Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ سورة البقرة : الآية ٦١ القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ أَهْبِطُواْ مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ﴾. وتأويلُ ذلك : فدعا موسى، فاسْتَجَبْنا له، فقلنا لهم: اهْبِطوا مصرًا . وهو مِن (١) المحذوفِ الذى اجْتُزِئ بدَلالةِ ظاهرِهِ عن(١) ذِكْرِ ما حُذِف وتُرِك منه . وقد دلَّلْنا فيما مضى على أن معنى الهبوطِ إلى المكانِ إنما هو النزولُ إليه والحُلُولُ به (٣) . به فتأويلُ الآيةِ إذن : وإذ قلتُم: يا موسى ، لن نصبِرَ على طعامٍ واحدٍ ، فادْعُ لنا ربَّك يُخْرِجْ لنا مما تُنْبِتُ الأرضُ من بقلِها وقتَّائِها وفُومِها وعدَسِها وبصلِها. قال موسى لهم: أتَسْتَبدِلون الذى هو أخَشُ وأزداً مِن العيش بالذى هو خيرٌ منه؟ فدعا لهم موسى ربَّه أن يُعْطِيَهم ما سأَلُوه ، فاسْتَجاب اللَّهُ له دعاءَه، فأعطاهم ما طلَبوا، وقال اللَّهُ تعالى ذكره لهم: اهْبِطُوا مِصْرًا فإن لكم ما سألتُم . ثم اخْتَلفت القَرأَةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿ أُهْبِطُواْ مِصْرًا﴾. فقرَأته عامَّةُ القَرأةِ: أَهْبِطُواْ مِصْرًا﴾ بتَنْوينِ (( المِصْرِ)) وإجْرائِه. وقرأه بعضُهم بتركِ التنوينِ وحذفٍ الألفِ [١١/٣ظ] منه (٤). فأما الذين نَوَّنوه وأْرَؤْه، فإنهم عنَوْا به مصرًا مِن الأمصارِ لا مصرًا بعينه. فتأويلُه على قراءتهم: اهْبِطوا مصرًا مِن الأمصارِ؛ لأنكم فى "البَرّ وْالبَدْوِ، والذى طلَبْتُم لا يكونُ فى البَوادِى والفَيَافِى، وإنما يكونُ فى القُرى والأمصارِ؛ فإنَّ لكم إذا هبَطْتُموه (١) ما سألْتُم مِن العيشِ. وقد يجوزُ أن يكونَ بعضُ (١) سقط من: الأصل . (٢) فى م: ((على)). (٣) ينظر ما تقدم فى ٥٧١/١. (٤) وهذه قراءة الحسن وطلحة والأعمش وأبان بن تغلب ، وهى كذلك فى مصحف أبى وابن مسعود وبعض مصاحف عثمان . المصاحف لابن أبى داود ص ٥٧، والبحر المحيط ١/ ٢٣٤. (٥ - ٥) سقط من: م. (٦) بعده فى الأصل: ((به)). ٢٢ سورة البقرة : الآية ٦١ مَن قَرَأْ ذلك بالإجراءِ والتَّْوينِ، كان تأويلُ الكلامِ عندَه: اهْبِطوا مصرًا البلدةَ التى تُعْرِفُ بهذا الاسم، وهى مصرُ التى خرَجوا عنها. غيرَ أنه أجْراها ونوَّنها اتِّباعًا منه خَطَّ المصحفِ؛ لأن فى المصحفِ ألفًا ثابتةً فى ((مصرَ ))، فيَكونُ سبيلُ قراءتِه ذلك قَوارِيرًا مِن فِضَّةٍ) بالإجراءِ والتنوينِ سبيلَ قراءةٍ مَن قرأ: (كَانَتْ قَوَارِيرًا ( ١٥ [الإنسان: ١٥، ١٦]. مُتَوَّنةً (١)، اتِّباعًا منه خطَّ الْمُصْحفِ. وأما الذى لم يُتَوِّنْ ((مصرَ))، فإنه لاشكَّ أنه عنَى ((مصرَ)) التى تُعْرَفُ بهذا الاسم بعينها دونَ سائرِ البُلْدانِ غيرِها . وقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك نظيرَ اخْتِلافِ القَرأةِ فى قراءتِه ؛ فحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْع، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿أَهْبِطُواْ (٢) مِصْرًا﴾. أىْ: مِصرًا مِن الأمصارِ، ﴿فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن الشّدىِّ: ﴿ أَهْبِطُواْ مِصْرًا﴾: مِن الأمصارِ، ﴿فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ﴾. فلمَّا خرَجوا مِن التِّيهِ رُفع المنُّ والسَّلْوَى وأكَلوا البُقولَ(٣). حدَّثنا القاسمُ ، قال: حدَّثَنَا الحسينُ، قال: حدَّثنی حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿أَهْبِطُواْ مِصْرًا﴾. قال: مِصْرًا مِن الأمصارِ، زعَموا أنهم لم يَرْجِعوا إلى مصرَ . (١) وهى قراءة نافع والكسائى وعاصم فى رواية أبى بكر، وقرأ ابن كثير بالتنوين فى الأولى، وبغير تنوين فى الثانية . السبعة لابن مجاهد ص ٦٦٣، ٦٦٤. (٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٤/١ عقب الأثر (٦١٨) معلقًا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٣/١ إلی عبد بن حميد . (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٤/١ (٦٢١) عن أبى زرعة ، عن عمرو بن حماد، به مختصرًا. ٢٣ سورة البقرة : الآية ٦١ حدَّثنى المُنَّى ، قال: حدَّثنا آدمُ ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن قتادةَ فى قولِه: أُهْبِطُواْ مِصْرًا﴾. قال: يعنى مصرًا مِن الأمصارِ. حدَّثنى يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿آهْبِطُواْ مِصْرًا﴾. قال: مِصْرًا مِن الأمصارِ، ومصرُ لا تُجْرَى فى الكتابِ (١) . فقالوا: أىُّ مصرٍ؟ قال: الأرضُ المقدَّسةُ(١). / وقرَأ قولَ اللَّهِ جلَّ ثناؤه: ﴿أَدْخُلُواْ الْأَرْضَ ٣١٤/١ اُلْمُقَدَّسَةَ الَتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [ المائدة: ٢١]. وقال آخرون : هى مصرُ التى كان بها فرعونُ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المُنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ ، عن الرَّبيع، عن أبى العاليةِ فى قوله: ﴿ أَهْبِطُواْ مِصْرًا﴾. قال: يعنى به مصرَ فرعونَ(٢) . حُدِّثْتُ عن عمارٍ ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الرَّبيع مثلَه . ومِن حُجَّةٍ مَن قال: إن اللَّهَ تعالى ذكرُه إنما عنَى بقولِه: ﴿ أَهْبِطُواْ مِصْرًا﴾ . مصرًا مِن الأمصارِ دون مصرٍ فرعونَ بعينِها - أن اللَّهَ [١٢/٣و] تبارك وتعالى جعَل أرضَ الشامِ لبنى إسرائيلَ مَساكنَ بعدَ أن أَخْرَجَهم مِن مصرَ، وإنما ابْتَلاهم بالتِّيهِ بامتناعِهم على موسى صلى اللَّهُ عليه فى حربِ الجبابرةِ ، إذ قال لهم: ﴿يَقَوْمِ أُدْخُلُواْ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِ كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا نَرْنَدُواْ عَّ أَذْبَرِكُمْ فَذَنْقَلِبُواْ خَسِرِينَ﴾. ﴿قَالُواْ يَمُوسَّ(٢) إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدَأُ مَّا دَامُواْ فِيهَا فَأَذْهَبْ أَنْتَ (١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((الكلام)). (٢) بعده فى م: ((التى كتب اللَّه لهم)). (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٤/١ (٦١٩) من طريق آدم به . (٤) بعده فى م: ((إن فيها قومًا جبارين. إلى قوله)). ٢٤ سورة البقرة : الآية ٦١ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا إِنَّاهَهُنَا فَعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]. فحرَّم اللَّهُ عزَّ وجلَّ على قائلِى ذلك - فيما ذُكِر لنا - دخولَها حتى هلكوا فی التِیهِ ، وابتلاهم بالتِّیھانِ فی الأرضِ أربعين سنةً، ثم أَهْبَط ذرِّيَّتَهم الشامَ، فَأُسْكَنَهم الأرضَ المقدَّسةَ، وجعَل هلاكَ الجبابرةِ على أيديهم مع يُوشَعَ بنِ نُونٍ ، بعدَ وفاةٍ موسى عليه السلامُ. قالوا (١): فرَأَيْنا اللَّهَ جلَّ ثناؤه قد أخْبَر عنهم أنه كتب لهم الأرضَ المقدسةَ، ولم يُخْبِرْنا عنهم أنه ردَّهم إلى مصرَ بعدَ إِخراجِهِ إِيَّاهم منها، فيَجُوزَ لنا أن نَقْرَأَ : (اهبطوا مصرَ). ونَتَأَوَّلَه أنه رگًّهم إليها . قالوا : فإِن احْتَجَّ مُحْتٌَ بقولِ اللَّهِ جلَّ ثناؤه: ﴿فَأَخْرَحْنَهُم مِّنْ جَنَّتٍ وَعُونٍ كَذَلِكَ وَأَوْرَتْنَهَا بَنِيّ إِسْرَِّيلَ﴾ [الشعراء: ٥٧ - ٥٩]. ٥٨) وَكُنُزٍ وَمَقَامِ كَرِيِمٍ ٥٧ قيل له(٢) : فإن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه إنما أوْرَثهم ذلك فملَّكهم إيّاها، ولم يَرُدَّهم إليها، وجعَل مَساكنَهم الشامَ . وأما الذين قالوا: إنما عنَى اللَّهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿أَهْبِطُواْ﴾. مصرَ، فإن مِن حُجَّتِهم التى احْتَبُوا بها الآيةَ التى قال فيها: ﴿فَأَخْرَحْنَهُم مِّنِ جَنَّتٍ وَعُيُونٍ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَهَا بَنِىّ إِسْرَِّيلَ﴾. وقوله: ﴿ كَمْ تَرَكُواْ مِن ٥٨ وَكُنُزٍ وَمَقَامِ كَرِيٍ جَنَّتٍ وَعُونٍ كَذَلِكٌ وَزُرُوعِ وَمَقَاءٍ كَرِيمٍ (® وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيَهَا فَكِهِينَ (4) ٢٥ وَأَوْرَثْنَهَا قَوْمًا ءَآخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٥ - ٢٨]. قالوا: فأخْبَر اللّهُ تعالى ذكرُه أنه قد ورَّثهم ذلك وجعَلها لهم، فلم يكونوا ليَرِثوها ثم لا يَنْتَفِعوا بها . قالوا: ولا يَكونون مُنْتَفِعِين بها إلا "بمصيرِهم أو بمَصيرِ بعضِهم إليها، وإلا فلا وجه للانتفاع بها إن لم يَصِيروا، أو يَصِرْ بعضُهم إليها . (١) سقط من: م. (٢) فى م: ((لهم)) . (٣ - ٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣. ٢٥ سورة البقرة : الآية ٦١ قالوا: وأُخرى أنها فى قراءةٍ أبىّ ابنِ كعبٍ وعبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ: (اهبطوا مصرَ). بغيرِ ألفٍ . قالوا : ففى ذلك الدَّلالةُ البينةُ على أنها مصرُ بعينِها . والذى نقولُ به فى ذلك أنه لا دَلالةَ فى كتابِ اللهِ جلَّ ثناؤه على الصوابِ مِن هذين التأويلَيْن، ولا خبرَ به عن الرسولِ عَ لِ يَقْطَعُ مجيئُه العذرَ، وأهلُ التأويلِ مُتَنَازِعون تأويلَه . فأولى الأقوالِ فى ذلك عندَنا بالصوابِ (١) أن يُقالَ: إِن موسى سأَل ربَّه أن يُعْطِئَ قومَه ما سألوه مِن /نباتِ الأرضِ - على ما بيَته اللَّهُ جلَّ ثناؤه فى كتابِه - وهم ٣١٥/١ فى الأرضِ [١٢/٣ ظ] تائهون، فاسْتَجاب اللَّهُ لموسى دعاءَه، وأمَره أن يَهْبِطَ بَمَن معه مِن قومِه قَرارًا مِن الأرضِ التى تُنْبِتُ(٢) ما سأل لهم مِن ذلك، إذ كان ما(٣) سألوه لا يُنْبِثُه إلَّا الْقُرَى والأمصارُ، فإِنَّهُ(٤) قد أعطاهم ذلك إذاً) صاروا إليه. وجائزٌ أن يَكونَ ذلك القَرارُ مصرَ، وجائزٌ أن يكونَ الشامَ . فأما القراءةُ فإنها بالألفِ والتنوينِ: ﴿ أَهْبِطُواْ مِصْرًا﴾. وهى القراءةُ التى لا يَجوزُ عندى غيرُها ؛ لإجماع خُطوطِ مصاحفِ المسلمين ، واتفاقٍ قراءةِ القَرأَةِ على ذلك ، ولم يَقْرَأْ بتركِ التنوينِ فيه وإسقاطِ الألفِ منه إلا مَن لا يَجوزُ الاغْتِراضُ به على الحُجَّةِ فيما جاءَت به مِن القراءةِ مُسْتَفِيضًا فيها(٦). القولُ فى تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَةُ وَالْمَسْكَنَةُ ﴾. (١) فى ر، م: ((والصواب)). (٢) بعده فى ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((لهم)). (٣) فى ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((الذى)). (٤) فى ر، م: ((وأنه)). (٥) فى ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((إذ)). (٦) فى ر: ((بينها))، وكتب فوقها: ((فيها))، وأشار إلى نسخة، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((بينها)). وإلى هنا ينتهى الجزء الموجود عندنا من النسخة ((ر)) وهو نهاية المجلد الأول منها. ٢٦ سورة البقرة : الآية ٦١ يعنى جلّ ثناؤه بقولِه: ﴿ وَضُرِيَتْ﴾. أى: فُرِضَتَ ووُضِعَت عليهم الذِّلةُ وَأَلْزِمُوها، مِن قولِ القائلِ: ضرَب الإمامُ الجِزْيَةَ على أهلِ الذِّمةِ ، وضرّب الرجلُ على عبدِه الخَرَاجَ . يعنى بذلك ( أنَّه فرَضه ووظّفه وألزمه " إيَّه، وهو من قولهم: ضرَب الأميرُ على الجيشِ البَعْثَ. يُرادُ به : أَلْزَمَهموه . وأما ((الذِّلةُ)) فإنَّها الفِعْلةُ، مِن قولِ القائل: ذلَّ فلانٌ يَذِلُّ ذُلَّ وذِلَّةً . كالصِّفْوةِ(٢)، مِن: صفا (٣) هذا الأمر. والقِعْدةِ، مِن: قعَد . و ((الذِّلةُ)) هى الصَّغارُ الذى أمَر اللَّهُ عبادَه المؤمنين ألا يُعْطُوهم أمانًا - على القَرارِ على ماهم عليه مِن كفرِهم به وبرسلِه (٤) - إلا أن يَبْذُلوا الجزيةَ عليه لهم ، فقال تبارك اسمه: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحِّمُونَ مَا حَّمَ اَللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حَتَّى يُعْطُواْ اَلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أُخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أُخْبَرَنا مَعْمَرُ(٥)، عن الحسن وقتادةً فى قوله: ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ . قالا: يُعْطُون الجزيةَ عن يدِ وهم صاغرون(٦). وأما ((المسكنةُ)) فإنَّها مصدرُ المِشکین، یقالُ : ما فیھم أُسْكنُ مِن فلانٍ . وما كان مِشْكينا. و: لقد تَمَسْكن تَمَسْكُنًا(٢). ومِن العربِ مَن يقولُ: تسكّن(4) (١ - ١) فى م: ((وضعه فألزمه)). (٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((كالصغرة)). (٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((صغر)). (٤) فى م: (( برسوله)). (٥) فى الأصل: ((عمار)). (٦) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٧. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٥/١ (٦٢٣) عن الحسن بن يحيى به. (٧) فى م: ((مسكنة)). (٨) فى م: ((تمسكن)). ٢٧ سورة البقرة : الآية ٦١ تسكُّنًا (١). و((المَسْكَنَةُ)) فى هذا الموضع مَسْكَنَةُ الفاقةِ والحاجةِ ، وهى خُشوعُها وذُلُّها . كما حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الرَّبِيعِ، عن [١٣/٣ و] أبى العاليةِ فى قوله: ﴿وَالْمَسْكَنَةُ﴾. قال: الفاقةُ(١). حذَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أَسْباطُ ، عن الشّدىِّ قولَه: وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾. قال: الفقرُ(١). حدَّثنى يونُسُ ، قال: أُخْبَرَنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَضُرِيَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾. قال: هؤلاء يهودُ بنى إسرائيلَ. قلتُ له: هم قِبْطُ مصرَ؟ قال : وما لقِبْطِ مصرَ وهذا، لا واللهِ ماهم هم، ولكنهم اليهودُ، يهودُ بنى إسرائيلَ . فأخْبَرَ(٤) اللَّهُ عزّ وجلَّ أنه أَبْدَلهم(٥) بالعِزِّ ذُلًّا ، وبالنّعمةِ بُؤْسًا، وبالرِّضا عنهم غَضَبًا، جَزاءً منه لهم على كُفرِهم بآياتِه، وقتلِهِم أنبياءَه ورسلَه؛ اعتداءً وظلمًا منهم بغيرِ حقٌّ، و "عصيانًا منهم٢ له، وخلافًا عليه، تعالى ربُّنا وجلَّ. القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ وَبَآَءُو بِغَضَبٍ مِنَ الهِ﴾ . / يعنى بقوله: ﴿ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾: انْصَرَفوا ورجَعوا. ولا يُقالُ: باءُوا. ٣١٦/١ إلَّا موصولًا؛ إِمَّا بخيرٍ وإما بشرٌّ، يُقالُ منه: باء فلانٌ بذنبِهِ ، يَيُوءُ به بَوْءًا وبَواءٌ(١) . ومنه (١) فى م: ((تمسكنًا )). (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٥/١ (٦٢٧) من طريق آدم به . (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٥/١ عقب الأثر (٦٢٧) عن أبى زرعة، عن عمرو بن حماد به . (٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فأخبرهم)) . (٥) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يبدلهم). (٦ - ٦) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((عصيانهم)). (٧) فى الأصل، ت ٢: ((بُؤُوءًا)). ٢٨ سورة البقرة : الآية ٦١ قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ أُرِيدُ أَنْ تَبُوَأَ بِإِثْمِى وَإِثْكَ﴾ [المائدة: ٢٩]. يعنى: تَنْصَرِفَ مُتَحَمَّلَهما(١) وتَرْجِعَ بهما ، قد صارا عليك دُونِى . فمعنى الكلامِ إذن: فرجَعوا مُنْصَرِفِين مُتَحَمِّلِين غَضَبَ اللَّهِ ، قد صار عليهم مِن اللّهِ غَضَبٌ، ووجَب عليهم منه سَخَطْ . كما حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: حدَّثنا ابنُّ أبى جعفرٍ ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ فى قوله: ﴿ وَبَاءُو بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾. فحدَث عليهم غَضَبٌ مِن اللّهِ(١). حدَّثنا يحيى بنُ أبى طالبٍ ، قال: أُخْبَرَنا يَزِيدُ، قال: أَخْبَرَنا جُوَثِيرٌ، عن الضَّحَّاكِ فى قوله: ﴿وَبَاءُو بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾. قال: اسْتَحَقُّوا الغضَبَ مِن اللَّهِ(٣). وقد بيَّنَّا معنى غضَبِ اللَّهِ جلَّ ثناؤه على عبدِه فيما مضَى مِن كتابِنا هذا، فَأغْنَى عن إعادتِه فى هذا المكانِ (٤) . القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِثَايَتِ اَللَّهِ وَيَقْتُّلُونَ النَّبِنَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ . يعنى بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ذَلِكَ﴾. ضرْبَ الذِّلةِ والمَسْكَنةِ عليهم، وإحلالَ (٥) (١) غضبِه بهم٢، فدلَّ بقولِه: ﴿ذَلِكَ﴾ - وهو يعنى به ما وصَفْنا - على أن قولَ القائلِ: ذلك. يَشْمَلُ المعانىَ الكثيرةَ إذا أُشِير به إليها . (١) فى الأصل: ((محتملهما)). (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٦/١ (٦٣١) من طريق ابن أبى جعفر به. (٣) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٦/١ عقب الأثر (٦٣١) معلقًا. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٣/١ إلى المصنف . (٤) ينظر ما تقدم فى ١٨٩/١، ١٩٠. (٥) فى م: ((إحلاله)) . (٦ - ٦) فى ت ٣: ((الغضب عليهم)). ٢٩ سورة البقرة : الآية ٦١ ويعنى بقوله: [١٣/٣ ظ] ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ﴾. مِن أجْلِ أنهم كانوا يَكْفُرون. يقولُ: فعَلْنا " الذى فعلْنا) بهم - مِن إحلالِ الذُّلِّ والمَسْكَنةِ والسَّخَطِ بهم - مِن أْلِ أنهم كانوا يَكْفُرون بآياتِ اللَّهِ ، ويَقْتُلون النَّبِين بغيرِ الحقِّ. كما قال أُعْشَى بنى ثَغلبةً(٢) : زِ قَوْمًا عُدَاةً وأرضًا شَطِيرًا مَلِيكيَّةٌ جاوَرَتْ بالحِجَا ورؤْضَ التَّنَاضِبِ ، حتى تَصِيرًا(٥) بما قد ترَبَّعُ رْضَ القَطَا(٣) يعنى بذلك: جاوَرَتْ(١) هذه المرأةُ قومًا عُدَاةً وأرضًا بَعيدةً مِن أهلِه، مكانَ(٧) قُرْبِها كان منه ومِن قومِه وبدلًا؛ مِن (٨) تَرَيُّعِها رَوْضَ القَطَا وَرَوْضَ التَّاضِبِ. فكذلك قولُه: ﴿وَضُرِيَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ﴾. يقولُ: كان ذلك منا "مِنْ أجل كفرِهم" بآياتِنا، وجَزاءً لهم بقتلهم أنْبياءَنا . وقد بيًّّا فيما مضَى مِن كتابِنا أن معنى الكفرِ تَغْطيةُ الشىءِ وسترُه ، وأن آياتٍ اللَّهِ حُججُه وأعلامُه وأدلتُه على توحيدِه وصدقٍ رسلِه(١٠) . (١ - ١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣. (٢) ديوانه ص ٩٣. (٣) روض القطا: من أشهر رياض العرب وأكثرها دورا فى أشعارهم، وهى بين السّلى والعرمة شرق مدينة الرياض. معجم البلدان ٢/ ٨٥٦، ومعجم الأماكن الواردة فى المعلقات العشر ص ٢٣٠ وما بعدها . (٤) التناضب: من أضاة بنى غفار فوق سرف، على مرحلة من مكة. تاج العروس (ن ض ب). (٥) حتى تصيرا : حتى تحضر المياه، والمصير: الموضع الذى تصير إليه المياه. اللسان (ص ی ر). (٦) بعده فى م: (( بهذا المكان )). (٧) فى م، ت ١، ت ٢، ت٣: ((بمكان)). (٨) ((من)) هنا تعليلية ، يريد: من أجل . (٩ - ٩) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( بكفرهم)). (١٠) ينظر ما تقدم فى ٢٦٢/١. ٣٠ سورة البقرة : الآية ٦١ فمعنى الكلام إذن : فعَلْنا بهم ذلك مِن أجْلِ أنهم كانوا يَجْحَدون حُجَجَ اللَّهِ على توحيدِه وتصديقٍ رسلِه، ويُدَافِعون حقيقتَها) ، ويُكَذِّبون بها . ويعنى بقولِه: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبْنَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: ويَقْتُلون رسلَ اللَّهِ الذين ابْتَعَثَهم لإنباءِ ما أرْسَلَهم به عنه لمن أرْسِلوا إليه . وهم جماعٌ، واحدُهم نبىٌّ بغيرِ همزٍ، وأصلُه الهمزُ؛ لأنه مِن: أنْبَأ عن اللَّهِ ، فهو يُشِْئُ عنه إنْباءً. وإنما الاسمُ منه مُنْبِىٌّ، ولكنه صُرِف وهو مُفْعِلٌ إلى ٣١٧/١ فَعِيلِ، كما صُرِف سَميعٌ إلى فَعِيلٍ مِن /مُفْعِلٍ، وبَصِيرٌ مِن مُبْصِرٍ، وأَشْبَاهُ ذلك. وأَبْدِلَ مكانَ الهمزةِ مِن النبىءِ الياءُ، فقيل: نبىٌّ. هذا ويُجْمَعُ النبىُ أيضًا أَنْبِياءَ، وإنما جمَعوه كذلك لإلحاقِهم النبيَّ، بإبدالِ الهمزةٍ منه ياءً، بالتُّعوتِ التى تَأْتى على تقديرٍ فَعِيلٍ مِن ذَواتِ الياءِ والواوٍ، وذلك أنهم إذا جمَعوا ما كان مِن ۵ التّعوتِ على تقديرٍ فَعِيلٍ مِن ذواتِ الياءِ والواوِ، جمَعُوه على أَفْعِلاءَ، كقولهم : ولىٌّ وأوْلِياءُ، ووَصِىٌّ وأَوْصِیاءُ، ودَعِىٌّ وأَدْعِياءُ. ولو جمعوه على أصلِه الذى هو أصلُه، وعلى أن الواحدَ نبىءٌ مَهْموزٌ، لَجَمَعوه على فُعَلَاءَ، فقيل: همُ التَُّآءُ. على مثالِ النَّغاءِ (١؛ لأن ذلك جمعُ ما كان على فَعِيلٍ مِن غيرِ ذَواتِ الياءِ والواوِ مِن النُّعوتِ، كجمعِهِم الشريكَ شُرَكَاءَ، والعليمَ عُلَماءَ، والحَكِيمَ حُكَمَاءَ، وما أشْبَهَ ذلك. وقد حُكِى سَماعًا مِن العربِ فى جمعِ النبىّ: التَُّآءُ. وذلك مِن لغةٍ الذين يَهْمِزون النبىءَ ثم يَجْمَعونه النُّبَآءَ، على ما قد بيَّنْتُ. ومِن ذلك قولُ عباسٍ بنِ مِرْداسِ السُّلَميِّ [١٤/٣ و] فى مدحِ النبىِّ عٍَ(٢): (١ - ١) فى م: ((ويدفعون حقيتها)). (٢) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((النباء)). (٣) سيرة ابن هشام ٢/ ٤٦١. ٣١ سورة البقرة : الآية ٦١ "بالحقِّ خيرُ هُدَى الإِلهِ هُدَاكا يا خاتَمَ النُّبَآءِ إنك مُرْسَلٌ فقال : يا خاتمَ النَُّآءِ. على أن واحدَهم نبىءٌ مَهْموزٌ . وقد قال بعضُهم: النبيُّ والنبؤَّةُ غيرُ مَهْموزَيْنِ؛ لأنهما مأخوذان مِن النَّبْوَةِ ، وهى مثلُ النَّجْوةِ، وهما(٢) المكانُ المرتفعُ، وكان يقولُ : إن أصلَ النبيِّ الطريقُ. ويَسْتَشْهِدُ على ذلك ببيتِ القُطَائِّ(٢) : لَّ وَرَدْنَ نبِيًّا واسْتَتَبَّ لنا (٤) مُسْحَتْفِرٌ كخُطوطِ الشَّيْحُ) مُنْسَحِلُ(١) ويقولُ : إنما سُمِّى الطريقُ نبيًّا؛ لأنه ظاهرٌ مُسْتَبِينٌ، مِن النَّبْوةِ. ويقولُ: لم أسْمَعْ أحدًا يَهْمِزُ النبيَّ(١). وقد ذكَرْنا ما فى ذلك، وبيًِّا ما فيه الكفايةُ إن شاء اللَّهُ. ويعنى بقولِه : ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِنَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. أنهم كانوا يَقْتُلون رُسُلَ اللَّهِ بغيرِ إذنِ اللَّهِ لهم بقتلِهم ، مُتْكِرِين رسالتَهم، جاحِدِين نبوتَهم . ٦١ القولُ فى تأويلٍ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ وقولُه: ﴿ذَلِكَ﴾ ردٌّ على ﴿ذَلِكَ﴾ الأُولِ. ومعنى الكلامِ: وضُرِبَت عليهم الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ ، وباءوا بغضبٍ مِن اللَّهِ؛ مِن أْلٍ كفرِهم بآياتِ اللَّهِ وقتلِهم النبيِّين بغيرِ الحقِّ، ومِن أَجْلٍ عِصْيانِهِم ربَّهم واعتدائِهم حدودَه. فقال جل ثناؤه: ﴿ذَلِكَ (١ - ١) فى م: ((بالخير كل هدى السبيل))، وفى السيرة: ((بالحق كل هدى السبيل)). (٢) فى م: ((هو)). (٣) ديوانه ص ٢٧. (٤) فى م: (( بنا)). (٥) مسحنفر: ممتد . اللسان (سحفر). (٦) فى م: ((النسج)). والسيح: قيل: العباءة المخططة. وقيل: نوع من البرود. اللسان (س ی ح). (٧) السحل : الكشط والقشر. اللسان (س ح ل). (٨) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((قال)). ٣١ سورة البقرة : الآية ٦١، ٦٢ بِمَا عَصَواْ﴾. والمعنى: ذلك بعصيانِهم وكونهم(١) مُعتَدِين. والاعتداءُ تَجاوزُ الحدِّ الذى حدَّه اللَّهُ تعالى ذكرُه لعبادِه إلى غيرِهِ، وكلَّ مُتجاوزٍ حدَّ شىءٍ إلى غيرِهِ فقد تَعَدَّاه إلى ما تجاوز إليه. فمعنى الكلامِ: فعَلْتُ بهم ما فَعَلْتُ مِن ذلك بما عصَوْا أمرى، وتَجَاوَزوا حدِّى إلى ما نهَيْتُهم عنه . القولُ فى تأويلٍ قولِهِ جلَّ ثناؤه: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَّذِينَ هَادُواْ﴾ . أما ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾، فهم المُصَدِّقُون رسولَ اللَّهِ عَلِّ فيما أتاهم به مِن [٣] ٤ ١ ظ] الحقِّ مِن عندِ اللَّهِ، وإيمانُهم /بذلك تصديقُهم به، على ما قد بيًَّا فيما مضى مِن كتابِنا هذا (٢) . ٣١٠ وأما ﴿وَالَّذِينَ هَادُواْ﴾، فهم اليهودُ، ومعنى ﴿هَادُواْ﴾: تابوا، يقالُ منه: هادَ القومُ يَهودُون ◌ُ هِوَادًا وَهِيَادَةً" . وقيل: إنما سُمِّيَت اليهودُ يهودًا؛ مِن أجلِ قولهم: ﴿ إِنَّا هُدْنَآَ إِلَيْكَ﴾ [ الأعراف: ١٥٦]. حدَّثنا القاسمُ ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنی حجَّاجْ، عن ابنِ مُجُرَيْجِ(٤) ، قال: إنما سُمِّيَتِ اليهودَ؛ مِن أْلٍ أنهم قالوا: ﴿إِنَّا هُدْنَاً إِلَيْكَ﴾. القولُ فى تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَالنَّصَرَى﴾ . ﴿وَالنَّصَرَى﴾ جمعٌ، واحدُهم نَصْرَانُ، كما واحدُ الشَّكارَى سَكْرانُ ، وواحدُ النَّشَاوَى نَشْوانُ، وكذلك جمعُ كلِّ نعتٍ كان واحدُه على فَعْلانَ ، فإن جمعَه على فَعَالَى ، إلا أن المستفيضَ مِن كلامِ العربِ فى واحدِ النَّصارَى نَصْرانىٌ، (١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((كفرهم)). (٢) ينظر ما تقدم فى ١/ ٢٤٠. (٣ - ٣) فى م، ت ١، ت ٢: ((هودًا وهادة)). (٤) بعده فى ت ٢: ((قال مجاهد)). ٣٣ سورة البقرة : الآية ٦٢ وقد حُكِى عنهم سَماعًا : نَصْرانُ . بطرح الياءِ، ومنه قولُ الشاعرِ(١): " ويُضْحِى لَدَيْهِ وَهْوَ نَصْران٣ُ) شامِسُ تَرَاه إذا دَارٌ) العَشِئُّ مُحَنِّفًا وسُمِع منهم فى الأنثى نَصْرانةٌ . قال الشاعرُ(٤): "نَصْرائةٌ لم تَحَنَّفٍ ) * وقد سُمِع فى جَمْعِهم ((أنصارٌ)) بمعنى النَّصارَى. قال الشاعرُ(١): لَّا رَأيْتُ نَبَطًا أنْصارَا شَمَّرْتُ عن رُكْبَتِىَ الإزارَا كنتُ لهم مِن النَّصارَى جارًا وهذه الأبياتُ التى ذكَوْتُها تَدُلُّ على أنهم سُمُّوا نَصارَى لنُصْرةِ بعضِهم بعضًا ، وتَناصُرِهم بينَهم. وقد قيل: إنهم إنما سُمُّوا نَصارَى؛ مِن أْلٍ أنهم نزَلوا أرضًا يقالُ لها : ناصِرةُ . حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسینُ، قال: حدَّثنی حَجَّاجْ، عن ابنٍ جَئِجٍ ، قال : النصارى إنما سُقُّوا نَصارَى؛ مِن أجلِ أنهم نزَلُوا أرضًا يقالُ لها: ناصِرةٌ(٧). (١) البيت فى الأضداد ص ١٨١، ونقله أبو حيان فى البحر المحيط ٢٣٨/١ عن المصنف. (٢) فى م: ((زار)). (٣ - ٣) فى الأضداد: ((تراه ويضحى وهو نفران)). (٤) هو أبو الأخزر الحمانى، والبيت فى الكتاب ٢٥٦/٣، ٤١١، واللسان (ح ن ف). (٥ - ٥) فى م: ((فكلتاهما خرت وأسجد رأسها كما سجدت نصرانة لم تحنف يقال : أُسجد . إذا مال)). (٦) الآبيات فى معانى القرآن ١ /٤٤، وأمالى ابن الشجرى ٧٩/١، ٣٧١، واللسان (ن ص ر). (٧) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٤٧/١. ( تفسير الطبرى ٣/٢ ) ٣٤ سورة البقرة : الآية ٦٢ ويقولُ آخَرون: لقوله: ﴿ مَنْ أَنْصَارِىّ إِلَى اللهِ ﴾ [الصف: ١٤]. وقد ذُكِر عن ابنِ عباسٍ مِن طريقٍ غيرِ مُرْتَضِى أنه كان يقولُ: إنما سُمِّيَت النصارى نَصارَى؛ لأن قريةَ عيسى ابنِ مَريمَ كانت تُسَمَّی ناصِرَ ، و کان أصحابُه يُسَمَّوْن النَّاصِرِيِّين، وكان يقالُ لعيسى: الناصرىُّ. حُدِّثْتُ بذلك عن هشام [١٥/٣ و] بن محمدٍ ، عن أبيه ، عن أبى صالح ، عن ابنٍ (١) حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، قال: إنما سُمُّوا نَصارَى؛ لأنهم كانوا بقريةٍ يقالُ لها : ناصِرةُ . يَنْزِلُها عيسى ابنُ مريمَ، فهو اسمٌ تَسَمَّوْا به، ولم يُؤْمَروا به(٢) . حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أُخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أُخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قَتَادَةَ فى قوله: ﴿ الَّذِينَ قَالُوَأْ إِنَّا نَصَرَىَّ﴾ [المائدة: ٨٢]. قال: تَسَمَّوْا بقريةٍ يقالُ لها : ناصِرةُ. كان عيسى ابنُ مريمَ صلى اللَّهُ عليه يَنْزِلُها(٣). القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ وَالضَِّينَ ﴾ و ((الصابئون)) جمعُ صابىٌّ، وهو المُسْتَحْدِثُ سِوَى دينه دينًا، كالمُزْتَدِّ مِن ٣١٩/١ أهل الإسلام/ عن دينه . وكلُّ خارجٍ مِن دينٍ كان عليه إلى آخَرَ غيرِه تُسَمِّيه العربُ صابِئًا ، يقالُ منه: صبَأ فلانٌ يَصْبَأُ صَبْأً. ويقالُ: صبَأَتِ النَّجومُ. إذا طلَعَت ، وصبّأ علينا فلانٌ مِنْ(٤) موضعٍ كذا وكذا. يعنى به: طلَع. (١) أخرجه ابن سعد ٥٣/١، ٥٤ من طريق هشام بن محمد به مطولا. (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٥/١ إلى المصنف. (٣) تفسير عبد الرزاق ١٨٧/١. (٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣. ٣٥ سورة البقرة : الآية ٦٢ واخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى مَن يَلْزَمُه هذا الاسمُ مِن أهلِ المِلَلِ؛ فقال بعضُهم: يَلْزَمُ ذلك كلَّ خارجٍ مِن دينٍ إلى غيرِ دينٍ . وقالوا : الذين عنَى اللَّهُ بهذا الاسمِ قومٌ لا دینَ لهم . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال : أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ ، جميعًا عن سُفيانَ، عن ليثٍ ، عن مُجاهِدٍ : الصَّابِقُون ليسوا بيهودَ ولا نَصارَى، ولا دينَ لهم(١) . حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن الحجاج ابنِ أَرْطاةَ ، عن القاسمِ بنِ أبى بَزَّةَ، عن مُجاهِدٍ مثلَه . حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ ، قال: حدَّثنا حكّامٌ، عن عَنْبَسةً، عن الحجاج، عن مُجاهِدٍ ، قال: الصابئون بينَ المجوسِ واليهودِ، لا تُؤْكَلُ ذَبائحُهم، ولا تُنْكَحُ نساؤُهم (١). حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: حدَّثنا حكّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن حجاج، عن قتادةَ، عن الحسنِ مثلَ ذلك(٢). حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ ، قال: حدّثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى نَجيح: ﴿وَالصَِّئِينَ﴾: بينَ اليهودِ والمجوسِ، لا دينَ لهم(٢) . حدَّثنى المثنَّى ، قال: حدَّثنا أبو محذَيفةً، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنٍ أبى نَجِيحِ، عن مُجاهِدٍ مثلَه . (١) تفسير مجاهد ص ٢٠٤، وتفسير عبد الرزاق ٤٧/١، ومصنفه (١٠٢٠٧)، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٧/١ (٦٣٨) من طريق وكيع، عن سفيان به. والأثر فى تفسير الثورى ص ٤٦ من قوله. (٢) ذكره القرطبى فى تفسيره ١/ ٤٣٤. ٣٦ سورة البقرة : الآية ٦٢ حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال : قال ابنُ مجرَيْجِ: [١٥/٣ ظ] قال مُجاهِدٌ: ﴿وَالصَِّينَ﴾: بينَ المجوسِ واليهودِ، لا دينَ لهم. قال ابنُ مجرَيْج: قلتُ لعَطاءٍ: ﴿ وَالصَِّينَ﴾: زعموا أنها قَبِيلةٌ مِن نحوٍ السَّوَادِ ، ليسوا بمجوسٍ ولا يهودَ ولا نَصارَى. قال: قد سمِعْنا ذلك، وقد قال المشركون للنبىِّ عَّ: قد صَبًا (١). حدَّثنى يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِهِ : ( وَالصَِّينَ﴾ (١) . قال: الصابئون دينٌ مِن الأديانِ، كانوا " بالجزيرة ، جزيرةٍ " المَوْصِلِ، يقولون: لا إلهَ إلا اللَّهُ. وليس لهم عملٌ ولا كتابٌ ولا نبيٌّ، إلا قولَ: لا إلهَ إلا اللَّهُ . قال: ولم يُؤْمِنوا برسولِ اللَّهِ ، فمِن أجْلِ ذلك كان المشركون يقولون للنبىِّ عَّهِ وأصحابِه: هؤلاء الصابِئون. يُشَبِّهُونهم بهم (٤). وقال آخرون: هم قومٌ يَعْبُدون الملائكةَ ويُصَلُّون(٥) القبلةَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: حدَّثْنَا المُغْتَمِرُ، عن أبيه، عن الحسنِ، قال: نُبِّىَ (١) زيادٌ أن الصابئين يُصَلُّون(٥) القِبلةَ، ويُصَلُّون الخمسَ، فأراد أن يَضَعَ عنهم الجِزْيةَ، قال: فخُيِّر بعدُ أنهم يَعْبُدون الملائكةَ . (١) ذكره ابن أبى حاتم ١٢٧/١ عقب الأثر (٦٣٨) معلقًا . (٢) فى الأصل، م: ((الصابئون)). والمثبت هو القراءة هنا، وما فى الأصل، م هو قراءة الآية ٦٩ من سورة المائدة. (٣ - ٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((بجزيرة). (٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٤٩/١ عن ابن وهب به . (٥) بعده فى م: ((إلى)). (٦) فى م، ت١، ت٢: ((حدثنى)). ٣٧ سورة البقرة : الآية ٦٢ /حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتَادةَ قولَه: ٣٢٠/١ وَالضَِّينَ﴾. قال: الصابئون قومٌ يَعْبُدون الملائكةَ، ويُصَلُّون (١) القِبلةَ، ويَقْرَءون الزَّبورَ(١) . حدَّثنى المثنَّى ، قال: حدَّثنا آدمُ ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الرَّبيعِ، عن أبى العاليةِ ، قال : الصابئون فرقةٌ مِن أهلِ الكتابِ يَقْرَءون الزَّبورَ . قال أبو جعفرٍ - يَعْنِى الرازىَّ -: وبلَغَنى أيضًا أن الصابئين قومٌ يَعْبُدون الملائكةَ، ويَقْرَءون الزَّبورَ، ويُصَلُّونَ(١) القِثْلَةَ(٣) . وقال آخرون: بل هم طائفةٌ مِن أهلِ الكتابِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيع، قال: حدَّثنا أبى، عن سفيانَ ، قال: سألتُ(٤) الشُدِّيَّ عن الصائِئِين، فقال: هم طائفةٌ مِن أهلِ الكتابِ(٥). القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ [١٦/٣ و] الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَلِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿ مَنْ ءَامَنَ بِالَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِ﴾: مَن صدَّق باللّهِ، (١) بعده فى م: ((إلى)). (٢) ذكره ابن كثير ١٤٩/١ عن سعيد، عن قتادة. وسيأتى فى سورة الحج، الآية ١٧ من طريق معمر عن قتادة ، مطولا . (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٧/١، ١٢٨، (٦٣٩، ٦٤٢) من طريق آدم به . (٤) فى م: ((سئل)). (٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٧/١ عقب الأثر (٦٣٩) من طريق أسباط، عن السدى. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٥/١ إلى وكيع. ٣٨ سورة البقرة : الآية ٦٢ وأقَرَّ بالْبَعْثِ بعدَ المَماتِ يومَ القيامةِ، ﴿ وَعَمِلَ صَلِحًا﴾ فأطاع اللّهَ، ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾. يعنى بقولِه: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾: فلهم ثوابُ عملِهم الصالحِ عندَ ربِّهم . فإن قال لنا قائلٌ: فأين تمامُ قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَرَى وَالضَِّينَ﴾؟ قيل: تمامُه١ جملةُ قولِه: ﴿مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾. لأن معناه: مَن آمَن منهم باللّهِ واليومِ الآخِرِ. فترَك ذكرَ ((منهم)) لدلالةِ الكلامِ عليه؛ اسْتِغْناءً بما ذكَر عمَّا تَرَك ذكْرَه . فإن قال : وما معنى هذا الكلام؟ قيل: معناه: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين، مَن يُؤْمِنْ منهم(٢) باللَّهِ واليومِ الآخِرِ فلهم أجرهم عندَ ربِّهم . فإن قال : وكيف يُؤْمِنُ المؤمنُ؟ قيل : ليس المعنى فى المؤمنِ المعنى الذى ظنَتْتَه ، مِن انْتِقالٍ مِن دينٍ إلى دينٍ، كانتقالِ " اليهودِ والنصارى" إلى الإيمانِ - وإن كان قد قيل: إن الذين عُنُوا بذلك مَن كان مِن أهلِ الكتابِ على إيمانِه بعيسى صلى اللَّهُ عليه، وبما جاء به ، حتى أُدْرَك محمدًاً عَّ لَهِ ، فَآمَن به وصدَّقه، فقيل لأولئك الذين كانوا مؤمنين بعيسى وبما جاء به إِذْ(٤) أدرَكوا محمدًا عَمِ: آمِنُوا بمحمدٍ عَظ ◌َه، وبما جاء به - ولكن معنى إيمانِ المؤمنِ فى هذا الموضع ثباتُه على إيمانِه وتركُه تَبْدیلَه . (١ - ١) فى ت ١، ت ٣: ((قبل إتمامه)). (٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣. (٣ - ٣) فى م: ((اليهودى والنصرانى)). (٤) فى الأصل: ((إذا)). ٣٩ سورة البقرة : الآية ٦٢ وأما إيمانُ اليهودِ والنصارى والصابئين، فالتصديقُ بمحمدٍ عَ لّه، وبما جاء به، فمَن يُؤْمِنْ منهم بمحمدٍ وبما جاء به واليومِ الآخرِ ، ويَعْمَلْ صالحاً ، فلم يُبَدِّلْ ولم ◌ُغَيِّزْ، حتى تُؤُفِّى على ذلك كلِّهُ(١) ، فله ثوابُ عملِه وأجرُه عندَ ربِّه، كما وصَف جلَّ ثناؤه . فإن قال قائلٌ: وكيف قال: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾. وإنما لفظُ ﴿مَنْ﴾ لفظُ واحدٍ ، والفعلُ معه مُوَخَّدٌ ؟ /قيل: إنَّ ((مَن))، وإن كان الذى يليه مِن الفعلِ مُوَحَّدًا، فإن له معنى الواحدِ ٣٢١/١ والاثنين والجمع، والتذكير والتأنيثِ؛ [١٦/٣ ظ] لأنه فى كلِّ هذه الأحوالِ على هيئةٍ واحدةٍ وصورةٍ واحدةٍ لا يَتَغَيَّرُ، فالعربُ تُوَحِّدُ معه الفعلَ وإن كان فى معنی جَمْعٍ ، اللفظِهِ ، وَجْمَعُ أخرى معه الفعلَ لمعناه، كما قال تعالى ذكره: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيَكَ أَفَنْتَ تُسْمِعُ الضُّمَّ وَلَوْ كَانُوْ لَا يَعْقِلُونَ ( وَمِنْهُم مَن يَنْظُرُ إِلَيْكَّ أَفَأَنْتَ تَهْدِى الْعُمْىَ وَلَوْ كَانُواْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [ يونس: ٤٢، ٤٣]. فجمَع مرةً مع ﴿مَنْ﴾ الفعلَ لمعناه، ووحَّد أخرى معه الفعلَ؛ لأنه فى لفظٍ واحدٍ (٢)، كما قال الشاعرُ(٣): أَّ(٤) بسَلْمَى عنكما إِنْ عَرَضْتُما وَقُولًا لها عُوجِى على مَن تَخَلَّفوا فقال: تخَلَّفوا. فجمَعُ، وجعَل ((مَن)) بمنزلةِ ((الذين)). قال الفَرَزْدَقُ(١): (١) سقط من ص، م، ت١، ت٢، ت٣. (٢) فى م، ت١، ت ٢: ((الواحد)). (٣) البيت لامرئ القيس، وهو فى الديوان ص ٣٢٤ من قصيدة له، ويقال أيضًا: إنها لرجل من كندة . (٤) الإلمام : الزيارة فى الآحايين. اللسان (ل م م). (٥) سقط من: م. (٦) ديوانه ص ٨٧٠. ٤٠ سورة البقرة : الآية ٦٢ نَكُنْ مثلَ مَن یا ذِئْبُ يَصْطَحِبانٍ " تَعَالَ فإن عاهَدْتَنی ) لا تَخُونُنی فثنَّى ((يصطحبان)) لمعنى ((مَن)). فكذلك قولُه: ﴿ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَلِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾. وحَّد ﴿ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا﴾ للفظِ ﴿مَنْ﴾، وجمَع ذكْرَهم فى قوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ لمعناه؛ لأنه فى معنى جمعٍ . وأما قولُه: ﴿وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. فإنه يعنى به جلَّ ذكرُه : ولا خوفٌ عليهم فيما قدِموا عليه مِن أهوالِ القيامةِ ، ولا هم يَحْزَنون على ما خلَّفوا وراءَهم مِن الدنيا وعيشِها، عندَ مُعاينتِهم ما أعَدَّ اللَّهُ لهم مِن الثوابِ والنَّعيم المقيمِ عندَه . ذِكْرُ مَن قال: عُنِى بقولِه: ﴿مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ﴾. مؤمنو أهلِ الكتابِ الذين أَذْرَ كوا رسولَ اللَّهِ عَئِ : حدَّثنی موسى بنُ هارونَ ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: حدَّثنا أشْباطُ ، عن الشُّدِّىِّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَّذِينَ هَادُواْ﴾ الآية. قال: نزَلَت هذه الآيةُ فى أصحابٍ سَلْمانَ الفارسيِّ، وكان سلمانُ رجلًاً مِن جُنْدَيْسَابُورَ()، وكان مِن أشرافِهم، وكان ابنُ الملكِ صديقًا له مؤاخيًا، لا يقضى واحدٌ منهما أمرًا دونَ صاحبِه، وكانا يَركبانِ ) إلى الصيدِ جميعًا، فبينما هما فى الصيدِ إِذ رُفِع لهما بيتٌ مِن عَباءٍ ) ، فأتياه فإذا هما فيه برجلٍ بينَ يديه مُصْحِفٌ يَقْرَأْ فيه وهو يَتْكِى ، (١ - ١) فى الديوان: (( تعش فإن واثقتنى)). (٢) فى م: ((جندا يسابور)). وجنديسابور: من بلاد فارس. ينظر معجم ما استعجم ٣٩٧/٢. (٣) فى الأصل: ((يركنان)). (٤) فى م: ((خباء)). والعباء: ضرب من الأكسية فيه خطوط. تاج العروس (ع ب أ).