Indexed OCR Text
Pages 601-620
٦٠١
سورة البقرة : الآية ٢٥٩
مِن كتابِ اللَّهِ، فى حالٍ وقفٍ أو وصلٍ، ( ولإثباتِه وجةٌ فى كلامِ العربِ صحيحٌ،
كما غيرُ جائزٍ إثباتُ ما ليس منه، ولحذفِه) وجة معروفٌ فى كلامِها .
[٢١/٨ ظ] فإنِ اعتلَّ معتلٌّ بأنّ المصحفَ قد أُلْحِقَت فيه حروفٌ هنَّ زوائدُ على
نيةِ الوقفٍ ، والوجهُ فى الأصلِ عندَ القرأةِ حذفُهنَّ، وذلك كقولِه: ﴿ فَبِهُدَهُمُ
أَقْتَدِّةٌ﴾ [الأنعام: ٩٠]. وقوله: ﴿يَلَيْنَنِ لَرْ أُوْتَ كِنَلِيَهُ﴾ [الحاقة: ٢٥]. فإنّ ذلك
هو مما(٢) لم يَكُنْ فيه شَكٌّ أنه مِن الزوائدِ ، وأنه أُلْحِقٍ عَلَى نيةِ الوقفِ . فأمّا ما كان
مُحْتَمِلًا أن يَكُونَ أصلًا للحرفِ غيرَ زائدٍ ، فغيرُ جائزٍ - وهو فى مُصحفِ المسلمين
مثبتٌ - صرفُه إلى أنه مِن الزوائدِ والصِّلَاتِ، على أنّ ذلك وإن كان زوائدَ(٢) فيما
لا شكَّ أنه مِن الزوائدِ ، فإن العربَ قد تَصِلُ الكلامَ ، فَتَنْطِقُ به على نحوِ منطقِها
به فى حالِ القطع، فيكونُ وصلُها إياه وقَطْعُها سواءً، وذلك مِن فِعِلِها دلالةٌ على
صحةِ قراءةٍ مَن قَرَأْ جميعَ ذلك بإثباتِ الهاءِ فى الوصلِ والوقفِ ، غيرَ أنّ ذلك وإن
كان كذلك، فلقوله: ﴿لَمْ يَتَسَنَّةٌ﴾ حكمْ مفارقٌ حكم ما كان هاؤُهُ (°زائدةً ،
لا ◌ُشَُّ فی زیادتها° فيه .
ومما يَدُلُّ على صحةٍ ما قُلنا، مِن أَنّ الهاءَ فى ﴿يَتَسَنَّهُ﴾ مِن لغةٍ مَن قال : قد
أسنهتُ، وهى(٢) المسانهةُ، ما حُدِّثت به عن القاسم بنِ سلَّام، قال: ثنا ابنُ
مهدىٌّ، عن أبى الجراح، عن سليمانَ بنِ عُميرٍ ، قال : ثنى هانىٌّ مُولَى عثمانَ ، قال :
كُنْتُ الرسولَ بينَ عثمانَ وزيدِ بنِ ثابتٍ، فقال زيدٌ: سَلْهُ عن قولِه: لم (يَتَسَنَّ) ، أو
(١ - ١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((لإثباته)).
(٢) فى ص، ت١، ت٢: ((ما)).
(٣) فى م: ((زائدا)).
(٤) بعده فى م: ((بزائد)).
(٥ - ٥) فى م: ((زائدًا لاشك فى زيادته)).
(٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
٦٠٢
سورة البقرة : الآية ٢٥٩
﴿لَمْ يَقَسَنَّةٌ﴾؟ فقال عثمانُ: اجعلوا فيها هاءً(١).
٣٨/٣
" وحدَّثنا أحمدُ بنُ يوسف٢َ ، عن القاسم، وحدَّثنا محمدُ بنُ محمدٍ
العطارُ، قالا : ثنا ابنُ مهدئٍّ، عن ابنِ المباركِ، قال : ثنى أبو وائلٍ ؛ شيخٌ مِن أهلِ
اليمنِ ، عن هانِىَّالبربرىِّ، قال: كنتُ عندَ عثمانَ وهم يَعْرِضون المصاحفَ ، فَأَرْسَلَنى
بكَتِفِ شاةٍ إلى أَبِيِّ بنِ كَعْبٍ، فيها: (لم يتسنّ). و(فأَمْهلِ الكافرين).
و(لا تَبْدِيلَ للخلقِ). قال: فَدَعا بالدواةِ، فمحًا إحدَى اللامَين، وكتَب ﴿لِخَلْقِ
اللَّهِ ﴾ [الروم: ٣٠]. ومحا (فأمهِلْ)، وكتَب ﴿فَهِّلِ﴾ [الطارق: ١٧]. وكتب :
﴿لَمْ يَتَسَنَّةٌ﴾. الْحَقَ فيها الهاءَ(٣).
ولو كان ذلك مِن ((تسنَّى)) أو ((تسنَّن))، لَمَا أَلْحَق فيه أبىّ هاءً، ( ولا موضعَ
للهاءِ فيه٤) ، ولا أمَر عثمانُ بإلحاقِها فيه(٥) .
وقد رُوِىّ عن زيدِ بنِ ثابتٍ فى ذلك نحوُ الذى رُوِى فيه عن أبيّ بنِ
(٧)
کعب().
(١) فضائل القرآن لأبى عبيد ص ١٥٩ .
(٢ - ٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((حدثت)).
(٣) أخرجه أبو عبيد فى فضائل القرآن ص ١٥٩، وأخرجه ابن راهويه - كما فى المطالب العالية ٢٦١/٨ -
من طريق أبى وائل به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٣/١ إلى عبد بن حميد وابن الأنبارى فى
المصاحف .
(٤ - ٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((لا موضع فيه)).
(٥) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((فيها)) .
(٦) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (( كعب)).
(٧) أخرجه ابن راهويه - كما فى المطالب العالية ٢٦١/٨ -، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٣/١ إلى ابن
المنذر وابن الأنبارى فى المصاحف .
٦٠٣
سورة البقرة : الآية ٢٥٩
واختلف أهلُ التأويلِ فى تأويل قوله: ﴿لَمْ يَتَسَنَّةٌ﴾. فقال بعضُهم بمثلِ
الذى قُلنا فيه من أنّ معناه: لم يَتغيّرْ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ محُميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ بنُ الفضلِ(١)، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عمَّن
لا يُتَّهَمُ، عن وَهبِ بنِ مُنَبِّهِ: ﴿لَمْ يَقَسَنَّهُ﴾: لم يَتَغَيُّ(١).
حدَّثنا بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَمْ
بَتَسَنَّةٌ﴾، أى (٢): لم يتغيّرْ.
[٢٢/٨ و] حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ،
عن قتادةَ مثلَه (٤) .
حدَّثنی موسی بنُ هارونَ ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿ فَاَنْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَائِكَ لَمْ يَتَسَنَّةٌ﴾. يقولُ: فانظُرْ إلى
طعامِك مِن التين والعنبِ ، وشرابِك مِن العصيرِ، ﴿لَمْ يَقَسَنَّهْ﴾. يقولُ: لم يَتغيّرْ
فِيَحْمُضَ التينُ والعنبُ، ولم يَخْتَمِرِ العصيرُ، هما حُلوان كما هما، وذلك أنه مرّ
جائيًا مِن الشامِ على حمارٍ له، معه عصيرٌ وعِنَبُ وتِينٌ، فأماتَه اللَّهُ، وأمات حمارَه،
ومرَّ عليهما مائةُ سنةٍ (٥).
(١) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((المفضل)).
(٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٠٣/٢ عقب الأثر (٢٦٦٤) معلقًا .
(٣) زيادة من : الأصل.
(٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٠٦.
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٠٤/٢ (٢٦٦٦، ٢٦٧٠) من طريق عمرو به.
٦٠٤
سورة البقرة : الآية ٢٥٩
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ، قال : أخبرنا عُبِيدُ بنُ
سليمانَ ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه تبارك وتعالى: ﴿فَانْظُرُ إِلَى
طَعَامِكَ وَشَرَائِكَ لَمْ يَتَسَنَّةٌ﴾. يقولُ: لم يَتغيّرْ، وقد أتَى عليه مائَةُ عامٍ(١).
حدَّثنى المُثُنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال : ثنا أبو زهيرٍ، عن لجوئِيرٍ، عن
الضحاكِ بنحوه .
حدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ، عن عليّ بن أبى
طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهُ﴾: لم يتغيّرُ).
حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن النّضرِ، عن عكرمةَ: ﴿لَمْ
يَتَسَنَّةٌ﴾: لم يتغيّرُ(٣) .
حدَّثنى يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿لَمْ يَتَسَنَّةْ
لم يتغيّرْ فی مائة سنةٍ .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرنى بكرُ بنُ مُضَرَ(٤) ، قال:
يَزْعُمون فى بعضِ الكتُبِ أن إرميا كان بإيلياءَ حين خرَّبها بُخْتُنَصَّرَ، فخرَج منها إلى
مِصرَ فكان بها، فأوحَى اللَّهُ إليه : أنِ اخرجْ منها إلى بيتِ المقدسِ. فأتاها فإذا هى
خَرِبٌ ، فنظَر إليها فقال: أنَّى يُحْيِى هذه اللَّهُ بعدَ موتِها؟ فأماته اللَّهُ مائةَ عام ثم بعثَه ، فإذا
(١) ينظر المحرر الوجيز ٢١٣/٢.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٠٣/٢، ٥٠٤ (٢٦٦٥)، وابن عساكر فى تاريخه ٣٢٢/٤٠ من
طريق الضحاك، عن ابن عباس، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٣/١ إلى ابن المنذر.
(٣) ذكره الحافظ فى التغليق ١٨٧/٤ عن المصنف، وأخرجه أبو يعلى - كما فى المطالب (٣٨٩٨) - وابن
أبى حاتم فى تفسيره ٥٠٣/٢ (٢٦٦٤) من طريق النضر، عن عكرمة ، عن ابن عباس .
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((نصر)).
٦٠٥
سورة البقرة : الآية ٢٥٩
حمارُه حىٌّ قائمٌ(١) على رِباطِه، وإذا طعامُه سَلُّ عنٍ وسَلُّ تينٍ، لم يَتغير عن حالِه (١).
قال يونسُ: قال لنا سَلْمُّ الخواصُ: كان طعامُه وشرابُه سَلِّ عنبٍ وسَلِّ تينِ وزِقٌّ
عصيرِ .
٣٩/٣
/وقال آخَرونَ: معنى ذلك: لم يَنْتِنْ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى، عن ابنٍ أبى نجيح،
عن مجاهدٍ قوله: ﴿لَمْ يَتَسَنَّةٌ﴾: لم يَبْتِنْ(٤).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ ، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ(٥) ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، قال :
قال مجاهدٌ قولَه: ﴿إِلَى طَعَامِكَ﴾. قال: سَلَّ تينٍ، ﴿وَشَرَائِكَ﴾: دَنُّ
خَمْرٍ، ﴿لَمْ يَتَسَنَّةٌ﴾. يقولُ: لم يَنْتِنْ(١).
(٧ حدِّثت عن عمّارٍ، قال: حدَّثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿لَمْ
يَتَسَنَّةٌ﴾. يقولُ: لم [٢٢/٨ظ] يَنِْنْ().
(١) فى ص: ((قام)).
(٢) ذكره أبو حيان فى البحر المحيط ٢/ ٢٩٠.
(٣) فى م: ((سالم)). وهو سلم بن ميمون الخواص، ترجمته فى سير أعلام النبلاء ٨/ ١٦٠.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٠٤/٢ (٢٦٦٧) من طريق ابن أبى نجيح به .
(٥) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((الحسن)).
(٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٠٣/٢ (٢٦٦٣) من طريق حجاج به .
(٧ - ٧) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س .
٦٠٦
سورة البقرة : الآية ٢٥٩
وأحْسَبُ أنّ مجاهدًا والربيعَ ومَن قال فى ذلك بقولهما، رَأوْا أن قولَه: ﴿ لَمْ
يَتَسَنَّةٌ﴾. مِن قولِ اللَّهِ تعالى ذِكْرُه: ﴿مِّنْ حَلٍ تَسْئُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦، ٢٨، ٣٣].
بمعنى المُتْغيرِ الريح بالنَّتَنِ، مِن قولِ القائلِ: تَسَنَّنْ. وقد بَيْنتُ الدَّلالةَ فيما مضى
على أنّ ذلك ليس كذلك(١).
فإن ظنَّ ظانٌّ أنه مِن الأَسَنِ(٣)، مِن قولِ القائلِ: أَسِنَ هذا الماءُ يَأْسَنُّ أَسَنًا. كما
قال اللَّهُ تعالى ذِكْرُه: ﴿فِيَهَا أَنْهَرٌ مِّنِ مَّآٍ غَيْرِ ◌َاسٍِ﴾ [محمد: ١٥]. فإن ذلك لو
كان كذلك، لكان الكلامُ: فانظُر إلى طعامِك وشرابِك لم يَتَأْسِّنْ. ولم یکنْ
﴿يَتَسَنَّةٌ﴾ .
"فإن قال٣): فإنه منه، غيرَ أنه تُرِكَ همزُه. قيل: فإنه وإن تُرِكَ همزُه فغيرُ جائزٍ
تشديدُ نونِه؛ لأن النونَ "من ((يَتَأْسَنُ)) " غيرُ مُشَددةٍ، وهى فى ﴿يَتَسَنَّهُ ﴾.
مشددةٌ، ولو نُطِق مِن ((يَتأسنُ)) بتركِ هَعزِه (٤)، لقِيل: ((لم يَتَسَّنْ))(٥) ، بتخفيفِ
نونِه بغيرِ هاءٍ تَلْحَقُ فيه. ففى ذلك بيانٌ واضحٌ أنه غيرُ جائٍ أن يكونَ مِن الأَسَنِ.
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤُه : ﴿ وَأَنْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ .
اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَأَنُْْ إِلَى حِمَارِلَكَ ﴾ ؛ فقال بعضُهم:
معنى ذلك : وانظُرْ إلى إحيائِى حمارَك، وإلى عظامِه كيف أُنشْزِها ، ثم أكْشُوها لحمًا.
ثم اختلف مُتأوّلو (٦) هذا التأويلِ؛ فقال بعضُهم: قال اللَّهُ تعالَى ذِكْرُه له ذلك
(١) ينظر ما تقدم فى ص ٦٠٠، ٦٠١ .
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((الأسنه)).
(٣ - ٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((الهمز))، وفى م: ((الهمزة)).
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (( يتسنن)).
(٦) بعده فى م: ((ذلك فى)).
٦٠٧
سورة البقرة : الآية ٢٥٩
بعد أن أخیاه خلقًا سويًّا ، ثم أراه کیف) يُخیی حماره؛ تعریفًا منه تعالی ذِلُه له
كيفيةَ إحيائه القريةَ التى رآها خاويةً على عُرُوشِها، فقال: ﴿أَ يُحِىء هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ
مَوْتِهَاً﴾ مُسْتَنكِرًا إحياءَ اللَّهِ إيّاها .
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ ، عن ابنِ إسحاقَ، عمَّن لا يَتَّهِمُ، عن وَهْبٍ
ابنِ مُنَبِّهٍ، قال: بعثَه اللَّهُ فقال: ﴿كَمْ لَبِثْتُ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًّا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ . إلى
قوله: ﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾. قال: فنظَر إلى حمارِهِ يَتَّصِلُ(٢) بعضّ إلى
بعض - وقد کان مات معه - بالعروق والعصب ، ثم کیف + کُسی ذلك منه اللحمُ
حتی اسْتَوی ، ثم جرَی فیه الروح ، فقام يَنْهَقُ ، ونظر إلى عصيره وتینه ، فإذا هو على
هيئتّه حين وضعَه لم يَتَغَيّرْ، فلما عاين مِن قُدرةِ اللَّهِ ما عاين، قال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى
كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾(٤).
حدَّثْنى موسَى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، [٢٣/٨ و] قال: ثنا أسباطُ ،
عن السدىِّ: ثم إنّ اللَّهَ تبارك وتعالى أحيا عُزَيْرًا، فقال: كم لبثتَ؟ قال: لِبِثْتُ يومًا أو
بعضَ يومٍ . قال: بل لبثْتَ مائةَ عامٍ ، فانظُرْ إلى طعامِك وشرابِك لم يَتَسنَّة، أوانظُرْ إلى ٤٠/٣
حمارِك قد هَلَك، وبَلِيَت عظامُه، وانظُرْ إلى عظامِه كيف نُنْشِزُها ، ثم تَكْسوها لحمًا .
فبعَث اللَّهُ تبارك وتعالى ريحًا ، فجاءت بعظامِ الحمارِ مِن كلِّ سَهْلٍ وَبَلٍ ذهَبت به
الطيرُ والسّباعُ، فاجْتَمَعت، فَرَكَّب بعضَها فى بعضٍ وهو يَنظُرُ، فصار حمارًا مِن
(١ - ١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣) س: ((أراد أن)).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يا تصل)).
(٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٤) تقدم تخريجه فى ص ٥٨٠ .
٦٠٨
سورة البقرة : الآية ٢٥٩
عظامٍ ، ليس له لحمٌ ولا دٌ، و("إن اللَّهَ جلَّ جلالُه كسا العظامَ لحمًا ودمًا، فقام حمارًا
مِن لحمٍ ودَمٍ وليس فيه روحٌ، ثم أقبَل مَلَكٌ يَمِشِى حتى أخذَ بِمِنْخَرِ الحمارِ، فنفَخ فيه ،
فَتَهَق الحمارُ. فقال: ﴿ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾.
فتأويلُ الكلامِ على ما تأوَّله قائلُ هذا القولِ: وانظُر إلى إحيائنا حمارَك، وإلى
عظامِه كيف تُنْشِزُها، ثم تَكْسوها لحمًا، ولِنَجْعَلَك آيةً للناسِ . فيكونُ فى قولِه :
﴿ وَأَنْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ ﴾. متروكٌ مِن الكلامِ، اسْتُغْنِى بِدَلالةِ ظاهرِه عليه مِن
ذِكْرِه، وتكونُ الألفُ واللامُ" فى قوله: ﴿ وَأَنْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ﴾ بدلًا مِن
الهاءِ المُرادةِ فى المعنى؛ لأن مَعْناه: وانظر إلى عظامِه . يَعْنِى: إلى عظامِ الحمارِ .
وقال آخرون منهم: بل قال اللَّهُ تعالى ذِكْرُه ذلك له بعدَ أن نفَخ الروحَ فى
عيْنَيْه(٢) . قالوا: وهى أولُ عُضْوٍ مِن أعضائِه نفَخ اللَّهُ فيه الروحَ، وذلك (°قبلَ أن
يُسوِّيَهْ خلقًا سويًّا، وقبلَ أن يُحْبِىَ حمارَه .
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن ابنٍ أبى نجيح ،
عن مجاهدٍ ، قال: كان هذا رجلًا مِن بنى إسرائيلَ نُفِخَ الروحُ فى عَينْه ، فنظَر إلى
خَلْقِهِ كلِّه حينَ يُحِيه اللَّهُ، وإلى حمارِه حينَ يُحيبه اللَّهُ(١).
(١) فى م: ((ثم)) .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٠٦/٢ مفرقا فى (٢٦٨٠)، (٢٦٨٢) من طريق عمرو بن حماد به.
(٣ - ٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٤) فى م: ((عينه)) .
(٥ - ٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((بعد أن يسويه))، وفى م: ((بعد أن سواه)).
(٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٠٤/٢ (٢٦٧١) من طريق ابن أبى نجيح به مختصرا .
٦٠٩
سورة البقرة : الآية ٢٥٩
حدَّثنى المُنُنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنى القاسمُ ، قال: حدثنى الحسينُ، قال: ثنی حجاج، عن ابن جريجٍ،
قال : بدأ بعينَيْه فنفَخ فيهما الروحَ، ثم بعظامِه فأنْشَزها ، ثم وصَل بعضها إلى بعضٍ ،
ثم كساها العصبَ ، ثم الغُروقَ ، ثم اللحمَ ، ثم نظر إلى حماره، فإذا حمارُه قد بَلِی
وابْيَضَّتْ عظامُه، فى المكانِ الذى ربطَه فيه، فتُودِى: يا عِظامُ اجْتَمِعِى، فإن اللَّهَ
مُنْزِلٌ عليكِ رُوحًا . فسَعَى كلُّ عَظْم إلى صاحبِهِ ، فوصَل العظامَ ، ثم العصبَ ، ثم
العروقَ، ثم اللحمَ، ثم الجِلْدَ، ثم الشَّعَرَ، وكان حمارُه جَذَعًا(١) ، فأحياه اللَّهُ كبيرًا
قد تَشَنَّنَ(١) ، فلم يَئِقَ منه إلا الجِدُ مِن طول الزمنِ، وكان طعامُه سَلَّ عنبٍ ، وشرابُه دَنَّ
خَمْرٍ .
قال ابنُ نجريجٍ، عن مجاهدٍ : نفخ الروحَ فى عينَيْه ، ثم نظَر بهما إلى خَلْقِهِ كلِّه
حينَ يَنْشُرُه اللَّهُ، [٢٣/٨ظ] وإلى حمارِه حين يُحيِيهِ اللَّهُ.
وقال آخرون: بل جعَل اللَّهُ الروحَ فى رأسِه وبصرِهِ، وجسَدُه ميتٌ، فرأَى
حمارَه قائمًا كهيئتِه يومَ ربَطه ، وطعامَه وشرابَه كهيئتِه يومَ حلَّ البُقْعَةَ، ثُم قال اللَّهُ
له : انظُر إلى عظامٍ(٢) نفسِك كيف نُنْشِزُها(٤).
(١) الجذع: الصغير السن من الحيوان. اللسان (ج ذ ع).
(٢) التَّشَنُّنُ: التشنج واليبس فى جلد الإنسان عند الهرم. وتشانّ الجلد: بيس وتشنج. اللسان
( ش ن ن).
(٣) فى م: ((عظامك)).
(٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((ننشرها)).
( تفسير الطبرى ٣٩/٤ )
٦١٠
سورة البقرة : الآية ٢٥٩
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدّثنا محمدُ بنُ سهل بن عَشگرٍ ، قال : ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الکریم ، قال : ثنی
عبدُ الصَّمَدِ بنُ مَعْقِلٍ، أنه سمِع وهبَ بنَ مُنَبِهِ يقولُ: ردَّ اللَّهُ روحَ الحياةِ فى عينِ
إرميا ، وآخِرُ جسدِه ميتٌ (١)، فنظَر إلى طعامِه وشرابِه لم يَتَسَنَّهْ ، ونظَر إلى حمارِه واقفًا
كهيئتِه يومَ ربطه، لم يَطْعَمْ ولم يَشْرَبْ، ونظَر إلى الرُّمَّةِ فى عُنُقِ / الحمارِ لم تَغْيَّرْ،
جدیدةً ) .
٤١/٣
حُدِّثتُ عن الحسينِ(٢) ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ ، قال:
سمِعتُّ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾: فنظَر إلى حمارِهِ
قائمًا قد مكَث مائةَ عامٍ ، وإلى طعامِه لم يَتَغيرْ، قد أَتَّى عليه مائةُ عامٍ ، ﴿ وَأَنْظُرْ
إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنِشِرُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ فكان أوَّلَ شىءٍ أحيا اللَّهُ
منه رأسُه، فجعَل يَنْظُرُ إلى سائرٍ خَلِقِه يُخلَقُ(٤).
حدَّثنى المُنَّى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا أبو زهيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ
فى قوله: ﴿ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَمْ﴾: فنظَر إلى حمارِهِ قائمًا، وإلى طعامِه
وشرابِه لم يَتَغيرْ، فكان أوَّلَ شىءٍ خُلِقَ منه رأسُه ، فجعَل يَنْظُرُ إلى كلِّ شىءٍ منه يُوصَلُ
بعضُه إلى بعضٍ، فلمّا تَبَيَّ له، قال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾(٥).
حذَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال : ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْع، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ ، قال :
(١) فى ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((ميتا).
(٢ - ٢) فى ص، ت ١، ت ٢: ((لم يتغير حديده)).
والأثر تقدم تخريجه فى ص ٥٨١ .
(٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((الحسن)).
(٤) ينظر البحر المحيط ٢/ ٢٩٣.
(٥) ذكره أبو حيان فى البحر المحيط ٢٩٣/٢.
٦١١
سورة البقرة : الآية ٢٥٩
ذُكِرَ لنا أنه أولُ ما خُلِقٍ منه رأسُه، ثم رُكِّبتْ فيه عيناه، ثم قيل له: انْظُرْ. فجعَل
يَنْظُرُ، فَجَعَلتْ عِظامُه تَواصَلُ بعضُها إلى بعضٍ، وبعينِ (١) نبيِّ اللَّهِ عليه السلامُ كان
ذلك، فقال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾(١).
حُدِّثتُ عن عمارٍ ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَأَنْظُرْ إِلَى
طَعَامِكَ وَشَرَائِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَأَنْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾: وكان حمارُه عندَه كما
هو، ﴿ وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةٌ لِلنَّاسِّ وَأَنْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُشِرُهَا﴾
قال الربيعُ: ذُكِرَ لنا - واللَّهُ أعلمُ - أنه أولُ ما خُلِقَ منه عَيْناه، ثم قيل: انْظُرْ. فجعَل
يَنْظُرُ إلى العِظامِ يَتَواصلُ بعضُها إلى بعضٍ، وذلك بعَيْنيه، فقال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى
كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾(٢).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرنا ابنُ زيدٍ فى(٤) قوله :
فَنْظُرُ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَائِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَأَنْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ ﴾: واقفًا عليكَ
منذُ مائةٍ سنةٍ، ﴿وَلِنَجْعَلَكَ [٢٤/٨و] ءَايَةٌ لِلنَّاسِّ وَأَنْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ﴾.
يقولُ: وانظُرْ إلى عظامِك كيف نُحْيِيها حينَ سَأَلْننا كيف نُخْبِى هذه(٥). قال:
فجعَل اللَّهُ الروحَ فى بصرِه وفى لسانِه، ثم قال: ادْعُ الآن بلسانِك الذى جعَل اللَّهُ فيه
الروحَ، وانظُرْ ببصرِك. قال: فكان يَنظُرُ إلى الجُمْجُمَةِ. قال: فنادَى: لِيَلْحَقْ كلُّ
عَظْمِ بأَلِيفِه. قال: فجاء كلُّ عَظْمٍ إلى صاحبِهِ، حتى اتَّصَلَتْ وهو يراها، حتى إن
(١) فى ص: (( بعيد)).
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٠٧/١ عن معمر، عن قتادة والحسن بنحوه .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٠٤/٢ (٢٦٧٢) من طريق ابن أبى جعفر بشطره الأول .
(٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((قال)).
(٥) بعده فى م، س: ((الأرض بعد موتها)).
٦١٢
سورة البقرة : الآية ٢٥٩
الكِشْرَةَ(١) مِن العظم لتَأْتِى إلى المَوْضعِ الذى انْكَسَرت منه ، فَتَلْصَقُ به، حتى وصَل إلى
جُمْجُمَتِهِ وهو يرَى ذلك، فلما اتَّصَلت شدَّها بالعَصَبِ والعرُوقِ ، وأجْرَى عليها
اللحْمَ والجِلْدَ، ثم نفَخ فيها الروحَ، ثم قال: ﴿ أَنْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ
تُنِشِرُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمَّأْ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
قَدِيرٌ﴾. قال: ثم أُمِرِ فنادَى تلك العِظامَ التى قال: ﴿أَّ يُحِءَ هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ
مَوْتِهَا﴾. كما نادَى عِظامَ نفسِه، ثم أحياها اللَّهُ كما أحياه(٢).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرنى بكرُ بنُ مُضَرَ، قال :
يَزْعُمون فى بعضِ الكتبِ أنّ اللَّهَ تبارك وتعالى أمات إرمياً(٢) مائةَ عامٍ، ثم بعثَه فإذا
٤٢/٣ حمارُه حىٍّ قائمٌ على رِباطِهِ. قال: وردَّ اللَّهُ إليه بصرَه، / وجعَل الروحَ فيه قبلَ أن يُبعثَ
بثلاثين سنةً، ثم(٤) نظَر إلى بيتِ المقدسِ وكيفَ عُمِرَ وما حولَه. قال: فيقولون، واللَّهُ
أعلمُ: إنه الذى قال اللَّهُ تعالى ذِكْرُه: ﴿أَوْ كَأَلَّذِى مَرَّ عَلَى قَرِيَّةٍ وَهِىَ خَاوِيَةُ عَلَى
عُرُوشِهَا﴾. الآية (٥).
ومعنَى الآيةِ على تأويلِ هؤلاء: وانْظُرْ إلى حمارِك " لم يتسنَّةُ)، ولنَجعَلَك آيةً
للناسِ، وانظُرْ إلى عظامِك كيف تُنْشِزُها بعدَ بِلاها، ثم نَكَسوها لحمًا، فنُحْيِيها
بحياتِك، فَتَعْلمَ كيف يُحْيِى اللَّهُ القُرَى وأُهْلَها بعدَ مماتِها .
(١) الكسرة : القطعة المنكسرة من الشىء. اللسان (ك س ر).
(٢) ذكره الرازى فى التفسير الكبير ٣٦/٧.
(٣) فى ص: ((أورميا)).
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((حتى)).
(٥) ذكره أبو حيان فى البحر المحيط ٢/ ٢٩٠.
(٦ - ٦) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت ٣، س .
٦١٣
سورة البقرة : الآية ٢٥٩
وأوْلَى الأقوالِ فى هذه الآيةِ بالصوابِ قولُ مَن قال : إن اللَّهَ تعالى ذِكْرُه بعَث
قائلَ: ﴿أَنَّى يُحِىء هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَاً﴾ مِن مماِه، ثم أراه نَظِيرَ ما اسْتَنْكَر مِن إحياء
اللَّهِ القريةَ التى مرَّ بها بعد مماتِها ، عيانًا مِن نفسِه وطعامِه وحماره ، فجعَل تعالی ذِكْرُه
ما أرَاه مِن إحيائِه نفسَه وحمارَه مَثَلًا لما اسْتَنْكَر مِن إحيائِه أهلَ القريةِ التى مرَّ بها خاويةً
على ◌ُروشِها، وجعَل ما أرَاه مِن العِبرةِ فى طعامِه وشرابِهِ عِبرةً له وحجةً عليه فى
كيفيةِ إحيائِه منازلَ القريةِ وجِنانَها ، وذلك هو معنَى قولٍ مجاهدِ الذى ذكرناه قَبْلُ .
وإنما قلنا: ذلك أوْلَى بتأويلِ الآيةِ؛ لأن قوله: ﴿ وَأَنْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ ﴾ .
إنما هو بمعنَى: وانْظُرْ إلى العظامِ التى تراها يبصرِك كيف نُنْشِزُها ، ثم نَكْسوها لحمًا .
وقد كان حمارُه أدْرَ كه مِن البِلَى - فى قولِ أهلِ التأويلِ جميعًا - نَظِيرُ الذى لَحِقَ
عِظامَ مَن خُوطِبَ بهذا الخطابِ، فلم يُمْكِنْ(١) صَرْفُ [٢٤/٨] معنى قوله:
﴿ وَأَنْظُرْ إِلىَ الْعِظَامِ ﴾. إلى أنه أمرٌ له بالنَّظرِ إلى عظامِ الحمارِ دونَ عِظامِ المأمورِ
بالنظر إليها ، ولا إلى أنه أمرٌ له بالنَّظرِ إلى عظامِ نفسِه دونَ عظامِ الحمارِ . وإذ(١) كان
ذلك كذلك - وكان البِلَى قد لحِقَ عِظامَه وعِظامَ حمارِه - كان الأَوْلَى بالتأويلِ أن
يكونَ الأمرُ بالنظرِ إلى كلِّ ما أدرَكه طَرِفُه، مما قد كان البِلَى لَحِقَه؛ لأن الله تعالى
ذِكْرُه جعَل جميعَ ذلك عليه حُجةً ، وله عِبرةً وعِظةً .
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةٌ لِلنَّاسِ﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بذلك: ولِنجعَلَك آيةً للناس ؛ أمَتْناك مائةَ عامٍ ثم بَعَثْناك.
وإنما أَدْخِلتِ الواوُ مع اللامِ التى فى قولِهِ: ﴿ وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِلنَّاسِ﴾.
(١) فى ص: ((یکن)).
(٢) فى م: ((إذا)).
٦١٤
سورة البقرة : الآية ٢٥٩
وهى ٢ بمعنى ((كى))؛ لأن فى دخولها فى (( کی)) وأخواتِها دلالةٌ على أنها شرطٌ
لفعلٍ بعدَها ، بمعنى: ولنجْعَلَك كذا وكذا فعَلنا ذلك. ولو لم تكنْ قبلَ اللامِ - أعنى
لامَ ((کی)) - واوٌ، كانتِ اللامُ شرطًا للفعلِ الذى قبْلَها، وكان يكونُ معناه : وانظُرْ
إلى حمارِك لنجعَلَك (٢) آيةً للناسِ .
وإنما عنَى بقولِه: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةٌ لِلنَّاسِ﴾: ولنْعَلَك حُجةً على مَن
جَهِل قُدْرتِى، وشكَّ فى عَظَمَتِى، وأنى(١) القادِرُ على فعل ما أشاءُ مِن إماتةٍ وإحياءٍ،
وإفناءٍ وإنشاء، وإنعام وإذلالٍ ، وإقتارٍ وإغناءٍ، بتَدِی ذلك کلُه، لا يملگه أحدٌ دونِی،
ولا يقدِرُ علیه غَیرِى .
وكان بعضُ أهلِ التأويلِ يقولُ: كان آيةً للناسِ بأنه جاء بعدَ مائةٍ عامٍ إلى ولدِه
وولدِ ولدِه شابًّا وهم شيوخٌ .
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المُثُنَّى، قال: حدَّثْنا إسحاقُ ، قال: ثنا قَبِيصةُ بنُ عُقْبةَ، عن سفيانَ ،
قال: سمِعتُ الأعمشَ يقولُ: ﴿ وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِلنَّاسِ﴾: قال: جاء شابًا
(٤)
وولده شيوخٌ(٤).
/وقال آخرون : معنى ذلك أنه جاء وقد هلَك مَن يَعْرِفُه ، فكان آيةً لمن قَدِم عليه
مِن قومِه .
٤٣/٣
(١) فى م: ((هو)).
(٢) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((ولنجعلك)).
(٣) فى صٍ، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((أنا)).
(٤) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٠٥/٢ عقب الأثر (٢٦٧٤) معلقا .
٦١٥
سورة البقرة : الآية ٢٥٩
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُّدىِّ، قال: رجَع إلى أهلِه، فوجَد دارَه قد بِبعتْ ويُنيت، وهلَك مَن كان يَعْرِفُه،
فقال: اخْرُجوا مِن دارِى. قالوا: ومَن أنتَ؟ قال: أنا عُزَيْرٌ. قالوا : أليس قد هلَك
عُزَيْرٌ منذُ كذا وكذا؟ قال: فإن عُزَيرًا [٢٥/٨و] أنا هو، كان مِن حالى وكان. فلمّا
عرَفوا ذلك، خرَجوا له مِن الدارِ، ودفَعُوها إليه (١).
والذى هو أوْلَى بتأويلِ الآيةِ مِن القولِ أن يقالَ: إن اللَّهَ تعالى ذِكْرُه أخبَرَ أنه
جعَل الذى وصَف صفته فى هذه الآيةِ (آيةً و١) حُجةً للناس، فكان كذلك(٢) حجةً
على مَن عرَفه مِن ولدِه وقومِه ممن عَلِم موتَه وإحياءَ اللَّهِ إياه بعدَ مماتِه، وعلى مَن بُعِثَ
إليه منهم .
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَأَنْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ
نُنْشِرُهَا﴾ .
وقد دَلَّلنا فيما مضى قبلُ على أن العِظامَ التى أُمِرَ بالنظَرِ إليها هى عظامُ نفسِه
وحماره، وذكرنا اختلاف المختلفین فی تأويل ذلك ، وما یغْنِی كلَّ قائلٍ فیما قاله فى
ذلك ، بما أغْنَى عن إعادتِه .
وأما قولُه جلَّ ثناؤه: ﴿كَيْفَ نُنْشِرُهَا﴾، فإن القرأةَ اخْتَلَفت فى
قراءتِه؛ فقرَّأه بعضُهم: ﴿ وَأَنْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنِشِرُهَا﴾ . بضم
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٠٥/٢ (٢٦٧٦) من طريق عمرو بن حماد به.
(٢ - ٢) سقط من: ص، ت١، ت٢، ت٣، س.
(٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((ذلك)).
٦١٦
سورة البقرة : الآية ٢٥٩
النونِ والزايِ (١) ، وذلك قراءةُ عامةٍ قَرأةِ الكوفيين(١) ، على معنى: وانظُرْ إلى العظامِ
كيف نُرَكِّبُ بعضَها على بعضٍ، ونَثْقُلُ ذلك إلى مَواضِعِهِ(٢) مِن الجسمِ .
وأصلُ النَّشَزِ الارتفاع، ومنه قيل: قد نشَزَ الغلامُ، إذا ارْتَفَع طولُه وشبَّ،
ومنه نشوزُ المرأةِ على زوجِها، ومِن ذلك قبل للمكانِ المرتفعِ مِن الأرضِ: نَشْرٌ،
ونَشَرٌ، ونَشَارٌ. فإذا أردتَ أنك رفَعْتَه، قلتَ: أَنْشَزتُه إنشازًا، ونَشَرهو، إذا ارْتَفَع.
فمعنى قوله: ﴿ وَأَنْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنِشِرُهَا﴾ - فى قراءةٍ مَن قَرَأ
ذلك بالزاىٍ - : كيف نرفَعُها مِن أماكنِها مِن الأرضِ ، فنردُّها إلى أماكنِها مِن الجسدِ .
وممن تأوَّل ذلك هذا التأويلَ جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ .
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى موسى، قال: حدَّثنى عمرُو بنُ حمادٍ ، قال : حدثنا أسباطُ ، عن
الشّدىِّ: ﴿كَيْفَ تُنِشِرُهَا﴾. يقولُ: نُحرِّكُها (٤).
حدَّثْنى المُثُنَّى ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح ، قال : ثنى معاويةُ بنُ صالح، عن
علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿كَيْفَ نُنِشِرُهَا﴾. قال: نُخْرِجُها (٥).
وقرّأ ذلك آخرون: ( وَانْظُرْ إلى العِظامِ كَيْفَ تُنْشِرُها )(١) . بضمِّ النونِ،
(١) فى م، ت٢: ((بالزاى)).
(٢) وهى قراءة عاصم وحمزة والكسائى وابن عامر. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ١٨٩.
(٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((مواضع)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٠٦/٢ (٢٦٨٠) من طريق عمرو بن حماد به مطولا .
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٣/١ إلى المصنف وابن المنذر.
(٦) فى م: ((ننشزها)) بالزاى المعجمة . وبضمُّ النون والراء المهملة قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو. ينظر السبعة
لا بن مجاهد ص ١٧٩.
٦١٧
سورة البقرة : الآية ٢٥٩
وبالراءِ، مِن قولِ القائلِ: أَنْشَرَ اللَّهُ الموتَى، فهو يُنْشِرُهم إنشارًا. وذلك قراءةُ
عامةٍ قَرأةِ أهلِ المدينةِ، بمعنى: وانظُرْ إلى العظامِ كيف نُحيِيها [٢٥/٨ظ] ثم
نَكْسوها لحمًا .
٤٤/٣
/ذِكْرُ مَن "تأوَّل ذلك كذلك١)
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابنٍ أبى
نَجيح، عن مجاهدٍ: (كَيْفَ نُنْشِرُها). قال: نظَر إليها حينَ يُحْيِيها
اللَّهُ(٢) .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن
مجاهدٍ مِثْلَه .
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ بمثلِه(١).
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ( وانظُرْ
إلى العظامِ كيف نُنْشِرُها). قال: كيف نُحْيِيها(1).
واحتجَّ بعضُ قَرأَةِ ذلك بالراءِ وبضمٌّ نونِ أولِه، بقولِه: ﴿ ثُمَّ إِذَا شَآءَ
أَنْشَرَهُ﴾ [عبس: ٢٢]. فرأى أن الصوابَ إِلحاقُ قولِه: (وانْظُرْ إلى العظامِ كيف
نُنْشِرُها) به .
وقرَأَ ذلك بعضُهم: ( وَانْظُرْ إلى العِظامِ كَيْفَ نَنْشُرُها ) . بفتح النونِ مِن أولِهِ ،
(١ - ١) فى ص، م، ت١، ت٢: ((قال ذلك)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٠٤/٢ (٢٦٧١) من طريق ابن أبى نجيح به .
(٣) تقدم تخريجه فى ص ٦١١ .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٤/١ إلى المصنف.
٦١٨
سورة البقرة : الآية ٢٥٩
وبالراءٍ ) ، كأنه وجّه ذلك إلى مثلٍ معنَى نَشْرِ الشىءٍ وَطَيِّه، وذلك قراءةٌ غيرُ
مَحمودةٍ ؛ لأن العربَ لا تقولُ: نَشَر اللَّهُ الموتَى. وإنما تقولُ: أَنشَر اللَّهُ الموتَى ،
فَتَشروا هم. بمعنى: أحياهم اللَّهُ فَيُوا هم. يدلُّ على ذلك قولُه: ﴿ثُمَّ إِذَا شَآءَ
أَنْشَرَهُ﴾. وقولُه: ﴿ءَالِهَةٌ مِّنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ ﴾ [الأنبياء: ٢١].
وعلى أنه إذا أُرِيد به : حَيِىَ الَيْتُ وعاش بعدَ مَماتِه، قيل: نَشَر. قولُ الأعشى
من بنى ثعلبة (٢) :
حَتَّى يَقُولَ النَّاسُ مما رَأَوْا يا عجبًا لِلْمَيِّتِ النَّاشِرِ
ورُوِى سماعًا مِن العربِ: كان به جَرَبٌ فَشَر. إذا عاد وحَيِىَ.
(٣)
والقولُ فى ذلك عندِى أنّ معنَى الإنشارِ ومعنى الإنشازِ متقاربان ؛ لأن معنى
الإنشازِ التركيبُ والإنباتُ(٤)، وردُ العظامِ مِن "الترابِ إلى الأجسادِ، وأن معنى
الإِنشارِ الإحياءُ والإعادةُ. وإِحياءْ العظامِ وإِعادتُها لا شكَّ أنه ردُّها إلى أماكنِها
ومواضِعِها مِن الجسدِ بعدَ مفارقتِها إياها. فهما وإنِ اخْتَلَفا فى اللفظِ ، فمُتقارِبا
المعنى . وقد جاءت بالقراءةِ بهما الأمةُ مجيئًا يقطَعُ العذرَ، ويُوجِبُ الحُجةَ ، فبأيّهما
قرَأ القارىءُ فمُصيبٌ، لاتفاقٍ (١) مَعْنِيَيْهما، وألا حُجةَ تُوجِبُ لإحداهما من القضاءِ
بالصوابٍ على الأُخرى .
فإن ظنَّ ظانٌّ أنّ الإِنشارَ إِذا كان إحياءً فهو بالصوابِ أَوْلَى؛ لأن المأمورَ بالنظرِ
(١) هذه قراءة أبان عن عاصم، وهى قراءة الحسن أيضا. السبعة لابن مجاهد ص ١٨٩، وإتحاف فضلاء البشرص ٩٨.
(٢) ديوانه ص ١٤١.
(٣) حكاه الفراء سماعا عن بعض بنى الحارث. ينظر معانى القرآن ١٧٣/١.
(٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((الإثبات)).
(٥ - ٥) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س.
(٦) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((لانقياد)).
٦١٩
سورة البقرة : الآية ٢٥٩
إلى العِظامِ وهى تُنْشَرُ، إنما أُمِرَ بِه لِيَرَى عِيانًا ما أَنْكَرِه بقوله: ﴿أَنََّ يُحِى هَذِهِ اللَّهُ
بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. فإن إحياءَ العظامِ لاشكَ فى هذا الموضع إنما ◌ُنِى به ردُّها إلى أما كِنِها
مِن جسدِ المنظورِ إليه وهو يخيًا، لا إعادةَ الروح التى كانت فارقَتْها عندَ المماتِ .
والذى يدلُّ على ذلك قولُه [٥٢٦/٨]: ﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾. ولا شكَّ أنَّ الروحَ
إنما نُفِخَتْ فى العظامِ التى أُنْشِرت بعدَ أن كُسِيتٍ اللحمَ .
وإذا كان ذلك كذلك ، وكان معنى الإِنْشازِ تركيبُ العظامِ وردُها إلى أماكنِها
مِن الجسدِ ، وكان ذلك معنى الإنشارِ، كان معلومًا استواءُ مَعْنَتَيهما، وأنهما / مُتَّفِقا ٤٥/٣
المعنى لا مُخْتَلِفاه، ففى ذلك إبانةٌ عن صحة ما قلنا فيه .
فأمَّا القراءةُ الثالثةُ فغيرُ جائزةٍ القراءةُ بها عندى، وهى قراءةُ مَن قرأ: ( كيفَ
نَنْشُرُها ). بفتح النونِ وبالراءِ؛ لشُذوذِها عن قراءةِ المسلمين، وخروجِها عن
الصحيحِ الفصيحِ من كلامِ العربِ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمَّأَ﴾ .
يعنى بذلك تعالى ذكرُه : ثم تَكْسو العظامَ لحمًا .
والهاءُ التى فى قوله: ﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا﴾. مِن ذكرِ العظامِ، ومعنى
نَكْسُوهَا﴾. نُلْبِسُها ونُوارِيها به كما يُوارِى جسدَ الإنسانِ كسوتُه التى
يَلْبَسُها . وكذلك تفعَلُ العربُ، تجعَلُ كلَّ شىءٍ غطَّ شيئًا وواراه لباسًا له وكسوةً ،
ومنه قولُ النابغةِ الجَغْدىِّ(١) :
(١) هذا البيت من الأبيات المختلف فى نسبتها ، فأغلب المصادر على أنه للبيد بن ربيعة العامرى . وأورده محقق
ديوان النابغة الجعدى ضمن أبيات الديوان (المجموع). ونسبه المرزبانى فى معجم الشعراء إلى قردة بن نفاثة ،
وصحح ابن عبد البر فى الاستيعاب هذه النسبة ، وذكر ابن عبد البرأن أكثر أهل الأخبار قالوا : إن لبيدا لم =
٦٢٠
سورة البقرة الاية : ٢٥٩
حتى اكْتَسَيْتُ منَ الإسْلامِ سِرْبالا
فالحَمْدُ للَّهِ إِذْ لَمْ يَأْتِنِى أَجَلِى
فجعَل الإسلامَ - إذ غطِى الذى كان عليه، فواراه وأذهَبه - كسوةً له وسِرْبالاً .
القولُ فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ
شَىْءٍ قَدِيرٌ
٢٥٩
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾: فلمَّا أَّضَح له عِيانًا ما كان
مستنكرًا فى (١) قدرةِ اللَّهِ وعظمتِه عندَه قبلَ عِيانِهِ ذلك، قال: أَعْلَمُ الآنَ - بعدَ
المعاينةِ والاتضاح والبيانِ - أن اللَّهَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ.
ثم اخْتَلفتِ القَرَأَةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿ قَالَ أَعْلَمُ﴾؛ فقرَأَه بعضُهم: (قال
اعْلَمْ). على معنى الأمرِ، بوصلِ الألفِ من ((اعْلَمْ))، وجزمِ الميم منها . وهى قراءةُ
عامَّةٍ قرأةِ أهلِ الكوفةِ(٢) ، ويذكرون أنها فى قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (قيل اعْلَمْ). على وجهِ
الأمرِ من اللَّهِ لذى أُحْيِىَ بعدَ مماِهِ ، فَأُمِرِ بالنظر إلى ما يُخْبِيهِ اللَّهُ بعدَ مماتِه. وكذلك
رُوِی عن ابنِ عباسٍٍ .
حدَّثنا أحمدُ بنُ يوسفَ التَّعْلَبِىُّ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سلَّامٍ، قال: ثنى
حَجَّاجْ، عن هارونَ، قال: هى فى قراءةِ عبدِ اللهِ: (قيل اعلمْ أن اللَّهَ).
على وجهِ الأمرِ(٣) .
حدَّثنى الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن
= يقل شعرا منذ أسلم. ينظر ديوان النابغة الجعدى (المجموع) ص ١٠١، والشعر والشعراء ٢٧٥/١،
ومعجم الشعراء ٢٢٣، والاستيعاب ١٣٣٥/٣، والأغانى ٣٦٩/١٥، والخزانة ٢٤٧/٣.
(١) فى م: ((من)).
(٢) هذه قراءة حمزة والكسائى. ينظر السبعة ص ١٨٩ .
(٣) المصاحف ص ٥٨ ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٤/١ إلى المصنف.