Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
سورة البقرة : الآية ١٨٧
اُلْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾. قال: الخيطُ الأبيضُ الذى يكونُ مِن تحت الليلِ يكشِفُ
الليلَ ، والأسودُ ما فوقَه .
وأمَّ قولُه: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾. فإنه تعالى ذكرُه يغْنِى: حتَّى يتبيَّنَ لكم الخيطُ الأبيضُ
من الخيط الأسود الذی هو من الفجرِ ، وليس ذلك هو جمیعَ الفجر ، ولكنه إذا تبيَّنَ لكم
أيّها المؤمنون (١) من الفجرِ ذلك الخيطُ الأبيضُ الذى يكون من تحتِ الليلِ الذى فوقَه
سوادُ الليلِ، فمِن حينئذٍ فصُوموا، ثم أتُمُّوا صيامَكم من ذلك إلى الليلِ .
وبمثلٍ ما قلنا فى ذلك كان ابنُ زيدٍ يقولُ .
حدَّثنى يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿ مِنَ
الْفَجْرِ﴾. قال: ذلك الخيطُ الأبيضُ هو من الفجرِ نسبةً إليه، وليس الفجرَ كلَّه ،
فإذا جاء هذا الخيطُ وهو أوَّلُه، فقد حلَّتِ الصلاةُ، وحرُمَ الطعامُ والشرابُ على
الصائم .
وفى قولِه تعالى ذكرُه: ﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ
اَلْخَيْطِ اْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِّ ثُمَّ أَنِعُواْ الْصِيَامَ إِلَى الَّيْلِ﴾. أوضحُ الدَّلالةِ على خطأ قولٍ
مَن قال: حلالٌ الأكل والشربُ لمن أرادَ الصومَ ، إلى طلوع الشمس. لأن الخيطَ
الأبيضَ من الفجرِ يتبيَّنُ عندَ ابتداءِ طلوع أوائلِ الفجرِ، وقد جعَل اللَّهُ تعالى ذكرُه
ذلك حدًّا لمن لزِمه الصومُ فى الوقتِ الذى أباح إليه الأكلَ / والشربَ والمباشرةَ، فمَن ١٧٧/٢
زعم أن له أن يتجاوزَ ذلك الحدَّ، قيل له: أرأيتَ إن أجاز له آخَرُ ذلك ضَحوةً أو
نصفَ النهارِ ؟
فإن قال : إنَّ قائلَ ذلك مخالفٌ للأُمّةِ . قيل له: وأنت لما دلَّ عليه كتابُ اللَّهِ ونقْلُ
(١) فى ت ١، ت ٢: ((الناس)).

٢٦٢
سورة البقرة : الآية ١٨٧
الأُمةِ مخالفٌ ، فما الفرقُ بينَك وبينَه من أصلٍ أو قياس؟ فإن قال : الفرقُ بينى وبينَه أن
اللَّهَ أمرَ بصومِ النهارِ دونَ الليلِ، والنهارُ من طلوع الشمس. قيل له: كذلك يقولُ
مُخالِفوك، والنهارُ عندهم أوَّلُه طلوعُ الفجرِ، وذلك هو ضوءُ الشمسِ وابتداءُ طلوعِها
دونَ أن يتامّ طلوعُها، كما أن آخِرَ النهارِ ابتداءُ غروبِها دونَ أن يتامُّ غروبُها .
ويقالُ لقائلى ذلك: إن كان النهارُ عندَكم كما وصفتُم هو ارتفاعُ الشمسِ
وتكاملُ طلوعِها ، وذَهابُ جميع سُدْفِ الليلِ وغَبَسٍ". سوادِه، فكذلك عند کم
الليلُ، هو تتَامُّ غروبِ الشمسِ وذَهابُ ضيائِها ، وتكاملُ سوادِ الليلِ وظلامِه .
فإن قالوا : ذلك كذلك. قيل لهم: فقد يجِبُ أن يكونَ الصومُ إِلى مَغیبٍ
الشَّفَقِ ، وذَهابٍ ضوءِ الشمسِ وبياضِها من أُفقِ السماءِ .
فإن قالوا : ذلك كذلك . أوجبوا الصومَ إلى مَغيبِ الشفقِ الذى هو بياضٌ،
وذلك قولٌ إن قالوه مدفوعٌ بنَقْلِ الحَجَّةِ التى لا يجوزُ فيما نَقلَتْه مُجمِعةٌ عليه الخطأُ
والسهؤُ، "وكفى بذلك شاهدًا٢) على(٣) تخطئته .
وإن قالوا : بل أوَّلُ الليلِ ابتداءُ سُدْفَتِه وظلامِه، ومَغيبُ عينِ الشمسِ عنا . قيل
لهم: وكذلك أوَّلُ النهارِ، طلوعُ أوَّلِ ضياءِ الشمسِ، ومَغيبُ أوائلِ سُدْفةِ الليلِ.
ثم يُعكَسُ عليه القولُ فى ذلك، ويُسألُ الفرقَ بين ذلك، فلن يقولَ فى
أحدِهما قولًا إِلَّا أُلزِمَ فى الآخَرِ مثلَه.
وأما الفجرُ، فإنه مصدرٌ من قولِ القائل: تفجَّرَ الماءُ يتفَجَّرُ فَجْرًا. إذا انبعَثَ
(١) فى ت ١، ت ٢: ((عبس))، والغبس: ظلام فى آخر الليل. التاج (غ ب س ).
(٢ - ٢) سقط من النسخ ، وأثبتناه كالشيخ شاكر.
(٣) فى م: ((عن)).

٢٦٣
سورة البقرة : الآية ١٨٧
وجرَى . فقيلَ للطالع من تباشيرِ ضياءِ الشمسِ من مَطَعِ الشمسِ : فَجْرٌ . لانبعاثٍ
ضَوئِه عليهم وتورُّدِه عليهم بطُرُقِهم ومحاجّهم (١)، تفجّرَ الماءِ المنفَجِرِ من مَنْبِعِه.
وأمّا قولُه: ﴿ثُمَّ أَتِقُواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ﴾. فإنه تعالى ذكرُه حدَّ الصومَ بأنَّ آخِرَ
وقِه إقبالُ الليلِ، كما حدَّ الإفطارَ وإباحةَ الأكلِ والشربِ، والجماعِ وأوَّلَ الصومِ
بمجىءٍ أَوَّلِ النهارِ وأوَّلِ إدبارٍ آخرِ الليلِ، فدلّ بذلك على ألا صَوْمَ بالليلِ كما لا فِطْرَ
بالنهارِ فى أيامِ الصومٍ، وعلى أنَّ المُواصِلَ (٢) مُجوِّعٌ(٣) نفسَه فى غيرِ طاعةٍ ربِّه .
كما حدَّثْنا هَنادٌ ، قال: ثنا أبو معاويةً ووكيعٌ وعَبْدةُ ، عن هشام بن عروةَ ، عن
أبيه، عن عاصم بنِ عمرٍوَ، عن عمرَ، قال: قال رسول اللَّهَ عَهِ: ((إِذَا أقْبَلَ اللَّيْلُ
وَأَدْبَرَ النَّهَارُ وغَابَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَقْطَرَ الصَّائمُ )) (٤).
حدَّثْنا هنادٌ ، قال: ثنا أبو بكرٍ بنُ عياشٍ، قال: ثنا أبو إسحاقَ الشيبانىُّ،
وحدثنا هنّادُ بنُ السَّرِىِّ، قال: ثنا أبو عبيدةَ وأبو معاويةَ، (عن الشيبانىْ)، وحدَّثنا
ابنُ المثنى، قال: ثنا أبو معاويةً، وحدَّثنى أبو السائبِ ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن
(١) المحاج جمع محجة، وهى الطريق. التاج (ح ج ج ).
(٢) فى ت ١: ((الواصل))، وفى ت ٢: ((المواصلة)).
(٣) فى ت ٢: ((محوج)).
(٤) أخرجه مسلم (١١٠٠)، والترمذى - كما فى تحفة الأشراف (١٠٤٧٤) - وابن خزيمة (٢٠٥٨)، والبزار
(٢٥٩)، وابن حبان (٣٥١٣)، من طريق أبى معاوية به. وأخرجه ابن أبى شيبة ١١/٣، وأحمد ٣٢٣/١،
٤٤٥ (١٩٢، ٣٨٣)، وأبو داود (٢٣٥١)، والنسائى فى الكبرى (٣٣١٠)، وأبو يعلى (٢٤٠)، وأبو نعيم فى
الحلية ٣٧١/٨، ٣٧٢ من طريق وكيع به. وأخرجه الدارمى ٧/٢، والترمذى (٦٩٨)، وابن خزيمة (٢٠٥٨)
من طريق عبدة به. وأخرجه عبد الرزاق (٧٥٩٥)، والحميدى (٢٠)، وأحمد ٣٥٤/١، ٣٥٥، ٤١٨ (٢٣١،
٣٣٨)، والبخارى (١٩٥٤)، وأبو داود (٢٣٥١)، والترمذى - كما فى التحفة - وابن الجارود (٣٩٣)،
والبيهقى ٢١٦/٤، ٢٣٧، ٢٣٨، والبغوى (١٧٣٥) من طريق هشام به .
(٥ - ٥) سقط من: ت ١، ت ٢. وفى م: ((عن شيبان)).

٢٦٤
سورة البقرة : الآية ١٨٧
١٧٨/٢ الشيبانيّ، قالوا جميعًا فى حديثهم: عن عبدِ اللهِ بن أبى أوْفَى، [٢٠٩/١و] قال: / كنا
مع النبيِّ ◌َِّ فى مسيرٍ وهو صائمٌ، فلمَّا غَربتِ الشمسُ قال لرجلٍ: ((انْزِلْ
فاجْدَحُ(١ لى)). قالوا: لو أمسيتَ يا رسولَ اللَّهِ. فقال: ((انْزِلْ فاجْدَعْ لی)). فقال
الرجلُ: يا رسولَ اللَّهِ، لو أمسيتَ. قال: ((انْزِلْ فاجْدَعْ لى)) قال: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّ
علينا نهارًا. فقال له الثالثةَ، فنزَل فجَدَحَ له، ثم قال رسولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ
مِنْ ههنا)) - وضرَبَ بيدِه نحوَ المشرقِ - ((فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائمُ))(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن رُفَيَعِ،
قال : فَرَض اللَّهُ الصيامَ إلى الليل، فإذا جاءَ الليلُ فأنت مُفطِرٌ، إن شئتَ فَكَلْ، وإن
شئتَ فلا تأكُلْ .
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا عبدُ الأعلَى، قال: ثناداودُ ، عن أبى العاليةِ أنه سُئِلَ عن
الوصالِ فى الصومِ ، فقال : افترض اللَّهُ على هذه الأمةِ صومَ النهارِ، فإذا جاء الليلُ
ءِ
فإن شاءَ أَكَل وإن شاءً لم يأكُلْ.
حدَّثنى يعقوبُ، قال: حدَّثنى ابنُ عُلَيَّةَ، عن داودَ بنِ أبى هندٍ ، قال : قال أبو
العالية فى الوصالِ فى الصوم، قال: قال اللَّهُ: ﴿ثُمَّ أَتِقُواْ الْضِيَامَ إِلَى الَّيْلِّ﴾. فإِذا
جاء الليلُ فهو مُفطِرٌ، فإن شاءَ أَكلَ وإن شاء لم يأكُلْ(١).
حدَّثنى المثنَّى، قال : ثنا ابنُ دُكينٍ، عن مِسعرٍ ، عن قتادةَ ، قال : قالت عائشةٌ:
﴿ أَيُِّواْ الْصِيَامَ إِلَى الَّيَّلِّ﴾. يعنى أنها كرِهَتِ الوصالَ(٤).
(١) الجدح: أن يحرك السويق بالماء ويخوض فيه حتى يستوى. النهاية ٢٤٣/٢.
(٢) أخرجه البخارى (١٩٤١، ١٩٥٥، ١٩٥٦، ١٩٥٨، ٥٢٩٧)، ومسلم (١١٠١) من طرق عن
الشیبانی به ..
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٨٣/٣، ٨٤، عن إسماعيل ابن علية به بنحوه .
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٨٣/٣ من طريق مسعر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٠/١ إلى عبد بن =

٢٦٥
سورة البقرة : الآية ١٨٧
فإن قال قائلٌ: فما وجهُ وصالٍ من واصَل، فقد علِمتَ بما حدَّثكم به أبو
السائبِ ، قال: ثنا حفصٌ، عن هشام بن عروةً، قال: كان عبدُ اللَّهِ بنُ الزبيرِ يواصِلُ
سبعةً أيامٍ ، فلمَّا كبِر جعَلها خمسًا، فلما كبِر جدًّا جعَلها ثلاثً(١).
حدَّثنا أبو السائبِ ، قال : ثنا حفصٌ، عن عبدِ الملكِ، قال: كان ابنُ أبي يَعمَّرَ
يُفْطِرُ فى كلِّ شهرٍ مرةً .
حدَّثنا ابنُ أبى بكرِ المقدَّمىُّ، قال: ثنا الفَرْوىُّ، قال: سمِعتُ مالكًا يقولُ : كان
عامرُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ الزبيرِ يواصلُ ليلةَ ستَّ عشْرةً وليلةَ سبْعَ عشْرةَ من رمضانَ لا
يُفطِرُ بينهما، فَلَقِيتُه فقلتُ له : يا أبا الحارثِ ماذا تجِدُه يُقوِّيك فى وصالِك ؟ قال :
السمنُ أشرَبُّه أجِده بَيْلُّ عروقِى، فأمَّا الماءُ فإنه يخرجُ من جسدِى .
وما أشبه ذلك ممن فعَل ذلك، ممن يطولُ بذكرِهم الكتابُ ؟
قيلَ : وجهُ من فعَل ذلك إن شاء اللَّهُ تعالى، على طلبِ الخُموصيةِ(٢) لنفسِه
والقوّةِ ، لا على طلبِ البِرّ للَّهِ بفعلِه، وفِعْلُهم ذلك نظيرُ ما كان عمرُ بنُ الخطابِ
يأمرُهم به بقولِه: احْشَوْشِنوا وتمَعْدَدواُ(١)، وانْزُوا على الخيلِ نَزْوًا، واقطعوا
= حميد. وفى إسناد ابن أبى شيبة: ((قدامة)) بدلا من قتادة .
(١) أخرجه ابن عساكر فى تاريخ دمشق ١٧٥/٢٨ - ١٧٧ من طريقين عن ابن الزبير وفيه ذكر مواصلته سبعة
أيام فقط دون باقى الأثر.
(٢) فى ت ٢: ((الحموصة)). قال الشيخ شاكر: الخموصة مصدر خمص بطنه خمصا، بسكون الميم
وفتحها، وخماصة. ولم يذكروا الخموصة فى كتب اللغة، وهو عربى عريق. وخمص بطنه: ضَمّر. التاج
(خ م ص ).
(٣) التمعدد : الصبر على عيش معد بن عدنان ، والتشبه بهم فى خشونة لباسهم وتقشفهم وغلظ معاشهم .
التاج (م ع د ).

٢٦٦
سورة البقرة : الآية ١٨٧
الرُّكُبَ (١)، وامشُوا حفاةً(٢) . يأمرُهم فى ذلك بالتخشُّنِ فى عَيْشِهم ؛ لئلا يتنقَّموا
فيَرْكَنوا إلى خفْضِ العيشِ، ويَميلُوا إلى الدَّعةِ فيجبُنوا ويَحتمُوا عن أعدائِهم، وقد
رغِب - لمن واصل - عن الوصالِ كثيرٌ من أهلِ الفضلِ.
:
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال : ثنا عبدُ الرحمن بنُ مهدئٍّ، قال : ثنا سفيانُ ، عن أبى
إسحاقَ ، أن ابنَ أبى نُغم(١) كان يواصلُ من الأيامِ حتى لا يستطيعَ أن يقومَ . فقال
عمرُو بنُ ميمونٍ: لو أدرَك هذا أصحابُ محمدٍ عَلَّه رَجَموه ".
ثم فى الأخبارِ المتواترةِ عن رسولِ اللَّهِ مَِّ بالنهي عن الوصالِ / التى يطولُ
بإحصائها الکتابُ ، تركنا ذِكْرَ أکثرها استغناءً بذکْرٍ بعضِها ، إذ كان فی ذکرٍ ما
ذكرنَا مُكتفّى عن الاستشهادِ - على كراهةِ الوصالِ - بغيرِه .
١٧٩/٢
حدَّثنا ابنُ المثنَّى، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ ، عن عبيدِ ) اللَّهِ، قال: أخبرنى
نافعٌ، عن ابنِ عمرَ، أن رسولَ اللَّهِ سَلِّ نهى عن الوصالِ ، قالوا: إنك تواصلُ يا
رسولَ اللَّهِ! قال: ((إنِّى لَسْتُ كأحدٍ مِنْكم، إِنِّى أَبِيتُ أُطْعَمُ وأُشْقَى))(٢).
وقد رُوِى عن النبيِّ عَّهِ الإذنُ بالوِصالِ من السَّحَرِ إلى السّحْرِ .
حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكم المصرىُّ، قال: ثنا شعيبٌ() ، عن
(١) الركب جمع ركاب، وهو من السرج كالغرز من الرحل. التاج (رك ب ).
(٢) مسند الفاروق ٢١٦/١، وغريب الحديث ٣٢٥/٣. والحديث فى المسند ٣٩٤/١ (٣٠١) بمعناه.
(٣) فى م: ((نعيم)).
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٨٤/٣ من طريق بكر بن عامر، عن ابن أبى نعم، وليس فيه ذكر قول عمرو بن ميمون .
(٥) فى م: (عبد)) .
(٦) أخرجه أحمد ٣٤٥/٨ (٤٧٢١)، والنسائى فى الكبرى (٣٢٦٣) من طريق يحيى بن سعيد به نحوه،
وأخرجه البخارى (١٩٦٢)، ومسلم (١١٠٢)، من طريق نافع به نحوه.
(٧) فى م: ((أبو شعيب))، وفى تأ: ((ابن شعيب))، وفى ت ٢: ((أبى شعيب)). وهو شعيب بن الليث بن سعد ..

٢٦٧
سورة البقرة : الآية ١٨٧
الليثِ ، عن يزيدَ بنِ الهادِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ حَتّابٍ (١) ، عن أبى سعيد الخدرىِّ، أنه سمِع
رسولَ اللَّهِ وَهِ يقولُ: ((لا تُواصِلُوا، فَأَيُّكُم أراد أن يُواصِلَ فَلْيُواصِلْ حتَّى السَّحَرِ )).
قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّك تواصلُ! قال: ((إِنِّى لَسْتُ كَهَيِقَتِكُم، إنى أَبِيتُ لى مُطْعِمٌ
يُطْعِمُنى وساقٍ يَسْقِينى))(١).
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال: ثنا أبو نُعيم ، قال : ثنا أبو إسرائيلَ العبسىُّ، عن أبى بكرِ
ابنِ حفصٍ، عن أمِّ ولدِ حاطبٍ بنِ أبي بَلْتَعةً أنها مرَّتْ برسولِ اللَّهِ مَ له وهو يتسَخَّرُ،
فدعاها إلى الطعام فقالت: إنى صائمةٌ . قال: ((وكيف تَصومين؟ )) فذكرتْ ذلك
للنبيِّ ◌َّه، فقال: ((أينَ أنتِ من وصالِ آلِ محمدٍ عَّه، من السَّحَرِ إلى
الشّخَرِ ؟)) (٣).
فتأويلُ الآيةِ إذن: ثم أتُوا الكفَّ عمَّا أمرَكم اللَّهُ بالكفِّ عنه، من حين يتبيَّنُ
لكم الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسودِ من الفجرِ إلى الليلِ ، ثم حَلّ لكم ذلك بعده ،
إلى مثلٍ ذلك الوقتِ .
كما حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
﴿ثُمَّ أَنِقُواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِّ﴾. قال: من هذه الحدودِ الأربعةِ. فقرأ: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ
لَيْلَةَ الْصِيَاءِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآَبِكُمْ﴾. فقرَأ حتى بلغ: ﴿ثُمَّ أَتِقُواْ الصِّيَامَ إِلَىَ
اَلَيْلَّ﴾. وكان أبى وغيرُه من مَشْيختِنا يقولون هذا ويتلونَه علينا.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلَا تُبَشِرُوهُنَ وَأَنْتُمْ عَلَكِّفُونَ فِىِ الْمَسَجِدِّ﴾
(١) فى ت ٢: ((حباب)). وينظر تهذيب الكمال ١٤/ ٤٤٩.
(٢) أخرجه البخارى (١٩٦٣) من طريق الليث به، وأخرجه أحمد ١٠٨/١٧، ١٠٩، ٣٤٠ (١١٠٥٥،
١١٨٢٢)، والبخارى (١٩٦٧) من طريق يزيد به .
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٢٣/١ عن المصنف .

٢٦٨
٠
سورة البقرة : الآية ١٨٧
يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿وَلَا تُبَشِرُوهُنَ﴾: لا تجامِعوا نساءًكم . وبقولِه :
﴿ وَأَنْتُمْ عَلَكِّفُونَ فِ اَلْمَسِدِ﴾. يقولُ: فى حالٍ عُكُوفِكم فى المساجدِ. وتلك
حالُ حَبْسِهم أنفسَهم على عبادةِ اللَّهِ فى مساجدِهم، و((العكوفُ)) أصلُه المُقَامُ
وحبسُ النفسِ على الشىءٍ، كما قال الطُّرِمَّاحُ بنُ حَكيم (١):
فبات(٢) بناتُ اللَّيْلِ حَوْلِىَ عُكَّقًا عُكُوفَ البَواكى بينَهنَ صَرِيُ
يعنى بقولِه: عكفًا: مقيمةً. وكما قال الفرزدقُ(٢):
على صَنمِ فى الجاهليةِ عُكَّفُ
ترى حولَهنَّ المُغْتَفِينَ(٤) كأنهم
١٨٠/٢
/ [٢٠٩/٢ظ] وقد اختلفَ أهلُ التأويلِ فى معنى ((المباشرَةِ)) التى نهى اللَّهُ عنها
بقوله: ﴿ وَلَا تُبَشِرُوهُنَ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك الجماُ دون غيرِه من معانى
المباشرةِ .
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثْنى المثنّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثنى معاويةُ بنُ صالحٍ،
عن علىٍّ بنِ أبي طلْحةً، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿ وَلَا تُبَشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ فِى
الْمَسَجِدِ﴾: فى رمضانَ أو فى غيرِ رمضانَ، فحرَّم اللَّهُ أن يَنكِحَ النساءَ ليلًا ونهارًا
حتى يقضىَ اعتكافه(٥) .
حدَّثنى المثنَّى ، قال : ثنا سويدٌ ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ ، عن ابنٍ نجريج، قال :
(١) ديوانه ص ٢٩٥.
(٢) فى الديوان: ((فباتت)).
(٣) ديوانه ص ٥٦١.
(٤) المعتفى: كل طالب فضل أو رزق. التاج (ع ف و).
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣١٩/١ (١٦٩١) من طريق عبد الله بن صالح به .

٢٦٩
سورة البقرة : الآية ١٨٧
قال لى عطاء: ﴿ وَلَا تُبَشِرُوهُنَ وَأَنْتُمْ عَلَكِّفُونَ فِىِ الْمَسَجِدِّ﴾. قال: الجماعُ(١).
حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيع، قال : ثنا أبِى ، عن سفيانَ ، عن عَلْقمةَ بنِ مَوْتَدٍ ، عن
الضحاكِ، قال: كانوا يجامِعون وهم معتكِفون حتى نزلت: ﴿وَلَا تُبَشِرُوهُنَّ
وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ فِ اُلْمَسَجِدِ﴾ (١).
حدَّثنا المثنى، قال : ثنا سويدٌ ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ، عن سفيانَ" ، عن
علقمةً بنِ مَرْثَدٍ ، عن الضحاكِ فى قوله: ﴿ وَلَا تُبَشِرُوهُنَ وَأَنْتُمْ عَكِفُونَ فِى
الْمَسَكِةِ﴾. قال: كان الرجلُ إذا اعتكف فخرَج من المسجدِ جامع إن شاء، فقال
اللّهُ: ﴿وَلَا تُبَشِرُوهُنَ وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ فِىِ الْمَسَجِدِّ﴾. يقولُ: لا تقربوهُنَّ ما دُمتم
عاكفينَ فى مسجدٍ (ولا) غيرِه(٥).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا سويدٌ ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ ، عن جُويبٍ، عن
الضحاكِ نحوَه .
حدَّثنى المثنى ، قال : حدثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ [١/٥و] أبى جعفر، عن أبيه،
عن الربيعِ، قال: كان أناسٌ يصيبون نساءَهم وهم عاكفونَ(٢) ، فنهاهُم اللَّهُ عن
(٧)
ذلك (٢) .
(١) تقدم فى ص ٢٤٤ .
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٩٢/٣ عن وكيع به .
(٣ - ٣) سقط من: ت ٢.
(٤ - ٤) فى م: ((أو)).
(٥) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١/ ٣٢٤ عن الضحاك.
* إلى هنا ينتهى الخرم الذى فى الأصل ، والمشار إلى بدايته ص ٢٢٩.
(٦) بعده فى م: (( فيها)) .
(٧) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠١/١ إلى المصنف.

٢٧٠
سورة البقرة : الآية ١٨٧
وحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَلَا
تُبَشِرُوهُنَ وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ فِى الْمَسِدِ﴾. قال: كان الرجلُ إذا خرَج من المسجدِ
وهو معتكفٌ فلقِى امرأته باشرَها إن شاء، فنهاهُم اللَّهُ عزَّ وجلَّ عن ذلك ، وأخبرَهم
أن ذلك لا يصلُحُ حتى يقضىّ اعتكافَه (١).
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿ وَلَا تُبَشِرُوهُنَ وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ فِىِ الْمَسَجِةِ﴾. يقولُ: من اعتكف فإنه
يصومُ ولا يَحِلُّ له النساءُ ما دام معتكفًا(٢) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
تَجيح، عن مجاهدٍ : ﴿وَلَا تُبَشِرُوهُنَ وَأَنْتُمْ عَكِّفُونَ فِىِ الْمَسَجِدِّ﴾. قال:
الجوارُ، فإذا خرَج أحدُكم من بيتِه إلى بيتِ اللَّهِ فلا يقرَبِ النساءً(٣) .
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال : ثنا شيلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ ، قال : كان ابنُ عباسٍ يقولُ: من خرَج من بيتِه إلى بيتِ اللَّهِ فلا يقرَبِ
(٤)
ـاءَ(٤).
النساء
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
١٨١/٢ قتادةَ فى قوله: ﴿وَلَا / تُبَشِرُوهُنَ وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ فِ الْمَسَجِدِ﴾. قال: كان الناسُ
إذا اعتكَفوا يخرجُ الرجلُ فيباشرُ أهلَه ثم يرجعُ إلى المسجدِ ، فنهاهم اللَّهُ عن
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠١/١ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣١٩/١ عقب الآثر (١٦٩١) من طريق عمرو به.
(٣) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣١٩/١ عقب الأثر (١٦٩١) معلقا .
(٤) تفسير مجاهد ص ٢٢٢، ومن طريقه البيهقى ٣٢١/٤ ، نحوه.

٢٧١
سورة البقرة : الآية ١٨٧
(١)
ذلك(١).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال : حدثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ،
قال : قال ابنُ عباس : كانوا إذا اعتكَفوا فخرَج الرجلُ إلى الغائطِ جامع امرأتَه ثم
اغتسَل، ثم رجَع إلى اعتكافِه، فتُهوا عن ذلك . قال ابنُ نجريج : قال مجاهدٌ : نُهوا
عن جماعِ النساءِ فى المساجدِ، حيثُ كانتِ الأنصارُ تجامِعُ، فقال: ﴿ وَلَا
تُبَشِرُوهُنَ وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ﴾: قال: ﴿عَكِّفُونَ ﴾: الجوارُ. قال ابنُ جريجٍ : فقلتُ
العطاءٍ: الجماعُ المباشرةُ؟ قال: الجماُ نفسُه. فقلتُ له: فالقُبلةُ فى المسجدِ
واللمسةُ(٢) ؟ قال: أمّا الذى حُرِّمَ فالجمائعُ، وأنا أكرهُ كلِّ شىءٍ مِن ذلك فى
(٣)
المسجدٍ (٢).
حُدِّثتُ عن حسينِ بنِ الفرج المروزىِّ (٤)، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ الفضلَ بنَ
خالدٍ، قال: ثناعُبيدُ بنُ سليمانَ، عن الضحاكِ: ﴿وَلَا تُبَشِرُوهُنَ﴾: يعنى الجماعَ ).
وقال آخرون: معنى ذلك على جميعِ معانى المباشرةِ مِن لمسٍ وقُبلةٍ وجماع .
ذِكرُ مَن قال ذلك
[١/٥ظ] حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال مالكُ بنُ أنس: لا
يَمَسُ المعتكِفُ امرأتَه ولا يباشِرُها ولا يتلذَّذُ منها بشىءٍ؛ قُبلةٍ ولا غيرِهاً).
(١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٧٢.
(٢) فى م: ((المسة)).
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (٢٠٨٢) عن ابن جريج عن عطاء نحوه. وأخرجه ابن أبى شيبة ٩٢/٣ من
طريق سفيان ، عن عطاء نحوه .
(٤) سقط من : م .
(٥) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣١٧/١ عقب الأثر (١٦٨١) معلقا .
(٦) الموطأ ٣١٨/١.

٢٧٢
سورة البقرة : الآية ١٨٧
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَلَا
تُبَشِرُوهُنَ وَأَنْتُمْ عَلَكِّفُونَ فِى الْمَسَجِدِ﴾. قال: المباشرةُ الجماعُ وغيرُ الجماع، كلَّه
محرَّمٌ عليه . قال : المباشرةُ بغيرِ جماع : إلصاقُ الجلدِ بالجلدِ .
وعلةُ من قال بهذا القولِ أن اللَّهَ تعالى ذِكرُه عمَّ بالنَّهي عن المباشرةِ ولم
يَخْصُصْ منها شيئًا دون شىءٍ ، فذلك على ما عمَّه حتى تأتىَ حجةٌ يجِبُ التسليمُ لها
بأنه عنَى به مباشرةً دون مباشرةٍ .
وأوْلَى التأويلين(١) عندى بالصواب قولُ من قال: معنى ذلك الجماعُ أو ما قام
مَقامَ الجماع، مما أو جَب غُسلًا إيجابُه؛ وذلك أنه لا قولَ فى ذلك إِلَّا أَحدُ قولين ؛ إمّا
مِن جعلِ محُكْمِ الآيةِ عامًا، أو جعلٍ حُكْمِها فى خاصٍّ من معانى المباشرةِ . وقد
تظاهرتِ الأخبارُ عن رسولِ اللَّهِ مَلِ أن نساءَه كُنَّ يُرَجِّلْنَه وهو معتكفٌ، فلمّا صحَّ
ذلك عنه ◌َّهِ، عُلِم أن الذى عُنِىَ به من معانى المباشرةِ البعضُ دونَ الجميعِ .
حدَّثنى علىُّ بنُ شعيبٍ ، قال: ثنا مَعْنُ بنُ عيسى القَزّازُ، قال : أخبرنا مالكٌ ،
عن الزهرىِّ، عن عروةً، عن عَمْرَةَ، عن عائشةَ أَنَّ رسولَ اللَّهِ بَلٍ كان إذا اعتكف
يُدْنِى إِلىَّ رأسَه فأُرَجْلُه (٢) .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرَنى يونسُ، عن ابنٍ
شهابٍ، عن عروةَ بنِ الزُّبيرِ وعَمْرةَ، أن عائشةَ قالت: إن رسولَ اللَّهِ عَلَّه لم
يكنْ يَدخُلُ البيتَ إلَّا لحاجةِ الإنسانِ، وكان يُدْخِلُ علىَّ رأسَه وهو فى المسجدِ
(١) فى م: ((القولين)).
(٢) الموطأ ٣١٢/١، ومن طريقه أحمد ١٠٤/٦ (الميمنية)، ومسلم (٦/٢٩٧)، وأبو داود (٢٤٦٧)،
وغيرهم . والصواب : عروة وعمرة ، كما فى الحديث الذى بعده. ينظر الأحاديث التى خولف فيها مالك
للدار قطنى (٢)، ومسند الطيالسى (١٥٤٦).
٫٠٤٠٠

٢٧٣
سورة البقرة : الآية ١٨٧
فَأُرَ جُلُه(١).
/ حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن هشامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن ١٨٢/٢
عائشةَ، قالت: كان النبىُّ عَِّ يُدْنِى إلىَّ رأسَه وهو مجاورٌ فى المسجدِ وأنا فى
حجرتى وأنا حائضٌ، فأغسلُه وأُرَجُلُه (٢) .
حدَّثنا سُفيانُ بنُ وكيع ، قال : ثنا ابنُ فُضَیلٍ ویعلَى بنُ عُبيدٍ ، عن الأعمشِ ، عن
تميمٍ بِنِ سَلَمةَ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: كان النبيُّ عَّمِ يعتكِفُ فيُخرِجُ إِلىَّ
رأسَه مِن المسجدِ وهو عاكفٌ فأغسلُه وأنا حائضٌ(٣).
حدَّثنى محمدُ بنُ معمرٍ ، قال: ثنا حمادُ بنُ مَسعدةَ ، قال : ثنا مالكُ بنُ أنسٍ ،
عن الزهرىِّ وهشام بن عروةَ، جميعًا عن عروَةَ، عن عائشةً أن النبيَّ ◌ٍَّ كان يُخْرِجُ
رأسَه فأرجّلُه وهو معتكفٌ (٤).
(١) أخرجه ابن خزيمة (٢٢٣٠) عن يونس (٢٢٣١) عن ابن عبد الحكم، كلاهما عن ابن وهب - زاد ابن
عبد الحكم : ومالك والليث - عن الزهرى به . وأخرجه أحمد ٨١/٦ (الميمنية)، والبخارى (٢٠٢٩)،
ومسلم (٧/٢٩٧) ، وغيرهم من طريق الزهرى به .
(٢) أخرجه أحمد ٢٠٤/٦، ٢٠٨ (الميمنية)، وابن ماجه (٦٣٣، ١٧٧٨) من طريق وكيع به . وأخرجه
أحمد ٥٠/٦ (الميمنية)، والبخارى (٢٩٦، ٢٠٢٨)، ومسلم (٩/٢٩٧)، وغيرهم من طريق هشام به .
(٣) أخرجه أحمد ٣٢/٦ (الميمنية) عن ابن فضيل به، وأخرجه أيضا ٢٣٠/٦ (الميمنية)، والدارمى ٢٤٨/١
عن يعلى به. وأخرجه أحمد ٢٣٠/٦ (الميمنية)، والنسائى (٣٨٦) من طريق الأعمش به، وأخرجه الدارمى
٢٤٧/١ من طريق تميم به .
(٤) أخرجه الدارقطنى فى الموطآت - كما فى الفتح ٣٦٨/١٠ - من طرق عن مالك به . وأخرجه أحمد
١٨١/٦ (الميمنية)، والدارمى ٢٤٦/١، والبخارى (٥٩٢٥)، والنسائى فى الكبرى (٢٧١) من طريق
مالك عن الزهرى به .
وأخرجه مالك ٦٠/١، ومن طريقه الدارمى ٢٤٦/١، والبخارى (٥٩٢٥،٢٩٥)، والنسائى فى الكبرى
(٢٧٠) عن هشام به. وينظر التهذيب ١٣٦/٢٢، والتحفة ٧٩/١٢، والنكت الظراف .
( تفسير الطبرى ١٨/٣ )
٠٠٠,

٢٧٤
سورة البقرة : الآية ١٨٧
فإذ(١) كان صحيحًا عن رسولِ اللهِ عَمِ ما ذكرنا [٢/٥و] من غَسلٍ عائشةَ رأسَه
وهو مُعتكفٌ، فمعلوم أن المرادَ بقولِه: ﴿وَلَا تُبَشِرُوهُنَ وَأَنْتُمْ عَكِفُونَ فِى الْمَسَجِدِ﴾
غيرُ جميعٍ ما لزِمه اسمُ المباشرةِ وأنه معنىٌّ به البعضُ من معانى المباشرةِ دونَ الجميعِ، فإذا
كان ذلك كذلك، وكان مُجمَعًا على أن الجماعَ مما عُنِى به، كان واجبًا تحريمُ الجماع
على المعتكفِ وما أشبههُ، وذلك كلُّ ما قامَ فى الالتذاذِ مَقامَه مِن المباشرةِ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُهَا﴾ .
يعنى تعالى ذكرُه بذلك: هذه الأشياء التى بَنْتُها من الأكلِ والشربِ والجماعِ
فى شهرِ رمضانَ نهارًا فى غيرِ عذرٍ، وجماعِ النساءِ فى الاعتكافِ فى المساجدِ .
يقولُ : هذه أشياءُ حدَّدْتُها لكُم ، وأمَرْتَكُم أن تَجتنبوها فى الأوقاتِ التى أمَوْتُّكم
أن تَجْنِبوها وحرَّمْتُها فيها عليكم ، فلا تَقْرَبوها وابعُدوا منها أن تركَبوها ، فتَستحِقُّوا بها
من العقوبةِ ما يستحِقُه مَن تعدَّى حُدودِى وخالَفَ أَمْرِى وركِب معاصىَّ.
وكان بعضُ أهلِ التأويلِ يقولُ: حدودُ اللَّهِ شُروطُه ..
وذلك معنى قريبٌ من المعنَى الذى قلْنا ، غيرَ أنّ الذى قلْنا فى ذلك أشبهُ بتأويلٍ
الكلمةِ ، وذلك أنّ حدَّ كلِّ شىءٍ ما حصَره مِن المعانى وميَّز بينَه وبينَ غيرِهِ ، فقولُه:
◌ْتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ من ذلك، يعنى به : المحارمَ التى ميّزها من الحلالِ المطلقِ،
فحدَّدَها بنُعوتِها وصفاتِها وعرَّفَها عبادَه .
ذِكرُ من قال : إن ذلك بمعنى الشروطِ
حدَّثْنَى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمّادٍ ، قال : ثنا أسباطُ ، عن
جبـ
(١) فى م: ((فإذا)).

٢٧٥
سورة البقرة: الآيتان ١٨٧، ١٨٨
الشُدِّىٌّ، قال: أمّا حدودُ اللَّهِ فشروطُه(١).
وقال بعضُهم: حدودُ اللَّهِ : معاصِيه .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرج المروزىِّ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا٢)
عُبِيدٌ ، قال سمِعتُ الضحاكَ يقولُ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾. يقولُ: معصيةُ اللَّهِ ،
يغْنى : المباشرةَ فى الاعتكافٍ(٣) .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّبُ اللَّهُ ءَايَتِهِ، لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ
(١٨٧)
يَتَّقُونَ
/ یعنی تعالی ذکژه بذلك: کما بینتُ لكم أيُّها الناسُ واجِبَ فرائِضى عليكُم
من الصومِ، [٢/٥] وعرّفْتُكم حدودَه وأوقاتَه، وما عليكم منه فى الحضرِ، وما لكم
فیه فی السفر والمرضِ ، وما اللازم لكم تجنُُّه فى حال اعتكافِگم فى مساجدِ کم،
فأوضحتُ جميعَ ذلك لكم ، فكذلك أَيِّنُ أحكامِی وحلَالِى وحرامِی وحدُودِى
وأمْرِى ونهْيِى فى كتابِى وتنزيلى، وعلى لسانٍ رسولى للناسٍ.
١٨٣/٢
ويعنى بقولِه: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ يقول: أُبينُ ذلك لهم ليتَّقُوا محارمِى
ومعاصئٍّ، ويتجنَُّوا سَخِطِى وغَضبِى بتركِهم ركوبَ ما أبيِّنُ لهم فى آياتِى أَنِّى قد
حژّمتُه علیھم ، وأمرْتُهم بهجرِه وتوکِه .
القولُ فى تأويل قولهِ: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوَاْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٢٠/١ (١٦٩٤) من طريق عمرو به .
(٢ - ٢) فى م: ((الفضل بن خالد قال ثنا)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٢٠/١ (١٦٩٥) من طريق أبي معاذ به .

٢٧٦
سورة البقرة : الآية ١٨٨
اُلْمُكَامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِنْ أَمْوَلِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
١٨٨
يعنى جلَّ ثناؤُه بذلك: ولا يأْكُلْ بعضُكم مالَ بعضٍ بالباطلِ. فجعَل
تعالى ذكرُه آكِلَ مالٍ أَخِيه بالباطلِ كالآكلٍ مالَ نفسِه بالباطلِ . ونظيرُ ذلك
قولُه تعالى: ﴿وَلَا نَلْمِزُوَاْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١]. وقولُه: ﴿وَلَا نَقْتُلُوَأْ
ج
أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. بمعنى: لا يَلْمِزْ بعضُكم بعضًا، ولا يقتُلْ بعضكم بعضًا؛
لأَنّ اللهَ تعالى ذكرُه جعَل المؤمنين إخوةً ، فقاتلُ أخيه كقاتلٍ نفسِه، ولامِزُه كلامِزِ
نفسِه . وكذلك تفعلُ العربُ، تَكنى عن أَنْفُسِها بإخوتِها ، وعن إخوتِها بأَنْفُسِها ،
فتقولُ: أخى وأخوك أيُّنَا أَبْطشُ. يعنى: أنا وأنت نصْطَرِعُ فتَنْظُرُ أَيُنَا أَشَدُّ . فيَكنى
المتكلمُ عن نفْسِه بأخِيه؛ لأنّ أخَا الرجلِ عندَها كنفسِه، ومِن ذلك قولُ الشاعر (١):
ـرٍ (٢) لَيْسَ لَنا(٢) مِنْ مَعَدٍّ عَرِيبٌ (٤)
أخِى وأخُوكَ بِبَطْنِ النُّسَيْـ
فتأويلُ الكلام: ولا يأكلْ بعضُكُم أموالَ بعضٍ فيما بينكم بالباطلِ . وأكلُه
بالباطلِ : أُكلُه مِن غيرِ الوجهِ الذى أباحَه اللهُ تعالى ذكرُه لآ كِلِيه .
وأما قولُه: ﴿ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْمُكَّامِ﴾ فإنه يعنى: وتُخاصِمُوا بها،
يعنى: بأموالهم ﴿إِلَى الْحُكَامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا﴾. يعنى: طائفةٌ ﴿مِّنْ أَمْوَلِ
النَّاسِ بِآلْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
(١) هو ثعلبة بن عمرو، والبيت فى المفضليات ص ٢٥٤، تأويل مشكل القرآن ١١٤/١، معجم ما استعجم
٤ /١٣٠٨.
(٢) النسير : تصغير نَسر موضع فى بلاد العرب كان فيه يوم من أيامهم. معجم البلدان ٤/ ٧٨٣. وقال ابن
الأنبارى فى شرح المفضليات ص ٥١٣ : غير الأصمعى : ببطى المسيب . وقال : هو واد .
(٣) فى المصادر السابقة: (( به)) .
(٤) ليس لنا عريب : ليس لنا أحد . المصدر السابق .
(٥) فى م، ت ١: (( بأموالكم)).

٢٧٧
سورة البقرة : الآية ١٨٨
ويعنى بقوله: ﴿بِاَلْإِثْمِ﴾ أى: بالحرامِ الذى قد حرَّمَه اللَّهُ عليكم .
﴿ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أى: وأَنْتُم تَعَمَّدون أكلَ ذلك بالإثم على قَصْدٍ منكم إلى ما
حرَّم اللَّهُ [١٣/٥] عليكم منه، ومَعرفةٍ بأنّ فِعلَكم ذلك معصيةٌ للَّهِ وإثمّ.
كما حدَّثنى المثنى بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ
صالحٍ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَلَا تَأْكُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا
إِلَى الْحُكَّامِ﴾: فهذا فى الرجلِ يكونُ عليه مالٌ وليس عليه فيه بينةٌ ، فيجحَدُ المالَ
فيخاصِمُهم فيه إلى الحكامِ وهو يعرفُ أنَّ الحقَّ عليه، وهو يعلمُ أنه آئمّ آكلٌ
(١)
حرامًا (١) .
حدَّثنی محمدُ بنُ عَمٍو ، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عیسی ، عن ابنِ أبی
نَجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾. قال: لا
تُخاصِمْ وأنت ظالمٌ(٢) .
/ حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن ١٨٤/٢
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَلَا تَأْكُلُواْ
أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِلْبَطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْمُكَّامِ﴾: وقد كان يقالُ: من مشَى مع
خَصِه وهو له ظالمٌ فهو آثمٌ حتى يرجِعَ إلى الحقِّ . واعلمْ يا بنَ آدمَ أنّ قضاءَ القاضِى
لا يُحِلُّ لك حرامًا، ولا يُحِقُّ لك باطلًا، وإِنما يقضِى القاضِى بنحوِ ما يرَى ويشهَدُ به
(١) أخرجه ابن أبى حاتم ٣٢١/١ (١٧٠٤) من طريق أبى صالح به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٣/١
إلى ابن المنذر .
(٢) تفسير مجاهد ص ٢٢٢ ، وأخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٢٨٢ - تفسير) عن ابن عيينة عن ابن أبى
نجيح به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٣/١ إلى عبد بن حميد.

٢٧٨
سورة البقرة : الآية ١٨٨
الشهودُ ، والقاضى بشرٌ يخطئُ ويصيبُ . واعلموا أنه مَن قد قُضِى له بباطلٍ ، فإِنَّ
خصومتَه لم تنقَضِ حتى يجمَعَ اللَّهُ بينَهما يومَ القيامةِ، فيقضِىّ على المبطلِ للمحقِّ
بأجودَ(١) مما قُضِىَ به للمبطِلِ على المحقِّ فى الدنيا(١) .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزّاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةً فى قولِه: ﴿ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْمُكَّامِ﴾. قال: لَا تُدْلِ بمالٍ أخيكَ إلى
الحاكم وأنت تعَلمُ أنك ظالم ، فإنّ قضاءَه لا يُحِلُّ لك شيئًا كان حرامًا عليك(٢).
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمّادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عَن
الشُّدِّىِّ: ﴿ وَلَا تَأْكُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَامِ لِتَأْكُلُواْ
فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَلِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: أما ((الباطلُ))، يقولُ: يظلِمُ
الرجلُ منكم صاحبه، ثم يُخاصِمُه ليقْطعَ مالَه وهو يعلمُ أنه ظالمٌ ، فذلك قوله :
﴿ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾(٤).
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ ، قال: ثنى خالدٌ الواسطىُ ، عن داودَ بنِ أبى
هندٍ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿ وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِ﴾. قال: هو الرجلُ
الذى يشترِى السّلْعةَ فيردُّها ويَردُّ معها درَاهمَ .
حدَّثنى [٣/٥] يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
﴿ وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْمُكَّامِ﴾. قال: يكونُ
(١) فى م: ((ويأخذ)).
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٢٦/١ عن قتادة ، دون أوله .
(٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٧٢. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٣/١ إلى ابن المنذر.
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٢٥/١ عن السدى نحوه .
(٥) سيأتى فى تفسير الآية (٢٩) من سورة النساء من طريق داود عن عكرمة عن ابن عباس.

٢٧٩
سورة البقرة : الآية ١٨٨
أجدَلَ منه، وأعرفَ بالحجةِ، فيخاصِمُه فى مالِهِ بالباطلِ ؛ ليأكلَ مالَه بالباطلِ .
وقرأ: ﴿ يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِّ إِلَّ أَنْ
تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَاضٍ مِّنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. قال: هذا القِمارُ الذى كان
يعملُ به أهلُ الجاهليةِ(١).
وأصلُ ((الإدلاءِ)) إرسالُ الرَّجُلِ الدَّلوَ فى سببٍ(١) مُتعلقًا به فى البئرِ. فقيل
للمُحْتَجِّ لِدَعواهُ(١) : أذْلَى بحجةٍ كَيتَ وكَيتَ . إذ كانت حُجَّتُه التى يحتجُ بها سببًا
له هو به مُتعلِّقٌ فى خُصومَتِه، كتعلُقِ المستقِى من بئرٍ بدَلوٍ قد أرسلَها فيها بسبِيها
الذى الدَّلوُ به مُتعلقةٌ ، يقالُ فيهما جميعًا - أعنى من الاحتجاج، ومِن إرسالِ الدَّلِوِ
فى البئرِ بسببٍ - : أدَلَى فلانٌ بحجَتِه فهو يُدْلى بها إدلاءً ، وأَدْلَی دلْوَه فى البئرِ فهو
يُدْليها إدلاءً .
وأما قولُه: ﴿ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾. فإِنّ فيه وجهين من الإعرابِ؛
أحدُهما ، أن يكونَ قولُه ﴿ وَتُدْلُواْ﴾ جَزْمًا عطفًا على قولِه: ﴿ وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ
بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِ﴾(٤): ولَا تُدلوا بها إلى الحكّامِ. وقد ذُكرَ أن ذلك كذلكَ فى قراءةٍ
أُبِّ، بتكريرِ حرف الَّهْىِ: ( ولا تُدْلوا بها إلى الحكّامٍ)(٥).
والآخرُ منهما ، النصبُ على الصرفِ (٢)، فيكونُ معناه حينئذٍ: لا تأكُلوا
(١) ينظر تفسير ابن كثير ٣٢٥/١.
(٢) السبب : الحبل .
(٣) فى م: ((بدعواه)).
(٤) بعده فى م، ت١، ت٣: ((أى)).
(٥) تفسير القرطبى ٢/ ٣٤٠، والبحر المحيط ٢/ ٥٦.
(٦) فى م: ((الظرف)). وينظر كلام المصنف على الصرف فى ٦٠٨/١، وفى تفسير الآية (١٤٣) من سورة
آل عمران .

٢٨٠
سورة البقرة : الآيتان ١٨٨، ١٨٩
أموالكم بينكم بالباطلِ وأنتم تُدلُون بها إلى الحكّام، كما قال الشاعر(١):
عارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ
١٨٥/٢ / لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِىَ مِثْلَهُ
بمعنى : لا تنْهَ عن خلقٍ وأنت تأتى بمثلِه ، عارٌ عليك.
وهو أنْ يكونَ فى موضعٍ جزمٍ - على ما ذُكرَ من(٢) قراءةٍ أُبيِّ - أحسنُ منه أن
یکونَ نصبًا .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَقِيتُ لِلنَّاسِ
وَاُلْحَجُّ﴾ .
ذُكرَ أن رسولَ اللَّهِ صَ لّهِ سُئلَ عن زيادةِ الأهلَّةِ ونُقصانِها، واختلافٍ أحوالِها،
فَأَنْزَل اللَّهُ هذه الآيةَ جوابًا لهم فيما سألوا عنه .
ذِكرُ الأخبارِ بذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ يَسْئَلُونَكَ عَنِ
الْأَهِلَّةِّ قُلْ هِىَ مَوَقِيْثُ لِلنَّاسِ﴾. قال قتادةُ: سألوا نبىَّ اللّهِ عَ ◌ّه عن ذلك: لمَ
جُعِلتْ هذه الأهلةُ؟ [٤/٥و] فأنزل اللَّهُ فيها ما تسمَعون: ﴿قُلْ هِىَ مَوَقِيتُ
لِلنَّاسِ﴾. فجعَلها لصومِ المسلمِين ولإفطارِهم، ولمناسِكِهم وحَجِّهم، ولعِدَّةِ
نسائِهم، ومحِلٌّ دَينِهم، و()فى أشياءَ، واللَّهُ أعلمُ بما يُصلحُ خلقَهُ(٤) ..
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الربيعِ،
(١) تقدم فى ١/ ٦٠٨.
(٢) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((بمعنى)).
(٣) سقط من: م، ت١، ت٢، ت٣.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٣/١ إلى المصنف وعبد بن حميد.