Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١
سورة البقرة : الآية ١٦٥
شىءٍ، تقولُ للرجلِ: أما واللهِ لو تَعْلَمُ، ولو يَعلَمُ. كما قال الشاعرُ():
سالِفِ الدَّهْرِ والسّنِينَ الخَوَالى
إِنْ يَكُنْ طِبُّك(٢) الدلالَ فَلَوْ فِى
هذا ليس له جوابٌ إِلّ فى المعنى. وقال الشاعرُ:
وبحَظّ بِمَّا نَعِيشُ ولا تَذْ هَبْ بِكِ التَُّّهاتُ فِى الأَهْوالِ
فَأَضْمَر: عِيشى .
قال : وقال بعضُهم : ( ولو تَرَى). وفَتَح (أنّ) على (تَرَى )، وليس ذلك ؛
لأن النبيَّ مَِّقٍ(٤) يَعْلَمُ، ولكن أرادَ أن يَعْلَمَ ذلك الناسُ، كما قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ
أَفْتَرَنَّهُ﴾ [السجدة: ٣] ليُخْبِرَ() الناسَ عن جهلِهم، وكما قال: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ
اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِّ ﴾
[ البقرة : ١٠٧] .
/ قال أبو جعفر: وأنْكَر قومٌ أن تكونَ ((أنَّ)) عاملًا فيها قولُه: ﴿وَلَوْ يَرَى ﴾. ٦٩/٢
وقالوا: إنَّ الذين ظلموا قد علِموا حينَ يَرَوْن العذابَ أن القوَّةَ للَّهِ جميعًا ، فلا وجه
لقولٍ مَن تَأْوَّل ذلك: ولو يَرَى الذين ظلمُوا أنَّ القوةَ للَّهِ. وقالوا: إنما عَمِل فى ((أنَّ))
جوابُ ((لو)) الذى هو بمعنى العِلْم، لتقدُّمِ العلمِ الأولِ .
وقال بعضُ نَحْوِيِّى الكوفةِ: مَن نَصَب ﴿ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ﴾، ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدٌ
اٌلْعَذَابِ﴾. ثَمَّن قَرَأ: ﴿وَلَوْ يَرَى﴾ بالياءِ، فإنّمَا نَصَبها بإعمالِ الرؤيةِ فيها، وجَعَل
الرؤيةَ واقعةٌ عليها. وأمَّا مَن نَصَبها مِمَّن قرأ: (ولو تَرَى ) بالتاء؛ فإنه نَصَبها على
(١) هو عَبيد بن الأبرص، والبيت فى ديوانه ص ١٠٧.
(٢) الطِّب: الدَّأْب والعادة . اللسان (ط ب ب).
(٣) هو عَبيد أيضا، ديوانه ص ١٠٨.
(٤) بعده فى الأصل: (( لم)) .
(٥) فى الأصل: ((لتخبر)) .
٢٢
سورة البقرة : الآية ١٦٥
تأويل: لأنَّ القوّةَ للَّهِ جميعًا؛ ولأنّ اللَّهَ شديدُ العذابِ. قال: ومَن كَسَرهما ممن قرأ
بالتاءِ، فإنه يَكْسِرُهما على الخبرِ.
وقال آخرون منهم١: فتْخُ ((أنَّ)) فى قراءةِ مَن قَرَأ: ﴿ وَلَوَ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ
﴾
بالياءِ ، بإعمالِ ((يَرَى))، وجوابُ الكلام حينئذٍ متروكٌ، كما تُرِك جوابُ ﴿ وَلَوْ أَنَّ
قُرْءَانًا سُيِرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ اَلْأَرْضُ﴾ [الرعد: ٣١]. لأن معنَى الجنةِ والنارِ
مُكرّرٌ معروفٌ. وقالوا: جائزٌ كسرُ ((إِنَّ)) فى قراءةٍ من قرأ بالياءِ ، وإيقاُ الرؤيةِ
على ((إذْ)) فى المعنى. وأجازوا نَصْبَ ((أنَّ)) على قراءةٍ مَن قَرَأ ذلك بالتاءِ، بمعنى()
نيةٍ فعلٍ آخرَ، وأن يكونَ تأويلُ الكلام: ولو تَرَى الذين ظلموا إذ يَرَوْن العذابَ [٤/
٩٩ ظ] يَرَوْن(١٢) أن القوةَ للَّهِ جميعا. وزَعَموا أنَّ كَشْرَ ((إِنَّ)) الوجهُ، إذا قُرِقَتْ (ولو
تَرَى) بالتاءِ على الاستئنافِ؛ لأنَّ قولَه: (ولو تَرى) قد وَقَع على (الذين ظَلموا).
قال أبو جعفرٍ : والصوابُ مِن القراءةِ عندَنا فى ذلك: (ولو تَرَى الذين
ظلموا). بالتاءِ مِن (تَرَى)، (إذ يرون العذابَ أن القوَّةَ للهِ جميعًا وأن اللهَ شديدُ
العذابِ ). بمعنى: لِرَأَيْت أنَّ القوَةَ للَّهِ جميعًا، وأنّ اللَّهَ شديدُ العذابِ. فيكونُ
قولُهُ : لَرَأَيْتَ. الثانيةُ محذوفًا مُستَغْنِى بدلالةِ قولِه: ( ولو تَرَى الذينَ ظلمُوا). عن
ذكرِه، وإن كان جوابًا لـ ((لو))، ويكونُ الكلامُ وإن كانَ مَخرَجُه مَخْرَجَ الخطابِ
الرسولِ اللَّهِ عَ لَّهِ، مَعْنِيًّا به غيرُه؛ لأنَّ النبيَّ عَِّ كان لاشكَّ عالماً بأنَّ القوةَ للَّهِ
جميعًا ، وأنَّ اللَّهَ شديدُ العذابِ ، ويكونُ ذلك نظيرَ قولِه: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُـ
مُلْكُ السَّمَوَتِ وَاَلْأَرْضِّ ﴾ [البقرة: ١٠٧]. وقد بَّنْتُه فى موضعِه ".
(١) هو الفراء فى معانى القرآن ١/ ٩٧.
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((لمعنى)).
(٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٤) تقدم فى ٤٠٣/٢ - ٤٠٦ .
٢٣
سورة البقرة : الاية ١٦٦
وإنما اخْتَرْنا ذلك على قراءةِ الياءِ؛ لأنَّ القومَ إذا رَأَوُا العذابَ فقد أيْقَنوا أنَّ القوَّةَ
للَّهِ جميعًا، وأنَّ اللَّهَ شديدُ العذابِ ، فلا وجهَ لأن يُقالَ: لو يَرَوْن أن القوَّةَ للَّهِ
جميعًا. حينئذٍ؛ لأنه إنما يقالُ: لو رَأَيْتَ. لمن لم يَرَ. فأمَّا مَن قد رآه، فلا معنَى لأن
يُقالَ له : لو رأيتَ .
ومعنى قوله: ﴿إِذْ يَرَوْنَ اُلْعَذَابَ ﴾: إذ يُعايِنون العذابَ.
كما حُدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الربيعِ
قولَه: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ ﴾ يقولُ: لو قد عايَنوا العذابَ(١).
وإِنما عَنَى جل ثناؤه بقولِه: ( ولو ترى الذين ظَلَموا): ولو تَرَى يا محمدُ الذين
ظلَمُوا أنفسَهم، فاتَّخَذوا مِن دُونى أندادًا يُحِبونهم كحُبِّكم إيَّىَ، حينَ يُعايِنون
عذابِى يومَ القيامةِ الذى أَعْدَدْتُ / لهم، لَعَلِمْتم أنَّ القوَّةَ كلَّها لى دونَ الأندادِ ٧٠/٢
والآلهةِ، وأنَّ الأندادَ والآلهةَ لا تُغنِى عنهم هنالك شيئًا، ولا تَدْفَعُ عنهم عذابًا
أحْلَلْتُ بهم، وأَيْقَنتم أنِّى شديدٌ عذابى لمن كَفَربى، وادَّعَى معى إلهًا غيرى.
القولُ فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ آَتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُاْ
اُلْعَذَابَ ﴾ .
[١٠٠/٤و] يعنى بقولِه جل ذكره: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ أُتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ
أُتَّبَعُواْ﴾: (وأنَّ اللهَ شديدُ العقابِ)) إذ تَبَوَأ الذين أُتُّبِعوا مِن الذين اتَّبَعوا.
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى الذين عَنَى اللَّهُ بقولِه: ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ أُتُّبِعُواْ مِنَ
الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ﴾. فقال بعضُهم بما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعِ،
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٧/١ عقب الأثر (١٤٨٦) من طريق ابن أبى جعفر به .
(٢ - ٢) فى م، ت ١، ت ٢: ((ورأوا العذاب)).
٢٤
سورة البقرة : الآية ١٦٦
قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ اَلَّذِينَ أُتُّبِعُواْ ﴾: وهم الجبابرةُ والقادةُ
والرءوسُ فى الشِّركِ والشَّرُ)، ﴿مِنَ الَّذِينَ أَتَّبَعُوا﴾: وهم الأتباعُ الضعفاءُ،
﴿ وَرَأَوْ اُلْعَذَابَ﴾(٢).
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الربيعِ :
﴿ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ أَتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ﴾. قال: تَبْوَأَتِ القادةُ مِن الأتباعِ يومَ
(٣)
القيامة
حدَّثنى القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاج، قال(٤) : قال ابنُ
مجريج: قلتُ لعطاءٍ: ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ أَتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ ﴾ قال: تَبَوَأَ
رؤساؤهم وقادتُهم وسادتُهم مِن الذين الََّعوهم(٥).
وقال آخرون بما حدَّثنی به موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرو بنُ حمادٍ ، قال :
ثنا أسباطُ ، عن السُّدِّىِّ: ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ اَلَّذِينَ أُتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ﴾: أمّا الذين
أُتُّبِعوا فهم الشياطينُ ، تَبَّءُوا مِن الإنسِ(٢) .
والصوابُ مِن القولِ عندى فى ذلك أنَّ اللَّهَ جلَّ ثناؤه أخْبَرَ أنَّ المتَّبَعِين على
(١ - ١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٧/١ (١٤٩٠) من طريق يزيد به نحوه، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١٦٦/١ إلى عبد بن حميد .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٧/١ (١٤٨٩) من طريق أبى جعفر، عن الربيع، عن أبى العالية ،
بزيادة : إذا رأت العذاب .
(٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٥) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٧/١ عقب الأثر (١٤٩٠)، وابن عبد البرفى الاستذكار ١٧٣/٨،
١٧٤ معلقًا .
(٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٨/١ (١٤٩١) من طريق عمرو بن حماد به.
٢٥
سورة البقرة : الآية ١٦٦
الشِّرْكِ بِاللَّهِ يَتَبَّءُون مِن أتباعِهم حينَ يُعايِنون عذابَ اللَّهِ ، ولم يَخْصُصْ بذلك منهم
بعضًا دونَ بعضٍ ، بل عَمَّ جميعَهم، فداخِلٌ(١) فى ذلك كلُّ متبوعٍ على الكفرِ بِاللَّهِ
والضلالِ، أنه يَتَبَوَأَ مِن تُبَّاعِه الذين كانوا يَتَّبِعونه على الضلالِ فى الدنيا، إذ عاينوا
عذابَ اللَّهِ فى الآخرِة .
وأمّا دَلالةُ الآيةِ فى مَن عَنَى بقولِه: ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ أُتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ
◌ُتَّبَعُواْ﴾. فإنها إنما تَدُلُّ على أنَّ الأندادَ الذين اتَّخَذَهم مِن دونِ اللَّهِ مَن وَصَف جل
ذكرُه صفتَه بقوله: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا ﴾ . هم الذين
يَتَبَّءون مِن أتباعِهم .
وإذا كانتِ الآيةُ على ذلك دَالَّةً ، صعَّ التأويلُ الذى تَأَوَّلَه الشُّدِّئُّ(٢) فى قولِه:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾. أنَّ ((الأنْدادَ) فى هذا الموضعِ إنما
أُريد بها الأندادُ مِن الرجالِ الذين يُطِيعونهم فيما أمَروهم به مِن أمرٍ، ويَعْصُون اللَّهَ فى
طاعتهم إيَّهم ، كما يُطِيعُ اللَّهَ المؤمنون ويَعْصُون غيرَه - وفَسَد تأويلُ قولٍ مَن قال:
﴿ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ أَتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ ﴾ أنهم الشياطينُ تَبَرَّءوا مِن أوليائِهم مِن
الإنسِ؛ [١٠٠/٤ ظ] لأَنَّ هذه الآيةَ إنما هى فى سياقِ الخبرِ عن مُتَّخذى الأندادِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ
(١٦٦
/ يعنى جل ثناؤه بذلك، وأنَّ اللَّهَ شديدُ العذابِ إِذ تَبَوَّأُ الذين اتُبِعوا مِن الذِين ٧١/٢
اَّبَعوا ، وإذ تَقَطَّعَتْ بهم الأسبابُ .
(١) فى م، ت ٢، ت٣: ((فدخل)).
(٢) كذا ذكر المصنف، وقول السدى هو القول الذى سيردُّه المصنف من أن الذين اتُّبِعوا هم الشياطين،
والقول الآخر الذى اختاره المصنف هو قول قتادة والربيع وعطاء، كما ذكر المصنف نفسه .
٢٦
سورة البقرة : الآية ١٦٦
ثم اختلف أهلُ التأويلِ فی معنی (( الأسباب)) ؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنی به يحيى
ابنُ طلحةَ الْيَرْبُوعِىُّ، قال: ثنا فُضَيلُ بنُ عياضٍ، وحدَّثنا ابنُ محُميدٍ ، قال : ثنا
جريرٌ، عن عُبيدِ المكتِبِ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ﴾ قال :
الوصالُ الذى كان بينَهم فى الدنيا(١).
حدّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيم بن حبیبٍ بنِ الشَّهیدِ ، قال : ثنا یحیی بن یمانٍ ، عن
سفيانَ، عن عُبيدِ المُكْتِبِ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ﴾ قال :
تَواصُلُهم فى الدنيا(٢) .
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ
الأهوازِىُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قالا جميعًا: ثنا سفيانُ، عن عُبيدِ الْمُكْتِبِ، عن
مجاهدٍ بمثله .
حدثنى محمدُ بنُ عَمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبی
تَجِيحِ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ قال: المَوَدَّةُ(٣) .
حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةً ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنٍ أبى نَجيح، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنى القاسمُ ، قال : ثنى الحسينُ ، قال: حدَّثنى حجاج، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ ، قال : تَواصُلٌ كان بينهم بالمودَّةِ فى الدنيا .
(١) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٢٤٠ - تفسير)، وأبو نعيم فى الحلية ٢٨٥/٣ من طريق فضيل به.
وأخرجه سعيد بن منصور - أيضًا - (٢٤١) عن جرير به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٦/١ إلى وكيع
وعبد بن حميد .
(٢) تفسير سفيان ص ٥٤، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٨/١ (١٤٩٣).
(٣) تفسير مجاهد ص ٢١٨.
٢٧
سورة البقرة : الآية ١٦٦
حدثنى محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، قال : أخبرنى قيسُ
ابنُ سعدٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ
و(١)
قال: المودَّةُ(١).
حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ :
وَتَقَطّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ﴾: أسبابُ الندامةِ يومَ القيامةِ، وأسبابُ المُواصَلَةِ التى
كانت بينَهم فى الدنيا يَتَواصَلون بها، ويَتخاُّون(٢) بها، فصارتْ عليهم عَداوةً يومَ
القيامةِ ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَبُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾:
[العنكبوت: ٢٥] ويَتَبَّأُ بعضُكُم مِن بعضٍ(٢). وقال اللَّهُ: ﴿اَلْأَخِلَّءُ يَوْمَيِذٍ بَعْضُهُمْ
لِبَعْضِ عَدُوُّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ﴾ [الزخرف: ٦٧] فصارتْ كلَّ خُلَّةٍ عداوةٌ على أهلِها ،
إلا ◌ُلَّةَ المتقين .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ فى قوله: ﴿ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ قال: هو الوَصْلُ الذى كان بينَهم فى
(٤)
الدنيا(٤).
وحُدِّثتُ عن عمارٍ ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع: ﴿ وَتَقَطَّعَتْ
بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾. يقولُ: أسبابُ(٥) التّدامةِ(١).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٨/١ (١٤٩٢)، والحاكم ٢٧٢/٢ من طريق أبى عاصم به،
وصححه الحاكم، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٦/١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) فى م، ت ١، ت ٢: ((يتحابون)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٦/١ إلى عبد بن حميد والمصنف.
(٤) تفسير عبد الرزاق ٦٥/١.
(٥) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((الأسباب)) .
(٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٨/١ عقب الأثر (١٤٩٦) من طريق ابن أبى جعفر به.
٢٨
سورة البقرة : الآية ١٦٦
وقال بعضُهم: بل معنى الأسبابِ : المنازلُ التى كانت لهم مِن أهلِ الدنيا .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُّ سعدٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنى عمى، قال: حدَّثْنى أبى،
عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ﴾ يقولُ: تقطّعتْ بهم المنازلُ(١).
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ، عن أبى
جعفرٍ الرازِىِّ، عن الربيعِ / بنِ أنسٍ: ﴿ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ﴾. قال:
الأسبابُ : المنازلُ(٢).
٧٢/٢
وقال آخرون: الأسبابُ : الأرحامُ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنی حجاجٌ، قال: قال ابنُ
تُجريج: وقال ابنُ عباسٍ: ﴿وَتَقَطّعَتْ [١٠١/٤ وا بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ قال: الأرحامُ(٤).
وقال آخرون : الأسبابُ : الأعمالُ التى كانوا يَعْمَلُونها فى الدنيا .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثْنى موسى بنُ هارونَ ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُدِّىِّ: أمّا ﴿ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ﴾ فالأعمالُ(٥).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٨/١ (١٤٩٤) عن محمد بن سعد به.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٨/١ (١٤٩٧) من طريق أبى جعفر به .
(٣) بعده فى م: ((قال: ثنا الحسن)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٦/١ إلى المصنف وابن المنذر.
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٩/١ عقب الأثر (١٤٩٨) من طريق عمرو بن حماد به.
٢٩
سورة البقرة : الآية ١٦٦
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه :
وَتَقَطّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ﴾ قال : أسبابُ أعمالِهِم ؛ فأهلُ التقوَى أُعْطُوا أسبابَ
أعمالِهم(١) وثيقةٌ فِيَأْخُذون بها فيَتْجُون، والآخرون أَعْطُوا أسبابَ أعمالِهِم الخبيثةِ
فَتَقَطَُّ(٢) بهم فِيَذْهَبونَ فى النارِ(٣). قال: والأسبابُ: الشىءُ يُتَعَلَّقُ به. قال:
والسببُ : الحبلُ.
والأسبابُ : جمعُ سببٍ ، وهو كل ما تَسَبَّبَ به الرجلُ إِلَى طَلِبَتِهِ وحاجَتِه ،
فيقالُ للحبلِ: سببٌ؛ لأنه يُتَسبَّبُ بالتَّعَلُّقِ به إلى الحاجةِ التى لا يُوصَلُ إليها إِلَّا
بالتعلُّقِ به . ويقالُ للطريقِ: سببٌ؛ للتَّسَبُبِ برُكوبِه إلى ما لا يُدرَكُ إلَّا بِقَطْعِه.
والمُصاهَرَةِ: سببٌّ؛ لأنها سببٌ للحُزْمَةِ . وللوسيلةِ : سببٌ؛ للوصولِ بها إلى
الحاجةِ . وكذلك كلُّ ما كان به إدراكُ الطَّلِبَةِ، فهو سببٌ لإدراكِها .
فإذ كان ذلك كذلك ، فالصوابُ من القولِ فى تأويل قوله: ﴿ وَنَقَطَّعَتْ بِهِمُ
اَلْأَسْبَابُ﴾ أن يقالَ: إِنَّ اللَّهُ أَخْبَرَ أنَّ الذين ظلموا أنفسَهم من أهلِ الكُفرِ الذين
ماتوا وهم كفارٌ ، يتَبَأْ عندَ معايتَتِهِم عذابَ اللَّهِ المنبوعُ مِن التابعِ، وتَتَقَطَّعُ بهم
الأُسبابُ ، وقد أَخْبَر اللهُ جل ثناؤه فى كتابِهِ أن بعضَهم يَلْعَنُ بعضًا، وأُخْبَر عن
الشيطانِ أنه يقولَ لأوليائِه: ﴿مَّآ أَنَا بِمُصْرِحِكُمْ وَمَا أَنْتُم بِمُصْرِخِىٌَّ إِنِ كَفَرْتُ
بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ﴾ [إبراهيم: ٢٢]. وأخْبَر جل ثناؤُه أَنَّ الأَخِلَّاءَ يومئذٍ بعضُهم
لبعض عدوٌّ إلّ المتقين، وأن الكافرين لا يَنْصُرُ يومئذٍ بعضُهم بعضًا، فقال تعالى ذِكرُه :
(١) فى الأصل: ((أعمال)).
(٢) فى م، ت ٣: ((فتقطع))، وفى ت ١: ((فيقطعون))، وفى ت ٢: ((فيعطون)).
(٣) ينظر المحرر الوجيز ٤٧٥/١.
٣٠
سورة البقرة : الآيتان ١٦٦، ١٦٧
مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ ﴾ [الصافات: ٢٤، ٢٥]. وأن الرجلَ
﴿ وَقِفُوُهُرَّ إِنَّهُم ◌َسْئُولُونَ
٢٤
منهم لا يَنْفَعُه نَسِيبُه ولا ذو رَحِمِه، وإن کان نَسیئُه للَّهِ وليًّا ، فقال جل ثناؤه فى
ذلك: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَهِيمَ لِأَبِهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ
فَمَّا نَبَيَّنَ لَهُوَأَنَّهُ, عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرََّ مِنْهُ ﴾ [التوبة: ١١٤]. وأخبر جل ذِكرُه أن
أعمالَهم تَصيرُ عليهم حسراتٍ .
وكلُّ هذه المعانى أسبابٌ يُتَسبَّبُ فى الدنيا بها إلى مطالبَ ، فقَطَع اللَّهُ منافعَها
فى الآخرة عن الكافرين به فى الدنيا)؛ لأنها كانت بخلاف طاعتِه ورضاه ، فھی
منقطعةٌ بأهلِها ، فلا خِلالُ بعضِهم بعضًا نَفَعهم عند ورودهِم على ربِّهم، ولا
عِبادتُهم أَنْدادَهم ، ولا طاعتُهم شياطِينَهم ، ولا دافَعَتْ عنهم أرحامٌ فَنَصَرَتْهم مِن
انتقام اللَّهِ منهم، ولا أغنَتْ عنهم أعمالُهم، بل صارتْ عليهم حسراتٍ ، فكلُّ
أسبابِ الكفارِ / منقطعةٌ ، فلا معنى أبلغُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ
اُلْأَسْبَابُ ﴾ مِن صفةِ اللَّهِ ، وذلك ما بيَّنَّا مِن جمیع أسبابهم دونَ بعضِها ، على ما
قلنا فى ذلك .
٧٣/٢
ومن اذَّعَى أَن المَغْنىَّ بذلك خاصٌّ مِن الأسبابِ ، سُئِل البُرهانَ(١) على دعواه
مِن أصلٍ لا تَنازُعَ فيه، وعُورِضَ بقولِ مخالِفِه فيه، فلن يقولَ فى شىءٍ [١٠١/٤ ظ] من
ذلك قولًا إلَّا أُلزِم فى الآخَرِ مِثْلَه.
القولُ فى تأويل قولِه جل ثناؤُه: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَتَتَبَرَّأَ
مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّهُوأ مِنَّا
(١ - ١) سقط من: م. ت ١، ت ٢.
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((عن البيان)).
٣١
سورة البقرة : الآية ١٦٧
يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ﴾: وقال تُبَّاُ الرجالِ الذين كانوا
اتَّخَذوهم أندادًا من دونِ اللَّهِ، يُطيعونهم فى معصيةِ اللَّهِ، ويَعْصُون ربَّهم فى
طاعتِهم، إذ يَرَوْن عذابَ اللَّهِ فى الآخرةِ: ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً ﴾. يعنى بالكَرَّةِ :
الرَّجْعَةَ إِلى الدنيا . مِن قولِ القائلِ: كررتُ على القومِ أَكُثُّ عليهم (١) كَرًّا(٢ ومَكَوّا٢).
والكرّةُ: المرّةُ الواحدةُ . وذلك إذا حَمَل عليهم راجعًا بعدَ الانصرافِ عنهم، كما
قال الأخْطَلُ(٣) :
كَرَّ الَنَيحِ(٤) وجُلْنَ ثَمَّ مَجَالًا
ولقد عَطَفْنَ على فَزَارَةَ عَطْفَةٌ
وكما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، عن سعيدٍ، عن قتادةً: ﴿وَقَالَ
الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ لَوْ أَنَ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّا﴾ أى(٥) : رجعةٌ إلى
(٦)
الدنيا (٦).
وحدَّثنى المثنى ، قال: حدَّثنى إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن
الربيعِ: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً ﴾ قال: قالت الأَتْباعُ: لو أن لنا كرةً
إلى الدنيا فَبُوَأَ منهم كما تَّءُوا منا(١).
وقولُه: ﴿فَتَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ﴾ منصوبٌ؛ لأنه جوابٌ للتَّمَنى بالفاءِ؛ لأَنَّ القومَ
تَمَنَّوا رجعةً إلى الدنيا ليَتَبَرَّءُوا مِن الذين كانوا يُطيعونهم فى معصيةِ اللَّهِ ، كما تَبَّأَ
(١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت٣.
(٢ - ٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) شرح ديوانه ٣٩١.
(٤) المنيح : قدح لاحظ له فى الميسر، ولكنه يعاد مع القداح فى كل ضربة. نقائض جرير والأخطل ص ٨٠.
(٥) بعده فى م: ((لنا)) .
(٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٦/١ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٧) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٩/١ (١٤٩٩) من طريق أبى جعفر عن الربيع، عن أبى العالية .
٣٢
سورة البقرة : الآية ١٦٧
منهم رؤساؤُهم الذين كانوا فى الدنيا، المَتْبوعون فيها على الكفرِ باللَّهِ ، إذ عاينُوا
عظيمَ النازلِ بهم مِن عذابِ اللَّهِ ، فقالوا: يا ليتَ لنا كَرَّةً إلى الدنيا ، فنَتَبَوَّأ منهم،
و﴿ يَلَيْلَنَا نُرَةُ وَلَا تُكَذِّبَ بِثَايَتِ رَبِّنَا وَنَّكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [ الأنعام: ٢٧].
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اَللَّهُ أَعْمَلَهُمْ حَسَرَتٍ
عَلَيْهِمٌ ﴾.
ومعنى قوله: ﴿ كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَلَهُمْ﴾. يقولُ: كما أراهم العذابَ
الذى ذَكَره فى قوله: ﴿ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ ﴾ الذى كانوا يُكَذِّبون به فى الدنيا،
فكذلك يُريهم أيضًا أعمالَهم الخبيثَةَ التى اسْتَحَقُّوا بها العقوبةَ مِن اللّهِ ﴿ حَسَرَتٍ
عَلَيْهِمِّ ﴾ يعنى : نَداماتٍ .
٧٤/٢
والحَسَراتُ: جمعُ حَشْرَةٍ، وكذلك كلُّ اسم كان واحِدُه على / ((فَعْلَةٍ))
مفتوح الأوَّلِ ساكِنُ الثانى، فإِنَّ جمعَه على ((فَعَلَاتٍ))، [١٠٢/٤ و] مثل: شَهْوَةٍ
وتَمْرةٍ ، تُجْمَعُ: شَهَواتٍ وَمَرَاتٍ . مُتَقَّلَةُ الثَّوانى مِن حروفِها. فأمَّا إذا كان نعتًا فِإِنَّك
تَدَعُ ثانِيَه ساكنًا، مِثلَ: ضَخْمَةٍ ، تَجْمَعُها: ضَخْماتٍ ، وعَثْلَةٍ تَجْمعُها عَبْلاتٍ .
وربما سُكَّن الثانى فى الأسماءِ، كما قال الشاعرُ():
عَلَّ صُرُوفَ الدَّهْرِ أو دُولاتِها(٢) يُدِلْنَا اللَّهَّةَ مِن لَّتِها
فَتَسْتَرِيحَ النَّفْسُ مِن زَفْرَاتِها
فسَكِّن الثانى مِن ((الزَّفْراتِ)) وهى اسمٌ .
(١) اللسان (ل م م)، (ع ل ل)، (ز ف ر).
(٢) الدولات: مفردها دَوْلة ودُولة وهى: العُقبَى، فى المال والحرب سواء. وقيل: الدُّولة بالضم، فى المال .
والدُّولة بالفتح، فى الحرب . اللسان (د و ل).
٣٣
سورة البقرة : الآية ١٦٧
وقيل : إنَّ الحسرةَ أَشَدُّ الندامةِ .
فإن قال لنا قائلٌ: فكيف يَرَوْن أعمالَهم حسراتٍ عليهم، وإنما يَنَدَّمُ (١) المتْتَدِّمُ
على تَوْكِ الخيراتِ وفَوْتِها إِيَّه، وقد عَلِمْتَ أَنَّ الكفارَ لم يكنْ لهم مِن الأعمالِ ما
يَتَتَدَّمون على تركِهم الازديادَ منه، فيُريَهم اللَّهُ قليلَةً ، بل كانت أعمالُهم كلُّها
معاصيَ للَّهِ ، ولا حسرةَ عليهم فى ذلك ، وإنما الحسرةُ عليهم فيما لم يَعْملوا مِن طاعةٍ
اللَّهِ ؟
قيل له : إنَّ أهلَ التأويل فى تأويلِ ذلك مُخْتَلِفون ، فتَذْكُرُ فى ذلك ما قالوا ، ثم
نُخْبِرُ بالذى هو أوْلَى بتأويلِه إن شاء اللَّهُ؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: كذلك يُريهم
اللَّهُ أعمالَهم التى فَرَضها عليهم فى الدنيا ، فضَيَّعوها ولم يَعْملوا بها ، حتى اسْتَوْجَب
ما كان اللَّهُ أعَدَّ (" له - لو كان عمِل بها فى حياتِه"، مِن المساكنِ والنِّعَم - غيرُهُ "
بطاعتِهِ ربَّه، فصار ما فاته(٤) مِن الثوابِ - الذى كان اللَّهُ أعدَّه (°له عندَه، لو كان
أطاعه فى الدنيا ، إذ عاينه ) عندَ دخول النارِ، أَو قبلَ ذلك - أَسَى وندامةٌ وحسرةٌ
(٦)
عليه(٦).
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ ، عن الشُدِّىِّ:
(١) فى الأصل: ((يندم)).
(٢ - ٢) فى م: ((لهم لو كانوا عملوا بها فى حياتهم)).
(٣) فى م: ((غيرهم)).
(٤) فى م: ((فاتهم )) .
(٥ - ٥) فى م: ((لهم عنده، لو كانوا أطاعوه فى الدنيا، إذ عاينوه)).
(٦) فى م: ((عليهم)).
( تفسير الطبرى ٣/٣ )
٣٤
سورة البقرة : الآية ١٦٧
كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَلَهُمْ حَسَرَتٍ عَلَيْهِمّ﴾. زَعَم أنه تُؤْفَعُ لهم الجنةُ ،
فيَنْظُرون إليها وإلى بيوتِهم فيها ، لو أنَّهم أطاعوا اللَّهَ ، فيقالُ لهم : تلك مساكنُكم لو
أَطَعْتم اللَّهَ. ثم تُقَسَّمُ بينَ المؤمنين، فيَرِثُونهم، فذلك حينَ يَنْدَمون(١) .
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهدئٍّ، قال : ثنا سفيانُ ، عن
سَلَمَةَ بنِ كُهَيلٍ، قال: ثنا أبو الزَّعْراءِ، عن عبدِ اللَّهِ فى قصةٍ ذَكَرها فقال: فليس
نفسٌ إلَّا وهى تَنْظُرُ إلى بيتٍ فى الجنةِ وبيتٍ فى النارِ، وهو يومُ الحسرةِ . قال: فيَرَى
أهلُ النارِ "البيتَ الذى٢) فى الجنةِ ، فيقالُ لهم: لو عَمِلْتم؟ فتَأْخُذُهم الحسرةُ . قال:
ويرَى أهلُ الجنةِ البيتَ الذى فى النارِ ، فيقالُ: لولا أن مَنَّ اللَّهُ عليكم(٣).
فإن قال قائلٌ: وكيف يكونُ مضافًا إليهم من العملِ مالم يَعْمَلوه على هذا
التأويلِ؟
قيل: كما يُعْرَضُ على الرجلِ العملُ، فيقالُ قبلَ أن يَعْمَلَه: هذا عملُك .
يعنى : هذا الذى يَجِبُ عليك أن تَعْمَلَه. كما يقالُ للرجلِ يَحْضُرُ غداؤُه قبلَ أن يَتَغَدَّى
به: هذا غَداؤك اليومَ. يَعْنى به: هذا ما تَتَغَدَّى به اليومَ. فكذلكَ قولُه: / [١٠٢/٤ ظ]
كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَلَهُمْ حَسَرَتٍ عَلَيْهِمٌّ﴾ يعنى: كذلك يُريهم اللّهُ أعمالَهم
٧٥/٢
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٩/١ من طريق عمرو بن حماد به .
(٢ - ٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((الذين)).
(٣) حديث منكر. أخرجه العقيلى ٢/ ٣١٤، والطبرانى فى الكبير (٩٧٦١)، والحاكم ٤ / ٤٩٦، ٥٩٨،
والبيهقى فى البعث (٦٥٧) ، من طريق سفيان به .
وقال البخارى فى التاريخ ٥/ ٢٢١: أبو الزعراء ... روى عن ابن مسعود، رضى الله عنه فى الشفاعة، ولا
يتابع فى حديثه . وقال ابن كثير فى النهاية فى النهاية ٢٠/ ٢٣٠: حديث غريب جدا. وستأتى أجزاء متفرقة من
هذا الأثر بهذا الإسناد فى تفسير الآية ٧٩ من سورة الإسراء، والآية ١٠٠ من سورة الكهف ، والآية ٩٦ من سورة
الأنبياء، والآية ٩ من سورة فاطر، والآية ٢٤ من سورة الصافات ، والآية ٤٩ من سورة المدثر، والآية ٤٢ من
سورة القلم .
۔
-٠ ٠
٣٥
سورة البقرة : الآية ١٦٧
التى كان لازمًا لهم العملُ بها فى الدنيا ، حسراتٍ عليهم.
وقال آخرون : كذلك يُريهم اللَّهُ أعمالَهم السيئةَ حسراتٍ عليهم: لم عَمِلوها ؟
وهَلَّا عَمِلوا بغيرِها مما يُرْضِى اللَّهَ تعالى ؟
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الربيعٍ :
كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَلَهُمْ حَسَرَتٍ عَلَيْهِمٌ ﴾ : فصارتْ أعمالُهم الخبيثةُ حسرةً
عليهم يومَ القيامةِ(١).
حدَّثنى يونسُ قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿أَعْمَلَهُمْ
حَسَرَتٍ عَلَيْهِمٌ﴾ قال: أو ليسَ أعمالُهم الخبيثةُ التى أدْخَلَهم اللَّهُ بها النارَ حسراتٍ
عليهم؟ قال: وجَعَل أعمالَ أَهلِ الجنةِ لهم. وقَرَأ قولَ اللَّهِ: ﴿بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي
الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ﴾ [الحاقة: ٢٤].
قال أبو جعفر: وأَوْلَى التأويلينْ بالآيةِ تأويلُ مَن قال: معنى قوله :
كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَلَهُمْ حَسَرَتٍ عَلَيْهِمٌ﴾: كذلك يُرِى اللَّهُ الكافرين
أعمالَهم الخبيثةَ حسراتٍ عليهم ، لم عَمِلوا بها؟ وهَلَّا عَمِلوا بغيرِها؟ فَندِموا على ما
فَرَط منهم مِن أعمالِهِم الرّديئةِ إذ(٢) رَأَوْا جزاءَها مِن اللَّهِ وعقابَها؛ لأَنَّ اللَّهَ أخبر أنه
يُرِيهم أعمالَهم نَدمًا عليهم. فالذى هو أوْلَى بتأويلِ الآيةِ ما دلّ عليه الظاهرُ دونَ ما
احْتَمَلَه الباطنُ الذى لا دَلالةَ على أنه المَغَنِيُّ بها . والذى قاله السُّدِّىُّ فى ذلك ، وإن
كان مَذهبًا تَحْتُمِلُه الآيةُ، فإنه مَنْزَعُ بعيدٌ ، ولا أثرَ بأنَّ ذلك كما ذكَر تقومُ له حجةٌ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٩/١ عقب الأثر (١٤٩٩) من طريق ابن أبى جعفر به .
(٢) فى م، ت ٢: ((إذا)).
٠٠
٣٦
سورة البقرة : الآيتان ١٦٧، ١٦٨
فيُسَلَّمَ له(١)، ولا دلالةَ فى ظاهرِ الآيةِ أنه المرادُ بها، فإذ(١) كان الأمر كذلك لم
يُحَلْ ظاهرُ تنزيلٍ إلى باطنٍ تأويلٍ.
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿ وَمَا هُم بِخَرِجِينَ مِنَ النَّارِ
١٦٧
يعنى جل ذِكرُه بذلك: وما هؤلاءِ الذين وَصَف صفتَهم مِن الكفارِ - وإن
نَدِموا بعدَ مُعايَنتِهم ما عاينوا من عذابِ اللَّهِ ، فاشْتَدَّتْ نَدامَتُهم على ما سَلَّف منهم
مِن أعمالِهِم الخبيثةِ، وَمَنَّوْا إلى الدنيَا كَرَّةً لِيُنيبوا فيها، ويَتَبَّءُوا مِن مُضِلِّيهم
وسادَتِهم الذين كانوا يُطيعونهم فى معصيةِ اللَّهِ فيها - بخارجين من النارِ التى
أَضْلاهُموها اللَّهُ بكفرِهم به فى الدنيا، ولا نَدَمُهم فيها بمُنْجِيهم مِن عقابِ اللَّهِ
حينئذٍ ، ولكنَّهم فيها مُخلَّدون .
وفى هذه الآيةِ الدَّلالةُ على تكذيبِ اللَّهِ الزاعمين أنَّ عذابَ اللَّهِ أهلَ النارِ مِن
أهلِ الكفرِ به مُنْقَضٍ، وأنه إلى نهايةٍ، ثم هو بعدَ ذلك فانٍ؛ لأنّ اللّه تعالى
ذكرُه أُخْبَرَ عن هؤلاء الذين وَصَف صفتَهم فى هذه الآيةِ، ثم خَتَم الخبرَ عنهم
بأنَّهم غيرُ [١٠٣/٤و] خارجين من النارِ، بغيرِ استثناءٍ منه وقتًا دونَ وقتٍ ، فذلك
إلى غيرِ حدٍّ ولا نهايةٍ .
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَا فِىِ الْأَرْضِ حَلًا طَيِّبًا
وَلَا تَتَّعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَنَّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِيُ
(١٦٨)
٧٦/٢
/ يعنى بذلك جلّ ثناؤه: يا أيها الناسُ كلُوا مما أحَللْتُ لكم مِن الأطعمةِ على
لسانٍ رسولى محمدٍ عَلَه، فَطَيْتُهُ لَكُمْ، مما تُحرِّمُونَه على أَنْفُسِكم من البحائِ
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت٣: ((لها)).
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت٣: ((فإذا)).
٣٧
سورة البقرة : الآية ١٦٨
والسوائبٍ والوصائلِ، وما أشبه ذلك مما لم أحرِّمْهُ عَلَيْكم، دونَ ما حرَّمْتُه عليكُم مِن
المطاعمِ والمآكلِ فنَّستُه، من مَيْئَةٍ ودمٍ ولحم خنزيرٍ، وما أُهِلَّ به لِغيرِى، ودَعُوا
خطواتِ الشيطانِ التى تُوبِقُكُم فتُهلِكُكم وتُورِدُكُم مواردَ العَطَبِ، وتُحرّمُ عليكم
أموَالَكم فلا تَتَبِعُوها ولا تَعمَلُوا بها. ﴿ إِنَّهُ﴾ يَعنِى بقولِه: ﴿إِنَّهُ﴾: إِنَّ
الشيطانَ ، والهاءُ فى قولِه: ﴿ إِنَّهُ﴾ عائدةٌ على الشيطانِ ﴿لَكُمْ﴾ أيها الناسُ
عَدُوٌّ مُّبِينُ ﴾ يعنى جلّ ثناؤه أنه قد أبانَ لكم عدَاوَتَه بإبائِه (١) السجود لأبيكم
وُرورِه إيَّه حتى أخرجَه من الجنةِ واستزَلّهُ بالخطيئةِ، وأكَل من(١) الشجرة. يقولُ
جلّ ثناؤه : فلا تَنْتَصِحُوه أيها الناسُ مع إِبانتِه لكم العداوةَ، ودُوا ما يأمرُكُم به،
والزمُوا طاعَتی فیما أمرتكم به ونھیُگُم عنه مما حلّلْتُه لكم، وحژّمتُه علیگُم ، دونَ ما
حرَّمْتُمُوه أنتم علَى أَنفُسِكم وحلَّلْتُمُوه طاعةٌ منكُم للشيطانِ واتباعًا لأمرِهِ . ومعنَى
قوله: ﴿حَمَلًا﴾: طِلْقًا، وهو مصدرٌ من قولِ القائلِ: قد حلِّ لكَ هذا الشىءُ.
أى: صارَ لك مُطْلَقًا، فهو يَحِلُّ لك حلَالًا وحِلًّا. ومن كلام العربِ: هو لكَ حِلّ
بِلِّ طِلْقٌ.
وأمّا قولُه: ﴿ طَيِّبًا﴾ فإنه يعنى به: طاهرًا غيرَ نجِيسٍ ولا مُحرَّمٍ .
وأما ((الخُطواتُ)) فهى جمعُ خُطوةٍ، والخُطوةُ بُعدُ مابينَ قدمَي الماشِى،
والخَطوةُ بفتح الخاءِ : الفَعلةُ الواحدةُ ، من قولِ القائلِ : خطوتُ خَطْوةٌ واحدةٌ . وقد
تُجمعُ الخُطوةُ خُطًا ، والخَطوة تُجمعُ خَطَوَاتٍ وخِطاءً .
والمعنى فى النهي عن اتباع خطواتِه ، النهىُ عن طريقهِ وأثرِه فيما دعا إليه مما هو
خلافُ طاعةِ اللهِ .
(١) بعده فى م: ((عن)) .
(٢) سقط من : ص .
٣٨
سورة البقرة : الآية ١٦٨
واختلف أهلُ التأويل فى معنى الخُطواتِ ؛ فقال بعضُهم: خُطواتُ الشيطانِ عملُه .
ذِكرُ من قال ذلك
حدثنى المثنى بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: حدَّثنى معاويةُ ،
عن علىِّ بن أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ خُطُوَاتِ [٠٣/٤ ١ ظ] اُلشَّيْطَانِ﴾
يقولُ: عملُهُ(١).
وقال بعضُهم: خُطواتُ الشيطانِ (١) : خَطاياه .
ذِكرُ من قال ذلك
حدثنی محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عیسی ، عن ابنِ أبی
نَجيح، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿ خُطُوَتِ الشَّيْطَنِّ﴾ قالَ: خطيئَتُه(٣) .
حدثنى المُنَّى ، قالَ: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قالَ: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبى نَجِيحِ، عن
مُجاهدٍ ، قال : خَطاياهُ .
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن
قتادةَ فى قوله: ﴿ وَلَا تَشَّعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَنِّ﴾ قال: خَطاياه(٤).
حدثنى يحيى بنُ أبى طالبٍ ، قال: أخبرنا يزيدُ بنُ هارونَ ، قال : أخبرنا
جُوَيِيرٌ، عن الضَّحاكِ فى قوله: ﴿ خُطُوَاتِ الشَّيْطَنَّ﴾ قال : خَطايا الشيطانِ التى
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٧١/٢ (١٩٥١) من طريق عبد الله بن صالح به .
(٢) سقط من : الأصل.
(٣) تفسير مجاهد ص ٢١٨، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٠/١ (١٥٠٥)، بلفظ: خطأه. زاد
ابن أبى حاتم: أو قال: خطاياه. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٧/١ إلى عبد بن حميد.
(٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٨٢.
٣٩
سورة البقرة : الآيتان ١٦٨، ١٦٩
يأمرُ بها .
وقال آخرون : خطواتُ الشيطانِ : طاعتُه .
٧٧/٢
/ ذكرُ من قال ذلك
حدثنى موسى بنُ هارونَ ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿ وَلَا نَشَِّعُوا خُطُوَتِ الشَّيْطَنَّ﴾ يقولُ: طاعتُه(١).
وقال آخرون: خُطواتُ الشيطانِ : النذورُ فى المعاصِى .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثناجَرِيرٌ، عن سليمانَ، عن أبى مِجلَزٍ فى قوله: ﴿ وَلَا
تَشَِّعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَنَّ﴾ قال: هى النذورُ فى المعاصِى.
وهذه الأقوالُ التى ذكرناها عمَّن ذكْنَاها عنه فى تأويل قوله: ﴿ خُطُوَاتِ
الشَّيْطَنَّ﴾ قريبٌ معنَى بعضِها من بعضٍ؛ لأنّ كلّ قائلٍ منهم قولًا فى ذلك فإنه
أشارَ إلى نَهْىِ اتباعِ الشيطانِ فى آثارِهِ وأعمالِه، غيرَ أن حقيقةً تأويلِ الكلمةِ هو ما
بَنْتُ من أنها بُعْدُ ما بينَ قَدَميه ، ثم تُستعملُ فى جميع آثارِه وطُرُقِه على ما قد بَيَنْتُ .
القول فى تأويل قوله جلّ ثناؤه: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُّكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَآءِ وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى
١٦٩)
اللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ
يعنى جلّ ثناؤه بقولِه: ﴿ إِنَّمَا يَأْمُؤَّكُمْ﴾: الشيطانُ، ﴿ بِالسُّوْءٍ﴾. والسوءُ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٧١/٢ (١٩٥٢).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨١/١ (١٥٠٧) من طريق جرير به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه
(٢٤٢ - تفسير) عن معتمر بن سليمان، عن أبيه به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٧/١ إلى عبد بن
حميد وأبى الشيخ .
٤٠
سورة البقرة : الآية ١٦٩
الاسمُ (١) مثلُ الضُّرِّ، من قولِ القائل: ساءك هذا الأمرُ يسوءُك سُوءًا. وهو ما يسوءُ
الفاعلَ .
وأما الفحشاءُ فهى مصدرٌ مثلُ السرّاءِ والضرّاءِ، وهى كلَّ ما اسْتُفْحِشَ ذِكرُه
وقَبُحَ مَسموعُه .
وقيلَ : إنّ السوءَ الذى ذكرَه اللَّهُ هو معاصِی اللَّهِ . فإن كان ذلك كذلك،
فإِنّما سماها اللَّهُ سوءًا؛ [١١٠٤/٤] لأنّها تَسوءُ صاحبَها بسوءِ عاقِبتِها له عندَ
اللَّهِ .
وقيل : إنّ الفحشاءَ الزنا. فإنْ كان ذلك كذلك، فإنما " سمِّى بذلك" لِقُبْح
مسموعه، ومکژوهِ ما يُذ کرُ به فاعلُه .
ذِكرُ من قال ذلك
حدثنى موسى بنُ هارونَ ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشّدىِّ: ﴿ إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَآِ﴾: أما (السوءُ)) فالمعصيةُ، وأما
((الفحشاءُ)) فالزنا(١).
وأما قولُه: ﴿ وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ فهو ما كانوا يُحرِّمون من
البحائرِ والسوائبِ والوصائلِ والحوامِى، ويَزْعُمون أنّ اللَّهَ حرّمَ ذلك، فقال جلّ ثناؤه
لهم: ﴿ مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيَةٍ وَلَا سَأَبِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ
يَفْتَرُونَ عَلَى اَللَّهِ الْكَّذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٣] وأخبرهم جلّ ثناؤه فى
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((الإثم)).
(٢ - ٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( یسمی)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨١/١ (١٥١٠) من طريق عمرو بن حماد به.