Indexed OCR Text

Pages 681-700

٦٨١
سورة البقرة : الآيتان ١٤٨، ١٤٩
وشريعتَكم جميعًا يومَ القيامةِ، من حيثُ كنتم من بقاع الأرضِ، حتى يوفِّىَ(١)
المحسنَ منكم جزاءَه بإحسانِهِ، والمسىءَ عقابَه بإساءتِه ، أو يتفضّلَ فيصفَحَ .
وأما قولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ فإنه تعالى ذكرُه يعنى: إن اللهَ على
جمعِكم - بعد مماتِكم - من قبورِ كم إليه (١) ، من حيثُ كنتم ("وكانت قُبُورُكم٢)،
وعلى غيرِ ذلك مما يشاءُ قادرٌ(٤)، فبادِرُوا خُروجَ أنفسِكم بالصالحاتِ من الأعمالِ
قبلَ مِماتِكم ، ليومٍ بعثِكم وحشْرِكم .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلٍ وَجْهَكَ شَطْرَ اُلْمَسْجِدِ
الْحَرَامِّ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّيِّكْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(٥)
١٤٩
يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ ومن أىِّ موضعٍ خرَجْتَ إلى
أَىِّ موضعٍ وجّهْتَ ، فولِّ يا محمدُ وجهَك. يقولُ: حوَّلْ وجْهَك.
وقد دلَّلْنا على أن الثَّوليةَ فى هذا الموضعِ شطرَ المسجدِ الحرام ، إنما هى الإقبالُ
بالوجهِ نحوَه، وقد بينًا مَعنى الشطرِ فيما مضَى (١).
وأما قولُه: ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكُ﴾ فإنه يعنى به جلَّ ثناؤه: وإن التوجُّهَ شطرَه
لَلحقُّ الذى لا شكَّ فيه من عندِ ربِّك، فحافِظوا عليه، وأطِيعوا اللهَ بتوتجُهِكم (١) قِبَلَه .
(١) فى ص: ((يؤتى)).
(٢) سقط من : م .
(٣ - ٣) سقط من : م .
(٤) فى م، ت٢: ((قدير)).
(٥) فى ص : ( يعملون). وهى قراءة أبى عمرو، وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائى
بالخطاب . إتحاف فضلاء البشر ص ٩١.
(٦) ينظر ما تقدم فى ص ٦٥٩ .
(٧) فى ص: ((فتوجهكم))، وفى م، ت٢: ((فى توجهكم)).

٦٨٢
سورة البقرة : الآية ١٤٩، ١٥٠
٦م
فإنه یقولُ : فإن الله ليس بساهٍ
١٤٩
وأما قولُه: / ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
٣١/٢
عن أعمالِكم ، ولا بغافلٍ عنها ، ولكنه مُحصِيها لكم حتى يُجازيَكم بها يومَ القيامةِ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه : ﴿ وَمِنْ حَيْثُ خَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَاءِ
وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَةٌ﴾ .
[٧٨/٤ ٥] يَعنى بقولِه: ﴿ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِّ﴾
ومن أىِّ مكانٍ وبقعةٍ شَخَصْتَ فخرَجتَ يا محمدُ ، فحوِّلْ ( وجهَك تلقاءَ المسجدِ
الحرامِ، وهو شطرُه.
ويَعنى بقولِه: ﴿ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطَرَهُ﴾ وأينما كنتم أيها
المؤمنون من أرضِ اللهِ ، فولَّوا وُجوهَكم فى صَلواتِكم تُجاهَه وقِبَلَهُ وقَصْدَه .
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿لِثَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةُ إِلَّا الَّذِينَ
ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَأَخْشَوْنِ﴾ .
فقال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ: عَنى اللهُ بالناسِ فى قوله: ﴿ لِتَلَا يَكُونَ
لِلنَّاسِ﴾ أهلَ الكتابِ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لِثَلًا
يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ مُجَّةٌ ﴾ یعنی بذلك أهلَ الکتابِ ، قالُوا حین صُرِف نبئُ اللهِ إلى
الكعبةِ البيتِ الحرام : اشتاقَ الرجلُ إلى بيتِ أبيه ودينٍ قومِه (١) .
(١) فى م، ت٢، ت٣: ((فول)).
(٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٥٨/١ عقب الأثر (١٣٨٧) معلقا. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٤٨/١ إلى المصنف وعبد بن حميد.

٦٨٣
سورة البقرة : الآية ١٥٠
حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُّ أبى جعفر، عن أبيه ، عن
الربيعِ فى قوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ يَعنى بذلك أهلَ الكتابِ ، قالوا
حينَ صُرِف نبىُّ اللهِ إلى الكعبةِ: اشتاقَ الرجلُ إلى بيتٍ أبيه ودينٍ قومِه (١) .
فإن قال قائلٌ : فأيَّةُ حُجَّةٍ كانت لأهلِ الكتابِ بصلاةِ رسولِ اللهِ وأصحابِه
نحوَ بيتِ المقدسِ على رسولِ اللهِ عَّهِ وأصحابِهِ ؟
قيل : قد ذكَرْنا فيما مضى ما رُوِى فى ذلك ، قيل : إنهم كانوا يقولون : ما
درَى محمدٌ وأصحابُه أين قِلتُهم حتى هدَيناهم نحن ! وقولهم : یخالِفُنا محمدٌ فى
ديننا ويتَبعُ قبلَتَنَا(٢)! فهى الحُنَّةُ التى كانوا يحتَجُون بها على النبيِّ عَّهِ وأصحابِهِ،
على وجهِ الخُصومةِ منهم لهم، والتَّمويهِ منهم بها على الجُهَالِ وأهلِ الغَباءِ(٣) من
المشركين .
وقد بينًا فيما مضى أن معنى حِجاج القومِ إيّاه الذى ذَكَرِه اللهُ فى كتابِه إنما
هو (٤) الخصوماتُ والجدالُ، فقطَع اللهُ ذلك من حُجَّتِهم وحسَمه ، بتحويلِ قِبلةِ نبيِّه
مَ ◌ّه والمؤمِنين به ، من قِبلةِ اليهودِ إلى قِبلةٍ خليله إبراهيمَ عليه السلامُ.
/فذلك هو معنى قولِ اللهِ: ﴿لِثَلًا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ يَعنى ٣٢/٢
بـ ((الناس))، الذين كانوا يحتجون عليهم بما وصَفْتُ .
وأما قولُه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُواْ [٧٨/٤ظ] مِنْهُمْ﴾ فإنهم مشرِكو العربِ من
قريشٍ، فيما تأوَّله أهلُ التأويلِ.
-
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٥٨/١ عقب الأثر (١٣٨٧) من طريق ابن أبى جعفر به.
(٢) ينظر ما تقدم فى ص ٦٥٧ .
(٣) فى م: ((العناد)).
(٤) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((هى)).

٦٨٤
سورة البقرة : الآية ١٥٠
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو ، قال : حدَّثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا عيسى ، عن ابنٍ
أبى نَجيح، عن مجاهدٍ: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾: قومُ محمدٍ عٍَّ .
حدَّثنی موسى ، قال: حدَّثنا عمرو، قال: حدَّثنا أسباطُ ، عن الشُّدِّىِّ، قال :
هم المشركون من أهلِ مكةً .
حدَّثنى المثنَّى ، قال: حدَّثنا إسحاقُ ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
الربيعِ: ﴿ إِلَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾: يعنى مشرِكى قريشٍ(١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال : أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ ، قال: أخبرَنا مَعمرٌ، عن
قنادةَ ، وابنِ أبى نَجيح، عن مجاهدٍ، فى قوله: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ ﴾ قال:
هم مشركو العربِ (١) .
حدَّثْنا بشرّ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِلَّا
الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾: والذين ظلموا مشركو قريشٍ.
حدَّثنا القاسمُ ، قال: حدَّثنا الحسينُ ، قال: حدَّثنی حجاجٌ ، عن ابنٍ ◌ُریچٍ،
قال : قال عطاء: هم مشرِكو قريشٍ. قال ابنُ نجريجٍ: وأخبرنى عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ أنه
سمِع مجاهدًا يقولُ مثلَ قولٍ عطاءٍ ) .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٥٩/١ عقب الأثر (١٣٨٩) من طريق ابن أبى جعفر به .
(٢) سيأتى مطولا فى ص ٦٨٦ .
(٣) ذكره البغوى فى تفسيره ١٦٥/١. وينظر ما سيأتى فى ص ٦٨٧ .

٦٨٥
سورة البقرة : الآية ١٥٠
فإن قال قائلٌ : فأيَّةُ حُجةٍ كانت لمشرٍكى قريشٍ على رسولِ اللهِ وأصحابه فى
توجُّهِهم فى صلاتِهم إلى الكعبةِ ؟ وهل يجوزُ أن يكونَ للمشركين على المؤمنين -
فيما أمَرهم اللهُ به أو نَهاهم عنه - حُجةٌ ؟
قيل: إن معنَى ذلك بخلافٍ ما توهّمتَ وذهَبْتَ إليه، وإنما الحُجةُ فى
هذا الموضعِ الخصومةُ والجدلُ ومعنى الكلامِ : لئلا يكونَ لأحدٍ من الناسِ
عليكم خُصومةٌ ودعوَى باطلٍ ١ ، غيرَ مشرِكى قريشٍ، فإن لهم عليكم
دعوَى باطلٍ (١) وخصومةً بغيرِ حقٍّ ، بقيلهم لكم : رجَع محمدٌ إلى قبلَتِنا،
وسيرجعُ إلى ديننا. فذلك من قولِهم وأمانيّهم الباطِلةِ، هى الحجةُ التى
كانت لقريشٍ على رسولِ اللهِ عَّهِ وأصحابِهِ ، ومن أجلِ ذلك استثنى اللهُ تعالى
الذين ظلموا من قريشٍ من سائرِ الناسٍ غيرِهم، إذْ نفَى أن يكونَ لأحدٍ منهم فى
قبلتِهم التى وجَّههم إليها حُجَّةٌ .
وبمثلِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ من قال ذلك منهم
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو ، قال : حدَّثنا أبو عاصم ، قال : حدّثنا عيسى ، عن ابنِ
أبى نجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ : ﴿لِثَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةُ إِلَّ الَّذِينَ
ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾ قومُ محمدٍ مِله. قال مجاهدٌ: يقولُ: حُجَّتُهم قولُهم: قد راجعْتَ(٢)
قبلَتَنَا(٣).
(١) فى م، ت٢: ((باطلة)).
(٢) فى م: ((رجعت)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤٨/١ إلى المصنف وعبد بن حميد، بلفظ: حجتهم ... ، وفى تفسير
مجاهد ص ٢١٦: ﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة﴾ يعنى: أمة محمد عبد الله، وحجتهم قولهم: تركت قبلتنا .

٦٨٦
سورة البقرة : الآية ١٥٠
/حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابن أبى نَجيحِ،
عن مجاهدٍ مثلَه ، إلّا أنه قال : قولُهم : قد رجعتَ إلى قِبلَتِنا؟.
حدَّثنا [٧٩/٤ و] الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزّاقِ ، قال: أخبرَنا مَعمرٌ،
عن قتادةً ، وابنِ أبى نَجيح، عن مجاهدٍ ، فى قوله: ﴿ِثَلَا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةُ
إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾ قالا: هم مشرِكو العربِ، قالوا حينَ صُرِفتْ القبلةُ إلى
الكعبةِ : قد رجع إلى قبلتِكم، فيوشِكُ أن يرجعَ إلى دينكم. قال اللهُ: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ
(١) .
وَأَخْشَوْنِ (١)﴾ .
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ قال: حدَّثنا سعيدٌ عن قتادةَ قولَه: ﴿إِلَّا
الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾ والذين ظلموا مشرٍكو قريشٍ. يقولُ: إنهم سيختُون عليكم
بذلك. فكانت حُجَّتُهم على نبيِّ اللهِ بانصرافِهُ (١) إلى البيتِ الحرامِ أنهم قالوا : سيرجِعُ
إلى ديننا كما رجَع إلى قِيلتِنا. فأنزل اللهُ فى ذلك كلِّه (٢) .
حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفر، عن أبيه ، عن
(٤)
حدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرو، قال: حدَّثنا أسباطُ ، عن السُّدِّىِّ فيما
الربيعِ مثلَه(٤).
(١) فى الأصل، وتفسير عبد الرزاق: (واخشون) بحذف الياء، والقرأة متفقة على إثبات الياء. وينظر إتحاف
فضلاء البشر ص ٩١.
والأثر فى تفسير عبد الرزاق ٦٢/١. وعزاه السيوطى أيضًا فى الدر المنثور ١٤٨/١ إلى ابن المنذر وأبى داود
فى ناسخه . وينظر تفسير البغوى ١٦٥/١.
(٢) فى ص : ((انصرافه)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤٨/١ إلى المصنف وعبد بن حميد. وزاد فيه: ﴿ يا أيها الذين آمنوا
استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين﴾.
(٤) تقدم مختصرًا فى ص ٦٨٤ .
٣٣/٢

٦٨٧
سورة البقرة : الآية ١٥٠
يَذْكُرُ عن أبى مالكٍ ، وعن أبى صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهمدانيٌ ، عن ابنِ
مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبىّ قالوا (١) : لما صُرِف نبىُ اللهِ نحوَ الكعبةِ بعدَ
صلاتِه إلى بيتِ المقدس، قال المشركون من أهلِ مكةَ: تَحيّر على محمدٍ دينُه ، فتوجَّهَ
بقبلتِه إليكم ، وعلِم أنكم كنتم أهدَى منه سبيلاً ، ويوشِكُ أن يدخُلَ فى دينكم .
فأنزَلَ اللهُ فيهم: ﴿ لِثَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حَُّةُ إِلَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلَا
تَّخْشَوْهُمْ وَأَخْشَوْنِ ﴾(١).
حدَّثنا القاسمُ ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال : حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ ،
قال : قلتُ لعطاءٍ: قولَه: ﴿ لِئَّلَا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةُ إِلَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ
مِنْهُمْ ﴾ قال: قالت قريشٌ لمّ رجع إلى الكعبة وأَمر بها: ما كان يستغْنى عنَّا، قد استقبلَ
قبلتنا . فھی ◌ُّتُهم ، وهم الذين ظلموا . قال ابنُ جریچٍ: وأخبرنى عبدُ اللهِ بنُ(٣) کثیرٍ
أنه سمِع مجاهدًا يقولُ مثلَ قولِ عطاءٍ، فقال مجاهدٌ: حُجّتُهم: قولُهم: رجَعتَ إلى
(٤)
قبلَتِنا
فقد أبان تأويلُ من ذكَرنا تأْويلَه - من أهلِ التأويلِ - قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ
ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾ عن صحة ما قلنا فى تأويله، وأنه استثناءٌ على (°صحةٍ، بمعنىْ
الاستثناءِ المعروفِ ، الذى يَثْبُتُ فيه لما بعدَ حرفِ الاستثناءِ ما كان منفيًّا عما قبلَه،
كما (٦) قولُ القائلِ: ما سار من الناسِ أحدٌ إلّا أخوك. إثباتٌ للأخ من السَّيرِ ما هو
(١) فى الأصل، ص، ت١، ت٢، ت٣: ((قال)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤٨/١ إلى المصنف، وينظر ما تقدم فى ص ٦٤٠، ٦٤١ .
(٣) بعده فى الأصل: ((أبى)). وينظر تهذيب الكمال ٤٦٨/١٥.
(٤) ينظر ما تقدم فى ص ٦٨٤، ٦٨٥.
(٥ - ٥) فى م: ((معنى)).
(٦) بعده فى م: (( أن)).

٦٨٨
سورة البقرة : الآية ١٥٠
٣٤/٢
مَنفىٌّ عن كلِّ أحدٍ من الناسِ. فكذلك قولُه: ﴿ ◌ِثَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةُ إِلَّا
الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾ نَفْىٌ عن أن يكون لأحدٍ خُصومةٌ وجَدَلٌ قِبلَ رسولِ اللهِ
عَ ظ له، ودعوَى باطلٍ(١ عليه وعلى أصحابِهِ، /بسببٍ تَوجُّهِهم فى صلاتِهم قِلَ
الكعبة ، [٧٩/٤ظ] إلّ الذين ظلموا أنفسهم من قريشٍ، فإن لهم قِبلَهُم خصومةً
ودعوَى باطلٍ (١) ، بأن يقولوا: إنما توجّهتُمْ إلينا وإلى قبلتنا لأنا كنا منكم أهدَى
سبيلًا ، وأنكم كنتم بتومجهكم نحوَ بيت المقدس على ضلالٍ وباطلٍ .
وإذْ كان ذلك معنَى الآيةِ بإجماعِ الْحُبَّةِ من أهلِ التأويلِ، فيَئِنٌّ (٣) خطأُ قولٍ
من زعم أن معنَى قوله: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾ ولا الذين ظلموا منهم(٢) . وأن
معنى ﴿إِلَّا﴾ بمعنَى الواوِ؛ لأن ذلك لو كان معناه، لكان النفْىُ الأُولُ عن جميع
الناس - أن يكونَ لهم حُجةٌ على رسولِ اللهِ عَظِلَه وأصحابِهِ فى تحوُّلِهم نحوَ الكعبةِ
بؤُجوهِهم - مُبَيِّنًا عن المعنَى المرادِ ، ولم يكنْ فى ذكرٍ قولِه بعدَ ذلك: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ
ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾ إلا التلْبيسُ الذى يتعالَى عن أن يُضافَ إليه أو يُوصفَ به. هذا مع
◌ُروجٍ معنَى الكلامِ إذا وُجُّهَت (٥) ﴿إِلَّ﴾ إلى معنَى الواوِ وبمعنَى(٤) العطفِ، من
كلامِ العربِ. وذلك أنه غيرُ موجودةٍ((إلا )) فى شىءٍ من كلامِها بمعنى الواوِ، إلّا مع
استثناءٍ سابقٍ قد تقدّمَها، كقولِ القائلِ: سارَ القومُ إِلَّ عَمرًا إلّا أخاك. بمعنى: إلّا
عَمرًا وأخاك. فتكونُ ((إلّا)) حينئذٍ مؤدِّيةٌ عما تؤدِّى عنه الواوُ لتعلَّقِ ((إلا))
(١) فى م: ((باطلة)).
(٢) فى ص: (( فتبين)).
(٣) كأنه يعنى أبا عبيدة ، فهذا القول له فى مجاز القرآن ٦٠/١ .
(٤) سقط من : م .
(٥) فى ص: ((وجهه)).
(٦) فى ص، م: ((معنى)).

٦٨٩
سورة البقرة : الآية ١٥٠
الثانيةِ (١ بـ ((إلّا))(١) الأولى. ويُجمعُ أيضًا فيها بينَ ((إلّا)) والواوٍ، فيقالُ: سار القومُ إلّا
عَمرًا، وإلّا أخاك. فتُحذفُ إحداهما فتنوبُ الأخرَى عنها، فيقالُ: سارَ القومُ إِلّ
عَمرًا وأخاك. أو : إلّا عَمرًا إلّا أخاك. لما وصَفْنا قبلُ.
فإذْ كان ذلك كذلك، فغيرُ جائزٍ لمذَّعِ(٢) من الناسِ أن يدّعِىَ أن ﴿ إِلَّا﴾ فى
هذا الموضعِ بمعنى الواوِ التى تأتى بمعنَى العطفِ .
وواضح فسادُ قولِ من زعم أن معنى ذلك (٣): إلّا الذين ظلموا منهم، فإنهم لا
حُجّةً لهم ، فلا تَخشَوْهم ، كقولِ القائلِ فى الكلامِ(٤) : الناسُ كلُّهم لك حامدون ،
إلّ الظالمَ ) المعتدِىَ عليك، فإن ذلك لا يُعتدُّ بِعُدْوانِه(١) ، ولا بتركِه الحمدَ لموضِعِ
العداوةِ . وكذلك الظالمُ لا حُجةً له، وقد سُمِّى ظالماً - لإجماع جميع أهلِ التأويلِ
على تخْطِئِةٍ ما ادَّعى من التأويلِ فى ذلك. وكفَى شاهدًا على خطأً مقالةٍ(٧)
إجماعُهم على تخطِئَتِها .
وظاهرٌ بطولُ قولٍ من زعم أن الذين ظلموا ههنا ناسٌ من العربِ كانوا يهودًا
أو (١) نصارَى، فكانوا يحتجون على النبيِّ، فأما سائرُ العربِ، فلم تكنْ لهم حُجّةٌ ،
وكانت حُجّةُ من يحتَجُ مُنكسِرةٌ؛ لأنك تقولُ لمن تُريدُ أن تكسِرَ عليه حُجَّتَه: إِن لك
(١ - ١) فى ص: ((إلى)).
(٢) هو أبو عبيدة معمر بن المثنَّى. ينظر مجاز القرآن ٦٠/١.
(٣) هو الفراء ، وما سيأتى هو نص كلامه فى معانى القرآن ٨٩/١.
(٤) فى م، ت٢: ((كلامه)) .
(٥) بعده فى معانى القرآن: ((لك)).
(٦) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((بعداوته)).
(٧) فى م، ت٢: ((مقالته)).
(٨) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: (( و).
( تفسير الطبرى ٤٤/٢ )

٦٩٠
سورة البقرة : الآية ١٥٠
علىَّ حُجّةً، ولكنها مُنكسِرَةٌ ، إنَّك لتحتجُّ بلا حُجَّةٍ، وحُجّتُك ضعيفةٌ. وَوَجَهُ(١)
معنى: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوْ مِنْهُمْ﴾ إلى معنَى: إلّ الذين ظلموا منهم من أهلِ
الكتابِ ، فإن لهم عليكم حُجةٌ واهيةً، أو حُجةً ضعيفةً. ووَهَاءُ(١) قولٍ من قال :
((إلّا)) فى هذا الموضع بمعنى ((لكن)). وضَعْفُ قولٍ من زعَم أنه ابتداءٌ بمعنَى: إلّا
الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم؛ لأن تأويلَ أهلِ التأويلِ جاءَ فى [٨٠/٤و] ذلك بأن
ذلك من اللهِ خبرٌ عن الذين ظلموا منهم أنهم يحتَجُون على النبيِّ وأصحابِه بما قد
ذكرنا ، ولم يقصِدْ فى ذلك إلى الخبرِ عن صفةٍ حُجّتِهم بالضعفِ ولا بالقوَّةِ - وإن
كانت ضعيفةً لأنها باطلةٌ - وإنما قصَد فيه الإِثباتَ للذين ظلموا ما قد نَفَى عن الذين
قبلَ حرفِ الاستثناءِ من الصفةِ .
حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ،
قال : قال الربيعُ: إِن يهوديًّا خاصمَ أبا العاليةِ فقال: إن موسى كان يُصلِّى إلى صخرةٍ
بيتِ المقدسِ . فقال أبو العاليةِ: كان يُصلِى عند الصخرةِ إلى البيتِ الحرامِ . قال : قال
٣٥/٢ فبينى وبينَك مسجدُ صالحٍ، فإنه نحَته من الجبلِ. قال/ أبو العاليةِ: قد صلّيتُ فيه
وقبلتُه إلى البيتِ الحرامِ. قال الربيعُ : وأخبرنى أبو العاليةِ أنه مرَّ على مسجدٍ ذِى
القرنين وقبلتُه إلى الكعبةِ .
وأما قولُه: ﴿ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَأَخْشَوْنِ﴾ يعنى: فلا تخشَوْا هؤلاء الذين وصَفْتُ
لكم أمرَهم من الظلَمةِ(١)، فى حُجّتِهم وجدالِهِم وقولِهم ما يقولُون من(٤) أن محمدًا
(١) التقدير : وظاهر بطلان قول من وجّه .
(٢) فى النسخ عدا الأصل: ((وهى)) وهما بمعنى. وتقدير الكلام : وظاهر وهاء.
(٣) فى م: ((الظلم)).
(٤) فى ص: (( فى)).

٦٩١
سورة البقرة : الآية ١٥٠
قد رجَع إلى قبلتِنا، وسيَرْجِعُ إلى ديننا ، أو أن يقدِرُوا لكم على ضُرّ فى دينكم ، أو
صَدِّكم عما هَداكم اللهُ له من الحقِّ، ولكن اخشونى ، فخافوا عقابی فی خلافِكم
أمرِى إن خالَفتُموه .
وذلك من اللهِ تقدُّمٌ إلى عبادِه المؤمنين، بالحضِّ على لزوم قبلتِهم والصلاةِ
إليها ، وبالنَّهى عن التوجهِ إلى غيرِها. يقولُ جلَّ ثناؤه: واخشَوْنى أيها المؤمنون ، فى
تؤكِ طاعتى فيما أمَرتُكم به من الصلاةِ شطرَ المسجدِ الحرامِ .
وقد حُكِى عن السُّدِّىِّ فى ذلك ما حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا
عمرُو بن حمادٍ، قال: حدّثنا أسباطُ ، عن الشُّدِّىِّ: ﴿ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَأَخْشَوْنِ ﴾
یقولُ : لا تخشوا أن أردّکم فی دینھم .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
١٥٠
يَعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِ عَلَيْكُمْ﴾ ومن حيث خرَجتَ من
البلادِ والأرضِ إلى أىِّ بقعةٍ شَخَصْتَ ، فولِ وجْهَك شَطُرَ المسجدِ الحرامِ ، وحيثُ
كنتَ أنت يا محمدُ والمؤمنون ، فولُّوا وُجوهَكم فى صلاتِكم شطْرَه، واتّخِذوه قِبلةً
لكم، كيلا يكونَ لأحدٍ من الناسِ عليكم(٢) سِوَى مشركِى قريشٍ حجةٌ، وكى أُمَّ
بذلك - من هِدايتى لكم إلى قبلةٍ خليل إبراهيمَ، الذى جعَلْتُه إمامًا للناسِ -
نعمتى، فأُكمِلَ لكم به فضلى عليكم، وأنّمَ به شرائعَ ملَتِكم الحنيفيّةِ [٨٠/٤ط]
المسلمةِ التى وصَّيتُ بها نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى وسائرَ الأنبياءِ غيرَهم.
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٥٩/١ (١٣٩٠) عن أبى زرعة، عن عمرو به.
وإلى هنا انتهى المجلد الثانى من نسخة دار الكتب المصرية . وقد أشرنا فى المقدمة إلى أن الجزء الثالث منها غير
موجود وتستأنف عند قوله جل ثناؤه: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحْ﴾. من الآية ٢٢٠ من سورة البقرة.
(٢) سقط من: م، ت١، ت٢، ت٣.

٦٩٢
سورة البقرة : الآيتان ١٥٠، ١٥١
وذلك هو نِعْمتُه التى أخبَرَ جلَّ ثناؤُه أنه مُتِتُّها على رسوله والمؤمنين به من أصحابِه .
وقولُه: ﴿وَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ يعنى: وكى (تَهْتَدوا فتَرْشُدوا() للصوابِ من
القِبَلِ(٢). و﴿ وَلَعَلَّكُمْ﴾ عطفٌ على قولِه: ﴿ وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ﴾، (٣ وقولُه (٣)
﴿ وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ﴾ عطفٌ على قولِهِ: ﴿لِثَلَا يَكُونَ﴾ .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا فِكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ ءَايَئِنَا
وَيُزَكِيْكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ
١٥١
يَعنى بقوله تعالى ذكرُه: ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا﴾. ولِأُمِ نعمَّتِى
عليكم ببيانِ شرائِع ملّتِكم الحنيفيّةِ وأهديكم لدينِ خليلى إبراهيمَ، فأجعَلَ لكم
دَعوتَه التى دعانى بها ومسألتَه التى سألَنِيها فقال: ﴿ رَبَّنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ
لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَاً إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ
الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٨] كما جعَلتُ لكم دَعوَتَه التى دعانِى بها ، ومسألَته التى
سألَنيها فقال: ﴿ رَبَّنَا وَأَبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ
اُلْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّبِمٌ / إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [ البقرة: ١٢٩] فابتعثْتُ
منكم رسولى الذى سألَنى خليلى إبراهيمُ وابنُه إسماعيلُ أن أَبعَثَه من ذُرِّيتِهما .
٣٦/٢
فـ ﴿ كَمَا﴾ إذن - إذ كان ذلك معنى الكلامِ - صلةٌ لقولِ اللهِ: ﴿وَلِأُتِّمَ
نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ (٢ وتأويلُه: ولِأَنَّ نغمتى عليكم كما أرسلْنَا فيكم رسولاً منكم".
(١ - ١) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((ترشدوا)).
(٢) فى م، ت٢: ((القبلة)).
(٣ - ٣) سقط من: م .
(٤ - ٤) فى م: ((ولا يكون قوله: ﴿ كما أرسلنا فيكم رسولا منكم﴾. متعلقا بقوله: ﴿فاذكرونى
أذكركم﴾)). وهو جيد أيضًا .

٦٩٣
سورة البقرة : الآية ١٥١
وقد قال قومٌ(١): إن مَعنى ذلك: فاذْكُرونى كما أرسَلْنا فيكم رسولاً منكم
أذكُوْكم . وزعَموا أن ذلك من المقدَّم الذى مَعناه التأخيرُ، فأغرَقوا التَّزْعَ (١)، وبعدوا
من الإصابةِ، وحمَلوا الكلامَ على غيرِ معناه المعروفِ، وسِوَى وجهِه المفهومِ . وذلك
أن الجارىَ من الكلام على ألسُنِ العربِ ، المفهومَ فى خطابِهِم بينَهم، إذا قال بعضُهم
وُ
لبعضٍ : كما أحسَنتُ إليك يا فلانٌ فأحسِنْ. أن لا يشترطوا: لأحسن(٢). لأن
الكافَ فى ((كما)) شرطٌ، معناه : افعَلْ كما فعَلتُ . ففى مجىء جوابٍ :
فَذَّكُرُونِ﴾. بعدَه، وهو قولُه: ﴿أَذْكُرَّكُمْ ﴾ أوضحُ الدليلِ على أن قولَه: ﴿ كَمَآ
أَرْسَلْنَا﴾ من صلةِ الفعلِ الذى قبلَه، وأن قوله: ﴿قَاذْكُونِيّ أَذْكُرَّكُمْ﴾ خبرٌ مبتدأ
منقطِعٌ عن الأولِ، وأنه من سببٍ قولِه: ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيَكُمْ﴾ بمعزِلٍ.
وقد زعم بعضُ النحويين(٤) أن قولَه: ﴿فَاذْكُرُونِيّ﴾ إذا جُعِل قولُه: ﴿ كَمَا
أَرْسَلْنَا فِيَكُمْ﴾ جوابًا له مع قوله: ﴿ أَذْكُرَّكُمْ﴾ نظيرُ الجزاءِ الذى يُجابُ [٥٨١/٤]
بجوابين، كقولِ القائلِ: إذا أتاك فلانٌ فائْتِه تُرْضِه. فيصيرُ قولُه: فائْته(٥) تُرْضِه
جَوابين لقوله : إذا أتاك . وكقوله : إن تأثنى أُحسِنْ إليكَ أُكْرِفْك.
وهذا القولُ وإن كان مذهبًا من المذاهبِ، فليس بالأشهرِ() الأفصحِ فى كلامٍ
العربِ، والذى هو أوْلَى بكتابِ اللهِ أَن يوجّهَ إليه من اللغاتِ الأفصحُ الأُعرفُ من كلامِ
العربِ، دونَ الأَنْكَرِ الأجهلِ من منطقِها . هذا، مع بُعد وَجْهِه من المفهومِ فى التأويلِ .
(١) هو الفراء فى معانى القرآن ١/ ٩٢.
(٢) أغرق النازع فى القوس: أى استوفى مدها، يضرب مثلا للغلو والإفراط. اللسان (غ رق ).
(٣) فى م: ((للآخر)).
(٤) هو من قول الفراء أيضا، ينظر معانى القرآن ١/ ٩٢.
(٥) بعده فى م: (( و)).
(٦) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((بالأسهل)).

٦٩٤
سورة البقرة : الآية ١٥١
ذكرُ من قال: إن قوله: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِكُمْ﴾ جوابٌ لقوله: ﴿فَاذْكُرُونِ﴾ .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصم ، قال: حدَّثنا عيسى ، قال :
سمِعتُ ابنَ أبى تَجَيح يقولُ فى قولِ اللهِ: ﴿ كَمَآ أَرْسَلْنَا فِكُمْ رَسُولًا
مِنكُمْ﴾ : كما فعَلتُ فاذكرونى .
حدَّثنا المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةً، قال: حدثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نَجِيحِ،
عن مجاهدٍ مثلَه(١).
(٢) وأمّا٢ قولُه: ﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيَكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾ فإنه يَعنى بذلك
العربَ، قال لهم: الزَموا أيها العربُ طاعتى، وتوجَّهوا إلى القِبلةِ التى أمَرْتكم
بالتوجهِ إليها، لتنقطِعَ حُجَّةُ اليهودِ عنكم، فلا تكونُ لهم عليكم حُجّةٌ، ولأتمّ
نعمتى عليكم وتهتدوا، كما ابتدَأْتكم بنعمَتى، فأرسَلْتُ فيكم رسولًا إليكم منكم.
وذلك الرسولُ الذى أرسَلَه إليهم منهم محمدٌ عَلَّهِ .
كما حدَّثنى المثنَّى ، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن
أبيه ، عن الربيع فى قوله: ﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾ يعنى محمدًا
(٣)
عزائي (٣).
وأما قولُه: ﴿يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ ءَايَئِنَا﴾ فإنه يعنى آياتِ القرآنِ . وبقولِه :
﴿وَيُزَكِيكُمْ﴾ ويطهِّرُكم من / دَنسِ الذنوبِ: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَبَ﴾ وهو
٣٧/٢
(١) تفسير مجاهد ص ٢١٧، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٥٩/١ (١٣٩١)، وينظر تفسير البغوى ١٦٦/١،
١٦٧. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤٨/١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر، وقد سقط أوله من المطبوع.
(٢ - ٢) سقط من: م.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٥٩/١ عقب الأثر (١٣٩٢) من طريق ابن أبى جعفر به.

٦٩٥
سورة البقرة : الآيتان ١٥٢،١٥١
القرآنُ(١) ، يعنى أنه يعلِّمُهم أحكامَه. ويعنى بالحكمةِ السُّننَ والفقه فى الدينِ، وقد
بيّنا جميعَ ذلك فيما مضى قبلُ بشواهِدِه(٢).
وأما قولُه: ﴿ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمَّ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ ﴾ فإنه يَعنى: ويعلِّمُكم من أخبارٍ
الأنبياءِ، وقَصصٍ الأمم الخاليةِ ، والخبرِ عما هو حادثٌ وكائنٌ من الأمورِ التى لم تكنٍ
العربُ تعلَمُها. فعلَّمهموها(٢) رسولُ اللهِ عٍَ. فأخبَرهم اللهُ أن ذلك كلَّه إنما
يُدرِ کونه برسولِ الله منه .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَذْكُونِيِّ أَذْكُرَّكُمْ ﴾ .
[٨١/٤ظ] يَعنى بذلك: فاذْكُرونى أيها المؤمنون بطاعتِكم إيّاىَ فيما آمُرُكم به
وفيما أنهاكم عنه، أذكُرْكم برخمتى إِيَّاكم ومغْفِرتِى لكم .
كما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: حدَّثنا ابنُ المباركِ، عن ابنٍ لَهِيعَةَ، عن عطاءِ بنِ
دينارٍ، عن سعيدِ بنِ تجبيرٍ فى: ﴿فَاذْكُرُونِيِّ أَذْكُرَّكُمْ﴾ قال : اذْكُرونى بطاعتى،
أذكُوْكم بمغفرتی(4).
وقد كان بعضُهم يتأوَّلُ ذلك أنه من الذِّكرِ بالثناءِ والمدحِ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى المثنى ، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن
(١) فى م: ((الفرقان)).
(٢) ينظر ما تقدم فى ص ٥٧٥ .
(٣) فى م: ((فعلموها من)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٠/١ (١٣٩٨) من طريق ابن لهيعة به. وأخرجه ٢٦١/١ (١٣٩٩)
من طريق ابن لهيعة به ، بلفظ: أذكركم برحمتى. وعزاه السيوطى أيضا فى الدر المنثور ١٤٨/١ إلى عبد بن
حميد . وينظر تفسير البغوى ١/ ١٦٧.

٦٩٦
سورة البقرة : الآيتان ١٥٢،١٥١
الربيعِ فى قوله: ﴿فَاذْكُرُونِيِّ أَذْكُرَّكُمْ وَاشْكُرُواْ لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ إن الله ذاكرٌ من
ذكّره، وزائدٌ من شكره، ومعذِّبٌ من كفَره(١).
حدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن الشُدىِّ :
فاذگُونِ آَذگُنگُمْ ﴾ قال : لیس مِن عبدِ یذ گؤُ الله إلا ذكره اللهُ ، لا يذكُرُه مؤمنٌ إلا
ذكّره برحمةٍ ، ولا يذكُرُه كافرٌ إلا ذكَّرِه بعذابٍ(٢) .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَأَشْكُرُواْ لِى وَلَا تَكْفُرُونِ
١٥١
يَعنى : اشكُّروا لى أيُّها المؤمنون فيما أنعَمتُ عليكم به من الإسلام ، والهداية
للدينِ الذى شرّعتُه لأنبيائِى وأصْفيائِى، ﴿ وَلَا تَكْفُرُونِ﴾. يقولُ: ولا تجْحَدوا
إحسانى إليكم، فأسْلُبَكم نعمَتى التى أنعمْتُ عليكم، ولكنِ اشكروا لى عليها ،
فأزید کم ، وأُتَمِّمَ نعمتی علیکم ، وأهدیکم لما ھدیتُ له من رَضِيتُ عنه من عبادى ،
فإِنِى وَعَدتُ خلقى أن من شكَر لى زدْتُه، ومن كفَرنى حرَمتُه وسلَبتُه ما أعطَيتُه .
والعربُ تقولُ: (٢شكَوْتُ لك صَنيعتَك. ولا تكادُ تقولُ: شكَرْتُك. وكذلك
تقولُ: نصَحتُ لك٣). ولا تكادُ تقولُ: نصَحتُك. وربما قالتْ: شكَرَتُك
ونصَحتُك. من ذلك قولُ الشاعرِ() :
همُ جمَعوا بُؤْسَى ونُعْمَى عليكُم
فهلا شَكَوْتَ القَوْمَ إذْ لم تُقاتِلٍ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٢٦٠، ٢٦١ عقب الأثر (١٣٩٦، ١٤٠٣) من طريق ابن أبى جعفر
به ، نحوه .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٠/١ عقب الأثر (١٣٩٦، ١٣٩٧) عن أبى زرعة ، عن عمرو بن
حماد به ، نحوه .
(٣ - ٣) فى م: ((نصحت لك وشكرت لك)).
(٤) نسبه أبو حيان فى البحر المحيط ٤٤٧/١ إلى عمرو بن لجأ التميمى، وذكره الفراء فى معانى القرآن ٩٢/١
ولم ينسبه .
(٥) فى م: ((إن)).
٦

٦٩٧
سورة البقرة : الآيتان ١٥٣،١٥٢
وقال النابغةُ فى: نصَحْتُك(١) :
نَصَحْتُ بنى عَوْفٍ فلم يَتَقبَّلوا رسولى(٢) ولم تَنْجَعْ لَدَيْهِمْ وَسائِلِى
/وقد دلَّلْنا على أن معنى الشكرِ الثناءُ على الرجلِ بأفعالِه المحمودَةِ، وأن معنى ٣٨/٢
الكفرِ تغطيةُ الشىءٍ، فيما مضى قبلُ ، فأغنَى ذلك عن إعادتِهِ (١) .
القولُ فى تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ [٨٢/٤و] أَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ
وَالصَّلَوَةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّبِينَ
١٥٣)
وهذه الآيةُ حَضِّ من اللهِ على طاعتِهِ، واحتمالٍ مَكْروهِها على الأبدانِ
والأموالِ، فقال: ﴿ يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أُسْتَعِينُواْ ﴾ على القيامِ بطاعتِى، وأداءِ
فرائضِى فى ناسخ أحكامِى ، والانصرافِ عما أَنْسَخُه منها إلى الذى أَحْدِثُه لكم مِن
فرائضِى ، وأنقُلُكم(٤) إليه مِن أحْكَامِى، والتسلیم لأمرِی فیما آمر كم به فی حین
إلزامِكم حُكْمَه ، والتحوُّلِ عنه بعدَ تحويلى إِيَّا كم عنه - وإنْ لحِقَكُم فى ذلك مَكْروةٌ
مِن مقالةِ أعدائِكم مِن الكفارِ (تَحَدُّلٌ منهم لكم بالباطلِْ)، أو مَشَقّةٌ على أبدانِكم
فى قيامِكم به ، أو نَقْصٌ فى أموالِكم - وعلى جهادِ أعدائِكم وحربهم فى سبيلى ،
بالصبرِ مِنكم لى على مكروه ذلك، ومشقتِه علیکم، واحتمالٍ عِبِه
(١) ديوان النابغة صفحة ٦٧.
(٢) فى ديوان النابغة تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم صفحة ١٤٣: ((وصاتى)). والرسول: الرسالة،
یؤنث ویذکر. اللسان ( رس ل ).
(٣) ينظر ما تقدم فى معنى الشكر فى ١٣٥/١ - ١٣٨، وفى معنى الكفر ما تقدم فى ٢٦٢/١.
(٤) فى حاشية الأصل: ((فى الأم وأنقله)) .
(٥ - ٥) فى م: ((بقذفهم لكم الباطل))، وفى ت ١: ((يحد لهم منهم لهم الباطل))، وفى ت ٢: ((لخذلهم
منهم لكم بالباطل))، وفى ت ٣: (( بخذلهم منهم لكم بالباطل)). وتحدُّل أى: ظلم. ينظر التاج (ح د ل).
(٦) فى م: ((عنائه)).

٦٩٨
سورة البقرة: الآيتان ١٥٣، ١٥٤
وثِقَلِه، ( وبالعزاءِ منكم عمَّن قُتِل فى سبيلى١، ثم بالفَزع منكم فيما ينوبُكم مِن
مُفظِعاتِ الأمورِ إلى الصلاةِ لى، فإنَّكم بالصبر على المكاره تُدْرٍ كون مرضاتِی ،
وبالصلاة لی تَشْتنجحون طلباتِکم قبلی، وتُدْرِ کون حاجاتِکم عندى، فإنى مع
الصابرين على القيام بأداءِ فرائضِى وتركِ معاصِيَّ، أنصُرُهم وأرعاهُم وأكلؤُهم حتى
يظفَرُوا بما طلَبوا وأمَّلوا مِن قِبَلى، وقد بَيَّنْتُ معنى الصبرِ والصلاةِ فيما مضَى قبلُ
فكرِهْنا إعادَتَه(٢) .
كما حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا آدمُ ، قال : ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيع، عن أبى
العاليةِ فى قوله: ﴿ أَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةِ﴾. يقولُ: استعينوا بالصبرِ والصلاةِ
على مرضاةِ اللهِ، واعلموا أنَّهما مِن طاعةِ اللهِ(١) .
حُدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الربيعِ،
قولَه: ﴿ يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَّةَ﴾ اعْلَموا أنهما عَوْنٌ على
طاعةِ اللهِ .
وأما قولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَِّرِينَ﴾ فإن تأويله أن الله ناصِرُه وظهِیژه ، وراضٍ
بفعلِه، كقولِ القائلِ لآخرَ: ((افعلْ يا فلانُ كذا وأنا معكَ)). يعنى: إنى ناصرُك على
فعلِك ذلك ومعينُك عليه .
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ وَلَا نَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتُ بَلْ
(١٥٤)
أَخْيَّةٌ وَلَكِن لَّا تَشْعُرُونَ
يعنى بذلك: يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبرِ على طاعتِى فى جهادِ
(١ - ١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) ينظر ما تقدم فى ٢٤٨/١، ٦١٧، ٦١٨.
(٣) تقدم فى ٦٢٠/١، ٦٢١.

٦٩٩
سورة البقرة : الآية ١٥٤
عدوٌّكم، وتركِ معاصىَّ، وأداءِ سائرٍ فرائضِى عليكم ، ولا تقولوا لمتَن يُقتلُ مِنكم
فى سبيلى : هو ميِّتْ . فإن ا،يتَ مِن خلْقِى هو مَن سلَبتُه حياته وأعدمْتُه حوَاسَّه ، فلا
يَلْتَذُّ لذَّةٌ ولا يُدركُ [٨٢/٤ط] نعيمًا، وإِنَّ مَن قُتِلَ مِنكم ومِن سائرٍ خَلقِی فی سبیلِی
أحياءٌ عندِى فى حَبْرةٍ ونعيم، وعيشٍ هنيٍّ، ورِزْقٍ سَنىٍّ، فَرِحين بما آَيْثُهم مِن
فضلی وحَوْتُهمْ به مِن کرامتِی .
/ كما حدَّثنى محمدُ بنْ عَمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابنٍ ٣٩/٢
أبى نجيح، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿بَلّ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ [آل عمران: ١٦٩].
" قال : يُرْزَقون(٢) من ثمرِ الجنةِ، ويجدون ريحَهَا وليسُوا فيها(٣).
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفةَ ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحِ، عن
مجاهدٍ ، مثلَه .
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قولَه: ﴿ وَلَا
نَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتُ بَلْ أَحْيَّةٌ وَلَكِن لَّا تَشْعُرُونَ﴾،٤ كنا
نُحدَّثُ) أنّ أرواح الشهداءِ تَعارفُ فى طيرٍ بِيضٍ(٥) يَأْكُلْنَ من ثمارِ الجنةِ ، وأن
مساكنَهم السّدرةُ، وأن للمجاهدِ فى سبيلِ اللهِ ثلاثَ خَصَلاتٍ (٢): مَن قُتِلَ فى
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( حياة)).
(٢ - ٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) تفسير مجاهد ص ٢١٧، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨١٣/٢ (٤٤٩٥). وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ١٥٥/١، ٩٦/٢ إلى ابن المنذر.
(٤ - ٤) فى م: (( كما يحدث)).
(٥) فى الأصل: ((خضر)).
(٦) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((سدرة المنتهى)).
(٧) فى م: ((خصال من خير)).

٧٠٠
سورة البقرة : الآية ١٥٤
سبيلِ اللهِ منهم صارَ حيًّا مَرْزوقًا، ومَن غلَب آتاه اللهُ أجرًا عظيمًا، ومَن ماتَ رزَقَه
اللهُ رِزقًا حَسنًا ().
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن
قتادةَ فى قولِه: ﴿ وَلَا نَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتُ بَلْ أَحْيَّءٌ﴾. قال:
أرواح الشهداءِ فى صُوَرٍ(٢) طيرٍ بيضٍ(٣).
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الربيع
فى قوله: ﴿وَلَا نَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِ سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتُ بَلْ أَحْيَاءٌ﴾. " قال: أحياءٌ)
فى صورٍ طيرٍ خضرٍ يطيرون فى الجنة حيث شاءُوا منها ، يأكلون مِن حيثُ شاءوا (٥).
حدَّثنى المثنى، " قال: حدثنا إسحاقُ) ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا
عثمانُ بنُ غِياثٍ ، قال: سمعتُ عكرمةَ يقول فى قوله: ﴿ وَلَا نَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِىِ
سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتُ بَلْ أَحْيَّةٌ وَلَكِن لَّا تَشْعُرُونَ﴾. قال: أرواح الشهداءِ فى طيرٍ
بِيضٍ(٧) فى الجنةِ(٨).
فإن قال لنا قائلٌ: وما فى قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَا نَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥٥/١ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٢) فى الأصل: ((صدور)).
(٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٦٣، وأخرجه كذلك فى مصنفه (٩٥٥٣، ٩٥٥٨)، وينظر الدر المنثور ١٥٥/١.
(٤ - ٤) سقط من : م.
(٥) سيأتى نحوه عن الربيع فى ٢٣١/٦، ٢٣٢. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٣/١ (١٤١٢)،
والبيهقى فى الشعب (٩٦٨٦) من طريق أبى جعفر عن الربيع ، عن أبى العالية .
(٦ - ٦) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٧) فى م: ((خضر)).
(٨) أخرجه ابن أبى شيبة فى المصنف ٣٣٧/٥ من طريق عثمان به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥٥/١ إلى=