Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
سورة البقرة : الآية ١١٤
القولُ فى تأويل قولِه جلّ ثناؤه: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن مَّنَعَ مَسَجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِهَا
أَسْمُهُ وَسَعَى فِى خَرَابِهَاَ﴾ .
قد دَلَّلْنا فيما مضى قبلُ على أن تأويلَ الظُلمِ وَضْعُ الشىءِ فى غيرِ موضعِه (١).
فتأويلُ قولِه: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ﴾: وأُّ امرِىٌّ أشدُّ تَعدِّيًا وجرأةً على اللَّهِ وخلافًا
لأمرِهِ، مِن امرئٌ منَع مساجدَ اللَّهِ أن يُعبدَ اللَّهُ فيها ؟
/ والمساجدُ جمعُ مسجدٍ، وهو كلُّ مَوضِع ◌ُبِدَ اللَّهُ فيه. وقد بيَّنا معنى ٤٩٨/١
السجودِ فيما مضَى (١) . فمعنى المسجدِ: الموضعُ الذى يُشْجَدُ للَّهِ فيه. كما يقالُ
للموضعِ الذى يُجْلَسُ فيه: المَجَلِسُ. وللمَوضع الذى يُنزَلُ فيه: المَنْزِلُ. ثم يُجمعُ
مَنازلَ ومجالسَ، نَظيرَ جمع مَسجدٍ؛ مَساجدَ ) . وقد حُكِىَ سماعًا مِن بعضٍ
العربِ: مَسْجَدٌ(٤). فى واحدِ المساجدِ ، وذلك كالخطأُ مِن قائِلِه.
وأما قولُه: ﴿أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُ﴾. فإن فيه وَجْهين مِن التأويلِ: أحدُهما ،
أن يكونَ معناه: ومَن أظلمُ ممن منَع مساجدَ اللَّهِ مِن أن يُذكرَ فيها اسمُه. فتكونَ
﴿أَنْ﴾ حينئذٍ نصبًا فى قولِ بعضِ أهلِ العربيةِ بفَقْدِ الخافضِ ، وتَعلَّقِ الفعلِ
بها . وفى قولِ بعضِهم خَفْضُها بمعنَى (( مِن)) وإن لم تكُنْ (( مِن)) ظاهرةٌ ، إذْ كان
فى الكلامِ عليها دلالةٌ ) .
والوجهُ الآخرُ، أن يكونَ معناه: ومَن أظلمُ ممن منَع أن يُذْكرَ اسمُ اللَّهِ فى
(١) ينظر ما تقدم فى ٥٥٩/١، ٥٦٠.
(٢) ينظر ما تقدم فى ٧١٥/١ .
(٣ - ٣) فى م، ت١، ت٢، ت ٣: ((مسجد ومساجد)).
(٤) فى م: ((مساجد)).
(٥) فى م، ت١، ت٢، ت ٣: ((من).
(٦ - ٦) سقط من: م، ت١، ت٢، ت٣.

٤٤٢
سورة البقرة : الآية ١١٤
مساجدِه. فتكونَ ﴿أَنْ﴾ حينئذٍ فى موضع نصبٍ تكريرًا على موضعٍ [١٩/٤و]
((المساجدِ)) وردًّا عليه .
وأما قولُه: ﴿وَسَعَى فِ خَرَبِهَاً﴾ . فإن معناه: ومَن أظلمُ ممن منَع مساجدَ اللَّهِ أن
يُذْكرَ فيها اسمُه، وممن سعَى فى خرابٍ مساجدِ اللَّهِ. ف﴿وَسَعَى﴾ إذن عطفٌ على
فإن قال لنا قائلٌ: ومَن الذين عَنَى اللَّهُ بقولِه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَجِدَ
اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيَهَا أَسْمُهُ وَسَعَى فِى خَبِهَا﴾؟ وأُّ المساجدِ هى؟
قيل : إن أهلَ التأويلِ فى ذلك مُختلفون ؛ فقال بعضُهم: الذين مَنَعوا مساجدَ
اللَّهِ أن يُذْكرَ فيها اسمُه هم النصارى، والمسجدُ بيتُ المقدسِ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: حدَّثنی أبى ، قال: حدَّثنی عمِّى، قال: حدَّثنی
أَبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن مَّنَعَ مَسَجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِهَا
أَسْمٍُُ﴾: فإنَّهم النصارى(١) .
وحدَّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عیسی ، عن ابنِ أبی
نَجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللّهِ: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ◌َّنَعَ مَسَجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا
اُسْمُهُمٍ وَسَعَى فِى خَرَابِهَا﴾: النصارى، كانوا يَطْرَحون فى بيتِ المقدسِ الأُذَى،
ويَمْنعون الناسَ أن يُصلُّوا فيه(٢) .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢١٠/١ (١١١١) عن محمد بن سعد به .
(٢) تفسير مجاهد ص ٢١٢، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢١٠/١ (١١١٢). وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ١٠٨/١ إلى عبد بن حميد .

٤٤٣
سورة البقرة : الآية ١١٤
وحدَّثنى المُثنى ، قال: ثنا أبو حذيفةً ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن
مجاهد مثله .
وقال آخرون: بل هو بُخْتُنَصَّرَ وجندُه، ومَن أعانَهم مِن النصارى، والمسجدُ
مسجدُ بيت المقدسِ .
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال : ثنا يزيدُ بنُ زُريع، قال: حدثنا سعيدٌ ، عن قتادةً
قولَه: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِهَا أَسْمُهُ﴾ الآية: أولئك أعداءُ
اللَّهِ النصارى، حملَهم بُغْضُ اليهودِ على أن أعانوا بُخْتَنَصَّرَ البابليَّ المجوسيَّ على
تخريبٍ بيتٍ المقدس ().
وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أُخْبَرنا مَغْمرٌ، عن
قتادةَ فى قوله: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن مَّنَعَ مَسَجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِى
خَرَابِهَا﴾ قال: هو بُخْتُنَصَّرَ وأصحابُه، خَرَّب بيتَ المقدسِ، وأعانَه على ذلك
(٢)
النصارى(٢) .
وحدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ
مِمَن مَّنَعَ مَسَجِدَ / اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا أَسْمُهُ وَسَعَى فِى خَرَبِهَاَ﴾: فإن(١) الرُّومَ كانوا ٤٩٩/١
ظاهروا بُخْتَنَصَّرَ على خرابٍ بيتِ المقدسِ حتى خرَّبه ، وأَمَر به أن تُطْرَحَ فيه
الجِيفُ، وإنما أعانَه الروم على خرابِهِ مِن أجلٍ أن بنى إسرائيلَ قتَلوا يحيى بنَ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٨/١ إلى عبد بن حميد، وينظر تفسير ابن كثير ٢٢٤/١.
(٢) تفسير عبد الرزاق ٥٦/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢١٠/١ (١١١٣) عن الحسن بن يحيى به.
(٣) فى م، ت١، ت٢، ت ٣: ((قال)).

٤٤٤
سورة البقرة : الآية ١١٤
زَكَريا (١).
وقال آخرون : بل عَنَى اللَّهُ عز وجل بهذه الآيةِ مُشْرِكى قريشٍ، إذ مَنَعوا
رسولَ اللَّهِ وَ طَّه مِن المسجدِ الحرامِ.
[١٩/٤ ظ] ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدّثنی یونسُ بنُ عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ فی
قوله: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ◌َّنَعَ مَسَجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِ خَرَابِهَاً﴾ .
قال: هؤلاء المشركون حين حالُوا بينَ رسولِ اللهِ عَّهِ يومَ الحُدَيبيةِ وبينَ أن يَدْخُلَ
مكةَ ، حتى نحَر هديَه بذِى طُوَّى وهادَنَهم ، وقال لهم: (( ما كان أحدٌ يُرَدُّ عن هذا
البيتِ ، وقد كان الرجلُ يَلْقَى قاتل أبيه أو أخيه فيه فما يصدُّه!)) فقالوا: لا يَدْخِلُ
علينا مَن قتل آباءَنا يومَ بدرٍ وفينا باقٍ. وفى قولِه: ﴿وَسَعَى فِ خَرَابِهَا﴾ قال(١) : إذا
قطَعوا مَن يَعمُرُها بذِكْرِهِ، ويَأْتِيها للحجُّ والعمرةِ ().
وأَوْلَى التأويلاتِ التى ذَكَر ناها بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: عَنَى اللَّهُ عز وجل
بقوله: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ﴾ النصارى، وذلك
أنهم هم الذين سعَوا فى خرابٍ بيتِ المقدس، وأعانوا بُخْتَنَصَّرَ على ذلك، ومنَعوا
مُؤْمنى بنى إسرائيلَ مِن الصلاةِ فيه بعدَ مُنْصرَفٍ بختِنصَّرَ عنهم إلى بلادِه .
والدليلُ على صحة ما قلنا فى ذلك ، قيامُ الحُجةِ بأن لا قولَ فى معنى هذه الآيةِ
إلا أحدُ الأقوالِ الثلاثةِ التى ذكرناها ، وأن لا مسجدَ عَنَى اللَّهُ عزّ وجل بقولِه : ﴿فِى
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢١١/١ (١١١٦) عن أبى زرعة ، عن عمرو بن حماد به.
(٢) فى م، ت١، ت٢، ت ٣: ((قالوا)).
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٢٤/١ عن المصنف، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٨/١ إلى المصنف.

٤٤٥
سورة البقرة : الآية ١١٤
خَرَبِهَا﴾ إلا أحَدُ المسجدَيْن، إما مَسْجدُ بيتِ المقدسِ، وإما المسجدُ الحرامُ . وإذ
كان ذلك كذلك، وكان معلومًا أن مُشرِكى قريشٍ لم يَسْعَوا قَطَّ فی تخريبٍ
المسجدِ الحرامِ، وإن كانوا قد منَعوا فى بعضِ الأوقاتِ رسولَ اللَّهِ عَلّهِ وأصحابَه مِن
الصلاةِ فيه، صحَّ وثبت أن الذين وصفَهم اللَّهُ عزّ وجل بالسعي فى خرابٍ
مساجدِهِ، غيرُ الذين وصفَهم اللَّهُ بعمارتِها، إذ كان مُشْرِكو(١) قريشٍ هم(٢) بنوا
المسجدَ الحرامَ فى الجاهليةِ ، وبعِمارتِه كان افْتِخارُهم ، وإن كان بعضُ أفعالِهم فيه
كان منهم على غيرِ الوجهِ الذى يَوْضاه اللَّهُ منهم . وأُخرى أن الآيةَ التى قبلَ قولِه :
﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن مَّنَعَ مَسَجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا أَسْمُهُ﴾. مضَت بالخبرِ عن اليهودِ
والنصارَى وذمّ أفعالِهِم، والتى بعدَها عقَّبَتُ(١) بذمِّ النصارَى والخبرِ عن افترائِهم
على ربِّهم ، ولم يَجْرِ لقريشٍ ولا لُشركى العربِ ذِكْرٌ، ولا للمسجدِ الحرامِ قبلَها ،
فيُوجَّهَ الخبرُ بقولِ اللَّهِ عز وجل: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن مَّنَعَ مَسَجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فَِهَا
أُسْمُهُ﴾. إليهم وإلى المسجد الحرام. وإذا كان ذلك كذلك، فالذى هو أزْلَى بالآية
أن يُوجَّهَ تأويلُها إليه، هو ما كان نَظيرَ قصةِ الآيةِ قبلَها والآيةِ بعدَها ، إذ كان خبرُها
لخبرِهما نظيرًا وشكلًا، إلا أن تقومَ حُجةٌ يجِبُ التسليمُ لها بخلافٍ ذلك ، وإن
اتفَقت قصصُها فاشْتَبهت .
/فإن ظنَّ ظانٌّ أن ما قلنا فى ذلك ليس كذلك - إذا كان المسلمون لم ٥٠٠/١
يَلْزِمْهم قَطُّ فرضُ الصلاةِ فى (٢ مسجدٍ بَيْت٤ِ) المقدسِ فَمُنِعوا مِن الصلاةِ فيه،
(١) فى م: ((مشرك)).
(٢) سقط من: م، ت١، ت٢، ت٣ .
(٣) فى م: ((نبهت)).
(٤ - ٤) فى م: ((المسجد)).

٤٤٦
سورة البقرة : الآية ١١٤
فيجوزَ (١) توجيهُ قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن مَّنَعَ مَسَجِدَ اللَّهِ أَن [٥٢٠/٤] يُذْكَرَ فِهَا
أَسْمُهُ﴾. إلى أنه مَعْنىٌّ به مسجدُ بيتِ المقدسِ - فقد أخطَأُ فيما ظَنَّ مِن ذلك.
وذلك أن اللَّهَ تعالى ذِكْرُه إنما ظلَّمَ (١) مَن منَع مَن كان فرضَه الصلاةُ فى مسجدٍ بيتٍ
المقدسِ مِن مؤمنى بنى إسرائيلَ، وإياهم قصَد بالخبرِ عنهم بالظلمِ ، والسَّغْيِ فى
خرابِ المسجدِ ، وإن كان قد دلَّ بعموم قوله: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن مَنَعَ مَسَجِدَ اللَّهِ أَنْ
يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُُ﴾ أن كلَّ مانع مصليًا فى مسجدٍ للَّهِ، فرضًا كانت صلاتُه فيه أو
تطوعًا، وكلَّ ساعٍ فى خرابِه(٢)، فهو مِن المُتدين الظالمين .
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿أُوْلَتِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا
خَيِفِينَ﴾ .
وهذا خبرٌ مِن اللَّهِ جل ثناؤه عمَّن مَنَع مساجدَ اللَّهِ أن يُذْكَرَ فيها اسمُه ، أنه قد
حَرَّم عليهم دخولَ المساجدِ التى سَعَوا فى تخريبِها ، ومَنَعوا عبادَ اللَّهِ المؤمنين مِن ذكرٍ
اللَّهِ عز وجل فيها ما داموا على مُناصَبةِ الحربِ ، إلا على خوفٍ ووَجَلٍ مِن العقوبةِ
على دُخولِهموها .
كالذى حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريع، قال: ثنا سعيدٌ ، عن
قتادةَ: ﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَيِفِينَ﴾: وهم اليومَ كذلك، لا يُوجَدُ
نَصرانٌّ فى بيتِ المقدسِ إلا نُهِك ضربًا، وأبلغ إليه فى العقوبةِ.
وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أُخْبَرنا مَعْمرٌ، عن
قتادةَ: قال اللَّهُ عز وجل: ﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَيِفِينَ﴾. وهم
(١) فى م: ((فيلجئون)).
(٢) فى م: (( ذكر ظلم)).
(٣) فى م: ((إخرابه)).

٤٤٧
سورة البقرة : الآية ١١٤
النَّصارَى، فلا يَدْخُلون المسجدَ (١) إلا مسارَقةٌ، إِن قُدِرَ عليهم عُوقِبوا(٢).
وحدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿أُوْلَئِكَ
مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَيِفِينٌ﴾: فليس فى الأرضِ رومىِّ يَدْخُلُه اليومَ إلا
وهو خائفٌ أن تُضْرَبَ عُنقُه ، أو قد أَخِيفَ بأداءِ الجزيةِ فهو يُؤَدِّيها(١) .
وحدَّثنى يونُسُ، قال: أَخْبَرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَيِفِينَ﴾. قال: نادَى رسولُ اللَّهِ
عَّهِ: ((أَلَّا(٤) يَحُجَّ بعدَ العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفَ بالبيتِ عُزْيانٌ)). قال: فجعَل
المُشْرِكون يقولون: اللهم إنا مُنِعْنا أن نُبِّك(٥).
وإنما قِيلَ: ﴿أُوْلَبِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَايِفِينَ﴾ فأُخرِج على
وجهِ الخبرِ عن الجميعِ وهو خبرٌ عمّن منَع مساجدَ اللَّهِ أن يُذْكَرَ فيها اسمُه ؛ لأن
((مَن)) فى مَعْنَى الجمعِ وإن كان لفظُه واحدًا .
القولُ فى تأويل قولِه جلّ ثناؤُه : ﴿لَهُمْ فِى الذُّنْيَا (٢٠/٤ ظ] خِزْيٌ وَلَهُمْ فِى
اُلَْخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ
أما قولُه: ﴿لَهُمْ ﴾. فإنه يَعْنِى: للذين أخْبَر عنهم أنهم مَنَعوا مساجدَ اللَّهِ أن
يُذْكَرَ فيها اسمُه .
(١) بعده فى الأصل: ((الحرام)).
(٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥٦، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢١١/١ (١١١٧) عن الحسن بن يحيى به .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢١١/١ (١١١٦) عن أبى زرعة، عن عمرو بن حماد به .
(٤) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((لا)).
(٥) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((تنزل)).
وقوله: ((ألا يحج بعد العام مشرك ... )). متفق عليه من حديث أبى هريرة، أن أبا بكر بعثه ... يؤذن بمنى : ألا
لا يحج ... وينظر فتح البارى لابن رجب ٢/ ٤٠١، ٤٠٢، وسيأتى من طرق فى أول سورة التوبة .

٤٤٨
سورة البقرة : الآيتان ١١٥،١١٤
وأما قولُه: ﴿فِى الذُّنْيَا خِزْىٌ﴾. فإنه يَغْنِى بالخزى الشرّ والعارَ والذِّلةَ؛ إما
القتلُ والشَّبئُ ، وإما الذِّلةُ والصَّغارُ بأداءِ الجزيةِ .
:
/ كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أُخْبَرنا مَعْمٌ ،
٥٠١/١
عن قتادةً: ﴿لَهُمْ فِ الدُّنْيَا خِزْىٌ﴾. قال: يُعْطُون الجزيةَ عن يدٍ وهم
(١)
صاغِرون(١).
وحدَّثنى موسى ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ ، عن الشُّدِّىِّ قولَه: ﴿لَهُمْ
فِي الدُّنْيَا خِزْىٌ﴾: أما خزيُهم فى الدنيا، فإنهم إذا قام الْمَهْدىُّ وفُتِحَت
القُسْطَنطينيةُ قَتَلهم ، فذلك الخزىُ(٢) .
(٣) وأما قولُه: ﴿وَلَهُمْ فِيِ اُلْأَخِرَةِ﴾. فإن الآخرةَ صفةٌ للدارِ . وقد بيَنَّا فيما
مضَى قبلُ لِمَ قيلَ لها : آخرةٌ » .
وأما العذابُ العظيمُ ، فإنه عذابُ جهنمَ الذى لا يُخَفَّفُ عن أهلِه ، ولا يُقْضَى
عليهم فيه(4) فيموتوا .
وتأويلُ الآيةِ: لهم فى الدنيا الذلةُ والهوانُ، والقتلُ والسبى، على مَنْعِهم
مساجدَ اللَّهِ أن يُذْكَرَ فيها اسمُه، وسَغْيِهم فى خرابِها، ولهم على مَعْصِيتِهم
وكفرِهم بربِّهم، وسعيهم فى الأرضِ فسادًا، عذابُ جهنمَ ، وهو العذابُ العظيمُ .
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ وَلَِّ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ، فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اَللَّهِ ﴾
(١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥٦، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢١١/١ (١١١٩) عن الحسن بن يحيى به.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢١١/١ (١١١٨) من طريق عمرو به .
(٣ - ٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣. وينظر ما تقدم فى ١/ ٢٥١.
(٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فيها)).

٤٤٩
سورة البقرة : الآية ١١٥
يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿وَللَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُّ﴾: للَّهِ مِنْكُهما وتَدْبِيرُهما،
كما يُقالُ: لفلانٍ هذه الدارُ. يَغْنِى أنها له مِلْكًا، فكذلك قولُه: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ
وَاَْغْرِبُّ﴾. يَغْنِى أنهما له مِلْكًا وخَلْقًا .
والمَشْرِقُ : موضعُ شُروقِ الشمسِ، وهو موضعُ طلوعِها منه. وكذلك
المغربُ: الموضعُ الذى تَغْرُبُ فيه)، كما يُقالُ لموضع طلوعِها منه: مَطْلِعُ . بكسرٍ
اللَّامِ، كما بَينًا فى مَعْنَى المَسْجِدِ آنفًا .
فإن قال قائلٌ: أَوَما للَّهِ إلا مشرِقٌ واحدٌ ومغرِبٌ واحدٌ، حتى قِيلَ: ﴿ وَللَّهِ
الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُّ﴾؟
قيل : إن معنى ذلك غيرُ الذى ذهَبتَ إليه، وإنما معنى ذلك: وللَّهِ المشرِقُ الذى
تَشْرِقُ منه الشمسُ كلَّ يومٍ، والمغرِبُ الذى تَغْرِبُ فيه كلَّ يومٍ . فتأويلُه إذْ كان ذلك
مَعْناه : وللَّهِ ما بينَ قُطْرى المشرقِ وما بينَ قُطْرِي المغربِ . إذ كان شروقُ الشمسِ كلَّ يوم
مِن موضعٍ منه لا تَعودُ لشروقِها منه إلى الحولِ الذى بعدَه، وكذلك غروبُها كلّ يومٍ .
فإن قال قائلٌ : أَوَليس - وإن كان تأويلُ ذلك ما [٢١/٤ و] ذكرتَ - للَّهِ كُلُّ ما
دونَه ، والخلقُ خلقُه؟ قيل: بَلَى .
فإن قال : فكيف خصَّ المشارقَ والمغاربَ بالخبرِ عنها أنها له فى هذا الموضع
دونَ سائرِ الأشياءِ غيرِها ؟
قِيلَ : قد اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى السببِ الذى مِن أجلِه خصَّ اللَّهُ ذِكْرَ ذلك
بما خصَّه به فى هذا الموضع، ونحن مُبَيِّنو الذى هو أوْلَى بتأويلِ الآيةِ بعدَ
ذِكْرِنا أقوالَهم فى ذلك؛ فقال بعضُهم: خصَّ اللَّهُ ذلك بالخبرِ عنه (١) مِن أجلِ أن
اليهودَ كانت تُوَجّهُ فى صلاتِها وجوهَها قِبَلَ بيتِ المقدسِ، وكان رسولُ اللَّهِ عَ لَم
(١ - ١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
( تفسير الطبرى ٢٩/٢ )

٤٥٠
سورة البقرة : الآية ١١٥
(وأصحابُه يَفْعلون١) ذلك مُدَّةً، ثم حُوِّلوا إلى الكعبةِ، فاستَنْكرت اليهودُ ذلك مِن
فعلِ النبىِّ يَّ امٍ فقالوا: ما ولاهم عن قِبَلَتِهم التى كانوا عليها. فقال اللَّهُ تبارك وتعالى
لهم: المشارقُ والمغاربُ كلُّهالى، أصْرِفُ وجوهَ عِبادِى كيف أشاءُ منها، فأينَماً(٢)
ثُولُوا فِثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ .
/ ذِكْرُ مَن قال ذلك
٥٠٢/١
حدَّثنى المثنى ، قال: حدَّثنا أبو صالح، قال: حدَّثنى معاويةُ بنُ صالح، عن
علىٍّ بنِ أبى طلحةً، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان أولَ ما نسَخَ اللَّهُ مِن القرآنِ القبلةُ ،
وذلك أن رسولَ اللَّهِ وَ لَّهِ لما هاجر إلى المدينةِ، وكان أكثرَ أهلِها اليهودُ، أمرَه اللَّهُ عزَّ
وجلَّ أن يَشْتَقبلَ بيتَ المقدسِ، ففَرِحت اليهودُ، فاسْتَقْبلها رسولُ اللهِ ◌ِ ◌ِِّ بِضعةً
عشرَ شهرًا، فكان رسولُ اللَّهِ نَّهِ يُحِبُّ قِلةَ إبراهيمَ، فكان يَدْعُو ويَنْظِرُ إِلى
السماءِ، فَأَنْزَل اللّهُ تبارك وتعالى: ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِ السَّمَاءِ﴾ إلى قولِه:
﴿فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَةٍ﴾ [البقرة: ١٤٤]. فارْتاب مِن ذلك اليهودُ، وقالوا: ﴿مَا
وَلَّنْهُمْ عَن قِبْلِهِمُ الَّتِى كَانُواْ عَلَيَهَا﴾. فَأَنْزَل اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿قُل لِلَّهِ الْمَشْرِقُ
وَاَلْمَغْرِبُّ﴾ [البقرة: ١٤٢]. وقال: ﴿فَأَيْنَمَا ) تُوَلُّواْ فَمَّ وَجْهُ الَّهِ﴾(٤).
وحدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُّدىِّ بنحوِهُ ) .
(١ - ١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يفعل)).
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فحيثما)).
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أينما)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٤٨/١، ٢٥٣ (١٣٢٩، ١٣٥٥)، والنحاس فى ناسخه ص ٧١،
والبيهقى ٢/ ١٢، ١٣ من طريق أبى صالح به. وأخرجه أبو عبيد فى ناسخه ص ١٦، وابن أبى حاتم فى
تفسيره ٢١٢/١ (١١٢٣)، والبيهقى ١٢/٢، وابن الجوزى فى ناسخه ص ١٤٤ من طريق عطاء الخراسانى ،
عن ابن عباس، نحوه. وعطاء لم يسمع من ابن عباس، كما تقدم فى ص ٨٤. وسيأتى فى ص ٦١٦ -
مختصراً - ، ٦٢٢، ٦٥٧.
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم ٢١٢/١ عقب الأثر (١١٢٣) عن أبى زرعة، عن عمرو بن حماد به. وينظر =

٤٥١
سورة البقرة : الآية ١١٥
وقال آخرون: بل أنزل اللَّهُ هذه الآيةَ قبلَ أن يَفْرِضَ على محمدٍ نبيِّه ◌ِ له وعلى
المؤمنين به، التوجُّهَ شَطْرَ المسجدِ الحرام ، وإنما أنزلها عليه مُعْلِمًا نبيّه بذلك وأصحابَه
أن لهم التوجهَ بوجوهِهم للصلاةِ حيث شاءوا مِن نواحى المشرق والمغربِ ؛ لأنهم لا
يُوجّهون وُجوهَهم وَجْهًا مِن ذلك وناحيةً ، إلا كان جلَّ ثناؤه فى ذلك الوجهِ وتلك
الناحيةِ ؛ لأن له المشارقَ والمغاربَ، وأنه لا يَخْلو منه مكانٌ، كما قال جلَّ ثناؤه:
﴿ وَلَّ أَدَّنَ مِنْ ذَلِكَ وَلَّ أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ ﴾ [المجادلة: ٧]. قالوا: ثم
نَسَخَ ذلك بالفرضِ الذى فَرَضَ عليهم فى التوجُّهِ شَطْرَ المسجدِ الحرام (١) .
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ قولَه :
﴿ وَلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُّ فَأَتْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾: ثم نسَخ ذلك بعدَ ذلك ، فقال
اللَّهُ: ﴿ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾(١).
" وحدَّثنى الحسنُ بنُ يحيى)، قال: أُخْبَرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أُخْبَرنا
مَعْمِرٌ، عن قتادةَ فى قولِهِ: ﴿ فَأَتْنَمَا تُوَلُواْ فَثَمَّ وَجْهُ الَّهِ ﴾. قال: هى القِبلةُ ، [٤]
٢١ظ] ثم نسختها القِبلةُ إلى المسجد الحرامِ .
= الدر المنثور ١٠٨/١، ١٠٩.
(١) قال ابن كثير فى تفسيره ٢٢٧/١ تعليقا على قول المصنف هذا: هكذا قال، وفى قوله: ((وإنه لا يخلو منه
مكان)). إن أراد علمه تعالى فصحيح، فإن علمه تعالى محيط بجميع المعلومات، وأما ذاته تعالى، فلا تكون
محصورة فى شىء من خلقه ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وهذا ما سيذكره المصنف فى تفسير الآية من
سورة المجادلة .
(٢) أخرجه الترمذى (٢٩٥٨) من طريق يزيد به، وأخرجه ابن الجوزى فى ناسخه ص ١٤٥ من طريق سعيد
به نحوه . وأخرجه ابن الجوزى ص ١٤٦ من طريق شيبان ، عن قتادة . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٩/١
إلی عبد بن حميد .
(٣ - ٣) فى م: ((حدثت عن الحسن)).

٤٥٢
سورة البقرة : الآية ١١٥
حدَّثنى المُنُنَّى، قال: حدَّثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ، قال: حدَّثنا همَّامُ بنُ(١)
يحيى، قال: سمِعتُ قتادةَ فى قولِ اللَّهِ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾. قال : كانوا
يُصَلُّون نحوَ بيتِ المقدسِ ورسولُ اللَّهِ مِ ◌ّهِ بمكةَ قبلَ الهجرةِ، وبعدَ ما هاجر رسولُ اللَّهِ
عَلَّهِ صلَّى نحوَ بيتِ المقدس ستةَ عشرَ شهرًا، ثم وُجُّهَ بعدَ ذلك نحوَ الكعبةِ البيتِ الحرامِ،
فنسخها اللَّهُ فى آيةٍ أُخرى: ﴿فَلَنُوَلْيَنَّكَ قِبْلَةُ تَرْضَهَا﴾ إلى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُواْ
وُجُوهَكُمْ شَطَرَةٍ﴾. قال: فنسَخت هذه الآيةُ ما كان قبلَها مِن أَمْرِ القِبلةٍ (١).
وحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: سمِعتُه - يعنى ( ابنَ زيد٣ٍ).
يقولُ: قال اللَّهُ لنبيِّهِ عَهِ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعُ عَلِيمٌ﴾ .
قال: فقال رسولُ اللَّهِ مَ له: ((هؤلاءٍ قومُ يهودَ يَسْتَقْبِلون بيتًا مِن بُيُوتِ اللَّهِ - (٤ لبيتِ
٥٠٣/١ المَقْدسِ" - لو أنَّ اسْتَقْبلناه)). فاسْتَقْبله / النبيُّ عَّهِ ستةَ عشرَ شهرًا، فبلغه أن يهودَ
تقولُ : واللهِ ما درَی محمدٌ وأصحابُه این قِبلتُهم حتى هدئناهم . فگره ذلك النبىُ
◌َ ◌ّهِ، ورفَع وَجهَه إلى السماءِ، فقال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى
السَّمَاءِ﴾ الآية (٥).
وقال آخرون: بل نزلت هذه الآيةُ على النبيِّ عَّهِ إِذْنًا مِن اللَّهِ عز وجل له أن
◌ُصلِّىَ التطوعَ حیثُ توجّه وجهُه مِن شرق أو غربٍ ، فی مسیره فى سفرِه ، وفى حالٍ
المُسايفةِ وشدَّةِ الخوفِ والتقاءِ الزُّحوفِ - الفرائضَ، وأعلمه أنه حيثُ وجَّه وجهَه
فهو هنالك ، بقولِه: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْغَرِبُّ فَأَتْنَمَا تُوَلُواْ فَثَمَّ وَجْهُ الَّهَّ﴾.
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((قال ثنا)).
(٢) أخرجه ابن الجوزى فى ناسخه ص ١٤٥ من طريق همام به نحوه .
(٣ - ٣) فى م: ((زيدًا))، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((زيد)).
(٤ - ٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٥) ذكره النحاس فى ناسخه ص ٧٦، ٧٧ معلقًا .

٤٥٣
سورة البقرة : الآية ١١٥
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريب ، قال: حدَّثنا ابنُ إدريسَ، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ ، عن سعيدِ
ابنِ مجبيٍ، عن ابنِ عمرَ أنه كان يُصَلِّى حيثُ تَوجَّهتْ به راحِلتُه، ويَذْكُرُ أن رسولَ
(١)
اللَّهِ مَِّمٍ كان يَفْعِلُ ذلك، ويَتَأوَّلُ هذه الآيَةَ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُواْ فَتَّ وَجْهُ اللَّهِ
وحدَّثنى أبو السائبِ سَلْمُ بنُ جُنَادةَ ، قال: حدَّثنا ابنُ فُضيلِ، عن عبدِ الملكِ بنِ
أبى سليمانَ، عن سعيدِ بنِ تجبيرٍ، عن ابنِ عمرَ أنه قال: لِمَّا(١) نزلت هذه الآيةُ:
﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَهَّ وَجْهُ الَّهِ ﴾: أن تُصَلِّىَ أينما(٢) تَوجَّهتْ بك راحِلتُك فى السفرِ
تَطوعًا، كان رسولُ اللَّهِ مَهِ إذا رجَع مِن مكةَ يُصَلِّى على راحلتِهِ تَطوعًا، يُومِئُ
برأْسِه نحوَ المدينةِ(٤).
وقال آخرون : بل نزلت هذه الآيةُ فى قومٍ عَمِيت عليهم القِبلةُ فلم يَعْرِفوا
شَطْرَها ، فصلَّوا على أنحاءٍ مختلفةٍ ، فقال اللَّهُ عزَّ وجلَّ لهم: لىَ المشارقُ والمغاربُ،
فأينَ() وَلَّيِتم وجوهَكم فهنالك وَجْهِى، وهو قِيلَتُكُم. يُعْلِمُهم بذلك أن صلاتَهم
ماضیةٌ .
(١) أخرجه أحمد ٤٨/٩ (٥٠٠١) عن عبد الله بن إدريس به. وأخرجه أحمد ٣٣٧/٨ (٤٧١٤)، ومسلم
(٣٣/٧٠٠، ٣٤)، والترمذى (٢٩٥٨)، والمروزى فى السنة (٣٧٧)، والنسائى (٤٩٠)، وابن خزيمة
(١٢٦٧)، والنحاس فى ناسخه ص ٧٨، والحاكم ٢٦٦/٢، والبيهقى ٢ / ٤، والواحدى فى أسباب النزول
ص ٢٥، وابن الجوزى فى ناسخه ص ١٤١ ، من طرق عن عبد الملك به .
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((إنما)).
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((حيثما)) .
(٤) أخرجه ابن خزيمة (١٢٦٩)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٢١٢/١ (١١٢١) من طريق ابن فضيل به .
(٥) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فإن)).
(٦) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((معلمهم)).

٤٥٤
سورة البقرة : الآية ١١٥
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أحمدُ بنُ إِسحاقَ الأهوازىُّ، قال: حدثنا أبو أحمدَ الزُّبَيرِىُّ، قال:
حدثنا أبو الرَّبيعِ السَّمَّانُ، عن عاصمِ بنِ عبيدِ اللَّهِ، عن عبدِ اللهِ بنِ عامٍ بنٍ ربيعةً،
عن أبيه، قال: كنَّا مع رسولِ اللَّهِ مَّه فى ليلةٍ سوداءَ مظلمةٍ، فنزَلْنا مَنْزِلًا ، فجعَل
الرجلُ يَأْخذُ الأحجارَ فيَعْمِلُ مسجدًا يُصَلِّى فيه، فلما أن أَصْبَحْنا إذا نحن قد صلَّيْنا
على غيرِ القبلةِ ، فقلنا: يا رسولَ اللَّهِ ، لقد صلَّيْنا لَيْلِتَنا هذه لغيرِ القبلةِ. فأنزل اللَّهُ:
﴿وَلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالَغَرِبُّ فَأَنَمَا تُوَلُواْ فَتَّ وَجْهُ الَّهِ إِنَ اَللَّهَ وَسِعُ عَلِيٌ﴾(١).
وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا الحجاجُ، قال: حدثنا حمَّادٌ، قال أخبرنا
حمادٌ، قال١ : قلتُ للنَّخَعِىِّ: إنى كنت اسْتَيْقظتُ - أو قال: أَيْقظتُ(٣). شكَّ أبو
جعفرٍ - فكان فى السماءِ سحابٌ ، فصَلَّيتُ لغيرِ القِبلةِ ، قال: مضَت صلاتُك ، يقولُ
اللَّهُ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَهَّ وَجْهُ الَّهِ ﴾(١).
[٢٢/٤و] حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيع، قال: حدثنا أبى ، عن أشعثَ السَّمَّانِ ، عن
عاصمِ بنِ عُبيدِ اللَّهِ، عن عبدِ اللهِ بنِ عامٍ بن ربيعةً، عن أبيه، قال: كنا مع النبيِّ
٥٠٤/١ ◌َلَهِ فى ليلةٍ مُظْلمةٍ فى سفرٍ، فلم نَدْرِ أين القِبلةُ،/ فصَلَّيْنا؛ وصَلَّى كلُّ رجل(٥) منا
على حِيالِهِ، ثم أصبَحْنا فذكَوْنا ذلك للنبيّ عَّهِ، فَأَنزَل اللَّهُ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُواْ فَتَمَّ
(١) حديث ضعيف. أخرجه الطيالسى (١٢٤١)، وعبد بن حميد (٣١٦)، وابن ماجه (١٠٢٠)، والبزار
(٣٨١٢)، والعقيلى ١/ ٣١، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٢١١/١ (١١٢٠)، والطبرانى فى الأوسط
(٤٦٠)، والدارقطنى ٢٧٢/١، والبيهقى ٢ / ١١، وأبو نعيم فى الحلية ١٧٩/١ ، وابن الجوزى فى ناسخه
ص ١٣٨، ١٣٩ من طريق أبى الربيع السمان به، وأبو الربيع وعاصم ضعيفان. وقال العقيلى: حديث عامر
بن ربيعة ليس يُروى من وجه يثبت متنه. وينظر تفسير ابن كثير ١/ ٢٢٨، ٢٢٩.
(٢ - ٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣، وهو حماد بن سلمة ، عن حماد بن أبى سليمان .
(٣) فى م: ((أوقظت)).
(٤) ذكره النحاس فى ناسخه ص ٧٧ معلقا .
(٥) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((واحد)).

٤٥٥
سورة البقرة : الآية ١١٥
وَجْهُ الَّهِ﴾(١).
وقال آخرون : بل نزلت هذه الآيةُ فى سببِ النجاشيّ ؛ لأن أصحابَ رسولِ اللَّهِ
عَظِلِ تَنازعوا فى أمرِه؛ مِن أجلِ أنه مات قبلَ أن يُصَلِّىَ(٢) القبلةَ، فقال لهم اللَّهُ:
المشارقُ والمغاربُ كلُّها لى، فمَن وَبَّه وجهَه نحوَ شىءٍ منها يريدُنى به ، ويَبْتَغِی به
طاعتى، وجدَنى هنالك. يعنى بذلك أن النجاشىَّ وإن لم يكن صَلَّى(١) القبلةَ، فإنه
كانَ يُوجّهُ إلى بعضٍ وُجوهِ المشارقِ أو المغاربِ وَجْهَه ، يَتَغى بذلك رضا اللَّهِ فِى
صلاتِه .
ذِكْرُ مَن قال ذلك
وحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا معاذُ بنُ هشام٢ ، قال: حدَّثنى أبى،
عن قتادةً أن النبيَّ عَظِّمِ قال: ((إن أخاكم النَّجاشىَّ قد مات فصَلُّوا عليه)). قالوا:
أَنُصَلِّى على رجلٍ ليس بمسلم ! قال: فنزلَت: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَمَن يُؤْمِنُ
بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩]. قال قتادةُ:
فقالوا: وإنه كان لا يُصَلِّى(١) القبلةَ. فَأَنزَل اللَّهُ: ﴿وَلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُّ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ
فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (٤).
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن يقالَ): إن اللَّهَ تعالى ذِكْرُه إنما خصَّ الخبرَ
عن المشرق والمغربِ فى هذه الآيةِ بأنهما له مِلْكًا - وإن كان لا شىءَ إلَّا وهو له
(١) أخرجه الترمذى (٣٤٥، ٢٩٥٧)، والدار قطنى ١/ ٢٧٢، والواحدى فى أسباب النزول ص ٢٥ من
طريق وكيع به .
(٢) بعده فى م: ((إلى)).
(٣ - ٣) فى م: ((هشام بن معاذ))، وينظر تهذيب الكمال ٢١٥/٣٠.
(٤) سيأتي تخريجه فى سورة آل عمران .
(٥ - ٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.

٤٥٦
سورة البقرة : الآية ١١٥
مِلْكٌ - إعلامًا منه لعبادِه المؤمنين أن له مِلْكُهما ومِلكَ ما بينَهما مِن الخلائقِ، وأن
على جميعِهم - إذ كان له مِلْكُهم - طاعتَه فيما أمرَهم ونهاهم ، وفيما فرَض عليهم
مِن الفرائضِ، والتوجيه (١) نحوَ الوجهِ الذى وُجّهوا إليه، إذ كان مِن حكم المماليكِ
طاعةُ مالكِهم ، فأخرَج الخبرَ عن المشرقِ والمغربِ، والمرادُ به ماً ) بينَهما مِن الخلقِ،
على النحوِ الذى قد بيَّنتُ مِن الاكتفاءِ بالخبرِ عن سببِ الشىءِمِن ذِ کره واخبرِ عنه ،
كما قِيل: ﴿ وَأُشْرِبُواْ فِ قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾. وما أشْبَهَ ذلك(٣).
فمَعْنَى الآيةِ إذن : وللَّهِ مِلْكُ الخلقِ الذى بينَ المشرقِ والمغربِ ، يستعبِدُهم بما
يشاء)، ويَحْكُمُ فيهم ما يُريدُ، عليهم طاعتُه، فولَّوا أيها المؤمنون وجوهكم نحوَ
وجهِى، فإنكم أينما تُوَلَّوا (٥) وجوهَكم فهنالك وَجْهِى .
فأما القولُ فى : هل هذه الآيةُ ناسخةٌ أم منسوخةٌ؟ أم لا هى ناسخةٌ ولا
منسوخةٌ ؟ فإن الصوابَ فيه مِن القولِ أن يقالَ : إنها آيةٌ جاءت مجىءَ العمومِ،
والمرادُ منها الخاصُّ، وذلك أن قوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾. مُحْتَمِلّ:
فأينما تُوَلُّوا فى حالِ سيرِكم فى أسفارِكم فى صلاتِكم التَّطوعَ، وفى حالٍ
مسايفتِكم (١) عدوَّكم فى تَطوُّعِكم ومكتوبتِكم - فثَمَّ وجهُ اللّهِ. كما قال ابنُ عمرَ
والنَّخَعِىُّ ومَن قال ذلك ممن ذكرنا ذلك عنه آنفًا .
ومُحْتَمِلٌ: فأينما تُوُلُّوا مِن أرضِ اللَّهِ فَتَكونوا بها - فثَمَّ قِبلةُ اللَّهِ التى تُوجّهون
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((التوجه)).
(٢) فى م، ت ١، ت ٢: ((من)).
(٣) ينظر ما تقدم فى ص ٢٦٥، ٢٦٦.
(٤ - ٤) فى م: ((يتعبدهم بما شاء)).
(٥) فى الأصل: (( تولون)).
(٦) فى الأصل: (( مسابقتكم)).

٤٥٧
سورة البقرة : الآية ١١٥
وُجُوهَكم إليها؛ لأن الكعبةَ مُمْكِنٌ لكم التوجُّهُ إليها منها .
كما حدَّثنا (١) أبو كُرَيبٍ، قال: حدَّثنا وكيع، عن أبى سِنانٍ، عن
الضحاكِ، والنضرِ بنِ عَرَبىٍّ، عن مجاهدٍ / فى قولِ اللَّهِ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ
اللهِ ﴾. قال: قِبلةُ اللَّهِ، [٢٢/٤ ] فأينما كُنْتَ مِن شرقٍ أو غربٍ فاسْتَقْبِلْها(١).
٥٠٥/١
وحدَّثنا القاسمُ ، قال : حدثنا الحسينُ ، قال : حدثنى حجاج، عن ابن جريجٍ،
قال: أخْبَرنى إبراهيمُ (١) بنُ أبى بكرٍ، عن مجاهدٍ ، قال: حيثُما كُنْتُم فلكم قِلةٌ
تَسْتقبِلُونها . قال : للكعبةِ(٤).
ومُخْتمِلٌ : فأينما تُوَلُّوا وجوهكم فى دُعائِكم لى، فهنالك وَجْهِى ، أسْتَجبْ
لكم دعاءًكم .
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنی حجاج، قال : قال
ابنُ جريج: قال مجاهدٌ: لَّ نزَلت: ﴿أُدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]. قالوا :
إلى أين؟ فَنزَلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُواْ فَمَّ وَجْهُ اَللَّهِّ﴾(٥)
فإذا كان قولُه: ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَتَمَّ وَجْهُ اللهِ ﴾. مُخْتَمِلًا ما ذكرنا مِن الأوجُهِ،
لم يكنْ لأحدٍ أن يَزْعُمَ أنها ناسخةٌ ولا منسوخةٌ إلا بحُجةٍ يَجِبُ التسليمُ لها؛ لأن
(١) فى م: ((قال)).
(٢) أخرجه الترمذى ١٨٩/٥ (٢٩٥٨) عن أبى كريب ، عن وكيع، عن النضر، عن مجاهد. وأخرجه
البيهقى ١٣/٢ من طريق أبى أسامة ، عن النضر به .
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٩/١ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد.
(٣) بعده فى م: ((عن)). وينظر تهذيب الكمال ٦٣/٢.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢١٢/١ (١١٢٢) من طريق حجاج به .
(٥) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٣٠/١ عن المصنف. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٩/١ إلى المصنف"
وابن المنذر .

٤٥٨
سورة البقرة : الآية ١١٥
الناسخَ لا يكونُ إِلا لمنسوخ (١)، ولم تَقُمْ حُجةٌ يَجِبُ التسليمُ لها بأن قوله: ﴿فَأَيْنَمَا
تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اَللَّهُ ﴾. مَغْنِىٌّ به: فأينما تُوُلُّوا وجوهكم فى صلاتِكم فَثَمَّ قِيلُكم.
ولا أنها نزلت بعدَ صلاةِ رسولِ اللهِ لَّهِ وأصحابِه نحوَ بيتِ المقدسِ، أمرًا مِن اللَّهِ
لهم بها أن يَتَوجَّهوا نحوَ الكعبةِ ، فيَجُوزَ أن يقالَ : هى ناسخةٌ الصلاةَ نحوَ بيتٍ
المقدس . إذ كان مِن أهلِ العلم مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ وأئمةِ التابعين مَن يُتْكِرُ(٢) أن
تكونَ نزَلت فى ذلك المعنى، ولا خبرَ عن رسولِ اللهِ عَ لَّمِ ثابتٌ بأنها نزَلت فيه ،
وكان الاختلافُ فى أمرِها موجودًا على ما وَصَفْتُ . ولا هى - إذلم تكنْ ناسخةً لما
وَصَفْنا - قامَت حُجتُها بأنها منسوخةٌ ، إذ كانت مُخْتمِلةً ما وَصَفنا مِن أن تكونَ
جاءت بعمومٍ و(١) معناها فى حالٍ دونَ حالٍ - إن كان ◌ُنِىَ بها التوسّجُهُ فى الصلاةِ -
وفى كلِّ حالٍ - إن كان مُنِىَ بها الدُّعاءُ - وغيرَ ذلك مِن المعانِى التى ذكرنا.
وقد دَلَّلنا فى كتابِنا ((كتابٍ البيانِ عن أصولِ الأحكام))، على ألا ناسخَ فى آي
القرآنِ وأخبارِ رسولِ اللَّهِ عَّهِ ، إلا ما نَفَى حكمًا ثابتًا، قد لزِمِ العِبادَ فرضُه، غيرَ
مُحْتَمِلٍ ظاهرُهُ ) وباطنُه غيرَ ذلك، فأما ما احْتَمل غيرَ ذلك - مِن أن يكونَ بَمَعْنى
الاستثناءِ، أو الخصوصِ والعمومِ، أو المُجْمَلِ والمُفَسَّرِ - فمِن الناسخِ والمنسوخِ
بِمَعْزِلٍ ، بما أغْنَى عن تكريرِه فى هذا الموضعِ. وألا منسوخَ إلا المتَّفيُّ الذى قد كان
ثَبَتِ حُكمُه وفَرْضُه. ولم يَصِحَّ واحدٌ مِن هذين المعنيين لقوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ
وَجْدُ اللَّهِ﴾. بحُجةٍ يَجِبُ التسليمُ لها، فيُقالَ فيه: هو ناسخٌ أو منسوخٌ .
وأما قولُه: ﴿فَأَيْنَمَا﴾. فإن مَعْناه : فحيثما .
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((بمنسوخ).
(٢) فى الأصل: ((يمكن)).
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أو)).
(٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( لظاهره)).

٤٥٩
سورة البقرة : الآية ١١٥
وأما قولُه: ﴿تُوَلُواْ﴾. فإن الذى هو أَوْلى بتأويلِه أن يكونَ: تُوُلُون نحوَه
وإليه. كما يقول القائلُ: وَلَّيتُ وَجْهِى نحوَ كذا، ووَلَّيْتُه إليه. بمعنى: قابلتُه
وواجهتُه .
وإنما قُلْنَا : ذلك أَوْلَى بتأويلِ الآيةِ ؛ لإجماع الحُجةِ على أن ذلك تأويلُها ،
وشُذوذٍ مَن تأوَّلَها بأنها بمَعْنَى: تُوُلُّون [٥٢٣/٤] عنه فتَشْتَذْبرونه، (١ ففى الذى(١)
تتَوجَّهون إليه وجهُ اللَّهِ . بِمَعْنَى : قِبلةُ اللَّهِ.
(٢ وقولُه: ﴿تُوَلُواْ﴾. مجزومٌ بحرفِ الجزاءِ، وهو قولُه: ﴿فَأَيْنَمَا ﴾
٢)
وأما قولُه: ﴿فَثَمَّ﴾ . فإِنه بَمَعْنَى : هنالك .
/واخْتُلِفَ فى تأويلٍ قولِه: ﴿فَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾؛ فقال بعضُهم : تأويلُ ذلك : نثَمّ
قِبلةُ اللهِ . يَغْنِى بذلك: وَجْهُه الذى وَتَجَّههم إليه .
٥٠٦/١
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال : حدثنا وكيع، عن النضرِ بنِ عَرَبىٍّ ، عن مجاهدٍ :
فَثَمَّ وَجْهُ اُللَّهِ﴾. قال: قبلةُ اللَّهِ(٣) .
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى الحجّاج، عن ابنٍ
مُجريج، قال: أخْبَرنى إبراهيمُ، عن مجاهدٍ، قال: حيثُما كنتُم فلكم قِبِلةٌ
تَشْتقبِلُونها .
وقال آخرون: معنى قولِ اللَّهِ: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾: فِثَمَّ اللَّهُ.
(١ - ١) فى م، ت ١: ((فالذى))، وفى ت ٢، ت ٣: ((فى الذى)).
(٢ - ٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) تقدم تخريجه فى ص ٤٥٧.

٤٦٠
سورة البقرة : الآيتان ١١٦،١١٥
وقال آخرون: معنى قوله: ﴿ فَثَمَّ وَجْهُ اُللَّهِ ﴾: فثم تُدْرِ کون بالتوجهِ إلیه رضا
اللَّهِ الذى له الوجهُ الكريمُ.
وقالوا (١) : عَنَى بالوجهِ: ذو (٢) الوجهِ. وقال قائلو هذه المقالةِ: وجهُ اللَّهِ له صفةٌ.
فإن قال قائلٌ : وما هذه الآيةُ مِن التى قبلَها ؟
قيل: هى لها مُواصلةٌ ، وإنما معنى ذلك: ومَن أظلمُ مِن النصارى الذين منعوا
عبادَ اللَّهِ مساجدَه أن يُذْكرَ فيها اسمُه، وسَعَوا فى خرابِها، وللَّهِ المشرقُ والمغربُ،
فأينما وجَّهتم وجوهَكم فاذْكُروه، فإن وجهَه هنالك، يَسَعُكُم فَضْلُه وأرضُه
وبلادُه، ويَعلمُ ما تعمَلون، ولا يَمْنعكم تخريبُ مَن خَرَّب "مساجدَ اللَّهِ یبیتِ
المقدسِ "، ومَنْعُهم مَن مَّنَعوا مِن ذكرِ اللَّهِ فيه - أن تَذْكروا اللَّهَ حيثُ كنتم مِن أرضٍ
اللَّهِ ، تَبْتَغون به وجهَه .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤُه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعُ عَلِيمٌ
١١٥
يعنى بقولِه: ﴿وَسِعُ﴾: يَسَعُ خلقَه كلِّهم بالكِفايةِ والإِفْضالِ والجودِ والتدبيرِ.
وأما قولُه: ﴿عَلِيمٌ﴾. فإنه يعنى أنه عليم بأعمالِهم(٤) ، لا يَغِيبُ عنه منها
شىءٌ، ولا يَعْزُبُ عنهُ(٥) علمُه، بل هو بجميعِها عليمٌ .
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ وَقَالُواْ اتَّخَذَ اَللَّهُ وَلَدَّأُ سُبْحَنَهُ بَل لَّهُ مَا فِ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ .
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((وقال آخرون)).
(٢) فى م: ((ذا)).
(٣ - ٣) فى م: ((مسجد بيت المقدس)).
(٤) فى م: ((بأفعالهم)).
(٥) فى م، ت ١، ت ٢: ((عن)).