Indexed OCR Text
Pages 681-700
٦٨١ سورة البقرة : الآية ٢١٩ سعيدِ بنِ جُبيرٍ ، قال: لما نزَلتْ: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ﴾ فكرِهَها قومٌ لقولِه: ﴿فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾. وشَرِبها قومٌ لقوله: ﴿ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ﴾ حتى نزَلتْ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ اُلََّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ ﴾ [ النساء: ٤٣]. قال: فكانوا يدَعونَها فى حينِ الصلاةِ ويشْربونَها فى غيرِ حينِ الصلاةِ، حتى نزلتْ : ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا اُلْخَتُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ ﴾ [المائدة: ٩٠]. فقال عُمرُ: ضَيْعةً لكِ! اليومَ قُرِئْتِ بالميسرِ (١). حدَّثنى محمدُ بنُ مَعمرٍ ، قال : ثنا أبو عامرٍ ، قال : ثنا محمدُ بنُ أبى حُميدٍ ، عن أبى تَوبةَ المصرىِّ، قال: سمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ عُمرَ يقولُ: أنزلَ اللهُ عزَّ وجلَّ فى الخمرِ ثلاثًا، فكان أولَ ما أَنزِلَ: ﴿يَسْلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ الآية. فقالوا: يا رسولَ اللهِ، ننتفعُ بها ونشْربُها كما قال اللهُ جلَّ وعزَّ فى كتابِهِ. ثم نزَلَت هذه الآيةُ: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الضَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ ◌ُكَرَى﴾ الآية. قالوا: يا رسولَ اللهِ ، لا نشربُها عند قُربِ الصلاةِ. قال: ثم نزَلَتْ: ﴿ إِنََّا الْخَّرُ وَاُلْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ الآية. قال: فقال رسولُ اللهِ عَهِ: ((حُرَّمَتِ الخَمْرُ))(١). حدثنا ابنُ حُميدٍ ، قال : ثنا يحيى بنُ واضح، قال : ثنا الحسينُ، عن يزيدَ (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٧/٢ إلى المصنف. (٢) أخرجه الطيالسى (٢٠٦٩)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٨٩/٢، ١١٩٩/٤ (٢٠٤٦، ٦٧٦٢)، والبيهقى فى الشعب (٥٥٦٩) كلهم من طريق محمد بن أبى حميد به. وفى سند الطيالسى وابن أبى حاتم والبيهقى: ((أبو طعمة)) بدلًا من أبى توبة، قال ابن عساكر - كما فى مختصر تاريخ دمشق ٢٠٣/٢٨: وأبو توبة هذا لم أجد له ذكرًا فى كتاب من الكتب المشهورة . وقال الشيخ شاكر: أبو توبة المصرى : لا يوجد راو بهذا الاسم، وإنما هو من تخليط محمد بن أبى حميد. وصحته أبو طعمة الأموى . ٦٨٢ سورة البقرة : الآية ٢١٩ ٣٦٢/٢ النحوىِّ، عن عكرمةَ / والحسنِ، قالا: قال اللهُ: ﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الضَلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ﴾ و﴿ يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِّ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَّاً﴾ فنسخَتْها الآيةُ التى فى ((المائدةِ)) فقال: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنََّا الْخَمُرُ وَاَلْمَيْسِرُ﴾ الآية . حدثنا ابنُ بشارٍ، قال : ثنا عبدُ الوهابِ ، قال: ثناعوفٌ ، عن أبى القَمُوصِ زیدِ ابنِ علىٍّ، قال: أنزلَ اللهُ عزَّ وجلَّ فى الخمرِ ثلاثَ مراتٍ ؛ فأولُ ما أَنزل قال اللهُ: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَّاً أَكْبُ مِن نَّفْعِهِمًا﴾ . قال : فشرِبها من المسلمین من شاءَاللهُ منهم على ذلك ، حتى شرِبَ رَجُلان ، فدخَلا فى الصلاةِ ، فجعَلا يهْجُران كلامًا ، لا يدْرِى عوفٌ ما هو، فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ فيهما: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الضَّلَوةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ﴾ فشَرِبها من شَرِبها منهم، وجعَلوا يَتَّقُونَها عندَ الصلاةِ ، حتى شرِبَها - فيما زَعَم أبو القَمُوصِ - رجلٌ، فجعَل ينوحُ على قتلَى بدرٍ(١) : وهلْ لكِ بعدَ رَهْطِكِ من سَلامِ تُحَيِّى بِالسَّلامَةِ أُمُ عَمْرٍو رأيْتُ المَوْتَ نَقَّبَ عَنْ هِشامٍ ذَرِيِنى أَصْطَيِخْ بَكْرًا فإنّى بألْفٍ مِنْ رجالٍ أَوْ سَوَامٍ(١) وَوَدّ بَنُو الْمُغِيرَةِ لَوْ فَدَوْهُ (١) الأبيات دون الثانى والثالث فى سيرة ابن هشام ٢٩/٢ لأبى بكر بن الأسود بن شعوب، وكذا نسب البيت الثانى له مصعب فى نسب قريش ص ٣٠١، ونسب البيت الثانى والثالث فى الاشتقاق ص ١٠١ والوحشيات ص ٢٥٧ لبحير بن عبد الله القشيرى. وأورد البخارى فى صحيحه ٨٣/٥ البيت الأول والرابع والخامس. وفى هذه المصادر اختلاف كثير فى الرواية والترتيب عما هنا . (٢) السوام: الإبل الراعية. اللسان (س وم). ٦٨٣ سورة البقرة : الآية ٢١٩ مِنَ الشِّيزَى(٢) يُكَلَّلُ بِالسَّنامِ [٢٥٦/١و] كأنى بالطّوِىِّ(١) طَوِىِّ بَدْرٍ مِنَ الفِتْيانِ والحُلَلِ الكِرَامِ كأنى بالطّوِىِّ طَوِىِّ بَدْرٍ قال: فبلغ ذلك رسولَ اللهِ مَّه، فجاء فَزِعًا يَجُرُّ رِدَاءَه من الفزعِ حتى انتهَى إليه ، فلمَّا عاينَه الرجلُ، فرفَع رسولُ اللهِ عَظَلِ شيئًا كان بيدِه ليضرِبَه، قال: أعوذُ باللهِ مِن غَضَبِ اللهِ ورسولِه، واللهِ لا أطعَمُها أبدًا. فَأَنزَل اللهُ تحريمَها: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَمَنُواْ إِنَّمَا الْخَفُرُ وَاَلْمَيْسِيرُ ﴾ إلى قولِه: ﴿فَهَلْ أَنْتُم مُّنَهُونَ ﴾ . فقال عمرُ بنُ الخطابِ رضِى اللهُ عنه: انتهَينا انتَهَينا(٣). حدثنا سفيانُ بنُ وكيع، قال : ثنا إسحاقُ الأزرقُ، عن زكريّا ، عن سِماكٍ، عن الشعبىِّ، قال: نزَلتْ فى الخَمرِ أربعُ آياتٍ: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِّرِّ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ﴾ فترَكوها، ثم نزلتْ: ﴿ نَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَڪَرًا وَرِزْقًا حَسَنَا﴾ [النحل: ٦٧]. فشرِبوها، ثم نزلتِ الآيتان فى ((المائدة)): ﴿ إِنَّمَا الْخَّرُ وَاُلْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزَُْ﴾ إلى قولِه: ﴿فَهَلْ أَنْتُم مُّنَهُونَ﴾(١). حدثنى موسى بنُ هارونَ، قال : ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال : ثنا أسباطُ ، عن الشُدىِّ، قال: نزَلَتْ هذه الآيَةُ: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ﴾ الآية . فلم (١) الطوى: البئر المطوية بالحجارة . اللسان (ط وى). (٢) الشيزى : جفان تصنع من خشب ، وإنما أراد أصحابها الذين يطعمون فيها. شرح غريب السيرة ٢/ ٧٦. (٣) الإصابة ٧/ ٤٥، وبعض المصادر تنسب هذا الشعر لأبى بكر الصديق رضى الله عنه . وقال الشيخ شاكر: زيد بن على أبو القموص تابعى ثقة قليل الحديث ، وروايته هذه مرسلة، لا تقوم بها حجة، وقد أشار إليها الحافظ فى الإصابة ٤٥/٧ وأنه رواها الفاكهى فى تاريخ مكة ، عن يحيى بن جعفر، عن على بن عاصم، عن عوف بن أبى جميلة، عن أبى القموص، وجزم بتضعيفها ، لمعارضتها بما رواه الفاكهى نفسه، من وجه صحيح، عن عائشة، قالت : والله ما قال أبو بكر بيت شعر فى الجاهلية ولا الإسلام ، ولقد ترك هو وعثمان شرب الخمر فى الجاهلية . (٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٧/٢ إلى المصنف. ٦٨٤ سورة البقرة : الآية ٢١٩ ٣٦٣/٢ يزالوا بذلك يشرَبُونَها، حتى صنَع عبدُ الرحمنِ / بنُ عوفٍ طعامًا ، فدعا ناسًا من أصحابِ النبيِّ ◌َّهِ، فيهم علىُّ بن أبى طالبٍ، فقرَأُ: ﴿قُلّ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾ ولم يفهَمْها، فأنزل اللهُ عزّ وجلَّ يشدِّدُ فى الخمرِ: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ اُلْضَلَوْةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ﴾ فكانت لهم حلالاً ، يشربون من صلاةِ الفجرِ حتى يرتفِعَ النهارُ أو ينتصفَ، فيقومون إلى صلاةِ الظهرِ وهم مُصْحُون، ثم لا يشرَبونَها حتى يصلُّوا العَتَمَةَ - وهى العشاءُ - ثم يشربونها حتى ينتصِفَ الليلُ وينامون ، ثم يقومون إلى صلاةِ الفجرِ وقد صَحُوا، فلم يزالُوا بذلك يشربونها، حتى صنَع سعدُ بنُ أبى وقاصٍ طعامًا، فدعا ناسًا من أصحابِ النبيِّ عَ لَه فيهم رجلٌ من الأنصارِ، فشوَى لهم رأسَ بعيرٍ ثم دعاهُم عليه ، فلما أكُلُوا وشرِبوا من الخمرِ ، سَكِرُوا وأخذوا فى الحديثِ، فتكلّم سعدٌ بشىءٍ، فغضِبَ الأنصارىُّ، فرفَع لَحْىَ البعيرِ (١) فكسر أنفَ سعدٍ، فأنزلَ اللهُ نسخَ الخمرِ وتحريمَها ، وقال: ﴿ إِنَّمَا الْخَفُرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ﴾. إلى قولِه: ﴿فَهَلْ أَنْثُم (١) مُنَهُونَ ﴾(١). حدثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال : أخبرنا عبدُ الرزّاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ، وعن رجلٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ . قالا : لما نزَلتْ هذه الآيةُ شَرِبها بعضُ الناسِ وترَكَها بعضٌ، حتى نزَل تحريمُها فى سورةِ (( المائدةٍ))(٢) . حدثنا محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن (١) لحى البعير: مفرد اللَّخيين، وهما حائطا الفم، وهما العظمان اللذان فيهما الأسنان من داخل الفم من کل ذی نَخْی یکون للإنسان والدابة . اللسان (ل ح ی). (٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٨٨. ٦٨٥ سورة البقرة : الآية ٢١٩ ابنِ "أبِى تَجِيحِ()، عن مجاهدٍ: ﴿قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾. قال: هذا أوّلُ ما عِيبَتْ به الخَمرُ(٢). حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال : ثنا يزيدُ بنُ زُريع، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ قولَه : يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ﴾: فذمَّهما اللهُ ولم يحرِّمْهما ، لِمَا أراد أن يبلُغَ بهما من المدةِ والأجَلِ ، ثم أَنزَل اللهُ فى سورةٍ ((النساءِ)) أشدَّ منها: ﴿لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَتّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ ﴾ فكانوا يشرَبونها ، حتى إذا حضَرت الصلاةُ سكتُوا عنها ، فكان الشكر عليهم حرامًا، ثم أنزلَ اللهُ جلَّ وعزَّ فى سورةِ ((المائدةِ)) بعدَ غَزْوةِ الأحزابِ: ﴿يَأَيُّهَا اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنََّا الْخَفُرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى قولِه (١): ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ فجاء تحريمُها فى هذه الآيةِ قليلِها وكثيرِها ، ما أسكر منها وما لم يُسكِرْ، وليس للعَربِ يومئذٍ عيشٌ أعجبَ إليهم منها . وتحدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِيْرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمًا﴾. قال: لما نزَلتْ هذه الآيةُ قال رسولُ اللهِ عَهِ: ((إنّ رَبَّكم يُقَدِّمُ فى تَحْرِيمِ الخَمْرِ )). قال: ثم نزَلتْ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ اُلْضَلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ﴾. قال النبيُّ ◌َّهِ: ((إنَّ رَبَّكُمْ يُقَدِّمُ فى تَحْرِيمِ الخَمْرِ )). قال: ثم نزَلتْ: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ (١ - ١) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((جريج)). (٢) تقدم تخريجه فى ٦٧٥ ، ٦٧٦ . (٣) زيادة من: ت ٢٠. (٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٨/٢ إلى المصنف وابن المنذر. ٦٨٦ سورة البقرة : الآية ٢١٩ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَأَجْتَنِبُوهُ﴾. فحرِّمت الخَمرُ عندَ ذلك(١). حدثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿يَسْئَلُونَكَ ٣٦٤/٢ عَنِ الْخَمْرِ / وَالْمَيْسِرِ ﴾ الآية كلها، قال: نُسِختْ ثلاثةً؛ فى سورةِ ((المائدةِ))، وبالحدِّ الذى حدَّ النبىُّ عَ لّه، وضَرْبِ النبيِّ ◌َِّ. قال: كان النبىُّ عَ لَّهِ يَضْرِبُهم بذلك حدًّا ، ولكنه كان يعمَلُ فى ذلك برأيه، ولم يكنْ حدًّا مُسمَّى، وهو حدٌّ . وقرَأ: ﴿ إِنَّمَا الْخَتُرُ وَالْمَيْسِيرُ ﴾ الآية. القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَيَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوُّ يعنى جلَّ ذكره بذلك: ويسأَلُكَ يا محمدُ أصحابُك: أَىَّ شىءٍ ينفقون من أموالهم فيتصدَّقون به، فقل لهم يا محمدُ : أَنفِقوا منها العفْوَ. واختلَفَ أهلُ التأويلِ فى معنى: ﴿اٌلْعَفْوِّ﴾ فى هذا الموضع؛ فقال بعضُهم: معناه الفضلُ . ذِكرُ مَن قال ذلك حدثنا عَمرُو بنُ علىِّ الباهلىُّ ، قال : ثنا وكيعٌ، وحدثنا ابنُ وكيعٍ، قال : ثنا أبى ، عن ابنٍ أبى ليلى، [٢٥٦/١ظ] عن الحكم، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: اٌلْعَفْوُّ﴾: ما فضَلَ عن أهلِكَ (٢). حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قُلِ (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٨/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد. (٢) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٣٦٥ - تفسير)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٩٣/٢ (٢٠٦٩)، والطبرانى (١٢٠٧٥)، وأبو جعفر النحاس فى ناسخه ص ١٨٩، والبيهقى فى الشعب (٣٤١٥) من طريق ابن أبى ليلى به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٣/٢ إلى وكيع وعبد بن حميد وابن المنذر. ٦٨٧ سورة البقرة : الآية ٢١٩ اُلْعَفْوُ﴾. أى: الفضْلَ. حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزّاقِ ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ ، قال : هو الفضلُ (١) . حدثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا عبدُ الملكِ ، عن عطاءٍ فى قوله: ﴿اَلْعَفْوُّ﴾. قال: الفضلَ(١). حدثنا موسى بنُ هارونَ ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمَّادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ، قال: ﴿الْعَفْوُّ﴾. يقولُ: الفضلَ(٣) . حدثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه : ﴿وَ يَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوُّ﴾. قال: كان القومُ يعملُون فى كلّ يومٍ بما فيه، فإن فضَلَ ذلك اليومَ فضلٌ عن العيالِ قدَّموه ، ولا يتركُون عيالَهم جُوَّعًا ويتصدّقون به علی الناسٍ . حدثنا عمرُو بنُ علىٍّ ، قال : ثنا يزيدُ بنُ زُرَيع ، قال : ثنا يونسُ ، عن الحسنِ فى قولِه: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ اَلْعَفْوُّ﴾. قال: هو الفضْلُ؛ فضْلُ المالِ(٤). وقال آخرون : معنى ذلك: ما كان عَفْوًا لا يَبينُ على مَن أنفقَه أو تصَدَّق به . ذِكرُ من قال ذلك حدثنى علىُّ بنُ داودَ ، قال : ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، (١) تفسير عبد الرزاق ٨٨/١. (٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣٦٤ - تفسير) من طريق عبد الملك به . (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٩٤/٢ (٢٠٧٤) من طريق عمرو بن حماد به . (٤) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٩٣/١ عقب الأثر (٢٠٦٩) معلقًا . ٦٨٨ سورة البقرة : الآية ٢١٩ عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَيَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوُّ﴾. يقولُ: ما لا يَتَبِيَّنُ فى أموالِكم(١). حدثنى محمدُ بنُ عمرٍو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابنِ مجريجٍ ، عن طاوسٍ فى قولِ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوُّ﴾. قال : اليسيرَ من كلِّ شيءٍ(٢). وقال آخرون: معنى ذلك : الوسطُ من النَّفقةِ ، ما لم يكنْ إسرافًا ولا إِقْتارًا. ٣٦٥/٢ / ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ بَزِيعِ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ ، عن عوف ، عن الحسنِ فى قوله: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوُ﴾. يقولُ : لا تُجْهِدْ مالَك حتى يَنْفَدَ للناسِ (). حدثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجْ، عن ابنٍ جُرَيْجٍ ، قال : سألتُ عطاءً عن قولِه: ﴿ وَيَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوُّ﴾. قال: العفوُ فى النفقةِ ألا تُجْهِدَ مَالَك حتى يَنْفَدَ فتسألَ الناسَ . حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حَجَّاجْ، عن ابنِ ◌ُرَيْچٍ، قال: سألتُ عطاءً عن قولِه: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوُّ﴾. قال : العفوُما (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٩٤/٢ (٢٠٧٣)، وأبو جعفر النحاس فى ناسخه ص ١٨٨، من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٣/١ إلى ابن المنذر. (٢) تفسير مجاهد ص ٢٣٣ - ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٩٣/٢ (٢٠٧٠) - من طريق ابن أبى نجيح عن طاوس، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٣/١ إلى عبد بن حميد. (٣) أخرجه ابن زنجويه فى الأموال (٢٣٥٠)، وعبد بن حميد فى تفسيره - كما فى تفسير ابن كثير ٣٧٣/١ - من طريق عوف به . ٦٨٩ سورة البقرة : الآية ٢١٩ لم يُشْرِفوا، ولم يَقْتُرُوا فى الحَقِّ. قال: وقال مجاهدٌ: العفوُ صدقةٌ عن ظهْرٍ غِنَّى. حدثنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: ثنا يحيى بن سعيدٍ ، قال: ثنا عوفٌ ، عن الحسنِ فى قوله: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوُّ﴾. قال: هو ألا تُجْهِدَ مَالَك. وقال آخرون: معنى ذلك: ﴿قُلِ اَلْعَفْوُّ﴾: خُذْ منهم ما أتَوْك به مِن شىءٍ *= (١) قليلاً أو (١) كثيرًا . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنى أبى ، عن أبيه ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوُّ﴾. يقولُ: ما أَتَوْك به مِن شىءٍ قليلٍ أو كثيرٍ، فَاقْتَلْه منهم . وقال آخرون: معنى ذلك : ما طاب مِن أموالِكم . ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثْتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع قولَه: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَّ﴾. قال: يقولُ: الطيبَ منه. يقولُ: أفضلُ مالِك وأطيبّه(٢) . حُدِّثْتُ عن عمَّارِ بنِ الحسنِ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن قتادةَ ، قال: كان يقولُ: ﴿اَلْعَفْوُّ﴾: الفضلَ. يقولُ: أفضلَ مالِك. وقال آخرون : معنى ذلك : الصدقةُ المفروضةُ . (١) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((و)). (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٩٣/٢ (٢٠٧١) من طريق ابن أبى جعفر به. ( تفسير الطبرى ٤٤/٣ ) ٦٩٠ سورة البقرة : الآية ٢١٩ ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عَمرٍو ، قال : ثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن ابنِ أبى نَجِيحِ، عن قيسٍ بنِ سعدٍ - أو عيسى ، عن قيسٍ - عن مجاهدٍ - شكٌّ أبو عاصم - قولَ اللهِ جلّ وعزّ: ﴿قُلِ اَلْعَفْوُّ﴾. قال: الصدقةَ المفروضةَ(١). وأَوْلى هذه الأقوالِ بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى العفوِ: الفضلُ مِن مالٍ الرجلِ عن نفسِه وأهلِه فى مُؤَنِهم(١) وما لا بُدَّ لهم منه، وذلك هو الفضلُ الذى تظاهرت به الأخبارُ عن رسولِ اللهِ صَ لّهِ بالإذنِ فى الصدقةِ، وصدقتُهُ ) فى وجوهِ البِرِّ . ٣٦٦/٢ / ذكرُ بعضِ الأخبارِ التى رُوِيت عن رسولِ اللَّهِ عَمٍ بذلك حدَّثنا علىُ بنُ مسلم ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن ابنٍ عَجْلانَ، عن المَقْبُرِىِّ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، عندى دينارٌ. قال: ((أَنْفِقْه على نفسِكَ)). قال: عندى آخَرُ. قال: ((أَنفِقْه على أهلِك)). قال: عندى آخَرُ. قال: ((أَنْفِقْه على ولدِك)). قال: عندى آخَرُ. قال: ((فأنت أَبْصَرُ)) (٤) . (١) تفسير مجاهد ص ٢٣٣، ومن طريقه أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٩٣/٢ (٢٠٧٢)، والنحاس فى ناسخه ص ١٨٨، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٩٣/٢ (٢٠٧٢) من طريق قيس به . (٢) فى م: ( مؤنتهم). (٣) فى النسخ: ((صدقة)). وينظر تعليق الشيخ شاكر. (٤) أخرجه البيهقى ٧ / ٤٦٦، والبغوى فى شرح السنة (١٦٨٦) من طريق أبى عاصم به، وأخرجه الشافعى ٢/ ١٢١، والحميدى (١١٧٦)، وأحمد ٢/ ١٠٤/١٦،٣٨١ (٧٤١٩، ١٠٠٨٦)، والبخارى فى الأدب المفرد (١٩٧)، وأبو داود (١٦٩١)، والنسائى (٢٥٣٤)، وابن حبان (٤٢٣٣)، والحاكم ٤١٥/١، والبيهقى ٧/ ٤٦٦، والبغوی (١٦٨٥) من طرق عن ابن عجلان به . ... ٦٩١ سورة البقرة : الآية ٢١٩ حدَّثنى محمدُ بنُ مَعْمَرِ البَحْرانىُ، قال: ثنا رَوْحُ بنُ عُبادةَ، قال : ثنا ابنُ مجرَّيْجِ، قال: أخبرَنى أبو الزُّبَيْرِ، أنه سمِع جابرَ بنَ عبدِ اللهِ يقولُ: قال رسولُ اللهِ عَ لَّهِ: ((إِذا كان أحدُكم فقيرًا فَلْيَبْدَأْ بنفسِه، فإن كان له فضلٌ فَلْيَبْدَأُ معَ نفسِه بَمَن يَعُولُ، ثم إن وجَد فضلاً بعدَ ذلك فَلْيَتَصَدَّقْ على غيرِهم)) (١). حدثنا عَمرُو بنُ علىٍّ، قال : ثنا يزيدُ بنُ هارونَ ، قال : ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ ، عن عاصمِ بنِ عمرَ بنِ قتادةَ، عن محمودِ بنِ لَبِيدٍ ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، قال: أُتَّى رسولَ اللهِ وَِّ رجلٌ ببيضةٍ من ذهبٍ أصابها فى بعضِ المعادنِ ، فقال: يا رسولَ اللهِ ، خُذْهذه منى صدقةً ، فواللهِ ما أصبحتُ أَمْلِكُ غيرَها . فأعْرَض عنه ، فأتاه مِن ر كنه الأيمن ، فقال له مثلَ ذلك ، فأغْرَض عنه ، ثم قال له مثل ذلك ، فأعرض عنه، ثم قال له مثلَ ذلك، فقال: ((هاتِها)). مُغْضَبًا، فأخَذها فحذَفه بها [٢٥٧/١ و] حذفةً لو أصابه شجَّه أو عقَره، ثم قال: ((يَجِىءُ أحَدُكم بمالِهِ كلِّه يَتَصَدَّقُ به ويَجْلِسُ يَتَكَفَّفُ الناسَ، إنما الصَّدقةُ عن ظَهْرِ غِنَّى)) (١). حدَّثنا محمدُ بنُ المثَنَّى ، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ ، قال : ثنا شعبةُ ، عن إبراهيمَ الهَجَرىِّ(٤)، قال: سمِعتُ أبا الأحوصِ يُحَدِّثُ عن عبدِ اللهِ، عن النبيِّ ◌َلِّ أنه قال: (١) أخرجه الشافعى ١٣٢/٢ - ومن طريقه البيهقى ٣٠٩/١٠ - من طريق ابن جريج به، وأخرجه الطيالسى (١٨٥٤)، وأحمد ١٧٣/٢٢ (١٤٢٧٣)، ومسلم (٩٩٧)، وأبو داود (٣٩٥٧)، والنسائى (٢٥٤٥، ٤٦٦٦) من طرق عن أبى الزبير به . (٢) فى النسخ: ((عن)). وتقدم على الصواب فى ٢٣٧/٢، ٢٥٠. (٣) أخرجه ابن خزيمة (٢٤٤١) من طريق يزيد بن هارون به، وأخرجه ابن زنجويه فى الأموال (٢٣٤٦)، والدارمى ٣٩١/١، وأبو داود (١٦٧٣)، وابن خزيمة (٢٤٤١) من طرق عن ابن إسحاق به . (٤) فى النسخ: ((المخرمى)). والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٢٠٣/٢. ٦٩٢ سورة البقرة : الآية ٢١٩ ((ارْضَخْ(١) مِن الفَضْلِ، وابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، ولا تُلامُ على كَفَافٍ))(١). وما أشبه ذلك مِن الأخبارِ التى يطولُ باستقصاءٍ ذكرِها الكتابُ . فإذا كان الذى أَذِن ◌َّهِ لأَمتِه الصدقةَ مِن أموالهم الفضْلَ(٣) عن حاجةٍ المُتُصَدِّقِ ، فالفضلُ(٤) من ذلك هو العفؤُ مِن مالِ الرجلِ، إذ كان العفوُ فى كلامٍ العربِ فى المالِ وفى كلِّ شىءٍ هو الزيادةُ والكثرةُ، ومن ذلك قولُه جل ثناؤه : ﴿حَتَّى عَفَواْ﴾ [الأعراف: ٩٥]. بمعنى: زادُوا على ما كانوا عليه مِن العددِ وكثُروا. ومنه قولُ الشاعرِ (٥) : ولكنَّا "يَعَضُّ السيفُ منا) بأَسْؤُقِ عَافِيَاتِ الشَّخْمُ كُومٍ يعنى به كثيراتِ الشحومِ . ومِن ذلك قيل للرجل : خُذْ ما عفالك مِن فلانٍ . يُرادُ به: ما فضَل فصفا لك عن جُهْدِه بما لم يَجْهَدْه - كان بيِّنًا أن الذی أذِن اللهُ به فى قوله: ﴿قُلِ الْعَفْوُّ﴾ لعبادِهِ مِن النفقةِ ، فأذِنهم بإنفاقِه إذا أرادوا إنفاقه ، هو الذى بينَّ لأمتِه رسولُ اللهِ عَهِ بقولِه: ((خيرُ الصدقةِ ما أنفقتَ عن غِنَى)). وآذَنَهم به. فإن قال لنا قائلٌ: وما تُنْكِرُ أن يكونَ ذلك العفوُ هو الصدقةَ المفروضةَ؟ قيل : أنكَرْنا ذلك لقيام الحُبَّةِ / على أن مَن حلَّت فى مالِهِ الزكاةُ المفروضةُ، ٣٦٧/٢ (١) رضخ له من ماله: إذا أعطاه عطاء غیر کثیر. التاج (رض خ). (٢) أخرجه أبو يعلى (٥١٢٥) من طريق إبراهيم الهجرى به، وأخرجه الطيالسى (٣١٠)، وابن زنجويه فى الأموال (٢٣٤٩) من طريق إبراهيم به موقوفًا . (٣) فى م: (( بالفضل)). (٤) فى النسخ: ((الفضل)). (٥) هو لبيد بن أبى ربيعة، والبيت فى شرح ديوانه ص ١٠٤. (٦ - ٦) فى الديوان: (( نعض السيف منها)). (٧) فى الديوان: ((اللحم)). ٦٩٣ سورة البقرة : الآية ٢١٩ فهلَك جميعُ مالِهِ إِلَّا قَدْرَ الذى لزِم مالَه لأهلِ سُهمانِ الصدقةِ ، أن عليه أن يُسَلِّمَه إليهم ، إذا كان هلاكُ مالِه بعدَ تفريطِه فى أداءِ الواجبٍ كان لهم فى ١١ مالِه إليهم، وذلك لاشكَّ أنه مجهدُه - إذا سلَّمه إليهم - لا عفؤُه ، وفى تسميةِ اللهِ جلّ ثناؤه ما علّم عبادَه وجْه إنفاقِهم مِن أموالهم عفوًا ، ما يُنْطِلُ أن يكونَ مُسْتَحِقًّا اسمَ جُهْدٍ فی حالةٍ . وإذا كان ذلك كذلك، فبَيِّنٌّ فسادُ قولٍ مَن زعم أن معنى العفو هو ما أخرجه ربُّ المالِ إلى إِمامِه فأعطاه، كائنًا ما كان مِن قليلِ مالِه وكثيرِهِ، وقولِ مَن زعم أنه الصدقةُ المفروضةُ . وكذلك أيضًا لا وجهَ لقولٍ مَن يقولُ: إِنَّ معناه: ما لم يَتَبِيَّنْ فى أموالِكم؛ لأن النبىَّ عَالَمِ لما قال له أبو لُبَابَةَ: إن مِن توبتى أن أَنْخَلِعَ إلى الله ورسوله مِن مالى صدقةٌ . قال النبىُ مَّهِ: ((يَكْفِيكَ مِن ذلك الثلثُ))(٢) . وكذلك رُوِى عن كعبِ بنِ مالكٍ أن النبىَّ عَمِ قال له نحوًا مِن ذلك(٢) . والثلثُ لا شكَّ أنه بَيِّنٌّ فقدُه مِن مالٍ ذى المالِ. ولكنه عندى كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]. وكما قال جل ثناؤه لمحمد ◌َّهِ: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا نَبْسُطُهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَنَفْعُدَ مَلُومًا تَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩]. وذلك هو ما حدَّه عَ لِّ فيما دونَ ذلك على قدرِ المالِ واحتمالِه . ثم اخْتَلف أهلُ العلم فى هذه الآيةِ: هل هى منسوخةٌ أم ثابتةُ الحكم على (١) سقط من النسخ . (٢) أخرجه أحمد ٢٧/٢٥، ٤٨٨ (١٥٧٥٠، ١٦٠٨٠)، وأبو داود (٣٣١٩). وينظر طرقه والكلام عليه فى تخريج المسند . (٣) البخارى (٤٤١٨، ٤٦٧٦)، ومسلم (٢٧٦٩). ٦٩٤ سورة البقرة : الآية ٢١٩ العبادِ ؟ فقال بعضُهم: هى منسوخةٌ ، نسختها الزكاةُ المفروضةُ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى علىّ بنُ داودَ ، قال : ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ ، عن على ابنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوُّ﴾. قال: كان هذا قبلَ أن تُفْرَضَ الصدقةُ(١). حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوُّ﴾. قال: لم تُفْرَضْ فيه فريضةٌ معلومةٌ، ثم قال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ اْجَهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. ثم نزَلت الفرائضُ بعدَ ذلك مُسَمَّةً(١). حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمَّادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن الشُّدِّىِّ قوله: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوُّ﴾: هذه نسختها الزكاةُ(١). وقال آخرون: بل مُثْبَتَةُ الحكم غيرُ منسوخةٍ . ذكرُ مَن قال ذلك حدّثنی محمدُ بنُ عَمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عیسی ، عن ابن أبى نجيحِ، عن قيسٍ بنِ سعدٍ - أو: عيسى ، عن قيسٍ - عن مجاهدٍ - شكّ أبو عاصم - : (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٩٤/٢ (٢٠٧٣)، وأبو جعفر النحاس فى ناسخه ص ١٨٨ من طريق عبد الله بن صالح به . (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٣/١ إلى المصنف. (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٩٤/٢ (٢٠٧٤) من طريق عمرو بن حماد به . ٦٩٥ سورة البقرة : الآية ٢١٩ قال : قال: العفوُ الصدقةُ المفروضةُ(١). ٣٦٨/٢ والصوابُ مِن القولِ فى ذلك ما قاله ابنُ عباسٍ على ما رواه عنه عطيةُ ، مِن أن قولَه: ﴿قُلِ اَلْعَفْوُّ﴾ . / ليس پایجابٍ فرضِ فُرِض مِن اللهِ حقًّا فى ماله، ولكنه إعلام منه ما يُرْضِيه مِن النفقةِ ممّا يُشْخِطُه، جوابًا منه لمن سأل نبيّه محمدًا عَ لِ عمَّا فيه له رضًا، فهو أدبّ من اللهِ لجميعِ خلقِه على ما أدَّبهم به فى الصدقةِ غير (١) المفروضاتِ ، ثابتُ الحكم، غيرُ ناسخ لحكم كان قبلَه بخلافِه، ولا منسوخ بحكم حدَث بعدَه، فلا ينبغِى لذى وَرَع ودِينٍ أَن يَتَجاوَزَ فى صدقاتِهِ ١ التطوّع وهِباتِه وعطايا النفلِ وصدقتِه ما أدَّبهم به نبيُّه ◌ِ المِ بقولِه: ((إذا كان عندَ أحدِ كم فضلٌ فَلْيَبْدَأْ بنفسِه، ثم بأهلِه، ثم بولدِه)). ثم يَسْلُكُ حينئذٍ فى الفضلِ مسالكَه التِى تُرْضِى اللهَ ويُحِبُّها، وذلك هو القَوَامُ بينَ الإسرافِ والإقتارِ الذى ذكره اللهُ عزَّ وجل فى كتابِه (٤) إن شاء الله تعالى . ويقالُ لَمن زعم أن ذلك منسوجٌ: ما الدلالةُ على نسخِه وقد أُجْمَع الجمیعُ لا خلافَ بينهم ، على أن للرجلِ أن يُنْفِقَ مِن مالِه صدقةٌ وهبةً ووصيةً الثلثَ ، فما الذى دلَّ على أن ذلك منسوخٌ؟ فإن زعم أنه يعنى بقولِه: إنه منسوخٌ. [٢٥٧/١ظ] أن إخراجَ العفوِ مِن المالِ غيرُ لازمِ فرضًا، وأن فرضَ ذلك ساقطٌ بوجودِ الزكاةِ فى المالِ . قيل له : وما الدليلُ على أن إخراجَ العفوِ كان فرضًا فأسقطه فرضُ الزكاةِ ، ولا دلالةً فى الآيةِ على أن ذلك كان فرضًا ، إذ لم يكنْ أمرٌ مِن اللهِ عزَّ ذكرُه ، بل فيها الدلالةُ (١) تقدم تخريجه فى ص ٦٩٠. (٢) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((عن)). (٣) فى م: ((صدقات)). (٤) يعنى قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]. ٦٩٦ سورة البقرة : الآيتان ٢٢٠،٢١٩ على أنها جوابُ ما سأل عنه القومُ على وجهِ التعرُّفِ لِمَ فيه للهِ الرضا مِن الصدقاتِ ، ولا سبيلَ لُدَّعى ذلك إلى دلالةٍ تُوجِبُ صحَّةَ ما اذَّعَى . وأمَّا القرَأَةُ فإنهم اخْتَلفوا فى قراءةِ ﴿اَلْعَفْوِّ﴾؛ فقرَأَته عامَّةُ قَرَأَةِ الحجازِ وقَرَأَةٍ الحَرَمِيْنِ وعُظْمُ قرَأَةِ الكوفيّين: ﴿قُلِ الْعَفْوُّ﴾. نصبًا. وقرأه بعضُ قرَأةِ البصريِّين: (قُلِ العَقْوُ). رفعًا). فمَن قرَأَه نصبًا جعَل ﴿مَاذَا﴾ حرفًا واحدًا ، ونصَبه بقولِه : ﴿يُنفِقُونَ﴾. على ما قد بيَّنتُ قبلُ، ثم نصَب ﴿اَلْعَفْوُّ﴾ على ذلك، فيكونُ معنَى الكلام حينئذٍ : ويَسْأَلُونك أَّ شىءٍ يُنْفِقون ؟ ومَن قرَأَه رفعًا جعَل ((ما)) مِن صلةِ ((ذا))، ورفَعوا ((العفو))، فيكونُ معنى الكلام حينئذٍ : ما الذى ينفقون ؟ قل : الذى ينفقون العفوُ. ولو نَصَبَ ((العفو))، ثم جَعَلَ ((ماذا)) حرفين بمعنَى: يسألونك ماذا يُنفِقون ؟ قل: يُنفِقون العفوَ. ورفَع الذين جعلوا ((ماذا)) حرفًا واحدًا بمعنى: ما ينفقون ؟ قل: الذى ينفِقون - خبرًا - كان صوابًا صحيحًا فى العربية. وبأىِّ القراءتينِ قُرِئ ذلك فهو (٢) عندى صوابٌ؛ لتقارُبِ معنييهما، معَ استفاضةِ القراءةِ بكلِّ واحدةٍ منهما ، غيرَ أن أعجبَ القراءتين إلىّ - وإن كان الأمرُ كذلك - قراءةُ مَن قرأه بالنصبِ ؛ لأن مَن قرَأ به مِن القرأةِ أكثرُ، وهو أعرفُ وأشهرُ. القولُ فى تأويل قولِه عزَّ ذكرُه: ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَنَّفَكَّرُونَّ (﴿َ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾. يعنى بقوله عزَّ ذكرُه: ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَتِ﴾: هكذا يُبَيِّنُ. (١) قراءة الرفع هى قراءة أبى عمرو، وقرأ الباقون بالنصب. حجة القراءات ص ١٣٣. (٢) سقط من : النسخ . ٦٩٧ سورة البقرة : الآيتان ٢٢٠،٢١٩ أى: كما بيَنتُ (١) لكم أعلامى وحُجَجى - وهى آياتُه فى هذه السورة - وعرّفتُكم فيها ما فيه خلاصكم مِن عقابی ، وبێّتُ لکم حُدودِی وفَرائِضى، ونبّهتُكم فيها على الأدلَّةِ على وَحْدانيَّتى ، ثم على حُجَجٍ رسولى إليكم ، فأرشَدتُكم إلى ظهورِ الهُدَى، فكذلك أُبَيِّنُ لكم فى سائرٍ كتابى الذى أنْزلتُه علی نبِی محمدٍ ﴾ آیاتی وحُجَجى، / وأَوضِّحُها لكم؛ لِتَتَفَكّروا فى وغْدِى ووعيدى، وثوابى وعقابى، ٣٦٩/٢ فُتُجاوزوا (١٢) طاعتى التى تَنالون بها ثوابى فى الدارِ الآخرةِ، والفوزَ بنعيمِ الأبدِ على القليلِ مِن اللذاتِ ، واليسيرِ مِن الشهواتِ ، بركوبٍ معصيتى فى الدنيا الفانية ، التى مَن ركِبها كان مَعَادُه إلىَّ، ومصيرُه إلى ما لا قِبَلَ له به مِن عقابى وعذابى . وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا علىُ بنُ داودَ ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالح، عن علىّ، عن ابنِ عباس: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَنَفَكَّرُونَّ الدُّنْيَا وَاُلْأَخِرَةِ﴾. قال: يعنى فى زوالِ الدنيا وفنائِها، وإقبالِ الآخرةِ وبقائِهاً ). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُّ﴾. قال: يقولُ: ٢١٩١ قتادةَ فى قولِه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَنَفَكَّرُونَ 13 لعلَّكم تَتَفَكّرون فى الدنيا والآخرةِ، فتعرِفون فضلَ الآخرةِ على الدنيا (1). (١) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: (( يبين)). (٢) فى ت ١: ((فتتجازوا))، ولعل الصواب: فلا تتجاوزوا. وأثبتها الشيخ شاكر: فتختاروا . (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٩٤/٢ (٢٠٧٥) - ومن طريقه أبو الشيخ فى العظمة (٢٥) - من طريق أبی صالح به. (٤) تفسير عبد الرزاق ١ / ٨٨، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٩٤/٢ (٢٠٧٧) عن الحسن بن يحيى به . ٦٩٨ سورة البقرة : الآيتان ٢٢٠،٢١٩ حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجْ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال قولَه: ﴿كَذَالِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَنَفَكَّرُونَ (٦﴾ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ﴾. قال: أَمَّا الدنيا فتَعْلَمون أنها دارُ بلاءٍ ثم فناءٍ، والآخرةُ دارُ جزاءٍ ثم بقاءٍ ، فَتَتَفَكّرون ، فتعملون للباقيةِ منهما (١) . قال: وسمِعتُ أبا عاصم يَذْكُرُ نحوَ هذا أيضًا . حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْأَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَنَفَكَّرُونَّ (٦َ فِىِ الدُّنْيَا وَاُلَْخِرَةُ﴾: وإنه مَن تفكر فيهما عرَف فضلَ إحداهما على الأخرى، وعرَف أن الدنيا دارُ بلاءٍ، ثم دارُ فناءٍ، وأن الآخرةَ دارُ جزاءٍ، ثم دارُ بقاءٍ، فكونوا ممن يَصْرِمُ حاجةَ الدنيا لحاجةِ الآخرةِ(٢) . القولُ فى تأويلٍ قولِه عز ذكرُه: ﴿ وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَمَّ قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوُهُمْ فَإِخْوَانُكُمُّ﴾ . اختلف أهلُ التأويلِ فيما نزَلت هذه الآيةُ ؛ فقال بعضُهم: نزَلت(٢). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ، قال : ثنا يحيى بنُ آدمَ ، عن إسرائيلَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لمَّ نزَلت: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَنِيمِ إِلَّا بِأَلَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ﴾ [الأنعام: ١٥٢، الإسراء: ٣٤]. عزَلوا أموالَ اليتامى، فذكروا ذلك (١) ينظر تفسير ابن كثير ٣٧٤/١. (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٥/١ إلى عبد بن حميد . (٣) كذا فى النسخ، والكلام ناقص، وزاد الشيخ شاكر بعده: فى الذين عزلوا أموال اليتامى الذين كانوا عندهم، وكرهوا أن يخالطوهم فى مأكل أو فى غيره وذلك حين نزلت ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن ﴾ [الأنعام : ١٥٢]. وفى حاشية المطبوعة: ((هنا بياض فى الأصل ولعل تمام العبارة : حين نزل قوله تعالى: ﴿ولا تقربوا مال الیتیم إلا بالتی هی أحسن ﴾ كما يستفاد من سياق الروايات بعده)). : ٦٩٩ سورة البقرة : الآية ٢٢٠ لرسولِ اللهِ مَ له، فنزَلت: ﴿وَإِن تُخَالِطُوُهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ اُلْمُصْلِحَّ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ ﴾ فخالَطوهم (١). ٣٧٠/٢ حدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيع، قال : ثنا جَرِيرٌ، عن عطاءِ بنِ السائبِ ، عن سعيدِ بنِ مُجُبيرٍ، عن ابنِ / عباسٍ، قال: لما نزلت: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيِ إِلَّا بِلَتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ و: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَمَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِىِ بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]. انْطَلق مَن كان عنده يتيمٌ فعزَل طعامَه مِن طعامِه، وشرابَه مِن شرابِه، فجعَل يَفْضُلُ الشىءُ مِن طعامِه ، فيُحْبَسُ له حتى يَأْكُلَه أو يَفْسُدَ، فاشتدَّ ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسولِ اللهِ مَّ ◌َهِ ، فَأَنْزَل الله عز وجل: ﴿ وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَشَعَّىَّ قُلْ إِصْلَئٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمُّ﴾ فخلَطوا طعامَهم بطعامِهم، وشرابَهم بشرايِهم (١). حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا حكّامٌ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن سعيدٍ ، قال: لَّ نزَلت: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَنِيمِ إِلَّا بِالَِّى هِىَ أَحْسَنُ﴾. قال: " كان ٣) يُصنَعُ [٢٥٨/١ و] لليتيم طعامٌ(٢) فيَفْضُلُ منه الشىءُ، فيَتْؤُكُونه حتى يَفْسُدَ ، فَأَنزَل اللهُ: ﴿وَإِن تُخَالِطُوُهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾(٥). (١) أخرجه أحمد ١٤٠/٥ (٣٠٠٠)، والحاكم ٢٧٨/٢، ٢٧٩، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤١٨/٥ (٨٠٧٩)، والبيهقى ٢٥٨/٥، ٢٥٩، ٥/٦ من طريق يحيى بن آدم به . (٢) أخرجه أبو داود (٢٨٧١)، والواحدى فى أسباب النزول ص ٤٩، والحاكم ٢/ ٣١٨، والبيهقى ٢٨٤/٦ من طريق جرير به . وأخرجه النسائى (٣٦٧١)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٩٥/٢ (٢٠٨١) من طرق عن عطاء ابن السائب به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٥/١ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه . (٣ - ٣) فى م: (( كنا نصنع)). (٤) فى م: ((طعامًا)). (٥) أخرجه الواحدى فى أسباب النزول ص ٤٩ من طريق سالم الأفطس عن سعيد، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٥/١ إلی عبد بن حميد . ٧٠٠ سورة البقرة : الآية ٢٢٠ حدَّثنا يحيى بنُ داودَ الواسطى ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن ابنٍ أبى ليلَى ، عن الحكم، قال: سُئِل عبدُ الرحمنِ بنُ أبى ليلى عن مالٍ اليتيم، فقال: لمّ نزَلت: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيِ إِلَّا بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ اجْتُنِبتْ مُخَالطتُهم، وَاتَّقَوْا كلَّ شىءٍ، حتى اتَّقَوا المَاءَ، فلمَّا نزَلت: ﴿ وَإِن تُخَالِطُوُهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾. قال: فخالَطوهم . حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ قولَه : وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَمَى﴾ الآية كلّها. قال: كان اللهُ أَنْزَل قبلَ ذلك فى سورة (( بنى إسرائيلَ)): ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيِ إِلَّا بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ فكبُرت عليهم ، فكانوا لا يُخَالِطونهم فى مَأْكَلٍ ولا فى غيرِهِ، فاشتدَّ ذلك عليهم، فأنْزَل اللهُ الرخصةَ، فقال: ﴿وَإِن تُخَالِكُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمُّ﴾(١). حدّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ، قال: لمََّ نزَلت: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَنِيمِ إِلَّا بِلَتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ اعْتَزل الناسُ الیتامی فلم يُخالطوهم فی ماگلٍ ولا مَشْرَبٍ ولا مالٍ . قال : فشقَّ ذلك على الناسِ، فسألُوا رسولَ اللهِ عََّهِ، فَأَنْزَل اللهُ عزَّ وجلّ: ﴿ وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَمَّىَّ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَلِطُوهُمْ فَإِخْوَتُّكُمْ﴾(١٢). حُدِّثْتُ عن عمَّارٍ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ فى قولِه : ﴿ وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَمَّىَّ قُلْ إِصْلَاحٌ لَُّمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ الآية . قال: فذكر لنا - واللهُ أعلمُ - أنه أَنْزَل فى بنى إسرائيلَ: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَنِيمِ إِلَّا بِلَّتِ هِىَ أَحْسَنُ حَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ فكبُرت عليهم، فكانوا لا يُخالِطونهم فى طعامٍ ولا (١) أخرجه النحاس فى ناسخه ص ٥٥١ من طريق يزيد به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٥/١ إلى عبد بن حميد وابن الأنبارى، وسيأتى عند المصنف مرة أخرى فى تفسير سورة ((الإسراء)). (٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٣٧٧، ٣٧٨.