Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
سورة البقرة : الآية ١٨٥
وهذا القولُ أَوْلَى بالصوابِ فى العربيةِ؛ لأن قولَه: ﴿وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ﴾
ليس قبلَه لامّ بمعنى اللامِ التى فى قوله: ﴿وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ ﴾ فيعطفَ بقولِه :
﴿وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ﴾ عليها، وأن دخولَ الواوِ معَها يُؤْذِنُ بأنها شرطٌ لفعلٍ بعدَها ،
إذ كانت الواؤُ لو حُذِفت كانت شرطًا لما قبلَها مِن الفعلِ .
﴾.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلِتُكَبِرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَنَكُمْ
[١٤٧/٤ و] يعنى بذلك: ولِتُعَظِّموا اللهَ بالذكْرِ له بما أَنعَمَ عليكم به مِن الهدايةِ
التى خذَّل عنها غيرَ كم مِن أهلِ المِلَلِ الذين كتَب عليهم مِن صومٍ شهرِ رمضانَ مثلَ
الذى كتب عليكم منه(٢٢، فضلُّوا عنه بإضلالِ اللهِ إيَّهم، وخصَّكم بكرامته
فهداكم له ، ووفَّقكم لأداءِ ما كتَب عليكم مِن صومِه، وتَشْكُروه على ذلك بالعبادةِ
له . والذكرُ الذى حضَّهم اللهُ جلّ ثناؤه على تعظيمِه به (١) التكبيرُ يومَ الفطرِ فيما تأوَّله
جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المُتَّى ، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نَصْرٍ، قال: أخبرنا ابنُ الْمُبَارَكِ، عن داودَ بنِ
قيسٍ، قال: سمِعتُ زيدَ بنَ أسلمَ يقولُ: ﴿وَلِتُكَبِرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَلَكُمْ﴾
قال : إذا رُئى (٢) الهلالُ، فالتكبيرُ مِن حينِ يَُّى الهلالُ حتى يَنْصَرِفَ الإمامُ فى الطريقِ
والمسجدٍ ، إِلَّا أنه إذا حضَر الإمامُ كُفَّ فلا يُكَبَّرُ إلّا بتكبيرِه(".
(١) سقط من: ت ٢، وفى م: ((فيه)).
(٢) فى ت ١، ت ٢، ت٣: ((له)).
(٣) فى م: ((رأى)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣١٤/١ (١٦٦٦) من طريق ابن المبارك به بلفظ: التكبير يوم الفطر.
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٨/١ إلى ابن المنذر والمروزى فى كتاب ((العيدين)).

٢٢٢
سورة البقرة : الآيتان ١٨٥، ١٨٦
حدَّثنى المُثُنَّى ، قال: ثنا سُوَيْدٌ ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ، قال: سمِعتُ سفيانَ
يقولُ: ﴿وَلِتُكَبِرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَنَكُمْ﴾ قال: بلَغَنا أنه التكبيرُ يومَ الفطرِ.
حدَّثنی یونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال : قال ابنُ زیدٍ : کان ابنُ عباسٍ
يقولُ : حقٌّ على المسلمين إذا نَظروا إلى هلالٍ شَوَّالٍ أن يُكَبِّروا اللهَ حتى يَفْرُغوا مِن
عيدِهم؛ لأن الله يقولُ: ﴿وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَنَكُمْ﴾(١).
قال ابنُ زيدٍ: يَنْبَغِى لهم إذا غَدَوْا إلى المُصَلَّى كَبَّروا، فإِذا جلَسوا كبَّروا، فإذا
١٥٨/٢ جاء الإِمامُ صمَتوا، فإذا كبّر الإمامُ كبَّروا، لا يُكَبِّرون إذا جاء/ الإمامُ إلَّا بتكبيرِهِ،
حتى إذا فرَغْ وَانْقَضَتِ الصلاةُ فقد انقضى العيدُ . قال يونسُ : قال ابنُ وهبٍ : قال
عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ : والجماعةُ عندَنا على أن يَعْدُوا بالتكبيرِ إلى المُصَلَّى .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
(١٨٥
يعنى جلّ ثناؤه بذلك: ولِتَشْكُروا اللهَ على ما أَنعَم به عليكم مِن الهدايةِ
والتوفيقٍ، وتيسيرٍ ما لو شاء عشَّره عليكم .
و ((لعلّ)) فى هذا الموضع بمعنى ((كى))، ولذلك عُطِف به على قولِه:
﴿ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَنَكُمْ﴾.
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِنِ قَرِيبٌ أُجِيبُ
دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِ وَلْيُؤْمِنُواْ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ
١٨٦
يعنى بذلك جلّ ثناؤه : وإذا سألك يا محمدُ عبادى عنِّى أين أنا؟ فإنى قريبٌ
منهم ، أَسْمَعُ دعاءهم، وأُجِيبُ دعوةَ الداعى منهم .
وقد اخْتَلَفوا فيما أَنْزِلتْ فيه هذه الآيةُ؛ فقال بعضُهم : نزَلت فى سائلٍ سأل
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٤/١ إلى المصنف.

٢٢٣
سورة البقرة : الآية ١٨٦
النبيَّ ◌َ لَِّ، فقال: يا محمدُ، أقريبٌ ربّنا فَتُناجِيَه، أمْ بعيدٌ فَتُنادِيَه؟ فَأَنْزَل اللهُ:
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِ قَرِيبٌ ﴾ الآية .
حدَّثنا بذلك ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عَبْدَةَ السِّجِسْتَانِيٌّ ، عن
الصُّلْبِ بنِ حَكيم، عن أبيه ، عن جدِّه(٣).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: [١٤٧/٤ ظ] أخبرنا
جعفرُ بنُ سليمانَ، عن عوفٍ، عن الحسنِ، قال: سأل أصحابُ النبيِّ ◌ِ لّه
النبيَّ ◌َ ◌ّهِ: أينَ ربَّنا؟ فَأَنْزَل اللهُ جلّ وعزّ: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِ
قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ ﴾ الآية(٤).
وقال آخرون: بل نزَلت جوابًا لمسألةِ قوم سألوا النبيَّ عَ لّهِ: أىُّ ساعةٍ يدعون الله
فيها ؟
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيع، قال : ثنا أبى، عن سفيانَ، عن ابنِ تُرَيْجٍ ، عن عطاءٍ ،
قال: لمَّا نَزَلت: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَّكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] قال : قالوا :
ج
فى أىِّ ساعةٍ؟ قال: فنزَلت: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِ قَرِيبٌ﴾ إِلى
(١) فى الأصل: ((السختيانى)).
(٢) فى م، والعظمة: ((الصلت)). وينظر المؤتلف والمختلف ١٤٣٥/٣.
(٣) أخرجه أبو الشيخ فى العظمة ص ٧٧ (١٩٠)، وابن مردويه - كما فى تفسير ابن كثير ٣١٣/١ - من
طريق محمد بن حميد به، وأخرجه ابن أبى حاتم ٣١٤/١ (١٦٦٧)، والدارقطنى فى المؤتلف ١٤٣٥/٣ من
طريق جرير به ، وزاد الدارقطنى بين الصلب وأبيه : عن رجل من الأنصار .
(٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٧٣.

٢٢٤
سورة البقرة : الآية ١٨٦
قوله : ﴿ يَرْشُدُونَ
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأَهْوَازِىُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرِىُّ، قال: ثنا
سفيانُ، عن ابنِ مجرَيْج، عن عطاءٍ فى قولِه: ﴿ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾
قالوا: لو علِمْنا أيَّ ساعةٍ ندعو؟ فنزَلت: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِ
قَرِيبٌ﴾ الآية .
حدَّثنى القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنی حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ،
١٥٩/٢ قال: زعَم عطاءُ بنُ / أبى رَبَاح أنه بلغه لمَّ نزَلت: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ أُدْعُونِىِّ أَسْتَجِبْ
ج
، قال الناسُ: لو نَعْلَمُ أَّ ساعةٍ ندعو؟ فنزَلت: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى
فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ .
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمْرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن الشّدِّىِّ: ﴿ وَإِذَا
سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِنِّ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ ﴾ قال : ليس مِن
عبدٍ مؤمن يدعُو الله إلا استجاب له، فإن كان الذى يدعو به هو له رزقٌ فى الدنيا
أعطاه إياهُ(١)، وإن لم يكنْ له رزقًا فى الدنيا ذخَره له إلى يوم القيامةِ ، أو (١) دفَع به عنه
(٤)
مكروهًا () .
حدَّثنى المُنَّى، قال: "حدثنا أبو المهنَّا، قالْ): ثنا الليثُ بنُ سعدٍ، عن (°عبدِ اللهِ)
ابنِ صالحٍ، عَمَّن حدَّثه، أنه بلغه أن رسولَ اللهِ جَمِ قال: (( ما أَعْطِىَ أَحَدُ الدُّعاءَ
(١) أخرجه الطبرانى فى الدعاء (١٠) من طريق سفيان به. وفى (١١) من طريق آخر عن ابن جريج به ، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ١٩٤/١ إلى وكيع وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت٣: ((الله)).
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((و).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم ٣١٤/١ (١٦٦٨) من طريق عمرو به .
(٥ - ٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.

٢٢٥
سورة البقرة : الآية ١٨٦
فَمُنِعَ(١) الإجابةَ؛ لأَنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿ أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾))(٢) [غافر: ٦٠]
ومعنى مُتأوّلى هذا التأويل: وإذا سألك (يا محمدُ) عبادى عنِّى؛ أىُّ ساعةٍ
يدعوننى ، فإنى منهم قريبٌ فى كلِّ وقتٍ أُجِيبُ دعوةَ الداعِى إذا دعانِى .
وقال آخرون : بل نزَلت جوابًا لقولٍ قومٍ قالوا - إذ قال اللهُ لهم: ﴿أُدْعُونِيّ
ج
أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ - : إلى أين نَدْعوه ؟
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثْنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: حدثنى حجَّاجْ ، عن ابنِ جريج ، قال
ج
مجاهدٌ : ﴿ أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ قالوا: إلى أين؟ فنزلتْ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُواْ فَثَمّ
وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعُ عَلِيمٌ﴾(٤) [ البقرة: ٥
وقال آخرون : بل نزَلتْ جوابًا لقوم قالوا : كيف ندعو.
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أنه لمَّا أَنْزَل
ج
اللهُ: ﴿ أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ قال رجالٌ: كيفَ ندعو يا نبيَّ اللهِ؟ فَأَنْزَل اللـهُ:
﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإنّى قَرِيبٌ﴾ إلى قوله: ﴿يَرْشُدُونَ﴾(٥).
وأمَّا قولُه: ﴿فَلَسْتَجِيبُواْ لِى﴾. فإنه يعنى به : فَلْيَسْتَجِيبوا لى بالطاعةِ. يقالُ
منه : [١٤٨/٤ و] استجبتُ له واستجبتُه. بمعنى: أجبتُه. كما قال كعبُ بنُ سعدٍ
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( ومنع)).
(٢) أخرجه البيهقى فى الشعب (٤٥٢٧) من طريق الليث به مطولا .
(٣ - ٣) سقط من: م، ت١، ت٢، ت٣.
(٤) تقدم فى ٢/ ٤٥٧.
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٤/١ إلى المصنف.
( تفسير الطبرى ١٥/٣ )

٢٢٦
سورة البقرة : الآية ١٨٦
(١)
الغَنَوىّ(١) :
فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عندَ ذَاكَ مُجِيبُ
وَدَاعِ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النَّدَى
◌ُرِیدُ : فلم يُچِبْه .
وبنحوِ ما قلنا فى ذلك قال "أهلُ التأويل)؛ مجاهدٌ وجماعةٌ غيرُه.
/ حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى الحَجَاجُ، عن ابنِ جُرَيْجٍ ،
قال: قال مجاهدٌ قولَه: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِى﴾ قال: فَلْيُطِيعوا لى. قال: الاستجابةُ
ء (٣)
الطاعةُ(٣) .
١٦٠/٢
حدَّثنى المُنُنَّى ، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ موسى ، قال: سألتُ عبدَ اللهِ بنَ المباركِ عن
قوله : ﴿فَلَسْتَجِيبُوا لِى﴾ قال: طاعةُ اللهِ .
وقال بعضُهم: معنى: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى﴾: فَلْيَدْعُونى .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسینُ، قال : حدّثنی منصورُ بنُ هارونَ ، عن أبی
رجاءٍ الْخُراسانىّ، قال: ﴿ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى﴾: فَلْيَدْعونى .
وأمَّا قولُه: ﴿وَلْيُؤْمِنُواْ بِى﴾ فإنه يعنى: وَلْيُصَدِّقوا ١ - إذا هم استجابوا لى
بالطاعة - أنى لهم من وراءٍ طاعتِهم لى فى الثوابٍ عليها وإجزالى الكرامةَ لهم عليها .
وأمَّا الذى تأوَّل قوله: ﴿فَلَسْتَجِيبُواْ﴾ بمعنى: فَلْيَدْعونى. فإنه كان يَتَأَوَّلُ
(١) تقدم فى ٣٣٥/١.
(٢ - ٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣١٥/١ (١٦٧٠) من طريق حجاج به .
(٤) بعده فى م: ((أى وليؤمنوا بى)).

٢٢٧
سورة البقرة : الآية ١٨٦
قوله: ﴿ وَلْيُؤْمِنُواْ بِى﴾ أى: وَلْيُؤْمِنوا بى أنى أَسْتَجِيبُ لهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى منصورُ بنُ هارونَ ، عن أبى
رجاءِ الْخُراسانىّ: ﴿ وَلْيُؤْمِنُواْ بِى﴾ يقولُ: أَنِى أَسْتَجِيبُ لهم.
وأمَّا قولُه: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ فإنه يعنى: فَلْيَسْتَجِيبوا لى بالطاعةِ،
وَلْيُؤْمِنوا بِى فَيُصَدِّقوا على طاعتِهم إِيَّى بالثوابِ مِنِّى لهم؛ لِيَهْتَدوا(١) بذلك مِن
فعلِهم " وتَرْشُدوا٢) .
كما حدَّثنى به المُنَّى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ ، قال: ثنا
أبو جعفرٍ، عن الربيعِ فى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ يقولُ: لعلَّهم يَهْتَدون(٣).
فإن قال لنا قائلٌ: وما معنى هذا القولِ مِن اللهِ ، فأنت تَرَى كثيرًا مِن البشرِ
يَدْعون اللهَ فلا يُستجابُ لهم دعاءٌ، وقد قال: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾؟!
قيل : إن لذلك وجهينٍ مِن المعنى ؛ أحدُهما : أن يكونَ مَعْنِيًّا بالدعوةِ العملُ بما
ندَب اللهُ إليه أو أمَر به، فيكونَ تأويلُ الكلام: وإذا سألك عبادي عنى فإنى قريبٌ مَّن
أطاعنى وعمِل بما أمَرتُه به ؛ أَجِيبُه بالثوابِ على طاعتِهِ إِيَّاى إذا أطاعنى. فيكونُ معنى
الدعاءِ مسألةَ العبدِ ربَّه ما وعَد أولياءَه على طاعتِهم بعمَلِهُ بطاعتِهِ، ومعنى الإجابةِ
(١) فى م: ((وليهتدوا)).
(٢ - ٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فيرشدوا)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣١٥/١ (١٦٧٢) من طريق أبى جعفر به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١٩٧/١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((بعملهم)).

٢٢٨
سورة البقرة : الآية ١٨٦
مِن اللهِ التى ضمِنها له الوفاءَ له بما وعَد العاملين له بما أمَرهم به، كما رُوِى عن
النبيِّ ◌َظَلِّ مِن قوله: ((إنَّ الدُّعاءَ هُوَ العِبَادَةُ)).
حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا جريرٌ()، عن الأعمشِ، عن ذَرٍّ، عن يُسَبْعُ"
الحَضْرَميِّ، عن النعمانِ بنِ بَشيرٍ ، قال: قال رسولُ اللهِ وَ له: ((إنَّ الدُّعاءَ هُوَ
العِبَادَةُ)). ثُمَّ قرَأ: ((﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِيِّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ
ج
عَنْ عِبَادَتِ سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾)) [غافر: ٦٠].
(٣)
فَأُخْبَر ◌َّهِ أَن دعاءَ اللهِ إنما هو عبادتُه ومسألتُه بالعملِ له والطاعةِ.
١٦١/٢
/ وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك ذُكِر أن الحسنَ كان يقولُه.
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى منصورُ بنُ هارونَ ، عن عبد
اللَّهِ بنِ المباركِ، عن الربيع بنِ أنسٍ، عن الحسنِ أنه قال فيها: [١٤٨/٤ظ] ﴿أُدْعُونِيّ
ج
أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾. قال: اعْمَلُوا وأَبْشِروا، فإنه حقٌّ على اللَّهِ أَن يَشْتَجِيبَ للذينَ آمَنوا
وعمِلوا الصالحاتِ ويَزِيدَهم مِن فضلِه (١).
والوجهُ الآخَرُ: أن يكونَ معناه : أَجِيبُ دعوةَ الداعى إذا دعانٍ إن شئتُ ،
فيكونُ ذلك - وإن كان عامًا مخرجُه فى التلاوةِ - خاصًّا معناه".
(١) فى م: ((جويبر)).
(٢) فى م: ((سبيع)). وينظر تهذيب الكمال ٣٠٦/٣٢.
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٠٠/١٠، وأحمد ٣٠/ ٢٨٢، ٢٩٧، ٢٩٨، ٣٣٦، ٣٤٠، ٣٨٠
(١٨٤٣٦، ١٨٣٥٢، ١٨٣٨٦، ١٨٣٩١، ١٨٤٣٢)، والترمذى (٢٩٦٩، ٣٢٤٧)، والنسائى فى
الكبرى (١١٤٦٤)، وابن ماجه (٣٨٢٨)، والطبرانى فى الدعاء (٤ - ٧)، وأبو نعيم ١٢٠/٨، والبيهقى
فى الدعوات الكبير (٤) من طرق عن الأعمش به .
(٤) أخرجه الطبرانى فى الدعاء (٩) من طريق ابن المبارك به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥٦/٥ إلى
سعيد بن منصور وابن المنذر .
* إلى هنا ينتهى الجزء الرابع من المخطوط الأصل، ويتلوه الجزء الخامس وبأوله خرم ينتهى فى أثناء ص ٢٦٩=

٢٢٩
سورة البقرة : الآية ١٨٧
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى
نِسَآَبِكُمْ﴾ .
يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾: أُطْلِقَ لكم وأُبِيحَ .
ويعنى بقولِه: [٢٠٥/١] ﴿ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾: فى ليلةِ الصيامِ .
فأمَّا ﴿ الرَّفَثُ﴾ فإنه كنايةٌ عن الجمَاعِ فى هذا الموضع، يقال: هو الرَّفَثُ
والرُّفُوثُ. وقد رُوِى أنها فى قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (أُحِلَّ لكم ليلةَ الصيامِ الرُّفوثُ إلى
نسائكم)(١).
وبمثلِ الذى قُلْنا فى تأويلِ ((الرَّفَثِ)) قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكم المصرىُّ، قال : ثنا أيوبُ بنُ سُوَيْدٍ ،
عن سفيانَ ، عن عاصم، عن بكرِ بنِ عبدِ اللَّهِ الْمُزَنىِّ، عن ابنِ عباسٍ ، قال : الرفثُ
الجماع، ولكنَّ اللَّهَ كَرِيمٌ يَكْنِى(٣) .
حدَّثنا ابنُ محُمَيْدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن عاصمٍ، عن بكرٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه .
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : حدّثنی ابی ، قال : حدّثنی عمِّی ، قال : حدَّثنی
أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: الرفتُ النكاح.
= وستجد أرقام المخطوط ت ١، بين معقوفين حتى ينتهى هذا الخرم .
(١) ذكره أبو حيان فى البحر المحيط ٢/ ٤٨.
(٢) تفسير سفيان ص ٦٣، ٦٤، ومن طريقه عبد الرزاق فى مصنفه (١٠٨٢٦)، ووكيع - كما فى الدر
المنثور ١٩٨/١ - وعنه ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ١٥٨. وأخرجه ابن أبى حاتم ٣٤٦/١
(١٨٢٤) من طريق عاصم به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور إلى ابن المنذر.

٢٣٠
سورة البقرة : الآية ١٨٧
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن
قتادةَ ، قال : الرفثُ غِشيانُ النساء (١) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبى
تَجيحِ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآَبِكُمْ﴾ .
قال : الجِماعُ(١).
حدَّثْنى المُنَّى ، قال: ثنا أبو محُذَيْفَةً ، قال: ثنا شِئْلٌ ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن
مجاهدٍ مثلَه .
١٦٢/٢
/حدَّثنى المُنَّى، قال: حدَّثنا أبو صالح، قال: حدَّثنى معاويةُ، عن عليٍّ ، عن
ابنِ عباسٍ ، قال : الرفتُ هو النكاح .
حدَّثنى المُنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الكبيرِ البصرىُّ، قال : ثنا
الضَّحَاكُ بنُ عثمانَ ، قال: سألتُ سالمَ بنَ عبدِ اللهِ عن قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةً
الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ﴾. قال: هو الجماع .
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ ، قال : ثنا عمرُو بنُ حمَّادٍ ، قال : ثنا أسباطُ ، عن
الشّدِّىِّ: ﴿أُحِّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَاءِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَابِكُمْ﴾. يقولُ: الجماعُ(٢).
والرفثُ فى غيرِ هذا الموضعِ الإفحاشُ فى المنَطِقِ، كما قال العَجّاجُ (٤):
عَنِ اللَّغا وَرَفَتِ التَّكُلُّمِ
(١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٧١.
(٢) تفسیر مجاهد ص ٢٢١.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣١٥/١ عقب الأثر (١٦٧٤) من طريق عمرو به.
(٤) ديوانه ص ٢٩٦.
د

٢٣١
سورة البقرة : الآية ١٨٧
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ هُنَّ لِبَاسُ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسُ لَّهُنَّ
يعنى تعالى ذكرُه بذلك : نساؤُكم لباسٌ لكم ، وأنتم لباسٌ لهنَّ.
فإن قال قائلٌ: وكيف يكونُ نساؤنا لباسًا لنا ونحن لهنَّ لباسًا ، واللباسُ إنما هو
ما لُبِسَ ؟
قيل : لذلك وجهان من المعانى: أحدُهما : أن يكونَ كلُّ واحدٍ منهما جُعِل
لصاحبِه لباسًا ، لِتخرّجِهما عندَ النومِ واجتماعِهما فى ثوبٍ واحدٍ وانضمامِ جسدٍ
كلٌّ واحدٍ منهما لصاحبِهِ ، بمنزلةِ ما يَلْبَسُه على جسدِهِ مِن ثيابِهِ ، فقيل لكلِّ واحدٍ
منهما : هو لباسٌ لصاحبِه. كما قال نابغةُ بنى جَعْدَةً(٢):
إذَا ما الضَّجِيعُ ثَنَى جِيدَها (٢) تَدَاعَتْ فَكَانَتْ عَلَيْهِ لِباسَا
ويُزْوَى: تَثَنَّت . فكَنَى عن اجتماعِهما مُتَجَرِّدَينٍ فى فراشٍ واحدٍ باللباسِ،
كما يُكْنَى بالثيابِ عن جسدِ الإنسانِ، كما قالت ليلى ) وهى تَصِفُ إِلَا ركِبها
قومٌ :
رَمَّوها بأثْوَابٍ خِفافٍ فَلا تَرَى لَهَا شَبَهَا إِلَّ النَّعامَ المُفَّرًا
/ يعنى: رمَوها بأنفسهم فركبوها. وكما قال الهُذَلئُ(٥):
١٦٣/٢
تَبَوَّأُ مِنْ دَمِّ القَتِيلِ وبَزِّه(١)
وقَدْ عَلِقَتْ دَمَّ القَتِيلِ إِزَارُها
(١) يعنى به لخروجهما من ثيابهما .
(٢) شعر النابغة الجعدى ٨١.
(٣) فى م: ((عطفها)).
(٤) هى ليلى الأخيليةُ والبيت فى: المعانى الكبير ٤٨٦/١، والصناعتين ص ٣٥٣.
(٥) هو أبو ذؤيب، والبيت فى ديوان الهذليين ٢٦/١.
(٦) فى م: ((وتره)).

٢٣٢
سورة البقرة : الآية ١٨٧
يعنى بـ ((إزارُها)) نفسَها، وبذلك كان الربيعُ يقولُ .
حدَّثنى المُنَّى ، قال : ثنا إسحاقُ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ ، قال : ثنا أبو
جعفرٍ، عن الربيع: ﴿ هُنَّ لِبَاسُ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾. يقولُ: هنَّ لحافٌ لكم،
وأنتم لحافٌ لهنَّ(١) .
والوجهُ الآخَرُ: أن يكونَ جُعِل كلِّ واحدٍ منهما لصاحبِه لباسًا؛ لأنه سكَنّ له،
كما قال جل ثناؤه: ﴿جَعَلَ لَكُمُ اُلَيْلَ لِبَاسًا ﴾[ الفرقان: ٤٧] . يعنى بذلك: سكنًا
تسكّنون فيه . وكذلك زوجةُ الرجل سَكَتُه ، يَسْكُنُ إليها ، كما قال تعالى ذكرُه :
وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ﴾ [ الأعراف: ١٨٩]. فيكونَ كلُّ واحدٍ منهما
لباسًا لصاحبِه، بمعنى سكونِه إليه . وبذلك كان مجاهدٌ وغيرُه يقولون فى ذلك .
وقد يُقالُ لِما ستَر الشىءَ وواراه عن أبصارِ الناظِرِين إليه : هو لباسُه وغشاؤُه .
فجائزٌ أن يكونَ قيلَ: ﴿ هُنَّ لِبَاسُ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسُ لَّهُنَّ﴾. بمعنى أن كلَّ واحدٍ
منكم سِتْرٌ لصاحبِهِ فيما يكونُ بينَكم مِن الجماع عن أبصارِ سائرِ الناسِ .
وكان مجاهدٌ وغيرُه يقولون فى ذلك بما حدَّثنى به المُثُنَّى، قال: ثنا أبو
حُذَيْفَةَ ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيح، عن مجاهدٍ: ﴿هُنَّ لِبَاسُ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ
لِبَاسُ لَهُنَّ ﴾ يقولُ: سَكَنٌّ لهنّ(١).
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ هُنَّ لِبَاسُُ
لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسُ لَّهُنّ ﴾. قال قتادةُ: هنَّ سَكَنٌ لكم، وأنتم سَكَنٌّ لهنَّ(٢) .
حدَّثنی موسى بنُ هارونَ ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمَّادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره (١٦٧٦)، من طريق أبى جعفر به.
(٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٣١٦، عقب الأثر (١٦٧٥) معلقًا .

٢٣٣
سورة البقرة : الآية ١٨٧
الشُّدِّئِّ: ﴿هُنَّ لِبَاسُ لَّكُمْ﴾ يقولُ: سَكَنٌ لكم. ﴿ وَأَنْتُمْ لِبَاسُ لَّهُنَّ ﴾ يقولُ :
(١)
سکنٌ له(١).
حدَّثنی یونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال : قال عبدُ الرحمنِ بنُ زیدٍ فی
قوله: ﴿ هُنَّ لِبَاسُ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسُ لَّهُنَّ﴾ قال: المواقَعَةُ .
حدَّثنى أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازىُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ ، قال : ثنا إبراهيمُ ،
عن يزيدَ، عن عمرو بنِ دينارٍ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿هُنَّ لِبَاسُ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسُ
لَّهُنَّ﴾ قال: هنَّ سَكَنٌ لكم، وأنتم سَكَنٌّ لهنّ(٣) .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ذكرُه: ﴿عَلِمَ اَللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ
أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْتَنَ بَشِرُوهُنَّ وَأَبْتَغُواْ مَا كَتَبَ اَللَّهُ لَكُمَّ﴾.
إِن قال لنا قائلٌ: وما هذه الخيانةُ التى كان القومُ يَخْتانونها أنفسَهم التى تاب اللَّهُ منها
عليهم فعفا عنهم ؟
قيل: كانت خيانتُهم أنفسَهم، التى ذكّرها اللَّهُ، فى شيئين: أحدُهما ،
جماعُ النساءِ. والآخَرُ، المَطْعَمُ والَشْرَبُ فى الوقتِ الذى كان حرامًا ذلك عليهم .
كما حدَّثنا محمدُ بنُّ المُنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ ، عن
عمرٍو بنٍ مُرَّةَ ، قال: ثنا ابنُ أبى ليلى ، أن الرجلَ كان إذا أفطر فنام لم يأتِها ، وإذا نام
لم يَطْعَمْ ، حتى جاء عمرُ بنُ الخطابِ يُرِيدُ امرأته فقالتِ امرأته : قد كنتُ نمتُ . فظنَّ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣١٦/١ عقب الأثر (١٦٧٥) من طريق عمرو به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣١٦/١ (١٦٧٥)، والحاكم فى المستدرك ٢٧٥/٢ من طريق طاوس
عن ابن عباس . قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط البخارى ولم يخرجاه . وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١٩٨/١ إلى الفریابى.

٢٣٤
سورة البقرة : الآية ١٨٧
١٦٤/٢ أنها تَعْتَلُ فوقَع بها. قال: وجاءرجلٌ مِن الأنصارِ فأراد أن يَطْعَمَ فقالوا: / نُسَخِّنُ لك
شيئًا؟ قال: ثم أُنْزِلَت هذه الآيةُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى
نِسَآَبِكُمْ﴾ الآية (١).
حدَّثنا أبو كُرَيْبِ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: ثنا حُصَيْنُ [٢٠٥/١ظ] بنُ عبدِ
الرحمنِ، عن عبد الرحمنِ بنِ أبي ليلى ، قال : كانوا يصومون ثلاثةَ أيامٍ مِن كلِّ شهرٍ،
فلمَّا دخَل رمضانُ كانوا يصومون، فإذا لم يَأْكُلِ الرجلُ عندَ فِطْرِه حتى ينامَ ، لم يَأْكُلْ
إلى مثلها، وإن نام أو نامتٍ امرأتُه، لم يَكُنْ له أن يأتيها إلى مثلها، فجاء شيخٌ مِن
الأنصارِ يقالُ له: صِرْمةُ بنُ مالكٍ(١) . فقال لأهلِه: أطْعِمونى. فقالت: حتى أَجْعَلَ
لك شيئًا سُخْنًا. قال: فغلَبْه عينُه فنام . ثم جاء عمرُ فقالت له امرأتُه: إنى قد نمتُ .
فلم يَعْذِرْها، وظنَّ أنها تَعْتَلُّ فواقَعَها، فبات هذا وهذا يَتَقُلَّبان ليلتَهما ظَهْرًا وبطنًا ،
فَأَنْزَلَ اللَّهُ فى ذلك: ﴿ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُ اَلْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ اُلْأَسْوَدِ
مِنَ اُلْفَجْرِ ﴾. وقال: ﴿فَالْتَنَ بَشِرُوهُنَّ﴾. فعفا اللَّهُ عن ذلك، وكانت سُنَّةً(٣).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُّ بُكَيْرٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللّهِ
ابنِ" عُتبةَ، عن عمرو بنِ مُؤَّةً، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى ، عن مُعاذٍ بن جبلٍ ، قال :
كانوا يأكلون ويَشْرَبون ويأتون النساءَ ما لم يناموا، فإذا ناموا تركوا الطعام والشرابَ
وإتيانَ النساءِ، فكان رجُلٌ مِن الأنصارِ يُدْعَى أبا صِرْمةً يَعْمَلُ فى أرضٍ له . قال: فلمّا
كان عندَ فِطْرِهِ نام، فأصبح صائمًا قد جهِد، فلمَّا رَآه النبىُّ عَ لَه قال: ((مَا لَى أَرَى بكَ
(١) تمام الأثر المتقدم فى ص ١٥٩.
(٢) اختلف فى اسم الصحابى الذى نزلت فيه الآية، وقد ذكر الحافظ فى الإصابة هذا الاختلاف ، فلينظر
هناك. الإصابة ٤٢٢/٣ - ٤٢٥، ٤٦٧، ٤٧٨/٥، ٥٠٠.
(٣) أخرجه ابن قانع فى الصحابة ٢/ ٢٤، والخطيب فى الأسماء المبهمة ص ٤٦٧ من طريق حصين به .
(٤ - ٤) فى النسخ: ((عبيد الله عن)). وتقدم على الصواب فى ص ١٥٨، ينظر تهذيب الكمال ٢٢١/١٧.

٢٣٥
سورة البقرة : الآية ١٨٧
جَهْدًا؟)) فأخبَرَه بما كان مِن أَمْرِه. واختان رجُلٌ نفسَه فى شأنِ النساءِ، فأَنزَلَ اللَّهُ:
﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَابِكُمْ﴾. إلى آخرِ الآيةِ (١).
حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيع، قال: حدَّثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن أبى إسحاقَ ، عن
البراءِ نحوَ حديثٍ ابنِ أبى ليلى الذى حدَّث به عمرُو بنُ مُرَّةَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ
أبى ليلى)، قال: كانوا إذا صاموا ونام أحدُهم لم يَأْكُلْ شيئًا حتى يكونَ مِن الغدِ ،
فجاء رجلٌ مِن الأنصارِ، وقد عمِل فى أرضٍ له، وقد أعْيا وكُلَّ، فغلَبَتْه عينُه فنام ،
وأصبَح مِن الغدِ مجهودًا، فنزلت هذه الآيةُ: ﴿ وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُ اَلْغَيْطُ
اُلْأَنْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ اُلْأَسْوَدِ﴾(١).
حدَّثنى المُنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ رجاءٍ البصرىُّ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبى
إسحاقَ ، عن البراءِ، قال: كان أصحابُ محمدٍ عَ لِّ إذا كان الرجلُ صائمًا فنام قبلَ
أن يُفْطِرَ لم يأكلْ إلى مثلها، وإن قيسَ بنَ صِرْمةً الأنصارىَّ كان صائمًا، وكان توجّه
ذلك اليومَ فعمِل فى أرضِه، فلمَّا حضَر الإفطارُ أَتَّى امرأته ، فقال : هل عندكم
طعامٌ؟ قالت : لا ، ولكن أَنْطَلِقُ فَأَطْلُبُ لك. فغَلَبَتْه عينُه فنام، وجاءتِ امرأتُه
قالت : قد نمتَ؟! فلم يَنْتَصِفِ النهارُ حتى تُشِىَّ عليه، فذكرت ذلك للنبيِّ عَ لَه ،
فنزَلت فيه هذه الآيةُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآَبِكُمْ﴾. إلى:
مِنَ الْخَيْطِ اَلْأَسْوَدِ ﴾. ففرِحوا بها فرحًا شديدًا .
حدَّثنى المنُتَّى، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثنا معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ ابنِ أبى
(١) تقدم تخريجه فى ص ١٥٨.
(٢ - ٢) سقط من: ت ١، ت٣. وفى ت ٢: ((عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبى ليلى)).
(٣) أخرجه أحمد ٥٧٣/٣٠، ٥٧٤ (١٨٦١١)، والبخارى (١٩١٥)، وأبو داود (٢٣١٤)، والترمذى
(٢٩٦٨) من طريق إسرائيل به بنحوه .
:

٢٣٦
سورة البقرة : الآية ١٨٧
١٦٥/٢ طلحةً، عن ابن/ عباسٍ فى قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ
الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾: وذلك أن المسلمين كانوا فى شهرِ رمضانَ إذا صلَّوا العشاءَ
حرم عليهم النساءُ والطعامُ إلى مثلِها مِن القابلةِ ، ثم إن أناسًا مِن المسلمين أصابوا
الطعامَ والنساءَ فى رمضانَ بعدَ العِشاءِ، منهم عمرُ بنُ الخطابِ ، فشكوا ذلك إلى
رسولِ اللَّهِ عَِّهِ، فَأَنزَل اللَّهُ: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ
عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَلْتَنَ بَشِرُوهُنَ﴾. يعنى: انْكِحُوهُنَّ، ﴿وَكُواْ وَأَشْرَبُواْ حَقّا
يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ اَلْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِّ﴾(١).
حدَّثنى المُنَّى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أَخْبَرَنا ابنُ المُبارَكِ، عن ابنِ (١) لَهِيعَةً،
قال: حدَّثنى موسى بنُ جبيرٍ مولى بنى سَلِمةً ، أنه سمِع عبدَ اللهِ بنَ كعبِ بنِ مالكٍ
يُحَدِّثُ عن أبيه ، قال: كان الناسُ فى رمضانَ إذا صام الرجلُ فأمسى فنام ، حرم عليه
الطعامُ والشرابُ والنساءُ حتى يُفْطِرَ مِن الغدِ، فرجَع عمرُ بنُ الخطابِ مِن عندِ النبيِّ
عَ لِ ذاتَ ليلةٍ وقد سمَر عندَه، فوجَد امرأتَه قد نامت فأرادها، فقالت: إنى قد
نِمْتُ . فقال: ما نمتِ . ثم وقَع بها . وصنَع كعبُ بنُ مالكِ مثلَ ذلك ، فغدا عمرُ بنُ
الخطابِ إلى النبيِّ ◌َهِ فَأَخْبَره، فأنزل اللَّهُ تعالى ذكره: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ
تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَلْتَنَ بَشِرُوهُنَ ﴾ الآية(١).
حدَّثنى المُنُنَّى، قال: ثنا الحَجَّاج، قال: ثنا حمّادُ بنُ سلَمةَ ، قال: ثنا ثابتٌّ أن
عمرَ بنَ الخطابِ واقَع أهلَه ليلةً فى رمضانَ، فاشتدَّ ذلك عليه، فأنزل اللَّهُ: ﴿أُحِلَّ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٧/١ إلى المصنف وابن المنذر.
(٢) بعده فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أبى)).
(٣) أخرجه أحمد ٨٦/٢٥ (١٥٧٩٥) من طريق ابن المبارك به، وأخرجه أبو عبيد فى ناسخه ص ٤٥، وابن
أبى حاتم فى تفسيره ٣١٦/١ (١٦٧٧) من طريق ابن لهيعة به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٧/١ إلى
ابن المنذر .

٢٣٧
سورة البقرة : الآية ١٨٧
(١)
لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَاءِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآَبِكُمْ
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنى عمِّى ، قال : حدَّثنی
أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أُحِّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآَبِكُمْ
هُنَّ لِبَاسُ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسُ لَهُنَّ﴾ إلى: ﴿ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ : كان الناسُ أَوَّلَ مَا
أسلَموا إذا صام أحدُهم يَصومُ يومَه ، حتى إذا أمسى طعِم مِن الطعامِ فيما بينَه وبينَ
العَتَمةِ، حتى إذا صُلِّيَتْ حَرُم عليهم الطعامُ حتى يُمْسِىَ مِن الليلةِ القابلةِ ، وإن عمرَ بنَ
الخطابِ بينما هو نائمٌ، إذ سؤَّلتْ له نفسُه، فأتَى أهلَه لبعضٍ حاجتِه، فلمَّا اغْتَسَل
أَخَذْ يَتْكِى ويلومُ نفسَه، كأشدِّ ما رأيتَ مِن المَلَامةِ، ثم أتَى رسولَ اللّهِ عَه فقال:
يا رسولَ اللَّهِ ، إنى أَعْتَذِرُ إلى اللَّهِ وإليك مِن نفسِى هذه الخاطئةِ، فإنها زيَّنت لى
فواقعتُ أهلى، هل تَجِدُ لى مِن رُخصةٍ يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: «لم تَكُنْ حَقِيقًا بذلك یا
عُمَرُ)). [٢٠٦/١ و] فلمَّا بلَغ بيته، أرسَلَ إليه فأنبأه بعُذْرِهِ فى آيةٍ مِن القرآنِ، وأَمَر اللَّهُ
رسولَه أن يَضَعَها فى المائةِ الؤُسْطِى مِن سورةِ ((البقرةِ))، فقال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةً
الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إلى: ﴿عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ
أَنفُسَكُمْ﴾ يعنى بذلك الذى فعَل عمرُ بنُ الخطابِ، فأنزل اللَّهُ عَفْوَه، فقال:
فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالْتَنَ بَشِرُوهُنَّ﴾ إِلى: ﴿مِنَ الْخَيْطِ اَلْأَسْوَدِ﴾ فَأَحَلَّ
لهم المجامعةَ والأْلَ والشُّربَ حتى يَتَبَيَّنَ لهم الصبحُ .
حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عیسی ، عن ابنِ أبی
نجيح، عن مجاهدٍ: / ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ اُلْصِيَاءِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَابِكُمْ﴾ قال: ١٦٦/٢
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٧/١ إلى المصنف.
(٢) أخرج ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣١٦/١، ٣١٧، ٣١٨ (١٦٨٠، ١٦٨٤) آخره عن محمد بن
سعد به .

٢٣٨
سورة البقرة : الآية ١٨٧
كان الرجلُ مِن أصحابٍ محمدٍ عَِّ يصومُ الصيامَ بالنهارِ ، فإذا أمسَى أكَل وشرِب
وجامَع النساءَ، فإذا رقَد حرم ذلك كلُّه عليه إلى (١) مثلِها مِن القابلةِ، وكان منهم
رجالٌ يختانون أنفسَهم فى ذلك، فعفا اللَّهُ عنهم، وأَحَلَّ لهم(٢) بعدَ الرُقَادِ وقبلَه فى
* (٣)
الليلِ كلِّه (٣).
حدَّثنى المُنَّى، قال: ثنا أبو محُذَيْفَةَ، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنٍ أبى نَجيحِ، عن
مجاهدٍ ، قال: كان أصحابُ النبيِّ ◌َ لِ يصومُ الصائمُ فى رمضانَ، فإذا أَمْسَى. ثم
ذكَر نحوَ حديثِ محمدِ بنِ عمْرٍو، وزاد فيه : وكان منهم رجالٌ يَخْتَانُون أنفسهم ،
وكان عمرُ بنُ الخطابِ مِمَّن يَختانُ(٤) نفسَه، فعفا اللَّهُ عنهم، وأَخَلَّ ذلك لهم بعدَ
الُّقادِ وقبلَه ، وفى الليلِ كُلُّه.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ ، قال :
أخبرنى إسماعيلُ بنُ شَرُوسٍ، عن عكرمةَ مولى ابنِ عباسٍ، أن رجلًا قد سمّاه
مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ صَ لّهِ مِن الأنصارِ جاء ليلةٌ وهو صائمٌ، فقالت له امرأتُه : لا
تَنَمْ حتى نَصْنَعَ لك طعامًا . فنام، فجاءت فقالت: ◌ِمْتَ واللَّهِ! قال: لا واللَّهِ.
قالت : بلى واللهِ . فلم يَأْكُلْ تلك الليلةَ وأصبَحَ صائمًا، فغُشِىَ عليه وأَنْزِلَت الرخصةُ
(٥)
فیه(٥) .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿عَلِمَ اَللَّهُ أَنَّكُمْ
(١) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((حتى)). وينظر مصدر التخريج.
(٢) سقط من: ت ١، ت ٢، ت٣ وبعده فى مصدر التخريج: ((الطعام والشراب والجماع)).
(٣) تفسير مجاهد ص ٢٢١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٨/١ إلى عبد بن حميد.
(٤) فى م: ((اختان)).
(٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٧١. وأخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٢٧٥ - تفسير) - ومن طريقه الخطيب
فى الأسماء المبهمة ص ٤٦٦ - من طريق عمرو بن دينار، عن عكرمة به بمعناه .

٢٣٩
سورة البقرة : الآية ١٨٧
كُنْتُمْ تَّخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾: وكان بدءً(١) الصيامِ أُمِروا (" بصيامٍ ثلاثة٢ٍ) أيامٍ مِن
كلِّ شهرٍ ، وركعتين غُدْوَةً ، وركعتينِ عشيّةً، فأحَلَّ اللَّهُ لهم فى صيامِهِم فى ثلاثةِ أيامٍ ،
وفى أوَّلٍ ما اقْتَرَض اللَّهُ عليهم فى رمضانَ إذا أفْطَروا، وكان الطعام والشرابُ ، وغِشيانُ
النساءِ لهم حلالاً ما لم يَرْقُدوا، فإِذا رقَدوا حَرُم عليهم ذلك إلى مثلِها مِن القابلةِ ،
وكانت خيانةُ القومِ أنهم كانوا يُصِيبون، أو يَنالون ، مِن الطعام والشرابِ وغِشْيانِ
النساءِ بعدَ الرقادِ ، وكانت تلك خيانةَ القومِ أنفسَهم، ثم أحَلَّ اللَّهُ لهم ذلك الطعامَ
(٣)
والشرابَ وغِشيانَ النساءِ إلى طلوعِ الفجرِ .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن
قتادةَ فى قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الْصِيَاءِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَابِكُمْ﴾ قال: كان
الناسُ قبلَ هذه الآيةِ إذا رقَد أحدُهم مِن الليلِ رقدةً، لم يَحِلِّ له طعامٌ ولا
شرابٌ ، ولا أن يأتىَ امرأته إلى الليلةِ الْمُقْبِلةِ، فوقَع بذلك بعضُ المسلمين؛ فمنهم
مَن أكَل بعدَ هَجْعتِهُ(٤) أو شرِب، ومنهم مَن وقَع على امرأتِه، فرخَّص اللَّهُ ذلك
(٥)
(٥).
لهم
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمَّادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُدِّى، قال: كُتِبَ على النصارَى رمضانُ، وكُتِب عليهم ألا يأكُلوا ولا يشرَبوا
بعد النوم، ولا ینکِحوا النساءً شهرَرمضانَ ، فگتِب على المؤمنین کما كُتِب علیھم ،
فلم يَزَلِ المسلمون على ذلك يَصْنَعون كما تصنعُ النصارَى، حتى / أقبَلَ رجلٌ مِن ١٦٧/٢
(١) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: (( بدو)).
(٢ - ٢) فى م: ((بثلاثة)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٨/١ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٤) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((ضجعته) .
(٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٧٠.

٢٤٠
سورة البقرة : الآية ١٨٧
الأنصارِ يُقالُ له: أبو قيسٍ بِنُ صِرْمةً. وكان يعمَلُ فى حِيطانٍ(١) المدينةِ بِالأَجْرِ، فَأَتَّى
أهلَه بتمرٍ ، فقال لامرأته : استَبْدِلى بهذا التمرِ طَحِينًا فاجْعَلِيه سَخينةٌ(٢) لعلِّى أن آكُلَه،
فإن التمرَ قد أَحْرَق ◌َوْفى. فانْطَلَقَتْ فَاسْتَبْدَلتْ له، ثم صنَعتْ ، فأبطأتْ عليه فنام ،
فَأَيْقَظَتْه، فكرِهِ أن يَعْصِىَ اللَّهَ ورسولَه، وأَتَى أَن يَأْكُلَ، وأصبَح صائمًا، فرآه رسولُ اللَّهِ
عَّه بِالعَشِىِّ، فقال: ((مَا لَكَ يا أبا قَيْسٍ أَمْسَيْتَ طَلِيحًا (٣)؟)) فقصَّ عليه القصةَ،
وكان عمرُ بنُ الخطابِ وقَع على جارية له فى ناسٍ مِن المؤمنين لم يَمْلِكوا أنفسَهم ، فلمَّا
سمِع عمرُ كلامَ أبى قيسٍ رهِب أَن يَنْزِلَ () فى أبى قيسٍ شىءٌ، فتذكَّر هو ، فقام فاعْتَذَر
إلى رسولِ اللهِ ◌َّهِ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، إنى أَعُوذُ باللَّهِ ، إنى وقَعْتُ على جاريتى،
ولم أَمْلِكْ نفسى البارحةَ. فلمَّا تكلّم عمرُ تكلّم أولئك الناسُ، فقال النبىُّ عَ له: ((ما
كُنْتَ جَدِيرًا بذلك يا بْنَ الخَطَّابِ)). فتُسِخ ذلك عنهم، فقال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةً
اُلْصِيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسُ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ
تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ يقولُ: أنكم تَقَعُون عليهنَّ خيانةٌ ، ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا
عَنكُمْ فَالْتَنَ بَشِرُوهُنَّ وَأَبْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمَّ ﴾ يقولُ: جامِعوهنَّ. ورجَع إلى
أبى قيس فقال: ﴿ وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ حَتَّى يَقَبَيَّنَ لَكُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ اَلْأَسْوَدِ مِنَ
الْفَجْرِ﴾(٥).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: حدَّثنی حَجَّاجْ، عن ابنِ جُرَئِج قال :
قلتُ لعطاءٍ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الْصِيَاءِ الزَّفَثُ إِلَى نِسَآپِكُمْ﴾ . قال: كانوا فى
(١) الحيطان: جمع حائط، وهو البستان من النخل إذا كان عليه جدار. ينظر التاج (ح وط ).
(٢) السخينة: طعام رقيق يتخذ من سمن ودقيق، وهو دون العصيدة فى الرقة، وفوق الحساء. التاج (س خ ن).
(٣) طلَح يطلَح طُلوحا فهو طليح: إذا أعيا . ينظر النهاية ٢/ ١٣١.
(٤) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يقول)).
(٥) تقدم تخريجه فى ص ١٥٤.