Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢١
سورة البقرة الآية : ٢٤٣
فى قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفُ حَذَرَ أَلْمَوْتِ
قال: خرَجوا فِرارًا من الطاعونِ، فأماتَهم اللَّهُ(١) قبلَ آجالِهم، ثم أحياهم إلى
آجالِھم .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن
الحسنِ فى قولهِ: ﴿أَلَمّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَهُمْ أُلُونُ
حَذَرَ الْمَوْتِ﴾. قال: فَرُوا من الطاعونِ، فقال لهم اللّهُ: موتوا. ثم أحياهم
لِيُكْمِلوا بقيّةً آجالِهم (٣) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عَمرو، قال : حدَّثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابنٍ أبى
نجيحِ، عن عَمرِو بنِ دينارٍ فى قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ
مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوُفُّ حَذَرَ أَلْمَوْتِ﴾. قال: وقَع الطاعونُ فى قريتهم، فخرج
أُناسٌ ويقِى أناسٌ ، فهلَك الذين بَقُوا فى القريةِ، وبقِى الآخرون ، ثم وقَع الطاعونُ فى
قريتهم الثانيةَ، فخرَج أناسٌ وبقِى أناسٌ، ومَن خرَج أكثرُ مَمَّن بقى، فنجَى اللّهُ الذين
خرَجوا وهلَك الذين بَقُوا، فلمَّا كانتِ الثالثةُ خرَجوا بأجمعِهم إلا قليلًا ، فأماتَهم
اللّهُ ودواتهم، ثم أَخياهم، فرجَعوا إلى بلادِهم (وقد توالدت ذُريتُهم ومن تركوا) ،
وكثُرُوا(٤) بها، حتى يقولَ بعضُهم لبعضٍ: مَن أنتم (٥)؟
(١) زيادة من: ت ٢.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١١/١ إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد، وهو فى تفسير عبد
الرزاق ٩٧/١ عن معمر، عن قتادة.
(٣ - ٣) سقط من: م، وفى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( وقدر
والمثبت من تفسير مجاهد .
(٤) فى ت ١، ت ٢: ((كبروا)).
(٥) تفسیر مجاهد ص ٢٤٠.
قریتهم ومن تركوا » هكذا ،
٠١
٤٢٢
سورة البقرة الآية : ٢٤٣
حدَّثنى المُثُنَّى، قال: حدَّثْنا أبو محُذَيْفَةَ، قال: حدَّثَنَا شِبْلٌ، عن ابنٍ أبى نَجيحِ ،
قال : سمِعتُ عَمرَو بنَ دينارٍ يقولُ : وقَع الطاعونُ فى قريتِهم . ثم ذكَر نحوَ حديثٍ
محمدِ بنِ عَمرٍو، عن أبى عاصم .
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ(١)، قال: حدَّثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ:
◌ْ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ الآية: مقَتهم اللّهُ على
فرارِهم من الموتِ ، فأماتَهم اللّهُ عقوبةً ثم بعثَهم إلى بقيَّةِ آجالِهم ليَسْتَوْفوها) ، ولو
كانت آجالُ القومِ جاءت ما بُعثوا بعدَ موتِھم .
حدِّثتُ عن عمَّارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن محُصَيْنٍ،
عن هلالِ بنِ بِسَافٍ فى قولِه تعالى: ﴿أَلَمّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ [٣١٨/١ و] مِن
◌ِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفُ﴾ الآية. قال: كان هؤلاء القومُ(٥) من بنى إسرائيلَ، كان(١) إِذا
وقَع فيهم الطاعونُ خرَج أَغنياؤُهم وأشرافُهم، وأقام فقراؤُهم وسَفِلَتُهم، قال :
فاسْتَحَرَّ الموتُ على المقيمين منهم ، ونجا مَن خرَج منهم، فقال الذين خرجوا : لو
أقمنا كما أقام هؤلاء لهلَكْنا كما هلكوا . وقال المقيمون : لو ظعنًّا كما ظعن هؤلاء
لنجونا كما نجَوْا. فظعَنوا جميعًا فى عام واحدٍ ؛ أغنياؤهم وأشرافُهم ، وفقراؤهم
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٥٨/٢ (٢٤٢٣) من طريق ابن أبى نجيح به، عن مجاهد،
عن عمرو بن دينار.
(٢) فى النسخ: ((سويد))، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٥٧/٢ (٢٤١٩) من طريق سعيد بن بشير،
عن قتادة بلفظ آخر .
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢: ((ليتوفوها)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١/ ٣١٠، ٣١١ إلى عبد بن حميد.
(٥) فى ص، ت ١: ((قوم)).
(٦) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
٤٢٣
سورة البقرة الآية : ٢٤٣
وسَفِلَتُهم ، فأَرْسِل عليهم الموتُ ، فصاروا عظامًا تَبْرِقُ . قال : فجاءهم أهلُ القُرَى
فجمَعوهم فى مكانٍ واحدٍ ، فمرَّ بهم نبىٌّ ، فقال: يا ربِّ ، لو شئتَ أحييتَ هؤلاءِ
فَعَمَّروا بلادَك وعبّدوك! قال: أوَ أَحَبُّ إليك أن أَفْعَلَ ؟ قال: نعم. قال: فقل كذا
وكذا . فتكلَّم به ، فنظَر إلى العظامِ وإن العظمَ لَيَخْرُجُ من عندِ العظم الذى ليس منه
إلى العظم الذى هو منه، ثم تكلّم (بما أُمِرَ ()، فإذا العظامُ تُكْسَى لحَمًّا، ثم أُمِر بأمرٍ
فتكلَّم به ، فإذا هم قعودٌ يُسَبِّحون ويُكَبِّرون، ثم قيل لهم: ﴿فَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ
وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾(٢).
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: أخبرَنى سعيدُ بنُ أيوبَ ، عن
حمادِ بنِ عثمانَ ، / عن الحسنِ أنه قال فى الذين أماتهم اللّهُ ثم أحياهم، قال: هم قومٌ ٥٩٠/٢
فرُّوا من الطاعونِ ، فأماتَهم اللّهُ عقوبةً ومقتًا ، ثم أحياهم لآجالِهم.
وأَوْلَى القولين فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَهُمْ أُلُوفُ﴾. بالصوابِ، قولُ مَن قال:
عنَى بالألوفِ كثرةَ العددِ . دونَ قولٍ مَن قال: عنَى به الائتلافَ . بمعنى ائتلافٍ
قلوبهم ، وأنهم خرَجوا من ديارِهم من غيرِ افتراقٍ كان منهم ولا تباغُضٍ ، ولكن
فرارًا؛ إِمَّا مِن الجهادِ ، وإما مِن الطاعونِ - لإجماع الحُتَّةِ على أن ذلك تأويلُ الآيةِ ،
ولا يُعارَضُ بالقولِ الشاذِّ ما استفاض به القولُ من الصحابة والتابعين.
وأَوْلَى الأقوالِ فى مبلغ عددِ القومِ الذين وصَف اللّهُ خروجهم من ديارِهم،
بالصوابِ ، قولُ مَن حدَّ عددَهم بزيادةٍ عن ١ عشرةِ آلافٍ - دونَ مَن حدَّه بأربعةٍ
(١ - ١) فى ص، ت ١: ((بأمر)).
(٢) أخرجه ابن أبى الدنيا فى من عاش بعد الموت (٥١)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٥٧/٢ (٢٤١٨) من
طریق حصین به . وينظر تفسیر مجاهد ص ٢٤٠.
(٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢.
٤٢٤
سورة البقرة الآية : ٢٤٣
آلافٍ وثلاثةِ آلافٍ وثمانية آلافٍ - وذلك أن اللّه تعالى ذكره أخبر عنهم أنهم كانوا
ألوفًا، وما دونَ العشرةِ آلافٍ لا يقالُ لهم: ألوفٌ . وإنما يقالُ: هم آلافٌ . إذا كانوا
ثلاثةَ آلافٍ فصاعدًا ، إلى العشَرةِ آلافٍ . وغيرُ جائزٍ أن يقالَ: هم خمسةُ ألوفٍ .
أو : عشرةُ ألوفٍ .
وإنما مجمِع قليلُه (١) على ((أفعالٍ) ولم يُجْمَغْ على ((أَفْعُل)) ( مثلَ سائِرٍ" الجمعِ
القليلِ الذى يكونُ (" ثانى مفردِه٣) ساكنًا للألِفِ التى فى أوَّلِه، وشأنُ العربِ فى كلّ
حرفٍ كان أوَّلُه ياءً أو واوًا أو ألفًا، اختيارُ جمع قليلِه على ((أفعال))، كما جمَعوا
الوقتَ أوقاتًا، واليومَ أيامًا، واليَسَرَ أيسارًا(٤)، للواوِ والياءِ اللتين فى أولِ ذلك، وقد
يُجْمَعُ ذلك أحيانًا على ((أفعل))، إلا أن الفصيحَ من كلامِهم ما ذكرنا، ومنه قولُ
(٥)
الشاعرِ(٥) :
أَلْفَيْنِ(٧) أَعْجَمَ مِن بنى الفَدَّامِ "
كانوا (٢) ثلاثةَ أَلُفٍ وكَتِيبَةٌ
وأمَّا قولُه: ﴿حَذَرَ اُلْمَوْتِ﴾. فإنه يَعْنى أنهم خرجوا من حَذَرِ الموتِ فرارًا منه.
کما حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : حدّثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی
(١) بعده فى ص، ت ١، ت ٢: (( أو كثيره)).
(٢ - ٢) فى ص، ت ١، ت ٢: ((وعلى سائر مثل)).
(٣ - ٣) فى ص، ت ١، ت ٢: ((ثانيه)).
(٤) الأيسار : واحدهم يسر، وهم الذين يتقامرون . اللسان (ی س ر).
(٥) هو بكيرٌ أصم بنى الحارث بن عباد، والبيت فى النقائض ص ٦٤٥، واللسان (أل ف).
(٦) فى النقائض واللسان: ((عربًا)).
(٧) فى ص، ت ١: ((ألفان)).
(٨) الفَدَّام : شىء تمسح به الأعاجم عند السقى، واحدته فَدّامة، ويقصد ببنى الفدام: المجوس. اللسان (فى
د م ) .
٤٢٥
سورة البقرة الآية : ٢٤٣
أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباس قولَه: ﴿ حَذَرَ اُلْمَوْتِ ﴾: فرارًا من عدوّهم، حتى
ذاقوا الموتَ الذى فرُّوا منه، فأمَرهم فرَجعوا، وأمرهم أن يقاتِلوا فى سبيلِ اللهِ، وهم
الذين قالوا لنبيِّهم: ﴿ أَبْعَثْ لَنَا مَلِكًا تُقَتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾(١).
وإنما حثَّ اللّه تعالى ذكرُه عبادَه بهذه الآيةِ على المواظبة على الجهادِ فى سبيله ،
والصبرِ على قتالٍ أعداءِ دينِه، وشجّعهم بإعلامِه إيَّاهم، وتذكيرِه لهم أن الإماتةَ
والإِحياءَ بيديه، وإليه دونَ خلقِه، وأن الفرارَ من القتالِ والهربَ من الجهادِ ولقاءٍ
الأعداءِ إلى التحصُّنِ فى الحصونِ ، والاختباءِ فى المنازلِ والدورِ ، غيرُ مُنْج أحدًا من
قضائِهِ إِذا حلَّ بساحتِه ، ولا دافع (١) عنه أسبابَ مَنِيَّتِه إذا نزَل بعَقْوتِهُ(١) ، كما لم يَنْفَعِ
الهاربين من الطاعونِ الذين وصَف اللّهُ تعالى ذكرُه صفتَهم فى قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى
الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفُّ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ - فرارهم من أوطانِهم ،
وانتقالُهم من منازلهم إلى الموضع الذى أَمَّلُوا بالمصيرِ إليه السلامةَ ، وبالمَوْئِلِ النجاةَ من
المِيَّةِ ، حتى أتاهم أمرُ اللّهِ، فتركَهم جميعًا خُمودًا صَرْعَى، وفى الأرضِ هَلْكَى،
ونجا مما حلّ بهم الذين باشَروا كوبَ الوباءِ، وخالَطوا بأنفسِهم عظيمَ البلاءِ.
/القولُ فى تأويل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ ٥٩١/٢
٤٣
النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ
يعنى تعالى ذكرُه بذلك: إن اللّهَ لذو فضلٍ ومَنٍّ على خلقِه؛ بتبصيرِه إياهم
سبيلَ الهُدَى، وتحذيرِه لهم طرقَ الرَّدَى، وغيرِ ذلك مِن نِعَمِه التى يُنْعِمُها عليهم فى
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٥٦/٢ (٢٤١٧) عن محمد بن سعد به مقتصرا على قوله : فرارا من عدوهم.
(٢) فى س: ((مانع)) .
(٣) فى م: ((بعقوبته)). وعقوة الدار: ساحتها. اللسان (ع ق و).
٤٢٦
سورة البقرة الآيتان : ٢٤٣ ، ٢٤٤
دُنياهم ودينهم وأنفسِهم وأموالهم، كما أحيا الذين خرجوا مِن ديارِهم وهم ألوفٌ
حَذَرَ الموتِ بعدَ إِماتَتِهِ إياهم، وجعَلهم لخلقِه مَثَلًا، وعِظَةً يَتَّعِظُون بهم، وعِبْرَةٌ
يَعْتَبِرون بهم، ولِيَعْلَمُوا أن الأمورَ كلَّها بيدِه، فيَسْتَشْلِمُوا لقضائِهِ، ويَصْرِفُوا الرغبةَ
كلَّها والرهبةَ إليه .
ثم أخبرَ تعالى ذِكرُّه أن أكثرَ(١) مَن يُنْعِمُ عليه مِن عبادِهِ بنِعَمِه الجليلةِ، ويَمُنُّ
عليه بِمِنَنِهِ الجسيمةِ ، يَكْفُرُ به، ويَصْرِفُ الرغبةَ والرهبةَ إلى غيرِهِ، ويَتَّخِذُ إلهًا مِن
دونِه ؛ كُفْرَانًا منه لنِعَمِه التى يُوجِبُ أَصغرُها عليه مِن الشكرِ ما يَقْدَحُه(٢)، ومِن
الحَمْدِ ما يُثْقِلُه، فقال تعالى ذكرُه: ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾.
يَقُولُ: لا يَشْكُرون نِعْمَتَىَ التى أَنْعَمْتُها عليهم، وفَضْلِىَ الذى تَفَضَّلْتُ به عليهم ؛
بعبادتِهم غيرِى وصَرْفِهم رغبتَهم ورهبتَهم إلى مَن دُونى ممن لا يَمْلِكُ لهم ضًّا ولا
نَفْعًا ، ولا يَمْلِكُ موتًا ولا حياةً ولا نُشورًا .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَأَعْلَمُوَاْ أَنَّ اللَّهَ سَمِيعُ
عَلِيمٌ
٢٤٤
يعنى تعالى ذكرُه بذلك: وقاتِلوا أيُّها المؤمنون فى سبيلِ اللّهِ - يعنى: فى دينه
الذى هَدَاكم له ، لا فى طاعة الشيطان - أعداء دينكم الصَّادِّین عن سببلٍ ربِّكم ،
ولا "تحتَموا عن قتالِه عندَ " لقائِهم، ولا تَجِبْنُوا(*) عن حربهم، فإنَّ بيَدی حیاتكم
وموتَكم ، ولا يَمْنَعنَّ أحدكم مِن لقائِهم وقتالِهِم حَذَرُ الموتِ وخَوْفُ المنيةِ على نفسِه
(١) فى ص، ت ١، ت ٢: ((كل)).
(٢) يفدحه يعنى: يثقله. اللسان (ف د ح).
(٣ - ٣) فى م، ت ١: ((تجبنوا عن)).
(٤) فى م، ت ١: ((تقعدوا)).
.-
٤٢٧
سورة البقرة الآية : ٢٤٤
بقتالِهِم، فيَدْعوه ذلك إلى التَّغريدِ (١) عنهم والفرارِ منهم، فتَذِلُّوا، ويَأْتِيَكم الموتُ
الذى خِفْتُموه فى مَأْمَنِكم الذى وَأَلْتُم إليه، كما أتى الذين خرجوا مِن ديارهم فِرارًا
مِن الموتِ ؛ الذين قصَصت عليكم قصتَهم ، فلم يُنْجِهم فِرارُهم منه مِن نزوله بهم ،
حين جاءَهم أمرى، وحلّ بهم قضائى، ولا ضرّ المُتُخَلَّفين وراءَهم ما كانوا لم
يَحْذَرُوه إذ دافعتُ عنهم مناياهم ، وصرَفْتُها عن حوبائِهم(١) ، فقاتِلوا فى سبيلِ اللهِ
مَن أمرتُكم بقتالِهِ مِن أعدائى وأعداءِ دينى، فإِن مَن حَيِىَ منكم فأنا أَخْيَيْتُهُ(١) ، ومن
قُتِل منكم فبقَضائى كان قتلُه (٤) .
ثم قال تعالى ذكره لهم : واعلموا أيها المؤمنون أن ربّكم سميع لقولٍ مَن يَقُولُ
مِن منافقِيكم لمن قُتِل منكم فى سبيلى : لو أطاعونا فجلسوا فى منازلهم ما قتلوا .
عليم بما تُجِتُّهُ(٥) صدورُهم مِن النفاقِ والكفرِ، وقلَّةِ الشُّكْرِ لِنِعْمَتى عليهم، وآلائى
لَدَيْهم فى أنفسهم وأهليهم ، ولغيرِ ذلك مِن أمورهم وأمورٍ عبادى . يقول تعالى ذكرُه
لعباده المؤمنين : فاشکژُونی أنتم بطاعتی فیما أمرتُکم مِن جهادٍ عدوٌ کم فی سبیلی ،
وغيرِ ذلك مِن أمْرِى ونَهْى، إذ كفَر هؤلاء نِعَمِى، واعلموا أن اللّهَ سميعٌ لقولِهم،
وعليم بهم وبغيرِهم، وبما هم عليه مقيمون مِن الإيمانِ والكفرِ والطاعةِ والمعصيةِ ،
محيطٌ بذلك كلِّه، حتى أَجازِىَ كلَّ بعملِه، إنْ خيرًا فخيرًا، وإنْ شرًّا فشرًا .
ولا وجهَ لقولٍ مَن زعمَ أن قوله: ﴿ وَقَاتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللهِ﴾ أمرٌ مِن اللّهِ الذين
خرَجوا مِن ديارِهم / وهم ألوفٌ، بالقتالِ بعدَ ما أحياهم؛ لأن قوله: ﴿ وَقَتِلُواْ فِى ٥٩٢/٢
(١) فى م: ((التفريد)). والتعريد: سرعة الفرار من الهزيمة، من: عرّد الرجل عن قرنه، إذا أحجم ونكل.
(٢) الحوباء : النفس .
(٣) فى م، ت ١: ((أحييه)).
(٤) فى ت ١، ت ٢: ((قبله)) .
(٥) فى م، ت١: ((تخفيه)) وكلاهما بمعنى.
٤٢٨
سورة البقرة الآيتان : ٢٤٤ ، ٢٤٥
سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لا يخلو إن كان الأمرُ على ما تَأَوَّلوه مِن أحدٍ أمورِ ثلاثةٍ ؛ إما أن يَكُونَ
عَطْفًا على قوله: ﴿ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ﴾ . وذلك مِن المحالِ أن يميتَهم ويأمرّهم
وهم موتى بالقتالِ فى سبيلِه. أو يَكونَ عطفًا على قوله: ﴿ثُمَّ أَحْيَهُمْ﴾. وذلك
أيضًا مما لا معنى له؛ لأن قوله: ﴿ وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾. أمرٌ مِن اللّهِ بالقتالِ ،
وقولَه: ﴿ثُمَّ أَحْيَهُمْ﴾ خبرٌ عن فعلٍ قد مضَى . وغيرُ فصيحِ العطفُ بخبرٍ مستقبَلٍ
على خبرٍ ماضٍ، لو كانا جميعًا خَبَرِين، لاختلافٍ معنَيْهما، فكيف عطفُ الأمرِ
على خبرٍ ماضٍ؟ أو يَكُونَ معناه : ثم أحياهم وقال لهم: قاتِلوا فى سبيلِ اللّهِ . ثم
أسقَط القولَ، كما قال تعالى ذكره: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذِ الْمُجْرِمُونَ فَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ
عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ [السجدة: ١٢]. بمعنى: يقولون: ربَّنا أبصَرْنا
وسمِعْنا . وذلك أيضًا إنما يَجُوزُ فى الموضع الذى يَدُلَّ ظاهرُ الكلام على حاجتِه إليه،
وَيَفْهَمُ السامعُ أنه مرادٌ به الكلامُ وإِن لم يُذْكَرْ، فأما فى الأماكنِ التى لا دَلالةَ على
حاجةِ الكلامِ إليه، فلا وجه لدعوى مدَّعٍ أنه مرادٌ فيها .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ مَن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَعِفَهُ لَهُو
أَضْعَافًا كَثِيرَةٌ ﴾.
يعنى تعالى ذكره بذلك: مَن هذا الذى يُنْفِقُ فى سبيلِ اللّهِ، فيُعِينُ مُضْعِفًا (١)،
أو يُقَوِّى ذا فاقةٍ أراد الجهاد فى سبيلِ اللّهِ، ويُعطى منهم مُقْتِرًا. وذلك هو القَرْضُ
الحسَنُ الذى يُقْرِضُ العبدُ ربَّه .
وإِنما سمّاه اللّهُ تعالى ذكرُه قرضًا؛ لأن معنى " القرضِ إعطاء" الرجلِ غيرَه مالَه
مُلِّكّا له لِيَقْضِيَه مثلَه إذا اقتضاه، فلما كان إعطاءُ(١) مَن أعطَى أهلَ الحاجةِ والفاقةِ فى
(١) المضعف : الذی ضعفت دابته . اللسان (ض ع ف).
(٢ - ٢) فى ص، ت ١: ((من أعطى)).
(٣) فى ص، ت ١: ((أعطى)).
٤٢٩
سورة البقرة الآية : ٢٤٥
سبيلِ اللّهِ ، إنما يُعْطِيهم ما يُعْطيهم مِن ذلك ابتغاءَ ما وعدَه اللهُ عليه مِن جزيلٍ الثوابِ
عندَه يومَ القيامةِ ، سماه قرضًا، إذ كان معنى القرضِ فى لغةِ العربِ ما وصَفْنا .
وإنما جعَله تعالى ذكرُه حَسنًا؛ لأن المُغْطِىَ يُعْطِى ذلك عن نَذْبِ اللّهِ إياه ،
وحثِّه له عليه احتسابًا منه، فهو للّهِ طاعةٌ ، وللشياطينِ(١) معصيةٌ، وليس ذلك لحاجةٍ
باللّهِ إلى أحدٍ مِن خلقِه ، ولكنَّ ذلك كقولِ العربِ: عندِی لك قرضُ صدقٍ وقرضُ
سوءٍ. للأمرِ تأتى فيه الرجلَ مَسرَتُه أو مَساءتُه، كما قال الشاعرُ :
كلُّ امرئٍّ سوفَ يُجْزَى قرضَه حَسَنًا أو سَيِّئًا ومَدِينًا بالذِى دَانا
فقرضُ المرءِ: ما سلَف مِن صالح عملِه أو سيِّئِهِ .
وهذه الآيةُ نظيرةُ الآيةِ التى قال (٣) فيها تعالى ذِكرُه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ
أَمْوَلَهُمْ فِى سَبِيلِ اَللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِ كُلِّ سُثْبْلَةٍ مِّأْئَةُ حَبَّةٍ
وَاَللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١].
وبنحوِ الذى قُلْنا فى ذلك كان ابنُ زيدٍ يَقُولُ .
/حدَّثنی يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ مَّن ذَا ٥٩٣/٢
الَّذِى يُفْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾. قال: هذا فى سبيلِ اللّهِ، ﴿فَيُضَحِفَهُ لَهُ: أَضْعَافًا
كَثِيرَةٌ﴾ . قال : بالواحدِ سبعمائةِ ضِعْفٍ .
حدّثنا الحسنُ بنُ یحیی ، قال : أخبرنا عبد الرزاقِ ، قال : أخبرنا معمرٌ ، عن زيد
ابنِ أسلمَ، قال: لما نزلت: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَعِفَهُ لَهُمْ
(١) فى ص، ت ١، ت ٢: (( للسلطان)).
(٢) هو أمية بن أبي الصلت ، والبيت فى ديوانه ص ٤٧.
(٣) بعده فى م، ت ١، ت ٢: ((الله)).
٤٣٠
سورة البقرة الاية : ٢٤٥
أَضْعَافًا كَثِيرَةٌ﴾. قال: جاء ابنُ الدحداحةِ إلى النبيِّ عَ لَّمِ فقال: يا نبيَّ اللّهِ،
أَلَا أَرَى رَبَّنَا يَشْتَفْرِضُنا مما أعطانا لأنفسِنا، وإن لى أرضَيْنِ ؛ إحداهما بالعاليةِ ،
والأُخرَى بالسافلةِ، وإنِّى قد جعَلتُ خيرَهما صدقةً . قال: فكان النبىُ عَلٍ يقولُ:
(( كم من عَذْقٍ مُذَلَّلٍ (٢لابنِ الدَّخداحةِ) فى الجنَّةِ))(٣).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: حدَّثنا يزيدُ ، قال: حدَّثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ أن رجلًا
على عهدِ النبىِّ عَ لَه [٣١٩/١ و] لما سمِع بهذه الآيةِ، قال: أنا أَقْرِضُ اللّهَ. فعمَد إلى خيرٍ
حائطٍ له فتصدَّق به . قال : وقال قتادةُ: يَسْتَقْرِضُكم ربُّكم كما تَسْمَعون وهو الوَلُّ
الحميدُ ، ويَسْتَغْرِضُ(٤) عبادَه (٥)!
حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ الأنماطىُ النيسابورىُّ، قال: حدَّثنا خلَفُ بنُ خليفةَ ،
عن حميدِ الأعرج، عن عبدِ اللهِ بنِ الحارثِ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، قال: لما
نَزَلت ﴿ مَّن ◌َذَا الَّذِىِ يُفْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾. قال أبو الدَّخْداح: يا رسولَ اللهِ ،
أوَ إِنَّ اللّهَ يُريدُ منا القرضَ؟ قال: ((نعَمْ يا أبا الدَّحْدَاح)). قال: يدَكَ. قال(١) : فناوَله
يدَه . قال : فإنى قد أَقْرَضْتُ ربِّى حائِطى؛ حائطًا فيه ستُّمائةِ نخلةٍ . ثم جاء يَمْشِى حتى
أتى الحائطَ وأَمّ الدَّخْدَاح فيه فى عيالِها ، فناداها: يا أمَّ الدحداح. قالت: لَبَّيْك. قال:
اْرُچِى، قد أَقْرَضْتُ ربِّى حائطًا فيه ستُمائةِ نخلةٍ(١).
(١ - ١) فى م: ((جاء أبو الدحداح)). وهو ثابت بن الدحداح - وقيل: الدحداحة - بن نعيم، أبو الدحداح
، وأبو الدحداحة ، حليف الأنصار. ينظر أسد الغابة ٢٦٧/١، والإصابة ٣٨٦/١ .
(٢ - ٢) فى م: ((لأبى الدحداح)).
(٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٩٨.
(٤) فى ص ت ١: (( يستنصر)).
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٢/١ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٦) فى م، ت ١، ت ٢: ((قبل)).
(٧) أخرجه البزار فى ٤٠٢/٥ (٢٠٣٣) عن محمد بن معاوية به، وأخرجه سعيد بن منصور (٤١٧ -
تفسير )، وأبو يعلى (٤٩٨٦)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٦٠/٢ (٢٤٣٠)، والطبرانى فى الكبير =
٤٣١
سورة البقرة الاية : ٢٤٥
وأما قولُه: ﴿فَيُضَطِعِفَهُ لَهُ، أَضْعَافًا كَثِيرَةٌ﴾. فإنه ◌ِدَةٌ مِن اللهِ تعالى ذكره
مُقْرِضَه ومُنْفِقَ مالِه فى سبيلِ اللهِ من إضعافِ الجزاءِ له على قَرْضِه ونَفَقَتِهِ ما لاحدَّ له
ولا نهايةً .
كما حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن
السدِّىِّ: ﴿ مَن ◌َذَا الَّذِى يُفْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَعِفَهُ لَهُ، أَضْعَافًا كَثِيرَةٌ ﴾
قال : هذا التَّضْعِيفُ لا يَعْلَمُ أحدٌ ما هو (١).
وقد حدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا سُويدُ بنُ نصرٍ ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ ، عن
ابنِ عُيَيْنَةَ، عن صاحبٍ له يَذْكُرُ عن بعضِ العلماءِ، قال: إن اللّه أعطاكم الدنيا
قرضًا، وسألَكُمُوها قرضًا، فإن أُعطَيْثُمُوها طيّبةً بها أنفُسُكم ، ضاعَف لكم ما بينَ
الحسنةِ إلى العَشْرِ إلى السبعِمائةِ، إلى أكثرَ مِن ذلك، وإن أخذها منكم وأنتم كارِهون،
فصبرثُم وأحسَنتم، كانت لكم الصلاةُ والرحمةُ، وأوجَب لكم الهُدَى(١).
وقد اختلفت القرأةُ فى قراءةٍ قولِه : (فَيُضَاعِفُهُ). بالألفِ ورَفْعِهِ ، بمعنى:
الذى يُقْرِضُ اللّهَ قرضًا حسنًا فيُضَاعِفُه(٤) له. °نَسَقًا بـ ((يُضاعِفُ))) على قولِه :
((يُقْرِضُ)) .
= ٣٠١/٢٢ (٧٦٤)، والبيهقى فى شعب الإيمان ٢٤٩/٣، ٢٥٠ (٣٤٥٢) من طريق خلف بن خليفة به ،
وأخرجه ابن منده - كما فى الإصابة ١٢٠/٧ - من طريق عبد الله بن الحارث به. وأصله فى مسلم (٩٦٥)
من حديث جابر بن سمرة .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٦٢/٢ (٢٤٣٦) من طريق عمرو به .
(٢) الزهد لابن المبارك (٦٤٢).
(٣) هى قراءة نافع وأبى عمرو وحمزة والكسائى، ينظر حجة القراءات ص ١٣٩.
(٤) فى ص، ت ١: (( يضاعفه)).
(٥ - ٥) فى م: ((نسق يتضاعف)).
٤٣٢
سورة البقرة الآية : ٢٤٥
وقرّأه آخرون بذلك المعنى ( فيُضَعِّفُه ). غيرَ أنَّهم قرَءوه بتشديدِ العَينِ وإسقاطِ
(١)
الألفِ(١).
وقرأه آخرون ﴿ فَيُضَحِفَهُ لَهُ﴾. بإثباتِ الألفِ فى ((يُضَاعِف)) ونَصْبِهِ،
٥٩٤/٢ بمعنى الاستفهام(١) ، فكأنهم تأوَّلوا الكلامَ: مَن المُقْرِضُ / اللّهَ قرضًا حسنًا فيضاعفَه
له؟ فجعَلوا قولَه: ﴿فَيُضَاعِفَهُ﴾ جوابًا للاستفهامِ، وجعَلوا ﴿مَن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ
اُللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ اسمًا؛ لأَنَّ ((الذى)) وصِلَتَه بمنزلة ((عمرو)) و((زيدٍ))، فكأنهم
وجَّهوا تأويلَ الكلامِ إلى قولِ القائلِ: مَن أخوك فنُكْرِمَه. لأَن الأفصَحَ فى جوابٍ
الاستفهامِ بالفاءِ - إذا لم يَكُنْ قبلَه ما يُعْطَفُ به عليه من فعلٍ مستقبَلٍ - نَصْبُه .
وأولى هذه القراءاتِ عندَنا بالصوابِ(٣) قراءةُ مَن قرأ: (فَيُضَاعِفُه له).
بإثباتِ الألفِ ورفع ((يُضَاعِفُ))؛ لأَنَّ فى قوله: (من ذا الذى يُفْرِضُ اللهُ قْضًا
حَسَنًا فَيُضَاعِفُه). ( معنى الجزاءٍ)، والجزاءُ إذا دخَل فى جوابِهِ ((الغاءُ))، لم يَكُنْ
جَوابُه بالفاءِ إِلاَ°) رَفْعًا، فلذلك كان الرفْعُ فى ((يُضَاعفُه )) أولَى بالصوابِ عندَنا من
النَّصْبِ، وإنما اختَرْنا الألفَ فى ((يُضَاعِفُ))، مِن حذفِها وتشديدِ العينِ؛ لأن ذلك
أفصَحُ اللُّغَتَين، وأكثرُهما على ألسنةِ العربِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْضُّطٌ
يعنى تعالى ذكرُه بذلك أنه الذى ييدِه قبْضُ أرزاقِ العبادِ وبَسْطُها دونَ غيرِه ممن
(١) وهى قراءة ابن كثير المكى. المصدر السابق ص ١٣٨.
(٢) وهى قراءة عاصم، ولم يذكر المصنف قراءة: ((فَيُضعِّفَه)) بالتشديد والنصب وإسقاط الألف، وهى قراءة
ابن عامر الشامى . المصدر السابق .
(٣) هذه القراءات متواترة مقروء بها، وليست إحداها أولى من غيرها بالصواب .
(٤ - ٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢.
(٥) فى م، ت ١، ت٢: ((لا)).
٤٣٣
سورة البقرة الآية : ٢٤٥
ادَّعى أهلُ الشركِ به أنهم آلهةٌ واتَّخَذوه ربًّا دونَه يَعْبُدُونَه، وذلك نظيرُ الخبرِ الذى
روِى عن رسولِ اللهِ مَّلِ الذى حدَّثنا به محمدُ بنُ المثنى ومحمدُ بنُ بشارٍ، قالا: ثنا
حجاجٌ، وحدَّثنى عبدُ الملكِ بنُ محمدِ الرَّقاشىُ، قال: ثنا حجاجٌ وأبو ربيعةً ، قالا :
ثنا حمادُ بنُ سلمةَ ، عن ثابتٍ وحميدٍ وقتادةَ ، عن أنسٍ ، قال : غلا السِّعْرُ على عهد
رسولِ اللّهِ عَلَّهِ، قال: فقالوا: يا رسولَ اللهِ، غلا السِّعْرُ فَأَشْعِرْ لنا. فقال رسولُ اللهِ
عَلَه: ((إن الله الباسِطُ القابِضُ الرازقُ، وإنى لأرجو أن أَلْقَى اللّهَ ليس أحدٌ يَطْلُبُنِى
بِظلمةٍ فى نَفْسٍ ومالٍ))(١) .
قال أبو جعفرٍ: يعنى بذلك عَِّ أن الغَلاءَ والرُّخْصَ والسَّعةَ والضِّيقَ بيدِ اللّهِ
دونَ غيرِه، فكذلك قوله تعالى ذكرُه: ﴿ وَ اَللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْقُطٌ﴾ . يعنى بقولِه:
يَقْبِضُ﴾: يُقْتِرُ بَقَبْضِه الرِّزْقَ عمن يَشاءُ مِن خلقِه. ويَعْنى بقولِه:
﴿ وَيَبْضُّظٌ﴾ : يُوَسِّعُ ببسطِه الرزقَ على مَن يشاءُ منهم.
وإنما أراد تعالى ذكره بقِيلِه ذلك حثَّ عبادِه المؤمنين الذين قد بسط عليهم مِن
فضلِهِ ، فوسَّع عليهم مِن رزقِه على تَقْويةِ ذوِى الإقتارِ منهم بمالِه ، ومعونتِه بالإنفاقِ
عليه وحمولتِه على النُّهوضِ لقتالٍ عدوّه مِن المشركين فى سبيله ، فقال تعالى ذكره :
مَن يُقَدِّمْ لنفسِه ذُخْرًا عندى بإعطائِه ضعفاءَ المؤمنين وأهلَ الحاجةِ منهم ، ما يَستَعينُ
به على القتالِ فى سبيلى، فأضاعفَ له مِن ثوابى أضْعافًا كثيرةً مما (١) أعطاه وقوَّاه به ؟
(١) أخرجه ابن ماجه (٢٢٠٠) عن ابن المثنى به، وأخرجه الترمذى (١٣١٤) عن ابن بشار به، وأخرجه
البيهقى ٢٩/٦ من طريق حجاج به، وأخرجه أحمد ٤٦/٢٠، ٤٤٤/٢١ (١٢٥٩١، ١٤٠٥٧)، وأبو
داود (٣٤٥١)، وأبو يعلى (٢٨٦١)، وابن حبان (٤٩٣٥)، والبيهقى فى الأسماء والصفات (١١١) من
طریق حماد به .
(٢) فى ص، ت ٢: ((ما)).
( تفسير الطبرى ٢٨/٤ )
٤٣٤
سورة البقرة الآية : ٢٤٥
فإنى أيُّها (١) الموسِعُ، الذى قبضتُ الرزقَ عمن ندبتُك إلى معونَتِه وإعطائِه؛ لأبتِيَه
بالصبرِ على ما ابتَلَيْتُه به، والذى بسَطْتُ عليك لأمتحنَك بعمَلِك فيما بسطتُّ
عليك، فأنظرَ كيف طاعتُك إِيَّىَ فيه، فأَجازِىَ كلَّ واحدٍ منكما (٢) على قدرٍ
طاعتِكما لى فيما ابتَلَيْثُكما فيه، وامْتَحَنْتُكما به مِن غِنِّى وفاقةٍ ، وسَعَةٍ وضيقٍ ، عندَ
رُجوعِكما إلىَّ فى آخِرَتِكما ومَصيرٍ كما إلىَّ فی مَعادٍ كما .
وبنحوِ الذى قُلْنا [٣١٩/١ظ] فى ذلك قال مَن بلَغنا قولُه مِن أهلِ التأويلِ.
٥٩٥/٢
/ ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ مَّن ذَا
الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ الآية. قال: علِمٍ أن فى من يُقَاتِلُ فى سبيلِه مَن لا
يَجِدُ قوةً، وفى مَن لا يُقَاتِلُ فى سبيلِه " من يَجِدُ غِنَّى٢، فندَب هؤلاءٍ فقال: ﴿ مّن ذَا
الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَّحِفَهُ لَهُ، أَضْعَافًا كَثِيرَةٌ وَاَللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْضُّطٌ﴾.
قال: يَبْسُطُ عليك وأنت ثَقِيلٌ عن الخروج لا تُرِيدُه، وقبَض عن هذا وهو يَطِيبُ
نفسًا بالخُرُوجِ ويَخِفُّ له، فقوّه مما فى يَدِك يَكُنْ لك فى ذلك حَظٌّ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَإِلَيْهِ تُجَعُونَ
٢٤٥
يَعْنى تعالى ذكرُه بذلك: وإلى اللّهِ مَعادُ كم أيها الناسُ، فاتَّقوا اللّهَ فى أنفسكم
أن تُضَيِّعوا فرائضَه وتَتَعدَّوا محُدودَه، وأن يعمَلَ مَن بُسِطَ عليه منكم فى رِزْقِه بغيرِ ما
أَذِن له بالعمل فيه ربُّه، وأن يَحْمِلَ الْمُقْتِرَ منكم، فقُبِض عنه رِزقُه، إقتارُه على
(١) فى م: ((أنا)).
(٢) فى ص، ت ١: ((منكم)) .
(٣ - ٣) سقط من: ص، س.
٤٣٥
سورة البقرة الآيتان : ٢٤٥، ٢٤٦
معصيتِه والتَّقَدُّم على ما نهاه ، فيَسْتَوجِبَ بذلك منه بمصيرِه إلى خالقِه ما لا قِبَلَ
له به من أليمٍ عقابه .
وكان قتادةُ يَتَأَوَّلُ قولَه: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: وإلى الترابِ تُؤْجَعون .
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:
﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: مِن الترابِ خلَقهم، وإلى الترابِ يَعُودون(١٢) .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَاِ مِنْ بَنِىّ إِسْرَِّيلَ مِنْ بَعْدٍ مُوسَى إِذْ
قَالُواْ لِنَبِّ لَّهُمُ أَبْعَثْ لَنَا مَلِكًا تُقَتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ : ألم ترَيا محمدُ بقلبك ، فتعلم بخبرى
إياك يا محمدُ ﴿ إِلَ الْمَلَاءِ﴾. يعنى: إلى وُجوهِ بنى إسرائيلَ وأشرافِهم ورؤسائِهم.
﴿ مِنْ بَعْدِ مُوسَىّ ﴾. يَقُولُ: مِن بعدِ ما قُبِضَ موسى فمات. ﴿إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍ لَّهُمُ
أَبْعَثْ لَنَا مَلِكًا تُقَتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ﴾. فذُكِرلى أن النبىَّ الذى قال لهم ذلك ،
شَمْوِيلُ بنُ بالى بنِ علقمةَ بنِ يرخامَ(١) بنِ أليهو بنِ تهو بنِ صوفَ بنِ علقمةَ بنِ
ما حثَ بنِ عموصا بنٍ عزريا بنِ صفنيةً(٤) بنِ علقمةَ بنِ أبى ياسفَ(٥) بنِ قارونَ بنِ
يصهرَ بنِ قاهثَ بنِ لاوى بن يعقوبَ بنِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ .
حدَّثنا بذلك ابنُ حميدٍ ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ (١) إسحاقَ ، عن وهبِ بنِ
منبه .
(١ - ١) فى ص، ت ١: ((عنه مصيره).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٦٢/٢ (٢٤٣٩) من طريق يزيد بن رزيع به .
(٣) فى م: ((برحام)). وينظر تاريخ المصنف ١/ ٤٦٧.
(٤) فى النسخ: ((صفية))، وفى كتاب القوم: ((صَفْيًا)). أخبار الأيام الأول، الأصحاح السادس.
(٥) فى م: (( ياسق)) .
(٦) فى النسخ: ((أبى)).
٤٣٦
سورة البقرة الاية : ٢٤٦
وحدَّثنى أيضًا المثنى بنُ إبراهيمَ ، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ
ابنُ عبدِ الكريم ، قال: حدَّثنى عبدُ الصمدِ بنُ معقلِ أنه سمِع وهبَ بنَ منبهٍ يَقُولُ:
هو شمويلُ(١). ولم يَتْسِبْه كما نسَبه ابنُ(٢) إسحاقَ .
٥٩٦/٢
وقال السدىُّ: / بل اسمُه شمعونُ . وقال: إنما سُمِّى شمعونَ لأَنَّ أُمَّه دعَتِ
اللّهِ أن يَرْزُقَها غلامًا، فاستجَاب اللّهُ لها دعاءَها فرزَقها، فولَدت غلامًا فسمَّته
شمعونَ ، تَقُولُ : اللّهُ تعالى سمِع دعائىَ.
حدَّثنى بذلك(٢) موسى، قال: حدَّثنا عمرو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن
الشُدِّىّ(٣) .
فكأن ((شمعون)) فعلُون عندَ السُّدِّئِّ مِن قولِها(4): سمِع اللّهُ دعاءَها .
حدَّثنا القاسمُ ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ،
عن مجاهدٍ قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَاء مِنْ بَنِيِّ إِسْرَِّيلَ مِنْ بَعْدٍ مُوسَىَ إِذْ قَالُوْ لِنَبٍِ
لَّهُمُ ﴾. قال: شمؤلُ(٥).
وقال آخرون : بل الذى سأله قومُه مِن بنى إسرائيلَ أن يَبْعثَ لهم ملِكًا يُقَاتِلون
(١) أخرجه المصنف فى تاريخه مطولاً ١/ ٤٦٩، ٤٧٠، وأخرجه ابن أبى حاتم ٤٦٣/٢ (٣٤٤٣) من طريق
إسماعيل به وعنده أشمويل .
(٢) سقط من النسخ .
(٣) أخرجه المصنف فى تاريخه مطولا ٤٦٧/١، وأخرجه ابن أبى حاتم ٤٦٣/٢ (٢٤٤٧) من طريق
عمرو به .
(٤) بعده فى ص: ((إنه)) .
(٥) فى م، س: ((شمعون)).
والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٥/١ إلى المصنف.
٤٣٧
سورة البقرة الآية : ٢٤٦
فى سبيلِ اللّهِ يوشعُ بنُ نونِ بنِ أفرائيمَ(١) بنِ يوسفَ بنِ يعقوبَ بنِ إسحاقَ بنِ
إبراهيمَ .
حدَّثنى بذلك الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ،
عن قتادةً فى قولِه: ﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ﴾. قال: كان نبيُّهم الذى بعدَ موسى
يوشعَ بنَ نونٍ ، قال: وهو أحدُ الرجلين اللذين أنعَم اللّهُ عليهما(٢).
وأما قولُه: ﴿ أَبْعَثْ لَنَا مَلِكًا تُقَتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾. فاختلَف أهلُ
التأويلِ فى السببِ الذى مِن أجلِه سأل الملأُّ مِن بنى إسرائيلَ نبيَّهم ذلك؛ فقال
بعضُهم: كان سببَ مسألتِهم إياه ما حدَّثنا به محمدُ بنُ حميدٍ ، قال : حدَّثنا سلمةٌ
بنُ الفضلِ ، قال: حدَّثنى محمدُ ابنُ إسحاقَ، عن وهبٍ بن مُنَبِّهٍ قال : خلَف بعدَ
موسى فى بنى إسرائيلَ يوشَعُ بنُ نونٍ يُقِيمُ فيهم التوراةَ وأَمْرَ اللّهِ حتى قبَضَه اللّهُ، ثم
خلَف فيهم كالبُ بنُ يوفقًا (٢) يُقِيمُ فيهم التوراةَ وأَمْرَ اللّهِ حتى قبضه اللّه تعالى، ثم
خلَف فيهم حزقيلُ بنُ بوزى، وهو ابنُ العجوزِ، ثم إن اللّهَ قبَض حزقيلَ، وعظُمت
فى بنى إسرائيلَ الأحداثُ، ونسُوا ما كان مِن عهدِ اللّهِ إليهم، حتى نصَبوا الأوثانَ
وعبّدوها مِن دونِ اللّهِ، فبعَث اللّهُ إليهم إلياسَ ابنَ تَسبى (١) بنِ فِنحاصَ بنِ العيزارِ بنِ
هارونَ بنِ عمرانَ نبيًّا ، وإنما كانت الأنبياءُ مِن بنى إسرائيلَ بعدَ موسى يُتْعَثون إليهم
بتجديدِ ما نَسُوا مِن التوراة ، وكان إلياسُ مع ملِكِ مِن ملوكِ بنى إسرائيلَ يُقالُ له :
(١) فى م: ((أفراثيم)).
(٢) تفسير عبد الرزاق ٩٧/١ - ومن طريقه ابن عساكر فى تاريخ دمشق ٤٤٠/٢٤ - وأخرجه ابن أبى حاتم
فى تفسيره ٤٦٣/٢ (٢٤٤٢) عن الحسن بن يحيى به .
(٣) فى م، س: ((يوقنا)).
(٤) فى م، س: ((يسى)). وينظر البداية والنهاية ٢/ ٢٧٢.
٤٣٨
سورة البقرة الآية : ٢٤٦
أحابُ (١) . وكان يَسْمَعُ منه ويُصَدِّقُه، فكان إلياسُ يُقِيمُ له أمرَه ، وكان سائرُ بنى
إسرائيلَ قد اتَّخَذُوا صنمًا يَعْبُدونَه مِن دونِ اللّهِ، فجعَل إلياسُ يَدْعُوهم إلى اللّهِ،
وجعَلوا لا يَسْمَعُون منه شيئًا ، إلا ما كان مِن ذلك الملكِ، والملوكُ مُتَفَرَّقَةٌ بالشامِ،
كلُّ مَلِكِ له ناحيةٌ منها يَأْكُلُها ، فقال ذلك الملكُ الذى كان إلياسُ معه يُقَوِّمُ له أمرَه ،
ويَرَاه على هُدَّى مِن بينِ أصحابهِ، يومًا: يا إلياسُ، واللّهِ ما أرَى ما تَدْعُو إليه الناسَ إلا
باطلًا، واللّهِ ما أرى فلانًا وفلانًا - يُعَدِّدُ مُلوكًا مِن ملوكٍ بنى إسرائيلَ قد عبَدوا
الأوثانَ مِن دونِ اللّهِ - إلَّ على مثل ما نحن عليه، يَأْكُلُون ويَشْرَبُون ويَتَنَّمُون ،
ثُمَّكين(٢) ، ما يَنْقُصُ مِن دنياهم "أمرُهم الذى تَزْعُمُ أنه باطلٌ" ، وما نَرَى لنا عليهم
مِن فضلٍ. فيَرْعُمون - والله أعلم - أن إلياسَ اسْتوجع، وقام شعرُ رأسِه وجلدِه، ثم
رفَضه وخرَج عنه، ففعَل ذلك الملكُ فِعْلَ أصحابِهِ، عبَد الأوثانَ، وصنَع ما
يَصْنَعون. ثم خَلَف مِن بعدِه فيهم اليَسَعُ، فكان فيهم ما شاء اللّهُ أَن يَكُونَ، ثَم قِبَضه
اللّهُ إليه، وخلَفت فيهم الخُلُوفُ، وعظُمت فيهم الخطايا، وعندَهم التابوتُ
يَتَوارثونه كابرًا عن كابرٍ، فِيه السَّكينةُ وبقيةٌ مما ترَك آلُ موسى وآلُ هارونَ ، وكانوا لا
٥٩٧/٢ يلقاهم عدوٌ، فَيُقَدِّمُون التابوتَ وَيَزْحَفُون به معهم، إلا هزَم اللّهُ ذلك العدوَّ. /ثم
خلَف فيهم ملِكٌ يُقالُ له: إيلاءُ(٤). وكان اللّهُ قد بارَك لهم فى جبَلِهِم مِن إيلياءَ، لا
يَدْخُلُه عليهم عدوٌ ، ولا يحتاجون معه إلى غيرِهِ ، وكان أحدُهم فيما يَذْكُرُون يَجْمَعُ
الترابَ على الصخرةِ ، ثم يَتْبِذُ فيه الحبَّ، فيُخْرِجُ اللّهُ له ما يَأْكُلُ سنتَه هو وعيالُه ،
ويَكُونُ لأحدِهم الزيتونةُ فيَعْتَصِرُ منها ما يَأْكُلُ هو وعيالُه سنتَه، فلما عظُمت
(١) فى م: ((أخاب))، وفى س: ((أجاب)).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((ملكين))، وفى م: ((مالكين)). والمثبت من تاريخ المصنف.
(٣ - ٣) سقط من النسخ، والمثبت من تاريخ المصنف.
(٤) فى تاريخ المصنف: ((إيلاف)).
٫٠٠
٤٣٩
سورة البقرة الآية : ٢٤٦
أحداثُهم ، وترَكوا عهدَ اللّهِ إليهم، نزَل بهم عدوٌّ، فخرَجوا إليه، وأخرَجوا معهم .
التابوتَ كما كانوا يُخْرِجُونه ، ثم زحَفوا به، فقُوتِلوا حتى اسْتُلِب مِن بين أيدِيهم،
فأتى مَلِكُهم إيلاءُ، فأُخبِر أن التابوتَ قد أَخِذ واسْتُلِب، فمالت عنقُه، فمات كَمَدًا
عليه، فمرَّج أمرُهم عليهم، ووَطِئَهم عدوُهم حتى أَصِيبَ مِن أبنائِهم ونسائِهم،
ءُ
وفيهم نبيِّ لهم قد كان اللّهُ بعَثه إليهم - فكانوا لا يَقْبَلون منه شيئًا - يقالُ له :
شَمْويلُ، وهو الذى ذكَر اللّهُ لنبيِّه محمدٍ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلاَّ مِنْ بَنِىّ إِسْرَّهِيلَ مِنْ
بَعْدِ مُوسَىّ إِذْ قَالُواْ لِنَبِيِ لَّهُمُ أَبْعَثْ لَنَا مَلِكًا تُقَتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾. إلى
قوله: ﴿ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَرِنَا وَأَبْنَآئِنَا﴾. يَقولُ اللّهُ: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ
اُلْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةً لَّكُمْ إِن
كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾.
قال ابنُ إسحاقَ: فكان مِن حديثهم فيما حدَّثنى به بعضُ أهلِ العلمِ عن
وهبِ بنِ مُنَبِّهِ ، أنه لما نزَل بهم البلاءُ، ووُطِئَتْ بلادُهم، كلِّموا نبيَّهم شَهْوِيلَ بنَ
بالى، فقالوا: ابْعَثْ لنا ملِكًا نُقَاتلْ فى سبيلِ اللهِ . وإنما كان قِوامُ بنى إسرائيلَ
الاجتماعَ على الملوكِ، وطاعةً الملوكِ أنبياءَهم ، وكان الملِكُ هو يَسيرُ بالجموع والنبىُّ
يُقَوِّمُ له أمرَه، ويَأْتِيه بالخبرِ مِن ربِّه، فإذا فعلوا ذلك صلَح أمرُهم ، فإذا عَتَتْ مُلوكُهم
وترَكوا أمرَ أنبيائهم فسَد أمرُهم، فكانت الملوكُ إذا تابَعتها الجماعةُ على الضلالةِ
ترَكوا أمرَ الرسلِ ؛ ففريقًا يُكَذِّبون فلا يَقْبَلون منه شيئًا، وفريقًا يَقْتُلون، فلم يَزَلْ ذلك
البلاءُ بهم حتى قالوا له : ابْعَثْ لنا مَلِكًا نُقَاتِلْ فى سبيلِ اللهِ . فقال لهم: إنه ليس
عندَ كم وفاءٌ ولا صِدقٌ ولا رَغْبَةٌ فى الجهادِ . فقالوا : إنما كنا نَهابُ الجهادَ ونَزْهَدُ فیه
أنا كنا ممنوعِين فى بلادِنا، لا يَطَؤُّها أحدٌ ، فلا يَظْهَرُ علينا فيها عدوٌّ، فأما إذ بلَغ
(١) سقط من : ص ، س .
٤٤٠
سورة البقرة الآية : ٢٤٦
ذلك، فإنه لابُدَّ مِن الجهادِ ، فتُطِيعُ ربَّنا فى جهادٍ عدوِّنا، وَمْنَعُ أبناءنا ونساءَنا
وذَرارِيّا(١) .
حدِّثت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الربيعِ
فى قولِه: ﴿أَلَمّ تَرَ إِلَى الْمَلَاٍ مِنْ بَنِىّ إِسْرَّوِيلَ﴾ إلى ﴿وَاَللَّهُ عَلِيمٌْ بِالظَّلِينَ﴾.
قال الربيعُ: ذكِر لنا - واللهُ أعلم - أن موسى لما حضَرته الوفاةُ ، استخلَف فتاه يُوشَعَ
ابنّ نونٍ على بنى إسرائيلَ، وأن يُوشَعَ بنَ نونٍ سار فيهم بکتابِ اللّهِ - التوراةِ - وسُنَّةِ
نبيِّه موسی ، ثم إن يُوشعَ بنَ نوٍ تُوِّی ، واستخْلِفَ فيهم آخرُ، فسار فيهم بكتابٍ
اللّهِ وسُنَّةِ نبيِّه موسى عَّ ◌َلَه، ثم اشْتُخْلِف آخرُ، فسار فيهم بسيرةٍ صاحبيه، ثم
اسْتُخْلِف آخر فعرفوا وأنكروا، ثم اسْتُخْلِف آخرُ فأنكرَوا عامةً أمرِه، ثم اسْتُخْلِف
آخرُ فأنكروا أمرَه كلَّه، ثم إن بنى إسرائيلَ أتَوا نبيًّا مِن أنبيائهم حينَ أُوذُوا فى
أَنْفُسِهم(١) وأموالهم، فقالوا له : سل ربَّك أن يَكْتُبَ علينا القتالَ . فقال لهم ذلك
النبىُّ: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا نُقَتِلُواْ﴾ إلى قولِه:
﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَالَهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾(١).
حدَّثنا القاسمُ ، قال: حدَّثنا الحسينُ ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابن جريج فى
٥٩٨/٢ قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى / الْمَلَاِ مِنْ بَنِّ إِسْرَِّيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَىّ إِذْ قَالُواْ لِنَبِ لَّهُمُ أَبْعَثْ
لَنَا مَلِكًا﴾. قال: قال ابنُ عباسٍ: هذا حينَ رُفِعَت التوراةُ واسْتُخْرِجَ أهلُ
الإِيمانِ ، وكانَت الجبابرةُ قد أخْرَ حَتْهم مِن ديارِهم وأبنائِهم(٤).
(١) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ٤٥٩، ٤٦٠، ٤٦١ - ٤٦٤.
(٢) فى م: ( نفوسهم )) .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٣/١، ٣١٤ إلى المصنف.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٤/١ إلى المصنف وابن المنذر.