاحتسابِ ، إلا أن يكونَ أرادَ مفسّرُه كذلك أن
أَنفُسَ المنفقین کانت مُحتسبً فى تثبيتها أصحابها ، فإن کان ذلك کان عنده معنی
الكلام، فليس الاحتسابُ بمَعْنَّى حينئذٍ للتثبيتِ فيُتَرْجَمَ عنه به .
/القولُ فى تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿ كَمَثَلِ جَنَِّم بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَكَانَتْ
أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌ
/٧١
يعنى بذلك جلّ ثناؤه : ومثلُ الذين يُنفِقون أموالهم فيَتَصَدَّقُون بها ، ويُسَبُّلُونها
فى طاعةِ اللَّهِ بغيرٍ منٍّ على من تَصَدَّقُوا بها عليه، ولا أَذِّى منهم لهم بها؛ ابتغاءَ
رضوانِ اللَّهِ، وتصديقًا من أنفسِهم بوعدِه، ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ﴾ - والجنةُ البستانُ ،
وقد دلّلْنا فيما مضى على أن الجنةَ البستانُ، بما فيه الكفايةُ من إعادتِه (٤) -
﴿بِرَبْوَةٍ﴾، والربوةُ من الأرضِ: ما نشَز منها، فارتفَع عن المَسيلِ . وإنما وصَفها
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٢٠/٢ (٢٧٥٨) من طريق شيبان ، عن قتادة .
(٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٣) فى ص فى هذا الموضع وما بعده: ((التثبت)).
(٤) ينظر ما تقدم فى ٤٠٦/١ وما بعدها .
(٥) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((السيل)).
٦٧٣
سورة البقرة الآية : ٢٦٥
بذلك جل ثناؤه؛ لأن ما ارتفَع "من الأرضِ) عن المسايلِ والأوديةِ أَغْلَظُ،
وجِنانُ ما غلُظ من الأرضِ [٤٠/٨ظ] أحسنُ وأزكَى ثَمَرًا وغَرْسًا وزَرْعًا مما رَقَّ
منها ، ولذلك قال أعشى بنى ثعلبةً فى وصفٍ رَوْضةٍ (١) :
خَضْرَاءُ جادَ عَلَيْها مُسْبِلٌ هَطِلُ
ما رَوْضَةٌ من رِياضِ الحَزْنِ مُعْشِبَةٌ
فوصَفها بأنها من رياضِ الحَزَّنِ ؛ لأن الحُزُونَ غُروسُها ونباتُها أحسنُ وأقوى من
غُروسِ الأوديةِ والتّلاعِ وزُروعِها .
وفى ((الرَّبْوةِ)) لُغاتٌ ثلاثٌ، وقد قرَأ بكلِّ لغةٍ منهن جماعةٌ من القرأةِ؛
وهنّ): ((رُبْوةٌ)) بضمِّ الراءِ، وبها قرأتْ عامةُ قرأةِ المدينةِ والحجازِ والعراقِ(٤)
و ((رَبْوةٌ)) بفتح الراءِ، وبها قرأ بعضُ أهلِ الشامِ وبعضُ أهلِ الكوفةِ (*) ، ويقالُ: إنها
لغةٌ لتميم. و((رِبْوةٌ)) بكسرِ الراءِ، وبها قرأ - فيما ذُكِر - ابنُ عباسٍ (١).
وغيرُ جائزٍ عندى أن يُقرأ ذلك إلا بإحدى اللغتين: إما بفتح الراءِ، وإما
بضمِّها؛ لأن قراءةَ الناسِ فى أمصارِهم بإحداهما، وأنا لقراءتها بضمِّها أشدُّ إيثارًا
منى لِفَتَحِها(٢) ؛ لأنها أشهرُ اللغتَين فى العربِ، فأما الكسرُ فإن فى رفض القرأةِ(٨)
القراءةَ به دلالةً واضحةً على أن القراءةَ به غيرُ جائزةٍ .
وإنما سُمِّيَت الرَّبوةُ ربوةً (٨) لأنَّها رَبَتْ فغلُظتْ وعَلَتْ، من قولِ القائلِ : رَبَا
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٢) ديوانه ص ٥٧.
(٣) فى ص، م: ((هى)).
(٤) وهى قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو وحمزة والكسائى. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ١٩٠.
(٥) وهى قراءة عاصم وابن عامر . المصدر السابق .
(٦) أخرجه الحاكم ٢٨٣/٢ من طريق عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس. وينظر الشواذ لابن خالويه ص ٢٣ .
(٧) فى ص، م: (( بفتحها)).
(٨) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
( تفسير الطبرى ٤٣/٤ )
٦٧٤
سورة البقرة الآية : ٢٦٥
هذا الشىءُ يَرْبُو ، إذا انتفَخُ(١) فعظُم .
وبنحوِ الذى قُلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أُبی
تَجيح، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿كَمَثَلِ جَنَّتِ بِرَبْوَةٍ﴾ قال: الرَّبْوةُ المكانُ الظاهرُ
(٢)
المُسْتَوِى(٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ ، قال :
قال مجاهدٌ : هى الأرضُ المستويةُ المرتفعةُ (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿كَمَثَلِ جَنَِّمٍ
بِرَبْوَةٍ﴾ يقولُ: بِنشَرٍ من الأرضِ(٤) .
حدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن تجوييرٍ، عن
الضّحّاكِ: ﴿ كَمَثَلٍ جَنَّةِمٍ بِرَبْوَةٍ﴾: والرَّبْوةُ المكانُ المرتفعُ الذى لا(٢) تَجْرِى فيه
الأنهارُ، والذى فيه الجنانُ .
/حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ،
قوله: ﴿ بِرَبْوَةٍ﴾: برابيةٍ من الأرضِ(٦) .
٧٢/٣
(١) فى الأصل: ((انفتح)).
(٢) تفسير مجاهد ص ٢٤٤، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٢٠/٢ (٢٧٥٩).
(٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٠٧.
(٤) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٢٠/٢ معلقًا عقب الأثر (٢٧٦٠).
(٥) سقط من الأصل، ص. وينظر ما سيأتى فى الصفحة القادمة .
(٦) ينظر التبيان ٣٣٩/٢ .
٦٧٥
سورة البقرة الآية : ٢٦٥
حُدِّثْتُ عن عمّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع: ﴿ كَمَثَلِ
جَنَكِم بِرَبْوَةٍ﴾: والرَّيْوةُ: النَّشَزُ من الأرضِ(١).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حَجّاجٌ ، قال : قال ابنُ جُريج : قال
ابنُ عباسٍ: ﴿ كَمَثَلِ جَنَِّم بِرَبْوَةٍ﴾. قال: المكانُ المرتفعُ الذى لا تَجْرِى فيه
(٢)
الأنهارُ(٢) .
وكان آخرون يقولون: هى الأرضُ(٣) المُسْتَوِيةُ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبَرَنا مَعْمَرٌ، عن
الحسنِ فى قوله: ﴿ كَمَثَلٍ جَنَِّمْ بِرَبْوَةٍ﴾. قال: هى الأرضُ المستويةُ التى لا(1)
تَعْلُو فوق الماءِ(٥) .
[٤١/٨ و] وأما قولُه: ﴿ أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾ فإنه يعنى جل ثناؤه : أصابَ الجنةَ التى
بالرّبْوةِ من الأرضِ وابلٌ من المطرِ، وهو الشديدُ العظيمُ القَطْرِ منه .
وقولُه: ﴿فَكَانَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾. فإنه يعنى الجنةً أنها أَضْعَفَتْ(٦)
ثمرَها ضِعْفَين حين أصابَها الوابلُ من المطرِ .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٢٠/٢ عقب الأثر (٢٧٦٠) من طريق ابن أبى جعفر به .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٩/١ إلى المصنف وابن المنذر.
(٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٤) سقط من : م.
(٥) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((المياه)).
والأثر فى تفسير عبد الرزاق ١٠٧/١.
(٦) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((أضعف).
٦٧٦
سورة البقرة الآية : ٢٦٥
والأُْلُ(١): هو الشىءُ المأكولُ، وهو مثْلُ الرُّعْبِ والهُزْءٍ(٢)، وما أَشبهَ ذلك
من الأسماءِ التى تأتى على ((فُعلٍ)). وأما الأَكْلُ بفتح الألف وتسكينِ الكافٍ ، فهو
فِعْلُ الآكل ، يقالُ منه: أَكَلْتُ أَكْلًا، وأكَلْتُ أْلَةٌ واحدةٌ. كما قال الشاعرُ":
*وما) أَكْلَةٌ "إِنْ نِلْتُها) بِغَنِيمةٍ ولا جَوْعَةٌ إِنْ جُعْتُها بِغَرَامِ
ففتَح الألفَ لأنها بمعنى الفعل، ويَدُلُّك على أن ذلك كذلك قولُه: ولا
جَوْعةٌ . وإن ضمَمْتَ الألفَ من الأَْلةِ صار(٦) معناه الطعامَ الذى أَكَلْتَه، فيكونُ
معنى ذلك حينئذٍ : ما طعامٌ أَكَلْتُه بغنيمةٍ .
وأما قولُه: ﴿فَإِنِ لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌ﴾ فإن الطَّلَّ هو النَّدَى واللَّيِّنُ من
المطرِ .
كما حدَّثنا عباسُ بنُ محمدٍ ، قال: ثنا حَجّاجٌ، قال: قال ابنُ نجريج :
فَطَلٌ﴾: نَدَى. عن عطاءِ الخُراسانىّ ، عن ابنِ عباسٍ " .
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: أما الطَّلُّ: فالنَّدَى(٨).
(١) الأكل، بضم فسكون، وبضمتين، ولم يشر المصنف إلى ضم الكاف فى ((الأكل)). وهى قراءتنا فى
مصحفنا .
(٢) فى ص، م، ت ١: ((الهُدْء)).
(٣) هو أبو مضرس النهدى، والبيت فى حماسة الشجرى ٩٠/١، ٩١.
(٤ - ٤) فى الأصل، ص، ت١، ت٢: ((ما)). وفى مصدر التخريج: ((فما)).
(٥ - ٥) فى الأصل، م: ((أكلتها)). وفى ص: ((إن أكلتها)). وأثبتنا مافى المصدر لاستقامته وزنا ومعنى.
(٦) فى ص، م، ت ١، ت ٢: ((كان)).
(٧) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٠/١ إلى المصنف.
(٨) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٢١/٢ عقب الأثر (٢٧٦٦) من طريق عمرو بن حماد به .
٦٧٧
سورة البقرة الاية : ٢٦٥
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَائِلٌ
فَطَلٌ﴾ أى: طَثِّ(١).
حدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جوييرٍ، عن
الضّحَاكِ: ﴿فَطَلٌ﴾ قال: الطَّلُّ: الرَّذَاذُ من المطرِ. يعنى اللَّيْنَ منه(٣).
حُدِّثْتُ عن عمّارٍ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع: ﴿فَطَلُ
أى : طَشِّ(٣).
وإنما عنَى ( تعالى ذكرُه بهذا المثَل أنه كما أُضعِفتْ ثمرةُ هذه الجنة التى وصَف
صفتَها حين جادها الوَبْلُ () ، فإن أخطأها الوَبْلُ(٥) فالطّلُّ، فكذلك يضعِفُ اللَّهُ صدقةً
المتصدِّقِ والمُتْفِقِ مالَه ابتغاء مرضاتِهِ وتثبيتًا من نفسِه من / غيرٍ مَنِّ ولا أذى، قَلَّتْ نفقتُه ٧٣/٣
كذلك أو كَثُرَتْ ، لا تَخِيبُ ولا تُخلَفُ نفقتُه، كما تُضْعَفُ ثمرةُ الجنةِ التى وصَف جل
ثناؤُهُ صِفَتَها، قلَّ ما أصابها من المطرِ أو كثُر، لا يُخْلِفُ خيرُها بحالٍ من الحالِ(١).
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال جماعةُ أهلِ التأويلِ .
[٤١/٨ ظ] ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ
(١) الطش والطشيش: المطر الضعيف، وهو فوق الرذاذ. وقيل: هو أول المطر. التاج (ط ش ش).
والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٠/١ إلى المصنف عبد بن حميد.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٠/١ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٢١/٢ عقب الأثر (٢٧٦٦) من طريق ابن أبى جعفر به .
(٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((يعنى).
(٥) فى م: ((الوابل)). وهما بمعنى.
(٦) فى م: ((الأحوال)).
٦٧٨
سورة البقرة الآية : ٢٦٥
قولَه: ﴿فَانَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابٌِّ فَطَلٌ﴾. (١ يقولُ: كما )
أُضْعِفَتْ ثمرةُ تلك الجنةِ ، فكذلك تُضاعَفُ لهذا (٢) المُتُّفِقِ ضِعْفَيْن(٢).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَكَانَتْ
أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌ﴾: هذا مَثَلٌّ ضرّبه اللّهُ لعملِ
المؤمنِ، يقولُ: ليس لخيرِهِ خُلْفٌ، كما ليس لخيرِ هذه الجنةِ خُلْفٌ على أىِّ حالٍ ، إما
(٤)
وابلٌ ، وإما طَلِّ (٤).
حدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن تجوبيرٍ، عن
الضّحّاكِ ، قال: هذا مَثَلٌ لمن أَنفَق مالَه ابتغاء مرضاةِ اللَّهِ .
حُدِّثْتُ عن عمّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع قولَه: ﴿وَمَثَلُ
اُلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ الآية. قال: هذا مثَلٌّ ضرَبه اللَّهُ
لعملِ المؤمنِ .
فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌ ﴾ وهذا خبرٌ عن
أمرٍ قد مضى ؟
قيل : يرادُ فيه: كان . ومعنى الكلام: فَآتَتْ أَكُلَها ضِعْفَيْن، فإن لم يكنِ
الوابلُ أصابها، أصابها طَلِّ. وذلك فى الكلامِ نحوُ قولِ القائلِ: حَبَسْتُ فرسَيْن،
فإن لم أَحْبِسٍ اثنين فواحدًا (٥) بقيمته. بمعنى: إلّا أَكُنْ. ولا بدَّ من إضمارِ ((كان))؛
(١ - ١) فى الأصل: ((يعنى: فكما)).
(٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((ثمرة هذا)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٢١/٢ (٢٧٦٤) من طريق عمرو بن حماد به .
(٤) أخرجه ابن ابى حاتم فى تفسيره ٥٢٢/٢ (٢٧٦٩) من طريق يزيد به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٣٤٠/١ إلى عبد بن حميد.
(٥) فى الأصل، ت ١: ((فواحد)).
٦٧٩
سورة البقرة الآيتان : ٢٦٥، ٢٦٦
لأنه خبرٌ، ومثلُه قولُ الشاعرٍ (١) :
ولَمْ تَجِدِى مِنْ أَنْ تُقِرِّى بِها بُدَّا
إِذَا ما انْتَسَبْنا لَمْ تَلِدْنِى لَئِيمَةٌ
(٢٦٥)
القولُ فى تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيُّ
يعنى بذلك جلّ ثناؤه: واللَّهُ بما تعملون أيُّها الناسُ فى نفَقاتِكم التى تُنْفِقونها ،
بَصِيرٌ، لا يَخْفَى عليه منها ولا من أعمالِكم فيها وفى غيرِها شىءٌ ، يعلمُ مَن المُفِقُ
منكم بالمَنِّ والأُذَى ، والمُتْفِقُ ابتغاءَ مرضاةِ اللَّهِ وتثبيتًا من نفسِه، فيُخْصِى عليكم
ذلك حتى يُجازِىَ جميعَكم جزاءَه على عملِه ، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرا فشرًّا .
وإنما يعنى بهذا القولِ جلّ ثناؤُه التحذيرَ من عقابِهِ فى النفقاتِ التى يُنْفِقُها
عبادُه، وغيرِ [٤٢/٨ و] ذلك من الأعمالِ، أن يَأْتِىَ أحدٌ من خلقِه ما قد تقدَّم فيه بالتَّهْىِ
عنه، أو يُفَرّطَ فيما قد أُمِرَ به؛ لأن ذلك بمرأَى من اللَّهِ ومسمع، يَعلَمُه ويُحْصِيه
علیهم ، وهو خلقِه بالمرصادِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ
وَأَعْنَاٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِيَّةٌ
ضُعَفَاءٍ فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَأَحْتَرَقَتْ﴾.
ومعنَى ذلك: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُم بِالْمَنّ وَاُلْأَذَى
كَلَّذِى يُنفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِّ فَمَثَلُهُ، كَمَثَلِ صَفْوَانٍ
عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلَّدًّاً لَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّمَا
كَسَبُواْ﴾ - ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَانٍ تَجْرِى مِن
تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ﴾ الآية .
(١) تقدم فى ٢/ ٥٧، ٢٥٨.
٦٨٠
سورة البقرة الآية : ٢٦٦
ومعنى قوله: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾: أيُحبُّ أحدُكم ﴿ أَنْ تَكُونَ لَهُ
جَنَّةٌ﴾، يعنى: بستانٌ ﴿مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾.
يعنى : من تحتِ الجنةِ، ﴿لَهُ فِيهَا مِن كُلّ الثَّمَرَتِ﴾ يعنى: لأحدِكم فى تلك
الجنةِ من كلِّ الثمراتِ) - والهاءُ فى ﴿لَهُ﴾ عائدةٌ على ((أحد))، والهاءُ والألفُ
فى ﴿فِيهَا﴾ على الجنةِ - ﴿ وَأَصَابَهُ﴾. يعنى: وأصاب أحدَكم ﴿ الْكِبَرُ وَلَهُ
ذُرِيَّةٌ ضُعَفَآءُ﴾ .
وإنما جعَل جلَّ ثناؤه البستانَ من النخيلِ والأعنابِ - الذى قال جلَّ ثناؤُه لعبادِه
المؤمنين: ﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ﴾ - مثلًا لنفقةِ المنافقِ التى يُنفقُها رياءَ
الناسِ، لا ابتغاء مرضاةِ اللَّهِ، فالناسُ له(٢) بما يُظهِرُ لهم من صدقتِهِ، وإعطائِه ما
يُعطى، وعملِه الظاهرِ، يُثنون عليه ويَحْمَدونه . "فعملُه ذلك له ) - أيامَ حياتِه -
فى محُسنِه كحسنٍ البستانِ ، وهو الجنةُ التى ضرَبها اللَّهُ عزَّ وجلَّ لعملِه مثلًا من نخيلٍ
وأعنابٍ ، له فيها من كلِّ الثمراتِ؛ لأن فى عملِه ذلك الذى يعملُه فى الظاهرِ فى
الدنيا له فيها(٤) من كلِّ خيرٍ من عاجلِ الدنيا ، يَدْفَعُ به عن نفسِه ودمه وماله وذريته،
ويكتسبُ به المَحْمدةَ وحسنَ الثناءِ عندَ الناسِ ، ويأْخُذُ به سهمَه من المَغْنِمِ، مع
أشياءَ كثيرةٍ يكثُرُ [٤٢/٨ظ] إحصاؤها ، فله فى ذلك من كلِّ خيرٍ فى عاجلِ الدنيا ،
كما وصَف جل ثناؤه الجنةَ التى وصَف مثلًا لعملِه(٥) ، بأن فيها مِن كلِّ الثمراتِ ، ثم
قال جلَّ ثناؤه: ﴿وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ﴾ . يعنى أن صاحبَ الجنةِ أصابه
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٣ - ٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢: ((بعمله ذلك)).
(٤) فى ص، م: ((فيه)).
(٥) فى ص، م، ت ١، ت ٢: ((بعمله).