Indexed OCR Text
Pages 681-700
٦٨١
سورة البقرة : الآية ٥٤
الأَلْواحَ وأَخَذَ برأسٍ أخيه يَجُّه إليه ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلَا بِرَأْسِّ﴾. إلى
قوله: ﴿ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِ﴾ [طه: ٩٤]. فترَك هارونَ ومال إلى السامرىِّ، فقال:
﴿مَا خَطْبُكَ يَسَمِرِىُّ﴾. إلى قوله: ﴿ثُمَّ لَنَفْسِفَنَّهُ فِىِ الْيَمِّ نَسْفًا﴾﴾ [طه:
٩٥ - ٩٧]. ثم أخَذه فذبحه، ثم حرَقه(١) بالمِبْردِ، ثم ذَرَّه فى اليَمِّ، فلم يَبْقَ بحرٌ
يَجْرى يومَئذٍ إلا وقَع فيه شىءٌ منه، ثم قال لهم موسى: اشْرَبوا منه. فشرِبوا، فمَن كان
يُحِبُّه [٩٥/٢ظ] خرَج على شاربِهُ ) الذهبُ، فذلك حينَ يقولُ: ﴿ وَأُشْرِبُواْ فِى
قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٩٣]. فلما سُقِط فى أيدى بنى إسرائيلَ حينَ
جاء موسى، ورَأوْا أنهم قدْ ضَلُّوا قالوا: ﴿لَيِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا
لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٩]. فأتَى اللَّهُ أَن يَقْبَلَ توبةَ بنى إسرائيلَ
إلا بالحالِ التى كرِهوا أن يُقاتِلوهم حينَ عبَدوا العجلَ، فقال لهم موسى: ﴿يَلِقَوْمِ
إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِتِخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ .
قال : فصَقُوا صفَّيْن، ثم اجْتَلَدوا بالسيوفِ ، فاجْتَلَد الذين عبَدوه والذين لم يَعْبُدوه
بالسيوفِ، فكان مَن قُتِل مِن الفريقَيْن شهيدًا، حتى كثُر القتلُ، حتى كادوا أن
يَهْلِكوا، حتى قُتِل بينَهم سبعون ألفًا، / وحتى دعا موسى وهارونُ: ربَّنا هلَكَتْ بنو
إسرائيلَ ، ربَّنا البقيةَ البقيةَ. فأمَرهم أن يَضَعوا السلاحَ، وتاب عليهم، فكان مَن قُتِل
شهيدًا، ومَن بَقِى كان مُكَفَّرًا عنه، فذلك قوله: ﴿ فَثَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّمُ هُوَ الَّوَّابُ
الرَّحِيمُ﴾(٣).
٢٨٧/١
(١) حرق الحديد بالمبرد: برده وحك بعضه ببعض. اللسان (ح ر ق).
(٢) فى الأصل، م: ((شارببه)).
(٣) أخرجه المصنف فى تاريخه ٤٢٣/١، ٤٢٤ عن موسى، عن عمرو، عن أسباط، عن السدى، عن
عكرمة ، عن ابن عباس .
وأخرج آخره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١١/١ (٥٣٣) من طريق عمرو، عن أسباط ، عن السدى .
٦٨٢
سورة البقرة : الآية ٥٤
حدثَنى محمدُ بنُ عمرٍو الباهلىُّ ، قال: حدَّثنا أبو عاصم ، قال: حدَّثنا عيسى ،
عن ابن أبى نَجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿بِخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾. قال:
كان موسى أمَر قومَه - عن أمرِ ربِّه - أن يَقْتُلَ بعضُهم بعضًا بالخَاجرِ، فجعَل الرجلُ
يَقْتُلُ أباه ويَقْتُلُ ولدَه، فتاب اللَّهُ عليهم(١).
"وحدَّثنى المُنى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى
نجيحِ، عن مجاهدٍ: ﴿ بِأَتَّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾. قال: كان أمَر موسى قومَه - عن أمرٍ
ربِّه - أن يَقْتُلَ بعضُهم بعضًا، ولا يَقْتُلَ الرجلُ أباه ولا أخاه ، فبلَغَ ذلك فى ساعةٍ من
نهارٍ سبعين ألفًا) .
حدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا آدمُ ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيع، عن أبى
العاليةِ فى قوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ الآية .
قال: فصاروا صفَّيْن، فجعَل يَقْتُلُ بعضُهم بعضًا، فبلَغ القَتْلَى ما شاء اللَّهُ، ثم قيل
لهم : قد تِيبَ على القاتلِ والمقتولِ .
حدَّثنا المثنى، قال: حدَّثنا أبو صالح، قال: حدَّثنى الليثُ، قال: حدَّثنی
عُقَيْلٌ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: لما أُمِرَت بنو إسرائيلَ بقتلٍ أنفسِها برَزُوا ومعهم
موسى ، فاضْطَرِبُوا (١) بالسيوفِ، وتَطاعَنوا بالخناجرِ ، وموسى رافع يديه، حتى إذا
فتَر، أتاه بعضُهم فقالوا: يا نبيَّ اللَّهِ ، ادْعُ اللَّهَ لنا. وأخَذوا بعَضُدَيْهِ يَسئُدُون() يديه،
فلم يَزَلْ أمرُهم على ذلك حتى إذا قبِل اللَّهُ توبتهم ، قبض أيدىَ بعضِهم عن بعضٍ،
(١) تفسير مجاهد ص ٢٠٢، وفيه: ففعلوا. بدل قوله: فجعل الرجل يقتل أباه ويقتل ولده .
(٢ - ٢) سقط من: م.
(٣) فى م: ((فتضاربوا)).
(٤) فى م: ((يشدون))، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يسدون)).
٦٨٣
سورة البقرة : الآية ٥٤
فألْقَوا السلاح ، وحزِن موسى [٩٦/٢ و] وبنو إسرائيلَ للذى كان مِن القتلِ فيهم، فأؤْخَى
اللَّهُ إلى موسى: ما(١) يَحْزُنُك؟ أمّا مَن قُتِل منكم (١) فحىٌّ عندى يُؤْزَقُ (١، وأمَّا مَن بقِى
فقد قَبِلْتُ توبتَه. (* فبشَّر بذلك موسى بنى" إسرائيلَ(٥).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أُخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أُخْبَرَنا مَعْمَرٌ،
عن الزهرىٌّ وقتادةَ فى قولِه: ﴿فَاَقتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾. قالا(١) : قاموا صفَّيْنِ يقتُلُ
بعضُهم بعضًا، حتى قيل لهم: كُقُوا. قال قتادةُ: كانت شهادةً للمقتولِ ، وتوبةٌ
للحىّ .
حدَّثنا القاسمُ ، قال: حدَّثنا الحسينُ ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ،
قال: قال لى عطاء: سمِعْتُ عُبَيَدَ بنَ عُميرٍ يقولُ: قام بعضُهم إلى بعضٍ يَقْتُلُ
بعضُهم بعضًا، ما يتوقَّى(٧) الرجلُ أباه ولا أخاه ولا ابنَه (٨) ولا أحدًا، حتى نزَلَتِ
التوبةُ . قال ابنُ نجريج: وقال ابنُ عباسٍ: بلَغ قَتلاهم سبعين ألفًا ، ثم رفَع اللَّهُ عنهم
القتلَ ، وتاب عليهم .
(١) فى م: ((لا)).
(٢) فى الأصل: ((منهم)). والمثبت موافق لما فى تفسير ابن كثير.
(٣) فى الأصل: ((يرزقون)).
(٤ - ٤) فى م، وتفسير ابن كثير: ((فسر بذلك موسى وبنو)).
(٥) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٣١/١ عن المصنف، وقال: إسناد جيد. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١/
٧٠ إلى المصنف وأحمد فى الزهد .
(٦) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((قال)).
(٧) فى الأصل: ((يبدىا))، وفى ص: ((تبرانا)).
ولعل ما فى الأصل وص تصحف من: ((يتراباً)). كما أثبتها الشيخ شاكر، ورابات الشىء ورابات فلانا :
حذرته واتقيته . وراباً الرجلَ : اتقاه . اللسان (ر ب أ).
(٨ - ٨) سقط من: الأصل.
٦٨٤
سورة البقرة : الآية ٥٤
قال ابنُ مجرَيْج: قاموا صفَّيْن فاقْتَتلوا بينَهم ، فجعَل اللَّهُ القتلَ لمَن قُتِل منهم
شَهادةً ، وكانت توبةً لمن بقِى ، وكان قتلُ بعضِهم بعضًا أن اللَّهَ علِم أن ناسًا منهم
علموا أن العِجْلَ باطلٌ، فلم يَمْتَعْهم أن يُنْكِروا عليهم إلا مخافةَ القتالِ ، فلذلك
أُمِرُوا(١) أن يَقْتُلَ بعضُهم بعضًا .
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ ، قال: لما رجَع
موسى إلى قومِه، وأخْرَق العِجلَ وذَرَّاه فى اليَمِّ، خرَج إلى ربِّه بمَن اخْتار مِن
قومِه، فَأَخَذَتْهم الصاعقةُ ثم يُعِثوا، سأل موسى ربَّه التوبةً لبنى إسرائيلَ مِن
عبادةٍ (٢) العجلِ، فقال: لا ، إلا أن يَقْتُلوا أنفسَهم. قال: فبلَغَنى أنهم قالوا
لموسى: نَصْبِرُ لأُمرِ اللَّهِ. فأمَر موسى مَن لم يكنْ عبَد العجلَ أن يَقْتُلَ مَن
عَبدَه، فجلَسوا بالأَقْنِيةِ، وأصلَت(٣) عليهم القومُ / السيوفَ، فجعَلوا يَقْتُلونهم،
وبكَى موسى وبَهَش(٤) إليه الصِّئْيانُ والنساءُ يَطْلُبون العفوَ عنهم، فتاب عليهم
وعفا عنهم، وأمَر موسى أن "يُؤْفَعَ عنهم السيفُ).
٢٨٨/١
حدَّثنى يونُسُ ، قال: أُخْبَرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ : لما رجَع موسى إلى
قومِه، وكان(١) سبعون رجلًا قد اعْتَزَلوا مع هارونَ العجلَ لم يَعْبُدوه، فقال لهم
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أمر)).
(٢) بداية خرم فى النسخة (ص) وينتهى فى ص ٦٩١ .
(٣) فى م: ((سلت)). وأصلت السيف: جرده من غمده. اللسان (ص ل ت).
(٤) بهَشْتُ إلى الرجل وبهش إلىّ: تهيأْتُ للبكاء وتهيأ له. اللسان (ب هـ ش).
(٥ - ٥) فى م، وتفسير ابن كثير: ((ترفع عنهم السيوف)).
والأثر ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٣١/١، ١٣٢ عن ابن إسحاق .
وأخرجه المصنف فى تاريخه ٤٢٧/١، ٤٢٨، عن ابن حميد، عن سلمة، عن ابن إسحاق، عن صدقة بن
يسار، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس .
(٦) فى م، ت ٣: (( كانوا)).
٦٨٥
سورة البقرة : الآية ٥٤
موسى : انْطَلِقوا إلى موعدِ ربِّكم. فقالوا: يا موسى، أمَا مِن توبةٍ؟ قال: بلى (١)، اقْتُلُوا
أَنفُسَكم ﴿ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِيِكُمْ فَابَ عَلَيْكُمْ﴾ الآية. فاخْتَرَطوا السيوفَ
والجرّزةَ(١) والخَنَاجرَ والسَّكاكِينَ، قال: ويُعِثت عليهم ضَبابةٌ. قال: فجعَلوا
يَتَلامَسون [٩٧/٢ظ] بالأيدى ويَقْتُلُ بعضُهم بعضًا. قال: ويَلْقَى الرجلُ أباه وأخاه
فِيَقْتُلُه ولا يَدْرِى، قال: ويَتَنَادَوْن فيها: رحِم اللَّهُ عبدًا صبَر حتى يَتْلُغَ اللَّهُ رضاه. وقرأ
قولَ اللَّهِ جل ثناؤه: ﴿وَءَانَيْنَهُم مِّنَ الْأَيَتِ مَا فِيهِ بَلَوّأْ مُّبِيرٌ﴾ [الدخان: ٣٣]
قال: فَقَتْلاهم شُهداءُ، وتِيب على أحيائِهِم. وقرَأ: ﴿ فَابَ عَلَيْكُمَّ إِنَّهُ هُوَ النَّوَّابُ
الرَّحِيمُ﴾.
فالذى ذكَوْنا - عمَّن روَيْنا عنه الأخبارَ التى روَيْناها - كان توبةَ القومِ مِن
الذنبِ الذى أُتَوْه فيما بينهم وبينَ ربِّهم ، بعبادتهم العجلَ ، مع ندمِهم على ما سلَف
منهم مِن ذلك .
وأما معنى قولِه: ﴿فَتُوبُواْ إِلَ بَارِيَّكُمْ﴾. فإنه يعنى: ارْجِعوا إلى طاعةٍ
خالقِكم وإلى ما يُرْضِيه عنكم .
كما حدَّثنى المثنى بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا آدمُ ، قال : ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ،
عن أبى العاليةِ: ﴿فَتُوبُواْ إِلَى بَارِيَكُمْ﴾. أى: إلى خالقِكم(٣).
وهو مِن: بَرَأْ اللَّهُ الخلقَ ( يَتْرَؤُهُم بَرْءًا)، فهو بارِثُهم(٥). والبَرِيّةُ
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((بل)).
(٢) الجرزة ، جمع الجُزْز: العمود من الحدید. اللسان (ج ر ز).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٠/١ (٥٢٦) من طريق آدم به.
(٤ - ٤) فى م: ((يبرؤه)).
(٥) فى م: ((بارئ)).
٦٨٦
سورة البقرة : الآية ٥٤
الخلقُ، وهى فَعِيلةٌ بمعنى مفعولةٍ، غيرَ أنها لا تُهْمَزُ، كما لا يُهْمَزُ ((مَلَكٌ))،
وهو مِن (((الأكْتُ))؛ لأنه١) جرَى بتركِ الهمزِ كذلك. كما قال نابغةُ بنى
(٢)
ذُبیانَ(٢) :
إلا سُليمانَ إِذ قال الإلهُ(٣) له قُمْ فِى الْبَرِيَِّ فاحْدُدْها (٤) عن الفَنَدِ(*)
وقد قيل : إن البَرِيَّةَ إِنما لم تُهْمَزْ لأنها فعيلةٌ مِن الْبَرَى ، والبَرَى الترابُ . فكأنَّ
تأويلَه على قولٍ مَن تأوَّله كذلك أنه مخلوقٌ مِن الترابِ .
وقال بعضُهم : إنما أُخِذَت البَرِيَّةُ مِن قولك: بَرَيْتُ العودَ . فلذلك لم يُهْمَزْ.
قال أبو جعفرٍ: وتركُ الهمزِ مِن ((بارئِكم)) جائزٌ، والإبدالُ منها جائزٌ. فإذ كان
ذلك جائزًا فى (( بارِئِكم))، فغيرُ مُسْتَنْكَرٍ أن تكونَ البَرِيَّةُ مِن: بَرَى اللَّهُ الخلقَ. بتركِ
الهمزة .
وأما قولُه: ﴿ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِيِّكُمْ﴾. فإنه يعنى بذلك: توبتكم
بقتلکم أنفسكم ، وطاعتُکم ربّکم ، خیر لکم عند بارێکم ؛ لأنكم تنجُون بذلك مِن
عقابه فى الآخرةِ على ذنبِكم ، وتَسْتَوْجِبون به الثوابَ منه .
وقولُه: ﴿فَنَابَ عَلَيْكُمْ﴾. " يقولُ: فتاب اللَّهُ عليكم) بما فعَلْتُم مما أمَرَّكم به
(١ - ١) فى م: ((لأك، لكنه)).
(٢) ديوانه ص ١٣.
(٣) فى ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((المليك)).
(٤) حد الرجل عن الأمر يحده حدا: منعه وحبسه، تقول: حددت فلانا عن الشر. أى منعته .
اللسان (ح د د). والبيت فيه .
(٥) الفَنَد : الخطأ فى القول والرأى. تاج العروس (ف ن د).
(٦ - ٦) فى م: ((أى)).
٦٨٧
سورة البقرة : الآيتان ٥٤، ٥٥
مِن قتْلِ بعضِكم بعضًا . وهذا مِن المحذوفِ الذى اسْتُغْنى بالظاهرِ منه عن المتروكِ ؛
لأن معنى الكلام : فتُوبوا إلى بارێکم فاقتلوا أنفسكم ، ذلكم خيرٌ لكم عند بارئكم ،
فتُبْتُم فتاب اللَّهُ عليكم. فترَك ذِكْرَ قولِه: فتبتُم. إذ كان فى قوله: ﴿ فَثَابَ
عَلَيْكُمْ﴾. دَلالَةٌ بينَةٌ على اقْتِضاءِ الكلامِ : فتُم.
ويعنى بقولِه: ﴿فَثَابَ عَلَيْكُمْ﴾: رجَع لكم ربكم إلى ما أخْبَتُم مِن
العفوِ عن ذنوبِكم وعظيمٍ ما ركبتُم، والصفحِ عن مجرْمِكم، ﴿إِنَّهُ هُوَ
الذَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾. يعنى: الراجحُ لمن أناب إليه بطاعتِه إلى ما يُحِبُّ مِن العفو عنه .
ويعنى بـ ﴿الرَّحِيمُ﴾: العائدُ عليه(١) برحمتِه المُنْجيةِ مِن عقوبتِه .
[٩٨/٢ و٢/ القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى ◌َرَى اللَّهَ ٢٨٩/١
جَهْرَةٌ ﴾ .
وتأويلُ ذلك: واذْكُروا أيضًا إذ قلْتُم: يا موسى لن نُصَدِّقَك ولن نُقِرَّ بما جِئْتَنا
به حتى نَرَى اللَّهَ(١) ◌ِيانًا، برفع الساترِ بيننا وبينَه، وكشفِ الغِطاءِ دونَنا ودونَه ،
حتى نَنْظُرَ إليه بأبصارِنا. كما تُجْهَرُ الرَّكِيَةُ(١) ، وذلك إذا كان ماؤها قد غطّاه
الطِّينُ، فتُقِّى(٤) ما قد غطَّاه حتى ظهَر الماءُ وصفا. يقالُ منه (٥) : جَهَوْتُ
الرَّكِيَّةَ أَجْهَرُها جَهْرًا وجَهْرةً. ولذلك قيل: قد جاهَر فلانٌ بهذا الأمر
(١) فى م: ((إليه)).
(٢) بعده فى ر: ((جهرة أى))، وبعده فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((جهرة)).
(٣) الرَّكيّة : البئر. اللسان (رك ى).
(٤) غير منقوطة فى الأصل، وفى ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فنفى))، والمثبت كما فى اللسان نقلا عن
الأخفش، ويحتمله ما فى الأصل. وينظر اللسان (ج هـ ر).
(٥) بعده فى ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((قد)).
(٦) فى م، ت ١: (( جهر)).
٦٨٨
سورة البقرة : الآية ٥٥
مُجاهَرةً وجِهارًا. إِذا أَظْهَره لرأىِ العينِ وأعلَنه، كما قال الفَرَزْدَقُ بنُ
(١)
غالبٍ(١) :
مِن اللائى يَظَلُّ(٢) الألْفُ منه
مُنِيخًا(٢) مِن مَخافتِه چِهارًا"
وكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنٍ
جريج ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿حَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ﴾. قال: علانيةٌ(٥).
وحُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ ، عن أبيه ، عن الربيعِ :
﴿حَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾. قال(٢): عِيانًا(٧) .
وحدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿ حَتَّ نَرَى اللَّهَ
جَهْرَةً ﴾: حتى يَطْلُعَ إلينا(٨) .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿حَّ نَرَى اللَّهَ
جَهْرَةٌ ﴾. أى: عِيانًا(٩) .
(١) شرح ديوان الفرزدق ص ٤٤٣.
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يضل)).
(٣) فى م، ت ٢: ((مسحا))، وفى ت ٣: ((متيحا)).
(٤) فى شرح الديوان: ((نهارا)). فلا شاهد فيه للمصنف .
والشاهد فى بيت آخر للفرزدق من نفس القصيدة هو قوله :
ولكن اللئام إذا هجونى
غضبت فكان نصرتى الجهارا
(٥) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٣٢/١ عن ابن جريج به. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١١/١ (٥٣٤)
من طريق أبى الحويرث ، عن ابن عباس، وأبو الحويرث صدوق سيئ الحفظ .
(٦) فى ر: ((قال علانية))، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يقول)).
(٧) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١١/١ عقب الأثر (٥٣٥) من طريق ابن أبى جعفر به.
(٨) سيأتى بتمامه فى ص ٦٩٦، ٢ /٤٧.
(٩) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١١/١ (٥٣٥) من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة .
٦٨٩
سورة البقرة : الآية ٥٥
فذكَّرهم بذلك جلّ ذكرُه كثرةَ(١) اختلافٍ آبائِهم، وسُوءَ استقامةِ أسلافِهم
لأنبيائِهم، مع كثرةٍ مُعاينتِهم مِن آيَاتِ اللَّهِ وعِبَرِه (٢) ما تَثْلُجُ(٣) بأقلّها الصدورُ،
وتَطْمَئِنُّ بالتصديقِ معها النفوسُ ، وذلك مع تَتَابُعِ الحُجَجِ عليهم ، وسُبوغِ النِّعَمِ مِن
اللَّهِ لديهم، وهم مع ذلك مرةً يَسْألون نبيَّهم أن يَجْعَلَ لهم إلهًا غيرَ اللَّهِ ، ومرَةً
يَعْبُدون العِجْلَ مِن دونِ اللهِ، ومرةً يقولون: لن(٤) نُصَدِّقَك حتى نَرَى اللَّهَ جَهْرةٌ .
وأخرى يقولون له إذا دُعُوا إلى القتالِ: اذْهَبْ أنت وربُّك فقاتِلا إنا هلهنا قاعِدُون .
ومرةً يُقالُ لهم: ﴿قُولُواْ حِظَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَيَلَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٨]. فيقولون: حِنْطٌ
فى شَعيرةٍ . ويَدْخُلون البابَ مِن قِبَلِ أَسْتاهِهِم ، مع غيرِ ذلك مِن أفعالِهم التى آذَوْا بها
نبيَّهم عليه السلامُ التى يَكْثُرُ إِخْصاؤُها .
فَأَعْلَمَ ربُّنا تبارك اسمُه وتعالى ذكرُه الذين خاطَبَهم بهذه الآياتِ مِن
يهودِ بنى إسرائيلَ الذين كانوا بينَ ظَهْرانَىْ مُهاجَرِ رسولِ اللَّهِ يَّرِ، أنهم لن
يَعْدُوا أن يَكُونوا - فى تكذيبِهم محمدًا عَ لَّه، ومجحودِهم نبوَتَه، / وتركهم الإقرارَ
[٩٨/٢ظ] به، وبما جاء به، مع علمِهم به، ومعرفتهم بحقيقةِ أمرِه - كأسْلافِھم
وآبائهم الذين قصَّ اللَّهُ عليهم قَصَصَهم فى ارْتِدادِهم عن دينهم مرةُ بعدَ أخرى،
وتَوَثَِّهم على نبيّهم موسى صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه تارةٌ بعدَ أُخرى، مع عظيمٍ بَلاءِ
اللَّهِ عندَهم، وسُبوغِ آلائِه عليهم .
٢٩٠/١
(١) سقط من: ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) فى الأصل، ت ٣: ((غيره)).
(٣) ثلِجت نفسى بالشىء ثَلَجا، وثلَجت، تثلُج وتثلَج ثلوجا: اشتَفَتْ به واطمأنت إليه. اللسان
( ث ل ج).
(٤) فی ر، م: ((لا)).
(٥ - ٥) فى ر، م، ت ١، ت ٣: ((فصل))، وفى ت ٢: ((فصل اللَّه)).
( تفسير الطبرى ٤٤/١ )
٦٩٠
سورة البقرة : الآية ٥٥
القولُ فى تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّعِقَةُ وَأَنْتُمْ
نَظُونَ
قال أبو جعفرٍ: اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى صفةِ الصاعقةِ التى أخَذَتْهم ؛ فقال
بعضُهم بما حدَّثنا به الحسنُ بنُ يحيى، قال: أُخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أُخْبَرَنا مَعْمَرٌ،
عن قتادةَ فى قولِه: ﴿ فَأَخَذَتْكُمُ الضَعِقَةُ﴾. قال: ماتوا(١).
وحُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ،
عن الربيعِ: ﴿فَأَخَذَتَكُمُ(١) الضَّعِقَةُ﴾. قال: سمِعوا صوتًا فصَعِقوا. يقولُ:
(٣)
ماتوا(٣) .
وقال آخَرون بما حدَّثنی موسى بنُ هارونَ الهَمْدانیُ، قال: ثنا عمرُو بنُ
حمادٍ، قال: ثنا أُسْباطُ، عن الشّدِّىِّ: ﴿ فَأَخَذَتْكُمُ الصَّعِقَةُ﴾: والصاعقةُ
(٤)
وقال آخَرون بما حدَّثْنا به ابنُ حُميدٍ ، قال : ثنا سلمةُ ، عن ابنِ إسحاقَ ، قال :
أُخذَتْهم الرَّجْفةُ، وهى الصاعقةُ، فماتوا جميعًا(٥).
وأصلُ الصاعقةِ كلُّ أمرٍ هائلٍ مَن (١) رآه أو عايته أو أصابه، حتى يَصِيرَ مِن هَوْلِه
(١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٦. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٢/١ (٥٣٨) عن الحسن بن يحيى به.
(٢) فى الأصل، ر، ت ٣: ((فأخذتهم)).
(٣) فى ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فماتوا)).
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٢/١ (٥٣٩) من طريق ابن أبى جعفر به.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٢/١ (٥٤٠) من طريق عمرو به. وستأتى بقيته فى ص ٦٩٥.
(٥) جزء من الأثر المتقدم فى ص ٦٨٤ .
(٦) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
٦٩١
سورة البقرة : الآيتان ٥٥ ، ٥٦
وعَظيم شأنِه إلى هلاك وعطبٍ أو (١) إلى ذَهابِ عقلٍ وغُمورٍ فَهم أو فقدِ بعضِ آلاتِ
الجسم؛ صوتًا كان ذلك أو نارًا أو زَلْزَلَةٌ أو رَجْفًا . ومما يَدُلُّ على أنه قد يَكونُ مَصْعوفًا
وهو حَىٌّ غيرُ ميتٍ، قولُ اللهِ عزَّ وجل: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣].
يعنى مَغْشِيًّا عليه . ومنه قولُ جَرِيرِ بنِ عَطِيَّةً (٢) :
وهل كان الفَرَزْدَقُ غيرَ قِرْدٍ أصابَتْه الصَّواعِقُ فاسْتَدَارًا
فقد عُلِم أن موسى لم يكنْ حين غُشِى عليه وصَعِقٍ ، ميًّا؛ لأن اللَّهَ جلّ ثناؤه
قد أخْبَر عنه أنه لمَّا أفاق قال: ﴿ تُّبْتُ إِلَيْكَ﴾. ولا شَبَّه جَرِيرُ الفَرَزْدِقَ وهو حىٌّ
بالقِرْدِ ميتًا، ولكن معنى ذلك ما وصَفْنا .
ويعنى بقوله: ﴿ وَأَنْتُمْ نَنْظُرُونَ﴾: وأنتم تَنْظُرون إلى الصاعقةِ (" التى
أصابتْكم. يقولُ: أَخَذَتْكم الصاعقةُ عِيانًا٢) جَهارًا وأنتم تَنْظُرون إليها(٤) .
[٩٩/٢ ٥] القولُ فى تأويلٍ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿ثُمَّ بَعَثْتَلَكُمْ مِّنْ بَعْدٍ مَوْتِكُمْ
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
٥٦
يعنى بقوله: ﴿بَعَثْنَكُمْ﴾: أخْيَيْناكم .
وأصلُ البعثِ إثارةُ الشىءٍ مِن مَحَلِّه. ومنه قيل: بعَث فلانٌ راحلته . إذا أثارها
مِن مَبْرَكِها لِتسيرَ، كما قال الشاعرُ:
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((و)).
(٢) ديوانه ٨٨٧/٢.
(٣ - ٣) سقط من : ر .
(٤) إلى هنا ينتهى الخرم بالنسخة ص والمشار إلى بدايته فى ص ٦٨٤.
(٥) فى ر، م: ((للسير)).
(٦) هو النابغة الذبياني، والبيت فى ديوانه ص ٢٥١ .
٦٩٢
سورة البقرة : الآية ٥٦
کرُكْنِ الرَّعْنِ ذِعْلِبَةٌ وَقاحًا
فأبْعَثُها وَهِىَّ صَنِيعُ(١) خَوْلٍ
والرَّعْنُ : مُنْقَطعُ أَنفِ الجبلِ، والذُّعْلِيَةُ: الخفيفةُ، والوَقاحُ : الشديدةُ الحافرِ أو
الخُفِّ. ومِن ذلك قيل: بعَثْتُ فلانًا لحاجتى. إذا أقَمْتَه مِن مكانِه الذى هو فيه
للتَّوَّجُهِ فيها . ومنه قيل ليوم القيامةِ: يومُ البعثِ؛ لأنه يوم يُثارُ الناسُ فيه مِن قبورهم
لموقفِ الحسابِ .
ـد(٢) موتكم بالصاعقةِ التى
/ ويعنى بقولِه: ﴿مِّنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾: مِن بعدِ (١).
أهلكتْكم.
٢٩١/١
وقولُه: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. يقولُ: فعَلْنا ذلك بكم لِتَشْكرونى على ما
أَوْلَيْثُكم مِن نعمتِى عليكم(٢)، بإخيائى إياكم، ( اسْتِيناء منى لكم"؛ لِتُراجِعوا
التوبةَ مِن عظيم ذنبِكم، بعدَ إِحلالى العقوبةَ بكم بالصاعقةِ التى أُخْلَلْتُها بكم ،
فأماتَتْكم بعظيم خطاياكم التى كانت منكم فيما بينكم وبينَ ربِّكم.
وهذا القولُ على تأويلِ مَن تأوَّل قولَه: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَكُم﴾: ثم أخْيَيْناكم.
وقال آخرون: معنى قوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَكُمْ﴾. أى: بعَثْناكم أنبياءَ.
حدَّثنى بذلك موسى بنُّ هارونَ ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ،
(١) صنيع حول : رعت وعلفت حولا حتى سمنت ؛ وصنعة الفرس : حسن القيام عليه ، اللسان
( ص ن ع).
(٢) سقط من : ص .
(٣) سقط من : الأصل .
(٤ - ٤) سقط من: ر، وفى م: ((استبقاء منى لكم))، وفى ت١، ت٢، ت٣: ((استثناء منى لكم)).
واستأنيتُ بفلان: لم أعجله، ويقال: استأن فى أمرك . أى لا تعجل . اللسان (أن ى).
(٥ - ٥) فى ص، م، ت١، ت ٢: ((خطئكم الذى كان))، وفى ر: ((خطاياكم الذى كان)).
٦٩٣
سورة البقرة : الآية ٥٦
. (١)
عن السدىٌ(١).
وتأويلُ الكلام على ما تأوَّله السدىُّ: فأخَذَتْكم الصاعقةُ ، ثم أخْيَيناكم مِن
بعدِ موتِكم، وأنتم(٢) تَنْظُرون إلى إحيائِناكم(٢) مِن بعدِ موتِكم، ثم بعَثْناكم أنبياءَ
لعلكم تَشْكُرون .
وزعَم الشُّدئُّ أن ذلك مِن المُقُدَّمِ الذى معناه التأخيرُ، والمُؤَخَّرِ الذى معناه
التقديمُ .
حدَّثنا بذلك موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ .
وهذا تأويلٌ يَدُلَّ ظاهرُ التلاوةِ على خلافِهِ، مع إجماع أهلِ التأويلِ على
تخطئتِهِ ، فالواجبُ على تأويلِ السدىِّ الذى حكَيْناه عنه أن يكونَ معنى قولِه :
◌َعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: تَشكرونى(٤) على تَصْيِيرى إياكم أنبياءَ.
وكان سببَ قيلِهم لموسى ما أخْبَر اللَّهُ عنهم أنهم قالوه له مِن قولِهم: ﴿لَنْ
ثُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ﴾. ما حدَّثنا به ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلمةٌ () ، عن
محمدِ بنِ إسحاقَ ، قال: لما رجَع [٩٩/٢ظ] موسى إلى قومِه، ورأى ما هم فيه
مِن عبادةِ العِجْلِ، وقال لأخيه وللسامرىِّ ما قال، وحرَّق العجلَ وذرَّاه فى
البحرِ(١) اختار موسى منهم سبعين رجلاً؛ الخََّ فالخيّرَ، وقال: انْطَلِقوا إلى اللَّهِ
(١) سيأتى بتمامه فى ص ٦٩٥ .
(٢) فى الأصل: ((لعلكم)).
(٣) فى م: (( إحيائنا إياكم)).
(٤) سقط من : الأصل .
(٥) فى ر: ((مسلمة)).
(٦) فى م، ت ١، ت٢، ت٣: ((اليم)).
٦٩٤
سورة البقرة : الآية ٥٦
فتُوبوا إليه مما صنَعْتُم، وسَلُوه التوبةَ على مَن ترَكْتُم وراءَكم مِن قومِكم، صوموا
وتطهَّروا وطهِّروا ثيابَكم. فخرَج بهم إلى طُورِ سَيْناءً لميقاتٍ وقَّته له ربُّه ، وكان لا
يأتيه إلا بإذنٍ منه وعلم ، فقال له السبعون - فيما ذُكِر لى - حينَ صنَعوا ما أمرهم
به، وخرَجوا للقاءِ ربِّه، قالوا: يا موسى، اطْلُبْ لنا إلى ربِّك نَسْمَعْ كلامَ ربِّنا .
فقال: أَفْعَلُ. فلما دنا موسى مِن الجبلِ وقَع عليه عمودُ الغَمام) حتى تغَشَّى الجبلَ
كلَّه، ودنا موسى فدخَل فيه، وقال للقوم: ادْنُوا. وكان موسى إذا كلَّمه(١) وقَع على
جَبهتِه نورٌ ساطعٌ لا يَشْتطيعُ أحدٌ مِن بنى آدمَ أَن يَنْظُرَ إليه، فضُرِب دونَه
بالحجاب (١) ، ودنا القومُ حتى إذا دخَلوا فى الغَمامِ وقَعوا سُجودًا، فسمِعوه وهو
يُكَلِّمُ موسى يَأْمُرُه ويَنْهاه : افْعَل ولا تَفْعَلْ. فلما فرَغ إليهُ(٢) مِن أمرِهِ انْكَشَف عن
موسى الغَمامُ ، فأقبل إليهم فقالوا لموسى: ﴿ لَنْ تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ﴾ .
فَأَخذَتْهم الرجفةُ ، وهى الصاعقةُ، فماتوا جميعًا، وقام موسى يُناشِدُ ربَّه ويَدْعُوه
ويَرْغَبُ إليه ويقولُ: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْنَهُم مِّن قَبْلُ وَإِنَّنِيَّ﴾ [الأعراف: ١٥٥].
قد سَفِهوا ، أفْتُهْلِكُ مَن ورائى مِن بنى إسرائيلَ بما فعَل" الشُّفهاء منا؟ - أى: إن
هذا لهم هَلاكٌ - اخْتَوْتُ منهم سبعين رجلاً، الخيّرَ فالخيّرَ، أَرْجِعُ إليهم
وليس معى منهم رجلٌ واحدٌ، فما الذى يُصَدِّقونى به أو يَأْمَنونى عليه بعدَ
هذا؟ ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]. فلم يَزَلْ موسى يُناشِدُ ربَّه (" ويسألُه(٧)
(١ - ١) فى ص: ((عمود غمام))، وفى م، ت١، ت٢، ت٣: ((الغمام)).
(٢) بعده فى م : (( ربه)).
(٣) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((الحجاب)).
(٤) سقط من : ص ، م .
(٥) فى م: ((وانكشف)).
(٦ - ٦) فى م: ((بما تفعل)). وفى ت ١: ((مما يفعل))، وفى ت٢: ((بما تفعل)).
(٧ - ٧) سقط من: م، ت١، ت٢، ت٣.
٦٩٥
سورة البقرة : الآية ٥٦
ويَطْلُبُ إليه ، حتى ردَّ إليهم(١) أرواحَهم، وطلَب إليه التوبةَ لبنى إسرائيلَ مِن عبادةٍ
العِجْلِ، فقال: لا ، إلا أن يَقْتُلوا أنفسَهم(١).
٢٩٢/١
/ حدَّثنى موسى بنُ هارونَ ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسْباطُ بنُ
نصرٍ، عن السدىِّ : لما تابَت بنو إسرائيلَ مِن عبادةِ العِجْلِ، وتاب اللَّهُ عليهم بقتلٍ
بعضِهم بعضًا كما أمَرَهم به ، أمَر اللَّهُ تعالى موسى أن يَأْتِيَه فى ناسٍ مِن بنى إسرائيلَ
يَعْتَذِرون إليه مِن عبادةِ العِجْلِ، ووعَدَهم مؤعِدًا، فاختار موسى مِن قومِه سبعين
رجلًا على عَيْنِهِ، ثم ذهَب بهم ليَعْتَذِروا، فلما أتَوْا ذلك المكانَ قالُوا: ﴿لَن تُؤْمِنَ
لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةٌ ﴾. فإنك قد كلَّمْتَه فأرِناه، فأخَذَتْهم الصاعقةُ فماتوا،
فقام موسى يَبْكِى ويَدْعُو اللَّهَ ويقولُ: ربِّ ماذا أقولُ لبنى إسرائيلَ إذا أتَيْتُهم وقد
أَهْلَكْتَ خِيارَهم؟ ﴿ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْنَهُم مِّنِ قَبْلُ وَإِنَنّ ◌َتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ
الشُّفَهَاءُ مِنًَّ﴾. فأُؤْحَى اللَّهُ إلى موسى: إن هؤلاء السبعين ممّن اتَّخَذ العِجْلَ.
فذلك حينَ يقولُ [١٠٠/٢ و] موسى: ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا فِتْنَئُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِى
مَن تَشَاءُ﴾ "إلى قَولِه): ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٥، ١٥٦]. وذلك
قولُه: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى لَن تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّعِقَةُ﴾ .
ثم إن اللَّهَ أخْياهم فقاموا وعاشوا رجلا رجلاً(١)، يَنْظُرُ بعضُهم إلى بعضٍ كيف
يَحْيَوْنَ، فقالوا : يا موسى أنت تَدْعُو اللَّهَ فلا تَسْألُهُ(١) شيئًا إِلا أَعْطاك، فادْعُه يَجْعَلْنا
(١) فى ص: ((إليه)).
(٢) تقدم تخريجه فى ص ٦٨٤ .
(٣ - ٣) زيادة من تاريخ الطبرى.
(٤) بعده فى تاريخ الطبرى: ((يقول: تبنا إليك)).
(٥) سقط من : ص .
(٦) فى ص: (( تطلب)).
٦٩٦
سورة البقرة : الآية ٥٦
أنبياءَ، فدعا اللَّهَ فجعَلهم أنبياءَ، فذلك قوله: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَكُم مِّنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ ﴾
ولكنه قدَّم حرفًا وأخَّر حرفًا(١).
حدَّثنى يونسُ ، قال : أنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ : قال لهم موسى - لما
رجَع مِن عندِ ربِّه بالألواح قد كُتِب فيها التوراةُ ، فوجَدَهم يَعْبُدون العِجْلَ، فأمَرّهم
بقتلِ أنفسِهم ففعلوا ، فتاب اللَّهُ عليهم(٢) - : إن هذه الألواحَ فيها كتابُ اللَّهِ ، فيه أمرُه
الذى أمَرَكم به (١) ، ونَهْيُه الذى نهاكم عنه. فقالوا: ومَن يَأْخُذُه بقولِك أنت ! لا واللهِ
حتى نَرَى اللَّهَ جَهْرةً، حتى يَطْلُعَ اللَّهُ إِلينا(٤) فيقولَ: هذا كتابى فخُذُوه، فما له لا
يُكَلِّمُنا كما كَلَّمك(٥) أنت يا موسى، فيقولُ: هذا كتابى فخُذوه؟ وقرَأْ قولَ اللَّهِ
تعالى: ﴿لَنْ تُؤْمِنَ لَكَ حَّ نَى اللَّهَ جَهْرَةً ﴾. قال: فجاءت غَضْبةٌ مِن اللَّهِ،
فجاءَتْهم صاعقةٌ بعدَ التوبةِ ، فصَعَقَتهم فماتوا أجْمَعُون . قال : ثم أحياهم اللَّهُ مِن بعدِ
موتِهم . وقرَأَقولَ اللَّهِ تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَكُم مِّرْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. فقال
لهم موسى : خُذوا كتابَ اللَّهِ . فقالوا: لا. فقال: أىُّ شىءٍ أصابَكم؟ قالوا: أصابنا أنَّا
مِتناثم حَيِينا . قال: خُذوا كتابَ اللَّهِ . فقالوا: لا. قال: فبعَث اللَّهُ ملائكةٌ فَتَقتِ الجبلَ
(٦)
فوقَهم (١) .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن
ثُمَّ بَعَثْنَكُم مِّنْ بَعْدِ
قَتَادَةَ فى قولِه: ﴿ فَأَخَذَتْكُمُ الصَّحِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ لِمَّ)
(١) أخرجه المصنف فى تاريخه ٤٢٨/١، ٤٢٩ عن موسى بن هارون به عن السدى بإسناده .
(٢) بعده فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((فقال)).
(٣) سقط من : الأصل .
(٤) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((علينا)).
(٥) سقط من : ص، م .
(٦) ذكره ابن کثیر فی تفسیره ١٣٣/١ عن ابن زید .
٦٩٧
سورة البقرة : الآية ٥٦
مَوْتِكُمْ﴾. قال: أَخَذَتْهم الصاعقةُ، ثم بعثهم اللَّهُ ليُكْمِلوا بقيةَ آجالِهم(١).
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ
ابنِ أنسٍ فى قولِه: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الضَّعِقَةُ﴾. قال: هم السبعون الذين اخْتَارَهم
موسى فساروا معه. قال: فسمِعوا كلامًا، فقالوا: ﴿لَن تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ
جَهْرَةٌ﴾. قال: فسمِعوا صوتًا فصَعِقوا. يقولُ: ماتوا(٢) . فذلك قوله: ﴿ثُمَّ
بَعَثْنَكُمْ مِّنْ بَعْدِ [١٠٠/٢ ظ] مَوْتِكُمْ﴾. فبُعِثُوا مِن بعدِ موتِهم؛ لأن موتَهم ذاك كان
/ عقوبةً لهم، فبُعِثوا لبقيةٍ آجالِهم (١).
٢٩٣/١
فهذا ما رُوِى فى السببِ الذى مِن أجلِه قالوا لموسى: ﴿لَنْ تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَ
اُللَّهَ جَهْرَةً ﴾ .
ولا خبرَ عندَنا بصحةِ شىءٍ مما قاله مَن ذكَرْنا قولَه فی سببٍ قِيلِهم ذلك لموسى
تقومُ به حجةٌ (" فيُسَلَّمَ لهُ) ، وجائزٌ أن يكونَ ذلك بعضَ ما قالوه ، فإذا كان لا خبرَ
بذلك تقومُ به محُجةٌ ، فالصوابُ مِن القول فيه أن يقالَ: إن اللَّه تعالى ذكرُه قد أخْبَر
عن قومٍ موسى أنهم قالوا له: ﴿يَمُوسَى لَن تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾. كما
أخْبَر عنهم أنهم قالوه، وإنما أَخْبَرِ اللَّهُ بذلك عنهم الذين خُوطِبوا بهذه الآياتِ تَوْبيخًا
(١) تفسير عبد الرزاق ٤٦/١. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٢/١ (٥٤٣) عن الحسن بن يحيى به.
(٢) بعده فى الأصل: ((قوله: ﴿ثم بعثناكم من بعد موتكم﴾. قال: أخذتهم الصاعقة ثم بعثهم الله ليكملوا
بقية آجالهم ... حدثنا إسحاق، قال: حدثنى ابن أبى جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس فى قوله :
﴿فأخذتكم الصاعقة﴾. قال: هم السبعون الذين اختارهم موسى فساروا معه فقالوا: ﴿لن نؤمن لك حتى
نرى الله جهرة﴾. فصعقوا. يقول: ماتوا)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٢/١ (٥٣٩، ٥٤٤) من طريق ابن أبى جعفر به.
(٤ - ٤) فى م: ((فتسلم لهم)).
٦٩٨
سورة البقرة : الآيتان ٥٦ ، ٥٧
لهم على كفرهم بمحمدٍ مَّالمِ ، وقد قامت حجَتُه على مَن احتجّ به عليه، ولا
حاجةً لمن انْتَهَت إليه إلى معرفة السببِ الداعى كان (١) لهم إلى قيل ذلك، وقد قال
الذين أُخْبَرنا عنهم الأقوالَ التى ذكَرْناها ، وجائزٌ أن يكونَ بعضُها حقًّا كما قالوا .
القولُ فى تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ .
قال أبو جعفرٍ: ﴿ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾. عطفٌ على قولِه: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَكُم
مِّرْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾. فتأويلُ الآيةِ: ثم بعَثْناكم مِن بعدِ موتِكم، وظلّلنا عليكم
الغَمامَ - وعدَّد عليهم سائرَ ما أَنْعَم به عليهم - لعلكم تَشْكُرون .
والغَمامُ جماعُ غَمامةٍ، كما السَّحابُ جماعُ سَحابةٍ، والغَمامُ هو ما غَمَّ
السماءَ فَأَلْبَسَها ، مِن سَحابٍ وَقَامٍ ، وغيرِ ذلك مما يَسْتُوُها عن أعينِ الناظرين، وكلُّ
مغطّى (" فإن العرب٣َ) تُسَمِّيه مَغْمومًا .
وقد قيل: إن الغَمامَ التى ظلَّلها اللَّهُ على بنى إسرائيلَ لم تَكنْ(٤) سَحابًا .
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ
أبى نَجيح، عن مُجاهِدٍ قولَه: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ ﴾. قال: ليس
بالسَّحابِ (٥) .
حدَّثْنا المُثُنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذَيفةً، قال: حدَّنا شِئْلٌ، عن ابنِ أبى تَجِيحٍ،
(١ - ١) فى الأصل، ص، ر: ((فقد).
(٢) سقط من: م .
(٣ - ٣) فى ص: ((فالعرب)).
(٤) فى الأصل ، ر: ((يكن)).
(٥) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٣٤/١ عن الثورى به .
٦٩٩
سورة البقرة : الآية ٥٧
عن مُجاهِدٍ قولَه: ﴿ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾. قال: ليس بالسَّحابِ(١)، هو
الغَمامُ الذى يَأْتَى اللَّهُ فيه يومَ القيامةِ، لم یکنْ إلا لهم " .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو ، قال : حدَّثنا أبو عاصم ، قال : حدّثنا عيسى ، عن ابنِ
أبى نَجيح، عن مُجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ جلَّ وعزَّ: ﴿ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ ﴾ . قال:
هو بمنزلةِ الشَّحابِ .
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ،
قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾. قال: غَمَامٌ أبْرَدُ مِن هذا
٥
وأطيبُ، وهو الذى يَأْتَى اللَّهُ جلَّ وعزَّ فيه يومَ القيامةِ. فى قوله: ﴿فِ ظُلَلِ مِّنَ
اَلْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]. وهو الذى جاءَت فيه الملائكةُ يومَ بدرٍ. قال ابنُ عباسٍ :
و کان معهم فى القِیهِ (٤) .
وإذ كان معنى الغَمامِ ما وصَفْنا ، مما غمَّ السماءَ مِن شىءٍ فغطى وجهها عن
الناظرِ إليها، فليس / الذى ظلَّله اللَّهُ على بنى إسرائيلَ فوصفه بأنه كان غَمامًا ، بأَوْلَى
بوصفِه إياه بذلك أن يكونَ سَحابًا ، منه بأن يكونَ غيرَ ذلك مما ألْبَس وجهَ السماءِ مِن
شیءٍ .
٢٩٤/١
وقد قيل: إنه ما ابيضَّ مِن السَّحابِ (١) .
(١) بعده فى ص: (( وبإسناده عن مجاهد قال ليس بالسحاب)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٣/١ (٥٤٩) من طريق أبي حذيفة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٧٠/١ إلی و کیع وعبد بن حميد .
(٣) فى الأصل: ((ظل)).
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٣٤/١ عن الحسين به. وأخرج ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٣/١ (٥٥٠)
بإسناده عن ابن جريج، قال : قال آخرون : هو غمام أبرد من هذا وأطيب .
(٥) بعده فى الأصل طمس مقداره ست كلمات .
٧٠٠
سورة البقرة : الآية ٥٧
[١٠١/٢ ] القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ﴾ .
اختلف أهلُ التأويلِ فى صفةِ المنِّ ؛ فقال بعضُهم بما حدّثنی به محمدُ بنُ عمرو ،
قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا عیسی ، عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهدٍ فی قولٍ
اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ﴾. قال: الَّ صَفْغَةٌ (١).
وحدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو محذَيفةَ، قال: حدَّثنا شِئْلٌ، عن ابنِ أبى تَجِيحٍ،
عن مُجاهِدٍ مثلَه .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ
فى قوله: ﴿ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ﴾. يقولُ: كان المنّ يَنْزِلُ عليهم مثلَ الثلجُ" .
وقال آخرون : هو شَرابٌ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی المثنی ، قال : حدثنا إسحاقُ ، قال : حدثنا ابنُ أبی جعفر ، عن أبيه ، عن
الربيعِ بنِ أنسٍ ، قال: المنُّ شرابٌ كان يَنْزِلُ عليهم مثل العسلِ، فَيَمْزُجونه بالماءِ ثم
(٣)
يَشْرَبونه(١).
وقال آخرون : المنُّ عسلٌ .
(١) تفسير مجاهد ص ٢٠٣، ومن طريقه عبد بن حميد والفريابى، كما فى تغليق التعليق ١٧٣/٤.
وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٤/١ (٥٥٣) من طريق سفيان، عن ابن أبى نجيح به . وعزاه السيوطى
فى الدر المنثور ٧٠/١ إلى وكيع.
(٢) تفسير عبد الرزاق ٤٦/١. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٤/١ (٥٥٦) من طريق سعيد بن بشير،
عن قتادة ، مطولا .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٥/١ (٥٥٨) من طريق ابن أبى جعفر به.