Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
سورة البقرة : الآية ١٩٦
إمامُ تَطوُِّه (١) ؟ ثم يُسْألُ عن الاعتكافِ أواجبّ هو أم غيرُ واجبٍ ؟ فإن قال :
واجبٌ . خرَج مِن قولِ جميع الأُمةِ . وإن قال : تَطَوُّعٌ. قيل: فما الذى أوجب أن
يكونَ الاعتِكافُ تَطَؤُّعًا والعُمرةُ فرضًا مِن الوجهِ الذى يَجِبُ التسليمُ له؟ فلن يَقُولَ
فى أحدِهما قَولًا (٢) إلا أُلزِم فى الآخَرِ مِثْلَه.
( وبما اسْتَشْهَدْنا مِن الأدلَّةِ، فإِنَّ) أولى القراءتين بالصوابِ فى ((العُمرةِ))
قراءةُ مَن قرأها نصبًا. وأن أولى التأويلين فى قولِه: ﴿ وَأَنِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾
تأويلُ ابنِ عباسٍ الذى ذكرناه عنه مِن روايةٍ علىٍّ بنِ أبي طلحةَ عنه، مِن أنه أمْرٌ مِن اللَّهِ
جلّ ثناؤُه بإتمام أعمالِهما بعدَ الدخولِ فيهما وإيجابِهما، على ما أُمَر به مِن
حدودِهما وسُنَنِهما. وأنَّ أولى القولين فى العُمرةِ بالصوابِ قولُ مِن قال: هى
تَطَوَّعْ لا فرضٌ . وأنَّ معنى الآيةِ: وأتُّوا أيُّها المؤمنون الحجّ والعمرةَ للَّهِ بعدَ دخولكم
فيهما وإيجابِكموهما على أنفسِكم على ما أمَركم اللَّهُ به مِن حدودِهما .
وإنما أنزل اللَّهُ تبارك وتعالى هذه الآيةَ على نبيِّه ◌ِلّه فى عمرةِ الحُدَثِيَةِ التى صُدَّ
فيها عن البيتِ، ( مُعَرِّفَه والمؤمنينُ) فيها ما عليهم فى إحرامِهم إن خُلِّىَ بينَهم وبينَ
البيتِ، ومبيّنًا لهم فيها ما المخرجُ لهم مِن إحرامِهم إن أُخْصِروا(٥) فصُدُّوا عن البيتِ ،
وبذكرِ اللازم لهم مِن الأعمالِ فى عُمْرَتِهِم التى اعْتَمَرُوها عامَ الحُديبيةِ وما يَلْزَمُهم
فيها بعدَ ذلك فى عُمَرِهم وحجِّهم افتَتَح قولَه: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَمِلَّةِ قُلْ هِىَ
مَوَقِيْتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجّ﴾
(١) فى م، ت ١: ((متطوعه)).
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((شيئا).
(٣ - ٣) فى الأصل: ((وإنما استشهدنا من الأدلة بأن)).
(٤ - ٤) فى م: ((معرفة المؤمنين))، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((والمؤمنون)).
(٥) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أحرموا)).

٣٤٢
سورة البقرة : الآية ١٩٦
وقد دلَّلنا فيما مضى على معنى ((الحجّ)) و (( العمرةٍ)) بشواهدِ ذلك، فکرِهْنا
تطویلَ الکتاب بإعادته .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِّ﴾.
اختلف أهلُ التأويلِ فى ((الإحصارِ )) الذى جعَل اللَّهُ على مَن ابتلى به فى حجِّه
وُمرتِه ما اسْتَيْسَر مِن الهدي ؛ فقال بعضُهم: هو كلُ مانعٍ و(١) حابسٍ منَع المحرِمَ
وحبسه عن العملِ الذى فرَضه اللَّهُ عليه فى إحرامِه ووصوله إلى البيتِ [١٩/٥ظ]
الحرام.
٢١٣/٢
/ ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُّ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
نجيحٍ، عن مجاهدٍ أنه كان يقولُ: الحَصْرُ الحبشُ كلُّه. يقولُ: أيما رجلٍ اعتُرِض له
فى حجتِه أو عمرتِه فإنه يَبْعَثُ بهديِهِ مِن حيثُ يُحْبَسُ . قال : وقال مجاهدٌ فى قولِه :
﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُ﴾: فإن أحصِرْتُ : يَْرَضُ إنسانٌ أو يُكْسَرُ أَو يَحْبِسُه أمرٌ فَغَلَبَه، كائنًا
ما كان، فلْيُرْسِلْ بما اسْتَيْسَرَ مِن الهَدي، ولا يَحْلِقْ رأْسَه، ولا يَحِلّ حتی یوم
(٢)
النحرِ(١).
حدَّثنى المُنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةً ، قال : ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبى نجيح، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنا المُنَّى ، قال: حدَّثنا أبو نُعيم الفضلُ بنُ دُكَينٍ ، قال : ثنا سفيانُ ، عن ابنِ
(١) فى م: ((أو)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٣/١ إلى المصنف مقتصرا على أوله، والشطر الأخير منه فى تفسير
مجاهد ص ٢٢٤، ٢٢٥.

٣٤٣
سورة البقرة : الآية ١٩٦
جريج، عن عطاءٍ، قال: الإحصارُ مِنْ كلِّ شيءٍ يَخْبِسُهُ(١).
وحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ ، قال: حدَّثنا سعيدٌ ، عن
قتادةَ أنه قال فى المحُصَرِ : هو الخوفُ والمرضُ والحابسُ ، إذا أصابه ذلك بَعث بهديه ،
فإذا بلَغَ الهَدْىُ مَحِلَّه حَلَّ (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: نا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَا
أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِّ﴾: هذا رجلٌ أصابه خوفٌ أو مرضٌ أو حابس حبَسه عن البيتِ ،
يَبْعَثُ بِهَدْيِهِ ، فإذا بلَغْ مَحِلَّه صار حلالًا .
حدَّثنى المُثُنَّى، قال : ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو مُعاويةَ، عن هشام بن عروةَ، عن
أبيه، قال: كلُّ شيءٍ حبَس المُحرِمَ فهو إحصارٌ(٤).
حدَّثْنى المُنَّى ، قال: ثنا سويدٌ ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ، عن إبراهيمَ - قال أبو
جعفر: أحسَبُه عن شريكٍ، عن إبراهيمَ بنِ المهاجرِ، عن إبراهيمَ: ﴿فَإِنّ
أُحْصِرْتُ﴾. قال: مرضٌ أو كَشْرٌ أو خَوْفٌ (٥).
حدَّثنى المُنَّى، قال: ثنا أبو صالح، قال: حدَّثنى معاويةُ ، عن علىٍّ، عن
ابنِ عباسٍ قوله: ﴿فَإِنْ أُخْصِرْتُمْ فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِّ﴾. يَقُولُ: مَن أَحرَم
بحجٍّ أو بعُمرةٍ ، ثم حُبِس عن البيتِ بمرضٍ يُجْهِدُه، أو عذرٍ يَحْبِسُه ، فعليه
(١) سقط من: م، ت ١.
(٢) أخرجه عبد بن حميد فى تفسيره - كما فى تغليق التعليق ٣/ ١٢٢ - عن أبى نعيم به، وهو فى تفسير
سفيان ص ٦١.
(٣) سيأتى مطولا فى ص ٤١٤.
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ص ٢٠٦ (الجزء الأول من القسم الرابع) عن أبى معاوية به .
(٥) تفسير سفيان ص ٦١ عن إبراهيم بن المهاجر به .

٣٤٤
سورة البقرة : الآية ١٩٦
(١)
قضاؤها (١).
وعِلَّهُ مَن قال بهذه المقالةِ أن الإحصارَ معناه فى كلام العربِ منعُ العِلةِ من
المرضِ وأشباهِه غيرِ القهرِ والغلبةِ من قاهرٍ أو غالبٍ ، إلا غلبةَ علةٍ من مرضٍ أو لدغ أو
جِراحٍ، أو ذَهابِ نفقةٍ ، أو كسرِ راحلةٍ . فأما منعُ العدوِّ، وحبسُ حابسٍ فى سجنٍ،
وغلبةُ غالبٍ حائلٍ بينَ المحرمِ والوصولِ إلى البيتِ من سلطانٍ أو إنسانٍ قاهرٍ مانعٍ،
فإن ذلك إنما تُسَمِّيه العربُ حصْرًا لا إحصارًا .
قالوا: ومما يَدُلُّ على ذلك قولُ اللَّهِ جلَّ ثناؤه: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَفِرِينَ
حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨]. يعنى به: حاصرًا، أى : حابسًا.
قالوا: ولو كان حبسُ القاهرِ الغالبِ مِن غيرِ العللِ التى وصَفنا يُسَمَّى
إحصارًا ، لوجَب أن يُقالَ: قد أَخْصِرَ العدوُّ. قالوا: وفى اجتماعُ لغاتِ العربِ
٢١٤/٢ على: حوصِر العدوُّ، والعدوُّ محاصَرٌ، دون: أَخْصِر العدوُّ، فهم (١١ / مُحصَرون ،
وأُحصِر الرجلُ بالعلةِ من المرضِ والخوفِ - أكبرُ الدَّلالةِ على أن اللَّهَ جلَّ ثناؤه إنما
عنَى بقولِه: ﴿ فَإِنْ أُخْصِرْتُمْ﴾: بمرضٍ أو خوفٍ أو علةٍ [٢٠/٥و] مانعةٍ.
قالوا : وإنما جعَلْنا حبْسَ العدوِّ ومنعَه المحرمَ مِن الوصولِ إلى البيتِ بمعنى حَصْرٍ
المرضِ ، قياسًا على ما جعَل اللَّهُ جلَّ ثناؤه من ذلك للمريضِ الذى منعَه المرضُ من
الوُصولِ إلى البيتِ ، لا بدَلالةِ ظاهرٍ قولِه: ﴿فَإِنْ أُخْصِرْتُمْ نَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ اَلْهَدْيِّ﴾ .
إذا كان حبسُ العدوِّ والسلطانِ والقاهرِ عِلَّةً مانعةً، نظيرةَ العلةِ المانعةِ مِن المرضِ
(١) أخرجه البيهقى فى المعرفة ٤ / ٢٤١، من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٢/١
إلی ابن المنذر .
(٢) فى الأصل: ((إجماع)).
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((وهم)).

٣٤٥
سورة البقرة : الآية ١٩٦
والكَشْرِ .
وقال آخرون: معنى قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِّ﴾: فإن
حبَسكم عدوٌّ عن الوصولِ إلى البيتِ ، أو حابسٌ قاهرٌ مِن بنى آدمَ . قالوا : فأما العللُ
العارضةُ فى الأبدانِ ؛ كالمرضِ والجراحِ وما أشبهها ، فإن ذلك غيرُ داخلٍ فى قولِه :
﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ ﴾.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال: حدَّثنى عيسى ، عن ابنٍ أبى
تَجِيحِ، عن مجاهدٍ وعطاءٍ، عن ابنِ عباس أنه قال: الحَصْرُ حَصْرُ العدوِّ، فَيَبْعَثُ
الرجلُ بهَدْيَتِه، فإن كان لا يَسْتَطِيعُ أن يَصِلَ إلى البيتِ مِن العدوِّ، فإن وجَدَ مَن
يُبِّغُها عنه إلى مكةَ ، فإنه يَبْعَثُ بها ويُخْرِمُ - قال محمدُ بنُ عمرٍو : قال أبو عاصِمٍ :
لا ندرى، قال: يُحْرِمُ أو يَحِلُّ - مِن يومٍ يُواعِدُ فيه صاحبَ الهَدْيِ إذا اشترى ، فإذا
أمِن فعليه أن يَحُجّ و(١) يَعْتَمِرَ، فإذا أصابه مَرَضٌ يَخْبِسُه وليس معه هَدْىٌّ ، فإنه يَحِلُّ
حيثُ يُحْبَسُ ، فإن كان معه هَدْىٌ فلا يَحِلُّ حتى يَبْلُغَ الهَدْىُ مَحِلَّه ، فإذا بعث به
فليس عليه أن يَحُجَّ قابِلًا، ولا يَعْتَمِرَ إلا أن يَشاءً(١).
حدِّثتُ عن أبى عبيدِ القاسمِ بنِ سَلَّامٍ، قال : ثنى يحيى بنُ سعيدٍ، عن ابنٍ ◌ُرَيجٍ،
عن ابنٍ طاوسٍ ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: لا حصرَ إلا من حبْسٍ عدوٍ ().
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أو)).
(٢) تفسير مجاهد ص ٢٢٦، وأخرجه إسحاق بن راهويه فى تفسيره - كما فى تغليق التعليق ١٢٢/٣ - من
طريق ابن أبى نجيح عن مجاهد - وحده - به .
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ص ٢٠٥ (الجزء الأول من القسم الرابع) عن يحيى بن سعيد به، ووقع فيه: ((عذر))
بدلا من: (( عدو)).

٣٤٦
سورة البقرة : الآية ١٩٦
حدَّثنا سعيدُ بنُ الربيع الرازىُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عمرو ، عن ابن
عباسٍ ، وابنٍ طاؤُسٍ ، عن أبيه ، عن ابنِ عباسٍ ، وابنِ أبى تَجيحِ، عن مجاهدٍ ، عن
ابنِ عباسٍ ، قال: الحَصْرُ حَصْرُ العدوِّ، فأما مَن أصابه مرضٌ أو ضلالٌ أو كَشْرٌ، فلا
شىءَ عليه، إنما قال اللّهُ: ﴿فَإِذَآ أَمِنْتُمْ﴾ . فلا يكونُ الأمنُ إلا مِن الخوفِ .
حدَّثنى المُثُنَّى ، قال: ثنا أبو حُذيفةً، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنٍ أبى نَجِيحِ، عن
مجاهدٍ وعطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَ حديثِ محمدِ بنِ عمرو ، عن أبى عاصم ، إلا أنه
قال: يَبْعَثُ بها ويُحْرِمُ مِن يومٍ واعَد فيه صاحبَ الهَدْيَةِ إذا اشْتَرَى. ثم ذكَر سائرَ
الحديثِ مثلَ حديثِ محمدِ بنِ عمرٍو، عن أبى عاصمٍ.
وقال مالكُ بنُ أنسٍ (١): بلغنى أن رسولَ اللَّهِ لَه حلَّ هو وأصحابُه بالحُدَثِيَةِ،
فَتَحَرُوا الْهَدْىَ، وحلَقوا رُءوسَهم، وحلُّوا مِن كلِّ شيءٍ قبلَ أن يَطُوفُوا بالبيتِ ،
وقبلَ أن يَصِلَ إليه الهَدْىُ، ثم لم نَعْلَمْ أن رسولَ اللَّهِ عَ لَّهِ أَمَر أحدًا مِن أصحابِه ولا
ممن كان معه أن يَقْضُوا شيئًا ، ولا أن يَعُودوا لشىءٍ .
حدَّثنى بذلك يونسُ ، قال : أخبَرَنا ابنُ وهبٍ عنه .
قال : وسئل مالكٌ عمَّن أَحصِر بعدوٍّ وحيلَ بينَه وبينَ البيتِ ؟ فقال: يَحِلُّ مِن
كلِّ شيءٍ، ويَنْحَرُ هَدْيَه، ويَحْلِقُ رأسَه حيثُ حُبِسَ(١)، وليس عليه قضاءٌ، إلا أن
يَكُونَ لم يَحُجَّ قَطُّ ، فعليه أن يَكُجَّ حَجَّةَ الإِسلامِ . [٢٠/٥ ظ] قال: والأمرُ عندَنا فى
من أُخْصِر بغيرِ عدوٍّ، بمرضٍ أو ما أشبهَه، أن يَتَداوَى(٢) بما لا بدَّله (٤)، ويَفْتَدِىَ، ثم
(١) الموطأ برواية يحيى ١/ ٣٦٠، وهو فى رواية أبى مصعب ٤٦٠/١.
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يحبس)).
(٣) فى م، ت ٢، ت ٣: ((يبدأ)).
(٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( منه) .

٣٤٧
سورة البقرة : الآية ١٩٦
يَجْعَلَها عُمْرةً، ويحَجَّ عامًا قابَلا وَيُهْدِىَ (١) .
وعِلَّةُ مَن قال هذه المقالةَ - أَعْنِى مَن قال قولَ مالكٍ - أَنَّ هذه الآيةَ نزَلتْ فى
٢١٥/٢ حَصْرِ المشركينَ رسولَ / اللّهِ بَّه وأصحابَه عن البيتِ، فأمَر اللَّهُ جل ثناؤه نبيَّه ◌ِ له
ومَن معه بنَحْرِ هداياهم والإحلالِ . قالوا : فإنما أنزل اللَّهُ هذه الآيةَ فى حصرِ العدوِّ، فلا
يَجُوزُ أن يُصْرَفَ حُكْمُها إلى غيرِ المعنى الذى نَزَلت فيه . قالوا: وأما المريضُ فإنه إذا لم
يُطِقْ لمرضِه السيرَ حتى فاتَتْه عرفةُ ، فإنما هو رجلٌ فاتَه الحُ ، علیه الخروجُ مِن إحرامِه بما
يَخْرُجُ به مَن فاته الحَجُّ ، وليس مِن مَعْنى المحصَرِ الذى نزلت هذه الآيةُ فيه فى شىءٍ .
وأولى التأويلين بالصوابِ فى قولِه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ ﴾ تأويلُ مَن تأوَّلَه بمعنى:
فإن أحصَرَكم خوفُ عدوٍّ أو مرضٌ أو علةٌ عن الوصولِ إلى البيتِ ، أى: صيَّرَكم
خوفُكم أو مرضُكم تَحْصُرون أنَفُسَكم فتَحْبِسُونها عن النُّفوذِ لِا أَوْ جَبْتُموه على
أَنْفُسِكم مِن عملِ الحجّ والعمرةِ؛ فلذلك قيل: ﴿أُحْصِرْتُمْ ﴾. لمّ أسقَط ذكرَ الخوفِ
والمرضِ ، يقالُ منه: أحصَرنى خَوْفِى مِن فلانٍ عن لقائِك، ومَرَضى عن فُلانٍ. يرادُ
به : جَعَلَنِى أَحْبِسُ نفسى عن ذلك. فأما إذا كان الحابسُ الرجلَ والإنسانَ ، قيل:
حصَرنى فلانٌ عن لقائِك . بمعنى : حبَسنى عنه. فلو كان معنى الآيةِ ما ظنَّه المتأوّلُ
مِن قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾: فإن حبَسكم حابسٌ مِن العدوِّ عن الوصولِ إلى البيتِ.
لوجب أن يكونَ : فإن حصِرتم .
ومما يُبَيْنُ صحةَ ما قلناه مِن أن تأويلَ الآيةِ مرادٌ بها إحصارُ غيرِ العدوِ ، وأنه إنما
يُرادُ بها الخوفُ مِن العدوِّ قولُه: ﴿ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَنَ تَمَنَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَحْ ﴾. والأَمنُ إنما
يكونُ بزَوالِ الخوفِ: وإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أن الإحصارَ الذى عنَى اللَّهُ فی
هذه الآيةِ هو الخوفُ الذى يكونُ بزوالِه الأمنُ .
(١) ينظر الموطأ ٤٦١/١ برواية أبى مصعب.
(٢ - ٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فى شأنه)) .

٣٤٨
سورة البقرة : الآية ١٩٦
وإذ كان ذلك كذلك، لم يَكُنْ حَبْسُ الحابسِ الذى ليس مع حَبْسِه خوفٌ
٩
على النفسِ من حَبْسِه داخلًا فى حكم الآيةِ بظاهرِها المتلوِّ، وإن كان قد يُلحقُ
حُكْمُه عندَنا بحكمِه مِن وجهِ القياسِ مِن أجلٍ أَن حَبْسَ مَن لا خوفَ على النفسِ مِن
حَبسِه - كالسلطانِ غيرِ المخوفةِ عقوبتُه، والوالدِ وزوج المرأةِ ، وإن كان منهم أو مِن
بعضِهم حبسٌ ، ومَنْعٌ عن الشخوصِ لعملِ الحجّ ، أو الوصولِ إلى البيتِ بعدَ إیجابٍ
الممنوعِ الإحرامَ - غيرُ داخلٍ فى ظاهرٍ [٢١/٥و] قولِه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾. لِا
وصَفنا مِن أن معناه: فإن أحصَر كم خوفُ عدوٌّ. بدَلالةِ قوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَنَ تَمَنَّعَ
بِلْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِ﴾. وقد بَيَّنَ الخبرُ الذى ذكرناه آنفًا عن ابنِ عباس أنه قال: الحصرُ
حصرُ العدوّ .
وإذا كان ذلك أولى التأويلين بالآية لما وصَفنا، وكان ذلك منعًا مِن الوصولِ إلى
البيتِ ، فكلُّ مانع عرَضَ للمحرمِ فصدَّه عن الوصولِ إلى البيتِ ، فهو نظير له فى الحكم .
ثم اختلف أهلُ العلم فى تأويل قوله: ﴿فَا أُسْتَيْسَرَ مِنَ اَلْهَدْيِّ﴾؛ فقال
بعضُهم : هو شاةٌ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيَانِ القَنّادُ ، قال: أخبَرَنا إسحاقُ الأزرقُ ، عن يونسَ بنِ
أبى إسحاقَ السَّبيعىِّ، عن مجاهدٍ ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ
شاءٌ(٢)
(١) سقط من : الأصل .
(٢) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٣١١ - تفسير ) - ومن طريقه البيهقى ٢٢٨/٥ - عن هشيم، عن
يونس، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: من الأزواج الثمانية. وأخرجه سعيد أيضًا (٣١٦ - تفسير ) من
طريق خصيف ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : شاة .

٣٤٩
سورة البقرة : الآية ١٩٦
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ، وحدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَیانٍ ، قال :
أخبَرَنا إسحاقُ ، قالا: ثنا سفيانُ ، عن حبيبٍ ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ، عن ابنِ عباسٍ،
قال : ما اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْيِ شاةٌ(١).
/ حدَّثنا محمدُ بنُ المُثُنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن يزيدَ ٢١٦/٢
ابن أبى زيادٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال: ﴿فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ
الْمَدْيِّ﴾ : شاءٌ .
حدَّثنا ابنُ المُثْنِى، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ ، قال : ثنا شعبةُ ، عن یزیدَ بنِ أبی
زیاد) ، عن مجاهدٍ ، عن ابنِ عباسٍ مثلُه .
حدَّثنى ابنُ المثنَّى، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبى إسحاقَ ،
عن النعمانِ بنِ مالكِ ، قال: تَتَّعتُ فسألتُ ابنَ عباس، فقال: ما اسْتَيْسَرَ مِن
الهَدْيِ. قال: قلتُ : شاةٌ؟ قال: شاةٌ(٣).
حدَّثنا عبدُ الحميدِ ، قال: أخبَرَنا إسحاقُ ، عن شَريكٍ، عن أبى إسحاقَ ، عن
النعمانِ بنِ مالكِ، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ عما اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْي؟ قال: مِن
الأزواج الثمانية؛ مِن الإبلِ والبقرِ والمَغَرِ والضَّأْنِ (٤).
حدَّثنا أبو كُرِيبٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قالا: ثنا هُشَيمٌ، قال: الزهرىُّ أخبَرَنا -
وسُئل عن قولِ اللَّهِ: ﴿فَا أُسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِّ﴾ - قال: كان ابنُ عباسٍ يقولُ: مِن
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٣٦/١ (١٧٧٠) من طريق سفيان به .
(٢ - ٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ص ٩٣ (القسم الأول من الجزء الرابع) من طريق أبى إسحاق به .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٣٦/١ (١٧٧١) من طريق إسحاق به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢١٣/١ إلی و کیع وعبد بن حميد .

٣٥٠
سورة البقرة : الآية ١٩٦
(١)
الغنمِ(١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال : ثنا يونسُ بنُ أبى إسحاقَ ،
عن مجاهدٍ ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ما اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْيِ مِن الأزواج الثمانيةِ ().
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا خالدٌ ، قال: قيل للأشعثِ : ما قولُ الحسنِ
فيما(٣) استيسر من الهدي؟ فقال: شاةٌ(٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا سعيدٌ(٥)، عن
قتادةَ ، قال: أعلاه بَدَنَةٌ، وأوسَطُه بقرةٌ ، وأخَشه شاةٌ .
حدَّثْنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعِ ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ مثلَه ،
إلا أنه قال(١) : كان يقالُ: أعلاه بَدَنَّةٌ. ثم ذكَر سائرَ الحديثِ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا همامٌ، عن قتادةَ ، عن
زرارةً، عن ابنِ عباسٍ ، قال: ما(٢) اسْتَيْسَر مِن الهَدْي شاةٌ .
حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال: ثنا عبدُ الوهّابِ ، قال : ثنا أيوبُ، عن أبى جمرةً ، عن
ابنِ عباسٍ مثلَه(٨).
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن ابنِ جُرَيج، عن عطاءٍ: ﴿فَا أُسْتَيْسَرَ
(١) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٣١٧ - تفسير) عن هشيم به .
(٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣١١ - تفسير) من طريق يونس بن أبى إسحاق به .
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فما)).
(٤) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٣٠٥ - تفسير) عن يونس ومنصور، عن الحسن به .
(٥) فى م، ت ٢، ت ٣: ((شعبة))، وفى ت ١: ((معبد)).
(٦) سقط من: م، ت ٣.
(٧) فى م: ((فما)).
(٨) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٣١٨ - تفسير) من طريق أبى جمرة به نحوه .

٣٥١
سورة البقرة : الآية ١٩٦
مِنَ الْهَدْيِّ﴾: شاةٌ() .
حدَّثنا أبو كريب، قال: حدَّثنا ابنُ يَمانٍ، قال: ثنا محمدُ بنُّ نُفَيعِ(٢)، عن عطاءٍ
مثلَه .
حدَّثنا موسَى بنُ هارونَ ، قال : ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ، [٢١/٥ظ] قال: المُصَرُ يَبْعثُ بشاةٍ(٢) فما فوقَه (٤) .
حدَّ ثنى عبيدُ بنُ إسماعيلَ الهَّارىُّ، قال: ثنا ابنُ ثُميرٍ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ،
عن عَلْقمةَ، قال: إِذا أهَلَّ الرجلُ بالحجِّ فأُحصِرَ، بعَث بما استيسَر مِن الهَدْىِ؛ شاةٍ .
قال : فذكرتُ ذلك لسعيدِ بنِ جُبيرٍ ، فقال: كذلك قال ابنُ عباسٍ(٥).
حدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ، عن
ابنِ عباسٍ : ما استيسَر مِن الهَدْيِ شاةٌ فما فوقَها .
/ حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةٌ، وحدَّثنا المثنَّى، ٢١٧/٢
قال : ثنا آدمُ العَسْقلانيُ، عن شعبةً، قال : ثنا أبو جَمْرةَ ، عن ابنِ عباسٍ ، قال : ما
استيْسَر مِن الهَدْيِ جَزُورٌ أو بقرةٌ أو شاةٌ أو شِرْكٌ فى دم ١.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال : ثنا عبدُ الوهابِ ، قال : سمِعتُ يحيى بنَ سعيدٍ ، قال :
(١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣٠٤ - تفسير) من طريق حجاج، عن عطاء .
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((نقيع))، وغير منقوطة فى الأصل. وينظر الجرح والتعديل ١١٠/٨.
(٣) كذا فى الأصل، وكتب فوقها: ((بهدى))، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((بهدى شاة)).
(٤) فى م: ((فوقها)).
(٥) تقدم أوله فى ص ٣٢٨.
(٦) أخرجه البخارى (١٦٨٨) - ومن طريقه ابن حزم فى المحلى ٢٠٤/٧ - من طريق شعبة به ، وأخرجه
سعيد بن منصور في سننه (٣١٩ - تفسير) من طريق أبى جمرة به .

٣٥٢
سورة البقرة : الآية ١٩٦
سمِعتُ القاسمَ بنَ محمدٍ يقولُ : إنّ ابنَ عباسٍ كان يَرَى أن الشاةَ ما استيْسَر مِن الهَدْيِ(١).
٠
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن مُغِيرةَ، عن إبراهيمَ ، قال: ما
اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ شاةٌ(١) .
حدَّثنى المُثَنَّى ، قال : ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، عن خالدِ الحذَّاءِ،
عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عباس أنه قال : ما استيْسَر مِن الهَدْىِ شاةٌ .
حدَّثنى المثنَّى، قال : ثنا الحجاجُ، قال : ثنا حمادٌ ، عن قيسٍ بنِ سعدٍ ، عن
عطاءِ بنِ أبى رباحٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: شاةٌ(٣).
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال: ثنا وكيع، عن دَلْهَمِ بنِ صالح ، قال : سَأَلتُ أبا جعفر
عن قوله: ﴿فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِّ﴾. فقال: شاةٌ(٤).
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبَرَنا ابنُ وهبٍ ، أن مالكَ بنَ أنسٍ حدَّثه عن جعفرِ بنِ
محمدٍ ، عن أبيه، أن علىَّ بن أبى طالبٍ كان يقولُ: ما استَيْسَر مِن الهَدْيِ شأةٌ(°).
حدَّثنى المُتُنَّى، قال: ثنا مُطرّفُ بنُ عبدِ اللَّهِ ، قال: ثنا مالكُ بنُ أنسٍٍ، عن
جعفرِ بنِ محمدٍ ، عن أبيه، عن علىٍّ مثلَهُ(٥).
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ص ٩٨ (القسم الأول من الجزء الرابع)، وسعيد بن منصور فى سننه (٢٩٨ -
تفسير) من طريق يحيى بن سعيد نحوه، وأخرجه البيهقى ٢٤/٥ من طريق موسى بن عقبة عن القاسم به .
(٢) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه ( ٣٠٦، ٣٠٩ - تفسير )، وابن أبى شيبة ص ٩٣ (الجزء الأول من
القسم الرابع) من طريق مغيرة به .
(٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣٠٢ - تفسير) من طريق عمرو بن دينار، عن عطاء به .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٣٦/١ عقب الأثر (١٧٧٠) معلقا، ودلهم بن صالح ضعيف .
(٥) الموطأ ١/ ٣٨٥، ومن طريقه البيهقى ٢٤/٥، وأخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٣٠١ - تفسير )،
وابن أبى شيبة ص ٩٤ (الجزء الأول من القسم الرابع)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٣٦/١ (١٧٦٩) من طرق
عن جعفر به. وإسناده منقطع بين محمد بن على وعلى بن أبى طالب .

٣٥٣
سورة البقرة : الآية ١٩٦
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ ، قال: أخبَرَنى مالكُ بنُ أنسٍ ، أنه بلَغه
أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ كان يقولُ: ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ شاءٌ(١).
٠
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال مالكٌ: وذلك أحبُّ إلىّ(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه ، عن ابنِ عباسٍ فيما ١ استَيسَرَ مِن الهدى، قال: عليه - يعنى المحصَرَ - هَدْىٌّ،
إن كان موسِرًا فمِن الإبلِ، وإلا فمِن البقرِ، وإلا فمِن الغنمِ (٣).
حدَّثنى المثنَّى، قال : ثنا آدمُ العسقلانىُ، قال: أخبرنا ابنُ أبي ذئبٍ ، عن شعبةً
مولى ابنِ عباسٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْىِ شاةٌ ، وما عَظّمْتَ
شعائرَ اللَّهِ فهو أفضلُ .
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبَرَنا أشهبُ، قال: أخبَرَنى ابنُ لَهيعةَ، أن عطاءَ بنَ أبى
رباح حدَّثه، أنَّ ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ شاةٌ .
حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال : ثنا سهلُ بنُ يوسفَ ، قال : ثنا حميدٌ ، عن عبدِ اللهِ بنِ
عبيدِ بنِ عُمَيرٍ ، قال: قال ابنُ عباسٍ: الهدىُ شاةٌ. فقيل له: (لا يكونُ) دونَ بقرةٍ .
قال : فأنا أقرأُ عليكم من كتابِ اللهِ ما تُصدِّقون(٥) أن الهدىَ شأةٌ، ما فى الظبي؟ قالوا:
شاةٌ. قال: ﴿ هَدْيَا بَلِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٦].
(١) الموطأ ٣٨٥/١.
(٢) فى م، ت ٢، ت ٣: ((قال فما))، وفى ت ١: ((فما)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٣/١ إلى المصنف وابن أبى حاتم .
(٤ - ٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أيكون)).
(٥) فى م، ت ١، ت ٣: ((تدرون به))، وفى ت ٢: ((تقرون به))، وفى فتح البارى: ((تقوون به)).
(٦) ذكره الحافظ فى الفتح ٥٣٥/٣ وصحح إسناده.
( تفسير الطبرى ٢٣/٣ )

٣٥٤
سورة البقرة : الآية ١٩٦
وقال آخرون : ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ مِن الإبلِ والبقرِ ، سنّ دونَ سِّ .
٢١٨/٢
/ذكرُ مَن قال ذلك
[٢٢/٥و] حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا مُعْتَمِرٌ، قال: سمِعتُ
عُبَيدَ اللَّهِ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ ، قال: ما اسْتَيْسَر من الهَدْيِ، البقرةُ دونَ البقرةِ،
والبعيرُ دونَ البعيرِ (١).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، قال : ثنا سعيدٌ ، عن قتادةً، عن أبى
مِجْلَزٍ، قال : سأل رجلٌ ابنَ عمرَ: مَا اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ؟ قال: أَتَرْضَى شاةً؟ كأنه
لا يَوْضَاه .
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ ، قال : ثنا أيوبُ ، عن القاسم بن محمدٍ
ونافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْىِ ناقةٌ أو بقرةٌ . فقيل له: ما اسْتَيْسَر
مِن الهَدْيِ؟ قال : الناقةُ دونَ الناقةِ ، والبقرةُ دونَ البقرةِ .
حدَّثنى ("ابنُ المُنَّى) ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ ، قال: ثنا شعبةُ، عن يزيدَ بنِ أبی
زيادٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عمرَ، أنه قال فيما ) اسْتَيْسَر من الهدْيِ، قال: جَزورٌ أو
.. (٤)
بقرةٌ(٤) .
حدَّثنا أبو كريبٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا هُشيمٌ، قال: الزهرىُّ أخبَرَنا - وسُئِل
عن قولِ اللّهِ: ﴿فَا أُسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْبِّ﴾ - قال: قال ابنُ عمرَ: مِن الإبلِ والبقرِ(٥).
(١) أخرجه مالك فى الموطأ ٣٨٦/١ - ومن طريقه البيهقى ٢٤/٥ - عن نافع بلفظ: بدنة أو بقرة. وينظر
الاستذكار ٣١٤/١٢.
(٢ - ٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((المثنى)).
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت٣: ((فما)).
(٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣١٦ - تفسير) من طريق خصيف ، عن مجاهد به .
(٥) تقدم فى ص ٣٤٩، ٣٥٠ .

٣٥٥
سورة البقرة : الآية ١٩٦
حدَّثنى يعقوبُ، قال : ثنا ابنُ عُليَّةَ ، قال : أخبرنا أيوبُ ، عن نافعٍ ، عن ابنِ عمرَ
فى قوله: ﴿فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِّ﴾. قال: الناقةُ دونَ الناقةِ ، والبقرةُ دونَ البقرةِ .
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةً، عن أيوبَ ، عن القاسم، عن ابنِ عمرَ فى
قوله: ﴿فَا أُسْتَيْسَرَ مِنَ اَلْهَدْيِّ﴾. قال: الإبلُ والبقرُ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ ، قال: سمِعتُ يحبى بنَ سعيدٍ ، قال :
سمِعتُ القاسمَ بنَ محمدٍ يقولُ : كان عبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ وعائشةُ يَقولان: ما اسْتَيْسَر
مِن الهَدْيِ، مِن الإبلِ والبقرِ (١).
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ ، قال : ثنا الوليدُ بنُ أبى هشامٍ ،
عن زيادٍ بنِ تجبيرٍ، عن أخيه عبدِ اللَّهِ أو عُبيدِ اللَّهِ بنِ جُبَيْرٍ، قال: سألتُ ابنَ عمرَ عن
المتعةِ عن الهَدْيِ؟ فقال: ناقةٌ . قلت: ما تَقولُ فى الشاةِ؟ قال: أكلُّكم شاةٌ؟
أكلُّكم شاةٍ(٣)؟
حدَّثنى يعقوبُ ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن ليثِ ، عن مجاهدٍ وطاوسٍ ، قالا: ما
اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ بقرةٌ .
حدَّثنى المثنَّى ، قال: ثنى عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ، عن علىّ:
◌ْ فَا أُسْتَيْسَرَ مِنَ اَلْهَدْيِّ﴾. قال: فى قولِ ابنِ عمرَ بقرةٌ فما فوقَها .
(١) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٢٩٩ - تفسير)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٣٦/١ (١٧٧٢) من
طريق يحيى بن سعيد به. وأخرجه البيهقى ٢٤/٥ من طريق آخر عن القاسم، عن ابن عمر وحده . وقال
الحافظ فى الفتح ٥٣٥/٣: إسناد قوى .
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فى)).
(٣) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٣١٣، ٣١٤ - تفسير) من طرق عن ابن عمر، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٢١٣/١ إلى وكيع وسفيان بن عيينة وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم من
طرق عن ابن عمر .

٣٥٦
سورة البقرة : الآية ١٩٦
حدَّثنى المُثُنَّى ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنى أبو مَعْشَرٍ، عن نافعٍ ، عن ابنٍ.
عمرَ، قال: ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ بَدنةٌ أو بقرةٌ ، فأما شاةٌ فإنما هى نُسُكٌ .
حدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا الحجّاجُ، قال: ثنا حمَّادٌ، عن هشامِ بنِ عُرْوةَ، عن
أبيه ، قال : البدنةُ دونَ البدنةِ ، والبقرةُ دونَ البقرةِ ، وإنما الشاةُ نُسُكٌ. وقال: تكونُ
البقرةُ بأربعين وبخمسينَ(١).
حدَّثنا الربيعُ، قال : ثنا ابنُ وهبٍ ، قال: ثنى أسامةُ، عن نافع ، عن ابنِ عمرَ ،
كان يقولُ: ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ بقرةٌ .
٢١٩/٢
/ حدَّثنا الربيعُ، قال: ثنا ابنُ وهبٍ ، قال: ثنى أسامةُ بنُ زيدٍ ، أن سعيدَ بنَ أیی
هندٍ حدَّثه قال : رأيتُ ابنَ عمرَ وأهلُ اليمنِ يَأْتُونه فيَسْأَلُونه عمَّا اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ
ويقولون: "الشُّوهُ؟ الشُّوهُ"؟، قال: فيردُّ عليهم: (الشُّوهُ! الشُّوهُ"! يَحْكِيهم،
لأن" الجزورَ دونَ الجزورِ ، والبقرةَ دونَ البقرةِ، ولكن ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْىِ بقرةٌ .
وأولى القولين بالصوابِ قولُ مَن قال: ما اسْتَيْسر مِن الهَدْيِ شاةٌ ؛ لأن اللَّهَ جلَّ
ثناؤُهُ) أوجَب ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ، فذلك على كلِّ ما تَيَشَر للمُهْدِى أَن يُهْدِيَه ،
كائنًا ما كان ذلك الذى يُهْدَى، إلا أن يكونَ اللَّهُ [٢٢/٥ظ] جلَّ وعَزَّ خَصَّ مِن ذلك
شيئًا ، فيكونَ ما خَصَّ مِن ذلك خارجًا مِن جملةِ ما احتمَله ظاهرُ التنزيلِ، ويكونَ
سائِرُ الأشياءِ غيرُه مُجْزِئًا إذا أهداه المُهْدِى، بعد أن يَسْتَحِقَّ اسمَ هَدْي .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٣٧/١ (١٧٧٤) من طريق هشام به .
(٢ - ٢) فى م: ((الشاة الشاة)) والشوه جمع الشاة. ينظر اللسان (ش وهـ ).
(٣ - ٣) فى الأصل: ((الشوه))، وفى م: ((الشاة الشاة)).
(٤ - ٤) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((يحضهم إلا أن)).
(٥) بعده فى م: ((إنما)).

٣٥٧
سورة البقرة : الآية ١٩٦
فإن قال قائلٌ : فإنَّ الذين أبوا أن تَكُونَ الشاةُ مما اسْتَيْسَر مِن الهدي؛ لأنه(١) لا
يَسْتَحِقُّ اسمَ هَذْي، كما أنه لو أهدَى دجاجةٌ أو بيضةٌ لم يكن مُهْدِيًا هَذْيًا مُجْزِئًا؟
قيل: لو كان فى المُهْدِى الدجاجةَ والبيضةَ مِن الاختلافِ نحو الذى فى
الْمُهْدِى الشاةَ ، لكان سبيلُهما واحدةً ، فى أن كلَّ واحدٍ منهما قد أدَّى ما عليه بظاهرٍ
التنزيلِ، إذا لم يكنْ أحدُ المُهْدَتَيْنِ(٢) يُخْرِجُه مِن أن يكونَ مؤدِّيًا (٢) - بإهدائِه ما
أَهْدَى مِن ذلك - ما(٤) أو جَبّه اللَّهُ عليه ( فى إحصارِهْ) ، ولكن لمّا أَخْرَج المُهْدِى ما
دونَ الجَذَعِ مِن الضأنِ ، والثَّنِيّ من المَغَزِ والإبلِ والبقرِ فصاعدًا مِن الأسنانِ ، من أن
يَكُونَ مُهْدِيًا ما أوجبه اللَّهُ عليه فى إحصارِه أو(٦) مُتْعَتِه - الحُكَّةُ(٧) القاطعةُ العذرَ،
نقلاً عن نبيِّها(٨) ◌ِ ◌ِّ وراثةً، كان ذلك خارجًا مِن أن يكونَ مرادًا بقوله: ﴿فَإِنْ
أُحْصِرْتُمْ نَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدِّْ﴾. وإن كان مما اسْتَيْسَر لنا مِن الهَدَايا. ولمّ اخْتُلِف فى
الجَذَعِ مِن الضأنِ ، والثَّنِىِّ مِن المعْزِ، كان مُجْزِئًا ذلك عن مُهدِيه؛ لظاهرِ التنزيلِ،
لأنه مما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ .
فإن قال قائلٌ: ما مَحَلُّ ((ما)) التى فى قوله: ﴿فَمَا أُسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِّ
قیل : رَفْعُ .
(١) فى م: ((بأنه))، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فإنه).
(٢) فى حاشية الأصل: ((المهدين)).
(٣) فى الأصل: ((مهديا)).
(٤) فى م: ((مما)).
(٥ - ٥) سقط من: الأصل، ت ٣، وفى ت ١: ((فى حصره))، وفى ت ٢: ((فى إحصار)).
(٦) فى الأصل: ((و)).
(٧) فى م: ((بالحجة)).
(٨) فى م: ((نبينا)).

٣٥٨
سورة البقرة : الآية ١٩٦
فإن قال: بماذا؟ قيل: بمَتْروكٍ، وذلك: فعليه. لأن تأويلَ الكلام: وأتمّوا الحَجَّ
والعمرةَ للَّهِ أيُّها المؤمنون، فإنْ حبسكم عن إتمامٍ ذلك حابسٌ مِن مرضٍ أو كسرٍ
أو خوفٍ عدوٍّ، فعليكم لإحلالِكم إن أَرَدْتُم الإحلالَ مِن إحرامِكم - ما اسْتَيْسَر
مِن الهَدْيِ .
وإنما احْتَرْنا الرفْعَ فى ذلك؛ لأن أكثرَ القرآنِ جاء برفع نظائرٍه ؛ وذلك كقوله :
﴿فَنْ كَانَ مِنْكُمْ فَرِضًا أَوْ بِةٍ أَذَى مِّن رَّأْسِهِ، فَفِذْيَةٌ مِّنْ صِيَامٍ ﴾. وكقوله: ﴿فَ لَّمْ
يَجِدٌ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَمٍ ﴾. وما أُشْبَه ذلك، مما يَطُولُ بإِحصائِه الكتابُ، تَرَكْنَا ذِكْرَه
استغناءً بما ذكرنا عنه .
ولو قيل: موضعُ ((ما )) نَصْبٌ ، بمعنى: فإن أحصِرتم فَأَهْدُوا ما اسْتَيْسَر مِن
الهَدْىِ . لكان غيرَ مُخْطئ قائِلُه .
وأما الهَدْىُ ، فإنه جمعٌ، واحدُها هَدْيَةٌ ، على تقديرٍ جَدْيةِ الشَّرْجِ() ، والجمعُ
الجَدْىُ، مخففٌ .
حُدِّثْتُ عن أبى عُبَيْدَ مَعْمَرِ بنِ المُنَى، عن يونسَ، قال: كان أبو عمرو بنُّ
٢٢٠/٢ العلاءِ يقولُ: لا أَعْلَمُ / فى الكلام حرفًا يُشْبِهُه(٢).
وبتَخفيفِ الياءِ قرأه القَرأَةُ فى كلِّ مِصرٍ، وتسكينِ الدالِ ﴿مِنَ الْهَدْيِّ﴾. إلا
ما ذُكِر عن الأعرج ؛ فإن أبا هشام الرفاعىَّ حدَّثنا ، قال: ثنا يعقوبُ، عن بشارٍ ، عن
أَسِيدٍ(٣)، عن الأعرج أنه قرأ : (هَدِيًّا بالِغَ الكَعْبَةِ). بكسرِ الدالِ مُثَقَّلًا، وقرأ:
(١) جدية السرج: القطعة من الكساء المحشُوة تحت دفتى السرج وظلفة الرجل. اللسان (ج دى).
(٢) مجاز القرآن ١/ ٦٩.
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أسد)). وينظر تهذيب الكمال ٢٣٧/٣.

٣٥٩
سورة البقرة : الآية ١٩٦
(حتَّى يَبْلُغَ الهَدِىُّ مَحِلَّه) بكسرِ الدالِ فى ((الهدِىّ) ) مثقّلةً(٢).
واخْتُلِف فى ذلك عن عاصم، فرُوِى عنه موافقةُ الأعرج، ومخالفتُه إلى قراءةِ
ءَ (٣)
سائرِ القَرَأَةِ(٣) .
والهَدْىُ عندَنا إنما سُمِّى هَذْيًا؛ لأنه تقرَّبَ به إلى اللَّهِ [٢٣/٥و] تعالى ذكرُه
مُهْدِيه، بمنزلةِ الهَدِيَّةِ يُهْدِيها الرجلُ إلى غيرِهِ مُتَقَرَّبًا بها إليه. يُقالُ منه: أَهْدَيْتُ
الهَدْىَ إلى بيتِ اللَّهِ، فأنا أُهْدِيه إهداءً. كما يُقالُ فى الهدِيَّةِ يُهْدِيها الرجلُ إلى
غيرِهِ : أَهْدَيْتُ إِلى فلانٍ هَدِيَّةً، فأنا أَهْدِيها إِهْداءً(٤) . ويُقالُ للبَدَنَةِ: هَدْيَةٌ. ومنه
قولُ زُهيرٍ بِنِ أبى سُلْمَى يَذْكُرُ رجلًا أُسِر، يُشَبَّهُه فى حُزْمَتِهِ بِالبَدَنَةِ التى تُهْدَى (٥) :
ولم أرَ جارَ بَيْتٍ يُسْتَبَاءُ
فلم أرَ مَعْشَرًا أُسَرُوا هَدِيًّا
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَلَا تَخْلِّقُواْ رُءُوسَكُمٍ حَى بَلُغَ الْحَدِىُ مَحِلٌَّ ﴾
يعنى بذلك جلَّ وعزَّ: فإن أَحْصِرْتم فأرَدْتُمُ الإحلالَ مِن إحرامِكم ، فعليكم ما
اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ، ولا تُحِلُّوا مِن إحرامِكم إذا أُحْصِرتم حتى يَتْلُغَ الهَدْىُ الذى
أوجَبْتُه عليكم، لإِخْلالِكم مِن إخْرامِكم الذى أَخْصِرْتم فيه، قبلَ تَمَامِه وانْقِضاءٍ
مَشاعرِهِ ومناسِكِه - مَحِلَّه. وذلك أنَّ حَلْقَ الرأسِ إحلالٌ مِن الإحرامِ الذى كان
المحرِمُ قد أوجَبَه على نفسِه، فنهاه اللَّهُ عن الإحلالِ مِن إحرامِه بحِلاقِه حتى يَبْلُغَ
الهَدْىُ الذى أباح اللَّهُ له الإحلالَ - جلَّ ثناؤه - بإهدائِهِ، مَحِلَّه.
(١ - ١) سقط من: م، ت ١.
(٢) وهى قراءة شاذة. البحر المحيط ٢/ ٧٤، ٢٠/٤. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٣/١ إلى المصنف.
(٣) الذى روى عن عاصم موافقة الأعرج هو عصمة كما فى البحر المحيط ٢/ ٧٤.
(٤) سقط من: م.
(٥) شرح دیوان زهير ص ٧٩.

٣٦٠
سورة البقرة : الآية ١٩٦
ثم اختلف أهلُ العلم فى مَحِلِّ الهَدْىِ الذى عناه اللَّهُ، الذى متى بلَغه كان
للمُخْصَرِ الإِحلالُ مِن إحرامِه الذى أُخْصِر فيه ؛ فقال بعضُهم: مَحِلُّ هَدْىِ المُحْصَرِ
الذى يَحِلُّ به ويجوزُ له ببلوغِه إياه حَلْقُ رأسِه ، إذا كان إحصارُه مِن خوفٍ عدوٍّ منَعه
ذَبْحَه، إن كان مما يُذْبَحُ، أَو نَحْرَه، إن كان مما يُنْحَرُ - فى الحِلِّ، ذبَح أو نَحَر ، أو
فى الحَرَمِ ، وإن كان من غيرِ خوفٍ عدوٌّ ، فلا يَحِلُّ حتى يَطُوفَ بالبيتِ ويَسْعَى بينَ
الصَّفا والمروةِ. وهذا قولُ مَن قال: الإِحصارُ إحصارُ العدوِّ دونَ غيرِه (١) .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبَرَنا ابنُ وهبٍ ، قال: حدَّثنى مالكُ بنُ أنسٍ ، أنه بلغه
أن رسولَ اللّهِ بِغِ حلَّ هو وأصحابُه بالحديبيةِ، فنحَروا الهَدْىَ، وحَلَقوا رُءوسَهم ،
وحَلُّوا مِن كلِّ شيءٍ قبلَ أن يَطُوفوا بالبيتِ ، وقبلَ أن يَصِلَ إليه الهَدْىُ، ثم لم نَعْلَمْ أن
رسولَ اللَّهِ مَّهِ أَمَر أحدًا مِن أصحابِه، ولا ممن كان معه، [٢٣/٥ظ] أن يَقْضُوا شيئًا،
ولا أن يَعُودُوا لشىءٍ() .
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ ، قال: أخبَرَنى مالكٌ، عن نافعٍ، أنَّ
عبدَ اللهِ بنَ عمرَ خرَج إلى مكةَ مُعْتَمِرًا فى الفتنةِ ، فقال : إن صُدِدْتُ عن البيتِ
صنَعنا كما صنَعْنَا مع رسولِ اللَّهِ عَّهِ. فَأَهَلَّ بعمرةٍ مِن أجل أن النبيَّ عَ لَّهِ كان أَهَلَّ
بعمرةٍ عامَ الحديبيةِ ، ثم إن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ نظَر فى أمرِه فقال: ما أمرُهما إلا واحدٌ .
م
قال : فالتَفَت إلى أصحابِه فقال: ما أمرُهما إلا واحدٌ ، أَشْهِدُكم أنى قد أَوجَبْتُ
(١) فى م: ((غير)).
(٢) تقدم تخريجه فى ص ٣٤٦.
(٣) وذلك حين حاصر الحجاج بن يوسف الثقفى عبدَ اللهِ بن الزبير وهو بمكة إلى أن قتله . ينظر خبر هذه الفتنة
فى البداية والنهاية ١٧٧/١٢ وما بعدها .