Indexed OCR Text

Pages 561-580

٥٦١
سورة البقرة : الآية ٣٦
وأولى القراءتَيْن بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأَه: ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾؛ لأن الله تعالى ذكرُه
قد أُخْبَر فى الحرفِ الذى يتْلُوه بأنَّ إبليسَ أُخرَجَهُما مما كانا فيه، وذلك هو مَعْنى
قوله : (فأزالهما )(١). فلا وجه - إذ كان معنى الإزالةِ معنى التَّنْحِيةِ والإخراج - أن
يُقالَ: (فأزالهما الشيطانُ عنها فأَخْرَجَهما مما كانا فيه ) فيكونُ كقوله: فأزالهما
الشيطانُ عنها فأزالهما مما كانا فيه . ولكنِ المعنى المفهومُ أن يُقالَ: فاسْتَزَلَّهما إبليسُ
عن طاعةِ اللَّهِ - كما قال تعالى ذكرُه: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾. وقرَأَت به القَرأَةُ -
فأخْرَجَهما باسْتِزْلالِه إياهما عن(٢) الجنةِ .
فإن قال قائلٌ: وكيف كان اسْتِزْلالُ إبليسَ آدمَ وزوجتَه عليهما السلامُ ، حتى
أُضِيفَ إليه إخراجهما مِن الجنةِ ؟
قيل : قد قالت العلماءُ فى ذلك أقوالا سنَذْكُرُ بعضَها .
فحکِی عن وهب بنِ مُنبِّهِ فی ذلك ما حدَّثنا به الحسنُ بُ یحیی ، قال : أُخْبَرنا
عبدُ الرزاقِ ، قال: أَخْبَرنا عمرُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ مُهْرِبٍ ، قال: سمِعْتُ وهْبَ
ابنَ مُنَبِّهِ يقولُ: لَّ أَسْكَن اللَّهُ آدمَ وذريته، أو زوجتَه - الشكُّ مِن أبى جعفرٍ، وهو فى
أصلٍ كتابِه : وذريته - ونهاه عن الشجرةِ ، وكانت شجرةً غُصونُها مُتَشَعِّبُ بعضُها
فى بعضٍ ، وكان لها ثمرٌ تَأْكُلُه الملائكةُ لُخُلُدِهم، وهى الثمرةُ التى نهَى اللَّهُ عنها آدمَ
وزوجته، فلمّا أراد إبليسُ أن يَستَزِلَّهما ، دخَل فى جوفِ الحيّةِ، وكانت للحيَّةِ أربعُ
قَوائِمَ كأنها بُخْتِيَّةٌ() مِن أحسنِ دابةٍ خلقها اللَّهُ جلَّ ثناؤه، فلمّا دخَلَت الحيةُ الجنةَ ،
(١) فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((فأزلهما)).
(٢) فى م: ((من)).
(٣) فى م: ((عمرو)).
(٤) البختية : الأنثى من الجمال البُخْتِ ، والذكر بختىٌّ، وهى جمال طوال الأعناق، وتجمع على بُخْت
( تفسير الطبرى ٣٦/١ )
وبخاتى - غير مصروف - واللفظة معربة. النهاية ١٠١/١.

٥٦٢
سورة البقرة : الآية ٣٦
خرَج مِن جوفِها إبليسُ، فأخَذ مِن الشجرةِ التى [٦١/٢ظ] نهَى اللَّهُ عنها آدمَ
وزوجته، فجاء بها (١) إلى حَوَّاءَ، فقال: انظُرى إلى هذه الشجرةِ ، ما أطيبَ ريحَها،
وأطيبَ طعمَها، وأحسنَ لونَها! فأخَذَت حواءُ فأكَلَت منها، ثم ذهَبَت بها إلى
آدمَ ، فقالت : انظُرْ إلى هذه الشجرةِ، ما أطيبَ ريحَها، وأطيبَ طعمَها، وأحسنَ
لونَها! فأكّل منها آدمُ، فبدَت لهما سَواتُهما، فدخَل آدمُ فى جوفِ الشجرةِ ،
فناداه ربُّه: يا آدمُ، أين أنت؟ قال: أنا هذا(٢) يا ربِّ. قال: ألا تَخرُجُ؟ قال:
أَسْتَخْبِى منك يا ربِّ. قال: ملعونةٌ الأرضُ التى خُلِقْتَ منها لعنةً ("تَتَحوَّلُ ثمارُها٣)
شوكًا. قال: ولم يَكُنْ فى الجنةِ ولا فى الأرضِ(٤) شجرةٌ كان أفضلَ مِن الطَّلْح
والسِّدْرِ. ثم قال: يا حَوَّاءُ، أنت التى غرَرْتِ عبدى، فإنك لا تَحْمِلين حَمْلًا إلا
حَمِلْتِهِ كَرْهًا ، فإذا أرَدْتِ أَن تَضَعِى ما فى بطنِكِ أَشْرَفْتِ على الموتِ مِرارًا . وقال
للحيّةِ : أنتِ التى دخَل الملعونُ فى جوفِكِ، حتى غرّ عبدِى، ملعونةٌ أنتِ لعنةٌ تَتَحَوَّلُ
قَوائِمُك فى بطنِكِ، °ولا يكونُ) لك رزقٌ إِلا الترابُ، أنت عدوَّةُ بنى آدمَ ، وهم
أعداؤُكِ ، حيثُ لقيتٍ أحدًا منهم أخَذْتِ بعَقِبِهِ، وحيثُ لِقِيَكِ شدَخ رأسَكِ . قال
عمرُ(١) : قيل لوهبٍ: وما كانت الملائكةُ تَأْكُلُ؟ قال: يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ(٧).
وقد رُوِى عن ابنِ عباسٍ نحوُ هذه القصةِ .
(١) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ( به)).
(٢) فى م، ت ٢: ((هنا)).
(٣ - ٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يتحول ثمرها)).
(٤) فى ص: (( السماء)).
(٥ - ٥) فى ص، م، ت١، ت٢، وتاريخ المصنف: ((لا يكن))، وفى ت٣: ((لم يكن)).
(٦) فى م : ((عمرو)).
(٧) تفسير عبد الرزاق ٢٢٦/١، وأخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ١٠٨، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٧/١
(٣٨٢) - مختصرا - عن الحسن بن يحيى به. وعندهم: لما أسكن الله آدم وزوجته الجنة . بدون شك.

٥٦٣
سورة البقرة : الآية ٣٦
حدَّثنی موسی ، قال : حدّثنا عمرو ، قال : حدّثنا أسباطُ ، عن السدِّئِّ فی خبرٍ
ذكَره عن أبى مالكِ ، وعن أبى صالح، عن ابن عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ ،
وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ◌َّهِ: لما قال اللَّهُ لآدمَ: ﴿أَسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا
مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ / شِئْتُمَا وَلَا نَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. أراد إِبليسُ أن ٢٣٦/١
يَدْخُلَ عليهما الجنةَ ، فمنَعَه الخَزَنَةُ، فَأَتَى الحيةَ - وهى دابةٌ لها أربعُ قَوائِمَ ، كأنها
البعيرُ، وهى كأحسنِ الدوابٌ - فكلَّمها أن تُدْخِلَه فى فُقْمِها(١) حتى تَدْخُلَ به إلى
آدمَ، فأدْخَلَته فى فُقْمِها(١) - "قال أبو جعفرٍ: والفُقْمُ جانبُ الشِّدْقِ) - فمرّت الحيةُ
على الخَزَنةِ فدخَلَت ولا يَعْلَمون، لِما أراد اللّهُ مِن الأمرِ. فكلَّمه مِن قُقْمِها (٤) ، فلم يُبالِ
كلامَهُ(٥) ، فخرج إليه، فقال: ﴿يَتَعَدَمُ هَلْ أَدُلُكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكِ لَّا يَبْلَى﴾
[ طه: ١٢٠]. يقولُ: هل أَدُلُّك على شجرةٍ إن أكَلْتَ منها كنتَ مَلِكًا مثلَ اللهِ عزَّ
وجلَّ، أو تكونا مِن الخالدِين فلا تَموتان أبدًا. وحلَف لهما باللّهِ: ﴿إِنِ لَكُمَا لَمِنَ
النَّصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١]. وإنما أراد بذلك لِيُبْدِىَ لهما ما تَوَارَى عنهما مِن
سَوْءاتِهما بهَتْكِ لباسِهما ، وكان قد علِم أن لهما سَوْأَةً، لِمَا كان يَقْرَأُ مِن كتبٍ
الملائكةِ ، ولم يَكُنْ آدمُ يَعْلَمُ ذلك، وكان [٦٢/٢و] لِباسُهما الظُّفْرَ، فَأَتَى آدمُ أن
يَأْكُلَ منها، فتقَدَّمَت حَوَّاءُ فَأَكَّلَت، ثم قالت: يا آدمُ كُلْ، فإنى قد أُكَلْتُ فلم
يَضُرَّنى. فلمَّا أَكَل آدمُ بَدَت لهما سوءاتُهما، وطَفِقًا يَخْصِفان عليهما مِن ورقٍ
(٦)
الجنة ) .
(١) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، وتاريخ المصنف، والدر المنثور: ((فمها)).
(٢) فى م، ت١، ت٢، ت٣، والتاريخ، والدر: ((فمها)).
(٣ - ٣) سقط من: م، ت١، ت٢، ت٣.
(٤) فى م: ((فمها))، وفى ت١، ت٢، ت٣: ((فمه)).
(٥) فى م، والدر: ((بكلامه)).
(٦) أخرجه المصنف فى تاريخه ١٠٦/١، ١٠٧. وأخرجه ابن عساكر فى تاريخه ٤٠٢/٧ من طريق عمرو =

٥٦٤
سورة البقرة : الآية ٣٦
حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ،
قال : حدّثنی مُحدِّث أن الشيطان دخل الجنةً فى صورةٍ دابةٍ ذاتِ قوائم ، فکان یُری
أنه (١) البعيرُ، قال: فُعِن، فسقَطت قوائمُه فصار حيَّةً(٢).
حُدِّثت عن عمارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال :
وحدَّثنى أبو العاليةِ أن مِن الإبلِ ما كان أوَّلُها مِن الجنِّ. قال: فَأَبِيحَت له الجنةُ كلُّها
إلا الشجرةَ، وقيل لهما (٢): ﴿ لا نقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الَّلِينَ﴾ قال: فَأتَى
الشيطانُ حَوَّاءَ، فبدَأ بها، فقال: أنُهِيتُما عن شىءٍ؟ قالت: نعم، عن هذه
الشجرةِ. فقال: ﴿ مَا نَهَكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ
الْخَلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠]. قال: فبدَأَت حواءُ فأكَلَت منها، ثم أَمَرَت آدمَ فأكّل
منها. قال: وكانت شجرةً مَن أكّل منها أحدَث. قال: ولا يَنْبَغِى أَن يَكونَ فى الجنةِ
حَدَثٌ. قال: ﴿فَأَزَلَّهُمَا(٤) الشَّيْطِنُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَا كَانَا فِيَّةٍ﴾. قال: فأخْرج
آدمُ مِن الجنةِ(٥).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، قال: حدَّثنا ابنُ إسحاقَ ، عن بعضِ أهلِ
العلم ، أن آدمَ حينَ دخَل الجنةَ ورأَى ما فيها مِن الكَرامةِ وما أَعْطاه اللّهُ منها ، قال : لو
= ابن حماد به. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٥١/٥ (٨٢٩٤، ٨٢٩٥، ٨٢٩٨) من طريق
عمرو بن حماد به ، عن السدى من قوله مختصرًا .
(١) فى ت٣: ((كأنه)).
(٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ١٠٩/١ .
(٣) فى ص: (( له)).
(٤) فى الأصل، ص: ((فأزالهما)). وهى قراءة حمزة كما تقدم.
(٥) أخرجه المصنف فى تاريخه ١٠٩/١، ١١٠.
.

٥٦٥
سورة البقرة : الآية ٣٦
أن خُلْدًا كان. "فاغْتَمَر فيها؟ منه الشيطانُ لمَّا سِمعَها منه، فأتاه مِن قِبَلِ الخُلْدِ(١).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ ، قال: حُدِّثْتُ أن أولَ
ما ابْتَدَأهما به مِن كيدِه إياهما أنه ناح عليهما نِياحَةٌ(٢) حَزَّنتهما(٢) حينَ سمِعاها ،
فقالا له: ما يُئِكِيك؟ قال: أَبْكِى عليكما؛ تَمُوتان فتُفارِقان ما أنتما فيه مِن النعمةِ
والكرامةِ. فوقَع ذلك فى أنفسِهما، ثم أتاهما فوَسْوَس إليهما، فقال: ﴿يَادَمُ هَلْ
أَدُلُكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكِ لََّ يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠]. وقال: ﴿مَا نَهَنَكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ
وَقَاسَمَهُمَا إِ لَكُمَا لَمِنَ
هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُنَا مِنَ الْخَالِدِينَ
النَّصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠، ٢١]. أى: تكونان ملَكَين، أو تَخلُدان - إن لم تكونا
ملَكَين - فى نعمةِ الجنةِ، فلا تَمُوتان. يقولُ اللّهُ جل ثناؤه: ﴿فَدَلَّنْهُمَا بِغُرُورٍ﴾(١)
[ الأعراف: ٢٢].
/ وحدَّثنى يونُسُ [٢/ ٦٢] بنُ عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال : قال
ابنُ زيدٍ : وسْوَس الشيطانُ إلى حَوَّاءَ فى الشجرةِ حتى أتَى بها إليها ، ثم حسَّنها فى عينٍ
آدمَ. قال: فدعاها آدمُ لحاجتِه. قالت: لا، إلا أن تَأْتىَ هدهنا. فلما أتَى قالت: لا ، إلا
أن تَأْكُلَ مِن هذه الشجرةِ. قال: فأكَلا منها فبدَت لهما سَوءاتُهما. قال: وذهَب آدمُ
هاربًا فى الجنةِ ، فناداه ربُّه: يا آدمُ ، أمنِّى تَفِرُ؟ قال: لا يا ربِّ، ولكن حَياءً منك.
قال : يا آدمُ، أَنَّى أَتِيتَ؟ قال: مِن قِبَلِ حواءَ أى ربِّ. فقال اللّهُ: فإن لها علىَّ أن أُذْمِيَها
٢٣٧/١
(١ - ١) فى م: ((فاغتنمها)). وقوله اغتمز فيها: يقال: سمعت منه كلمة فاغتمزتها فى عقله ، وأغمزت فيه ،
أى : وجدت فيه ما يستضعف لأجله . أساس البلاغة (غ م ز).
(٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ١١٠.
(٣) فى ت ٢، ت ٣: ((مناحة)).
(٤) فى م، وتاريخ المصنف: ((أحزنتهما)). وفى نسختين من نسخ التاريخ كالمثبت هنا.
(٥) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ١١٠، ١١١.
٠,٠

٥٦٦
سورة البقرة : الآية ٣٦
فى كلِّ شهرٍ مرةً كما دَمَّتْ(١) هذه الشجرةَ، وأن أَجْعَلَها سَفِيهةٌ ، فقد كنتُ خلَقْتُها
حَلِيمةً ، وأن أَجْعَلَها تَحْمِلُ كَوْهَا وَتَضَعُ كَرْهًا، فقد كنتُ جعَلْتُها تَحْمِلُ يُشْرًا (١) وتَضَعُ
يُشْرّا(٢) . قال ابنُ زيدٍ: ولولا البَليَّةُ التى أصابَتْ حَوَّاءُ لَكان نساءُ الدنيا لا يَحِضْنَ،
ولَكُنَّ حَليماتٍ، وكُنَّ يَحْمِلْنَ يُسْرًا(١) ويَضَعْنَ يُشْرًا(٢).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: حدَّثنا سلمةُ ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ ، عن يزيدَ بنِ عبدِ
اللّهِ بنِ قُسَيْطٍ، عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ ، قال: سمِعْتُه يَخْلِفُ باللهِ ما يَسْتَثْنى: ما أكَّل
آدمُ مِن الشجرةِ وهو يَعْقِلُ، ولكنّ حَوَّاءَ سقَتْه الخمرَ، حتى إذا سكِر قادَتْه إليها
(٣)
فأكَلِ(٣) .
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ ، عن ليثِ بنِ أبي
سُلَيْمٍ ، عن طاوسٍ اليَمانيّ ، عن ابنِ عباسٍ ، قال: إن عدُوَّ اللهِ إبليسَ عَرَض نفسَه
على دَوابِ الأرضِ أنها تَحْمِلُه حتى تَدْخُلَ به(٤) الجنةً(*) حتى(٦) يُكَلِّمَ آدمَ وزوجته ،
فكلُّ الدوابٌّ أتَى ذلك عليه، حتى كلَّم الحيّةَ، فقال لها : أَمْتَعُكِ مِن ابنِ آدمَ،
فأنتِ فى ذِمَّتى إن أنتِ أُدْخَلْتِنى الجنةَ . فجعَلَتْه بينَ نابينٍ مِن أنيابِها ، ثم دخَلَت به ،
فكلَّمَهما مِن فيها، وكانت كاسيةً تَمْشِى على أربع قَوائِمَ ، فأعْراها اللّهُ وجعَلها
-
(١) فى م: ((أدميت))، وفى تاريخ المصنف: ((أدمت)). والمثبت هنا والذى فى التاريخ كلاهما بمعنى، وينظر
التاج (د م ی).
(٢) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يسيرا)).
والأثر أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ١١١. وتقدم طرف منه فى ص ٤٢١.
(٣) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ١١١، ١١٢ مطولا .
(٤) سقط من : م .
(٥) بعده فى الأصل، ص، ت١، ت٢، ت٣: ((معه)، وبعده فى م: (( معها)).
(٦) فى م: (( و)).

٥٦٧
سورة البقرة : الآية ٣٦
تْشِى على بطنِها. قال: يقولُ ابنُ عباس: اقْتُلُوها حيث وجَدْتُوها، أخْفِروا ذِمَّةً
عدوٌّ اللهِ فيها (١) .
حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ ، قال: حدَّثْنا سلمةُ، قال: قال ابنُ إسحاقَ: وأهلُ التَّوراةِ
يَدْرُسون : إنما كلَّم آدمَ الحيةُ. ولم يُفسِّروا کتفسیرِ ابنِ عباسٍ .
حدَّثنا القاسمُ ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجٌ، عن أبى مَعْشَرٍ ،
عن محمدِ بنِ قيسٍ ، قال: نهَى اللهُ آدمَ وحوَّاءَ أن يَأْكُلا مِن شجرةٍ واحدةٍ فى الجنةِ ،
ويَأْكُلا منها(٢) رَغَدًا حيث شاءا، فجاء الشيطانُ فدخَل فى [٦٣/٢ و] جوفِ الحيةِ ،
فكلَّم حَوَّاءَ، ووسْوَس(١) إلى آدمَ، فقال: ﴿ مَا نَهَنَكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّ أَنْ
وَقَاسَمَهُمَا إِنِّى لَكُمَا لَمِنَ النَّصِحِينَ﴾ [الأعراف:
تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَلِينَ
٢٠، ٢١]. قال: فقطَعت ) حَوَّاءُ الشجرةَ، فَدَمِيَت الشجرةُ، وسقَط عنهما رياشُهما
الذى كان عليهما، ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِّ وَنَادَهُمَا رَيُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا
عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَاعَدُوٌ مُِّينٌ ﴾ [الأعراف: ٢٢]. لمَ أَكَلْتَها
وقد نهَيْتُك عنها؟ قال: ياربٌّ، أَطْعَمَتْنِى حَوَّاءُ. قال لحَوَّاءَ: لِمَ أَطْعَمْتِه؟ قالت :
أمَرَتْنِى الحيةُ. قال للحيةِ: لمَ أُمَرْتِها؟ قالت: أَمَرَنى إبليسُ. قال: ملعونٌ
مَدْحورٌ؛ أما أنت يا حَوَّاءُ فكما أَدْمَيْتِ الشجرةَ، تَدْمَيْن(٥) فى كلِّ هلالٍ، وأما
٢٣٨/١
أنت يا حَيَّةُ فَأَقْطَعُ / قَوَائمَك، فتَمْشِين جوًّا(٩) على وجهِك، وسيَشْدَخُ رأسَك مَن
(١) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ١٠٧، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٣/١ إلى عبد الرزاق.
(٢) فى ر: ((من الجنة)).
(٣) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((الشيطان)).
(٤) فى م: ((فعضت)) .
(٥) فى م: ((فتدمين)).
(٦) سقط من: ر. وفى م، وتاريخ المصنف: ((جريا))، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((جرى)).

٥٦٨
سورة البقرة : الآية ٣٦
لَقِيَكِ بالحجرِ، اهْبِطوا بعضُكم لبعضٍ عدُوٌّ(١).
فقد رُوِيَت هذه الأخبارُ - عمَّن روَيْناها عنه مِن الصحابة والتابعين وغيرِهم -
فى صفةِ استزلالٍ إبليسَ عدوٌّ اللّهِ آدمَ وزوجتَه حتى أخْرَجَهما مِن الجنةِ .
قال أبو جعفرٍ: وأولى ذلك بالحقِّ عندَنا ما كان لكتابِ اللّهِ مُوافِقًا، وقد
أُخْبَر اللّهُ تعالى ذكرُه عن إبليسَ أنه وسْوَس لَآدَمَ وزوجتِه لِيُبْدِىَ لهما ما ؤُورِى
عنهما مِن سَوْءاتِهما، وأنه قال لهما: ﴿ مَا نَهَنَكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّ
أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَلِينَ﴾. وأنه قاسَمهما: ﴿إِنِّى لَكُمَا لَمِنَ
التّصِحِينَ﴾. مُدَلَّيًا لهما بغُرورٍ. ففى إخبارِ اللَّهِ تعالى ذكرُه عن عدوٌّ اللهِ أنه
قاسَم آدمَ وزوجتَه بقيلِه لهما: ﴿إِ لَكُمَا لَمِنَ النَّصِحِينَ﴾. الدليلُ الواضحُ
على أنه قد باشَر خطابَهما بنفسِه، إما ظاهرًا لأعينِهما، وإما مُسْتَجِنًّا فى غيرِهِ،
وذلك أنه غيرُ معقولٍ فى كلامِ العربِ أن يُقالَ: قاسَم فلانٌ فلانًا فى كذا
وكذا. إذا سبَّب له سببًا وصَل به إليه دونَ أن يَخْلِفَ له، والحَلِفُ لا يكونُ
بِتَسَبُّبِ السببِ، فكذلك قولُه: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ﴾ [طه: ١٢٠]. لو
كان ذلك كان منه إلى آدمَ على نحوِ الذى منه إلى ذريتِه - مِن تَزْبين أكلِ ما
نهَى اللّهُ آدمَ عن أكلِهِ مِن الشجرةِ، بغيرِ مباشرةِ خطابِهِ إياه بما اسْتَزَلَّه به مِن
القولِ والحِيَلِ - لَما قال تعالى ذكرُه: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِ لَكُمَا لَمِنَ
النَّصِحِينَ﴾. كما غيرُ جائٍ أن يَقولَ اليومَ قائلٌ مَّن أتَى معصيةً: قاسَمَنى
إبليسُ أنه لى ناصح فيما زيَّن لى مِن المعصيةِ [٦٣/٢ظ] التى أَتَيْتُها . فكذلك
الذى كان مِن آدمَ وزوجتِه لو كان على النحوِ الذى يكونُ فيما بينَ إِبليسَ اليومَ
وذريةِ آدمَ، لما قال تعالى ذكرُه: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِ لَكُمَا لَمِنَ النَّصِحِينَ﴾. ولكن
(١) أخرجه المصنف فى تاريخه ١٠٩/١.

٥٦٩
سورة البقرة : الآية ٣٦
ذلك كان إن شاءَ اللّهُ على نحوِ ما قال ابنُ عباسٍ ومَن قال بقولِه.
فأما سببُ وصولِه إلى الجنةِ حتى كلَّم آدمَ بعدَ أن أُخْرَجَه اللّهُ منها وطرده
عنها، فليس فيما رُوى عن ابنِ عباسٍ ووهبِ بنِ مُنَّهِ فى ذلك معنَى يَجوزُ
لذى٢) فَهم مُدافعتُه، إذ كان ذلك قولًا لا يَدْفَعُه عقلٌ(٢)، ولا خبرٌ يَزَمُ
تَصْدِيقُهُ مِن حُجَّةٍ بخلافهِ، وهو مِن الأمورِ المُمْكنةِ . فالقولُ فى ذلك أنه قد
وصَل إلى خطابِهما على ما أُخْبَرنا اللّهُ تعالى ذكرُه، وممكنٌ أن يَكونَ وصَل
إلى ذلك بنحوِ الذى قاله المتأوّلون ، بل ذلك - إن شاء اللّهُ - كذلك؛ لتتابع
أقوالِ أهلِ التأويلِ على تصحيح ذلك، وإن كان ابنُّ إسحاقَ قد قال فى ذلك
ما حدَّثنا به ابنُ حُمَيدٍ ، قال: حدَّثنا سلمةُ، قال: قال ابنُ(٢) إِسحاقَ فى
ذلك: "اللّهُ أعلمُ، أكّمَاْ) قال ابنُ عباسٍ وأهلُ الثَّوراةِ، أَمْ(٥) خلَص إلى آدمَ
وزوجتِه بسُلطانِهِ الذى جعَل اللّهُ له لِيَبْتَلِىَ به آدمَ وذريته؟ وأنه يَأْتى ابنَ آدمَ فى
نَوْمتِه وفى يَقَظتِه، وفى كلِّ حالٍ مِن أحوالِهِ، حتى يَخْلُصَ إلى ما أراد منه
حتى يَدْعُوَه إلى المعصيةِ، ويُوقِعَ فى نفسِه الشهوةَ وهو لا يَراه، وقد قال اللّهُ
تعالى ذكرُه: ﴿ فَوَسْوَسَ لَمَا الشَّيْطَانُ﴾. ﴿ فَأَخْرَجَهُمَا مِمَا كَانَا فِيَّةٍ﴾ . وقال:
يَنِىّ ءَادَمَ لَا يَفْئِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كُمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ الْجَنَّةِ يَنِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا
لِيُرِيَهُمَا سَوْءَ تِهِمَاْ إِنَّهُ يَرَكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَطِينَ أَوْلِيَّةَ
لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٧]. وقد قال اللّهُ جل ثناؤه لنبيّه عَ لَه: ﴿قُلْ أَعُوذُ
(١) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((لذوى)).
(٢) فى ص: ((قول )).
(٣) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أبو)).
(٤ - ٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((والله أعلم، كما)).
(٥) فى م، ت ٢: ((إنه)).

٥٧٠
سورة البقرة : الآية ٣٦
مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس: ١، ٢]. إلى آخرِ السورة. ثم ذكر
بِرَبِّ النَّاسِ
٢٣٩/١ الأخبارَ التى رُوِيَت عن النبيِّ ◌َّلِ أنه قال: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِى مِنِ ابْنِ آدَمَ /مَجْرَى
الدَّمِ )) (١) . ثم(٢) قال ابنُ إسحاقَ: وإنما أَمْرُ ابنِ آدمَ فيما بينَه وبينَ عدوٌّ اللهِ كأمْرِه فيما
بينَه وبينَ آدمَ ، فقال اللّهُ: ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيَهَا فَأَخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ
الصَّغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣]. ثم خلَص إلى آدمَ وزوجتهِ حتى كلَّمَهما(٢) كما قصَّ
اللّهُ علينا مِن خبرِهما، فقال: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ [٦٤/٢و] يَعَادَمُ هَلْ
أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠]. فخلَص إليهما(٤) بما خلَص إلى
ذريته مِن حيثُ لا يَرَيانِهِ - فاللّهُ أعلمُ أَىُّ ذلك كان - فتابا إلى ربِّهما .
قال أبو جعفرٍ : وليس فى يقينِ ابنِ إِسحاقَ - لو كان قد أيْقَن فى نفسِه - أن
إبليسَ لم يَخْلُصْ إلى آدمَ وزوجتِه بالمُخاطَبةِ بما أخْبَرِ اللّهُ عنه أنه قال لهما وخاطَبَهما
به ، ما يَجوزُ لذى فهم الاعتراضُ به على ماورَد مِن القولِ مُسْتَفِيضًا فى أهلِ العلم،
مع دَلالةِ الكتابِ على صحةٍ ما اسْتَفاض مِن ذلك بينَهم ، فكيف بشَكِّه ؟ واللهَ نَسْأَلُ
التوفيقَ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿ فَأَخَجَهُمَا مِمَا كَانَا فِيَّةِ﴾ .
وأما تأويلُ قولِه: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا﴾. فإنه يعنى: فأخْرَج الشيطانُ آدمَ وزوجته ،
مِمَا كَانَا فِيَّةٍ﴾ يعنى: مما كان فيه آدمُ وزوجتُه مِن رَغَدِ العيشِ فى الجنةِ، وسَعَةٍ
نعيمِها الذى كانا فيه. وقد بيَّنَّا أن اللّه تعالى ذكرُه إنما أضاف إخراجهما مِن الجنةِ إلى
(١) أخرجه البخارى (٢٠٣٩)، ومسلم (٢١٧٥) من حديث صفية ، رضى الله عنها.
(٢) سقط من: م.
(٣) فى ص، ت ١: ((كلمها)).
(٤) فى ص: ((إليها)).

٥٧١
سورة البقرة : الآية ٣٦
الشيطانِ، وإن كان اللّهُ هو المُخْرِجَ لهما؛ لأن خروجهما منها كان عن سببٍ مِن
الشيطانِ ، فَأُضِيف ذلك إليه لتَشْبيبِه إياه، كما يقولُ القائلُ لرجلٍ وصَل إليه منه أذِّى
حتى تحوَّل مِن أجلِه عن موضع كان يَشْكُنهُ: ما حوَّلنى عن (١) موضِعى الذى كنتُ
فيه إلا أنت . ولم يَكُنْ منه له تحويلٌ ، ولكنه لمّا كان تحوَّلُه عن سببٍ منه جاز له إضافةُ
تحویله إليه .
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ وَقُلْنَا أُهْرِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضِ عَدُوٌّ ﴾.
يُقالُ: هبَط فلانٌ أرضَ كذا، ووادىَ كذا. إذا حَلّ ذلك، كما قال
الشاعرُ(٢):
أَنْدِى الرِّكابِ بهم مِن راكِسٍٍ(٢) فَلَقَا (٤)
ما زِلْتُ أَرْمُقُهم حتَّى إذا هبَطَتْ
وقد أبان هذا القولُ مِن اللهِ جل ثناؤه عن صحةٍ ما قلْنا مِن أن المخرِجَ آدمَ مِن
الجنةِ هو [٦٤/٢ظ] اللهُ جل ثناؤه، وأن إضافةَ اللّهِ إلى إبليسَ ما أضاف إليه مِن
إخراجِهما كان على ماوصَفْنا، ودلَّ بذلك أيضًا على أن هُبوطَ آدمَ وزوجتِه
وعدوِّهما إبليسَ كان فى وقتٍ واحدٍ، لجَمْعُ اللّهِ إياهم فى الخبرِ عن إِهْباطِهم،
بعدَ الذى كان مِن خَطيئةِ آدمَ وزوجتِهِ ، وتسبيبٍ إِبليسَ ذلك لهما ، على ما وصَفَه
ربُّنا تعالى ذكرُه عنهم .
(١) فى ص، ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((من)).
(٢) هو زهير بن أبى سلمى، شرح ديوانه ص ٣٧.
(٣) راكس: واد. معجم البلدان ٢/ ٧٣٥.
(٤) فى ص: ((فلتا))، وفى ت ١، ت ٣: ((قلقا)). والفلق: المطمئن من الأرض بين ربوتين. اللسان
( ف ل ق).
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((بجمع))، وفى م: ((يجمع )) .

٥٧٢
سورة البقرة : الآية ٣٦
وقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى المعنىِّ بقولِه: ﴿أُهْبِطُواْ﴾. مع إجماعِهم على أن
آدمَ وزوجته ممّن ◌ُنِى به .
فحدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيع، قال: حدَّثنا أبو أسامةً، عن أبى عَوَانةَ ، عن
إسماعيلَ بنٍ سالمٍ، عن أبى صالحِ: ﴿أَهْرِطُواْ بَعْضُكُمْ لِيَعْضِ عَدٌُّ ﴾. قال:
آدم وحواءُ(١) والحيَّةُ(٢).
" حدَّثنا ابنُ وَكيع وموسى بنُ هارونَ، قالا: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال :
حدَّثنا أسْباطُ، عن الشّدِّىِّ: ﴿ أُهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. قال: فلعَن الحيةَ
وقطَع قَوائمَها، وترَكها تَمْشِى على بطنِها، وجعَل رزقَها مِن الترابِ، وأهبَط إلى
الأرضِ آدمَ وحواءَ وإبليسَ والحيةَ() .
/ وحدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: حدَّثنا أبو عاصم، قال: حدَّثنا عيسى بنُ
ميْمونٍ، عن ابنِ أبى تَجِيحٍ، عن مُجاهِدٍ فى قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿اَهْرِطُواْ بَعْضُكُرْ
لِبَعْضِ عَدُوٌّ﴾. قال: آدمُ وإبليسُ والحيةٌ(٤).
٢٤٠/١
(١) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((وإبليس)). وسيأتى بهذه الزيادة من وجه آخر عن إسماعيل فی ص
٥٨٨.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٢/١ (٤١٦) من طريق أبى عوانة به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١/
٥٥ إلى أبى الشيخ من طريق قتادة ، عن أبى صالح.
(٣ - ٣) سقط من ت ١، ت ٢، ت ٣.
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٢/١ عقب الأثر (٤١٦) من طريق عمرو به.
وأخرجه المصنف فى تاريخه ١١٢/١ بهذا الإسناد عن السدى بإسناده المعروف.
(٤) بعده فى ت ١: (( وحواء)).
والأثر فى تفسير مجاهد ص ٢٠٠ بلفظ: إبليس وآدم . وأخرجه المصنف فى تاريخه ١١٢/١ بزيادة:
حواء. وأخرجه ابن عساكر فى تاريخه ٤٠٤/٧ من طريق الثورى، عن مجاهد بلفظ : آدم والحية والشيطان .
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٥/١ إلى أبى الشيخ عن مجاهد بهذا اللفظ.

٥٧٣
سورة البقرة : الآية ٣٦
حدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شِئْلٌ، عن ابنٍ أبى نَجيحِ ،
عن مجاهدٍ: ﴿ أَهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌ﴾: آدمُ وإبليسُ والحيّةُ ذريةُ بعضِهم
أعداء لبعضٍ .
حدَّثنا القاسمُ ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ ،
عن مُجاهِدٍ: ﴿بَعْضُكُمْ لِيَعْضٍ عَدُوٌ﴾. قال: آدمُ وذريته، وإبليسُ وذريتُه .
حدَّثنا المثنى، قال: حدَّثنا آدمُ بنُ أبى إياسٍ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن
الربيعِ، عن أبى العاليةِ (١ فى قوله: ﴿بَعْضُكُمْ لِيَعْضٍ عَدُوٌ﴾. قال: يعنى آدمَ
وإبليس .
حدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ ، قال: حدَّثنا عُبیدُ اللّهِ بنُ موسى، عن
إسرائيلَ، عن الشُّدِىِّ، عمَّن حدَّثه٢، عن ابن عباسٍ فى قوله: ﴿أَهْبِطُواْ
بَعْضُكُمْ لِيَعْضِ عَدُوٌ﴾. قال: (بعضُهم لبعضٍ عدو٢ٌ)؛ آدم وحواءُ وإِبليسُ
· والحیةُ .
حدَّثْنى يونُسُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: حدَّثنی
عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدىٍّ، عن إسرائيلَ، عن إسماعيلَ السدىِّ، قال: حدَّثنى مَن
سمِع ابنَ عباسٍ يقولُ: ﴿ اَهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِيَعْضٍ عَدُوٌ﴾. قال: آدم وحواءُ وإبليسُ
و(٣)
والحيّةُ(٢).
[٦٥/٢و] حدَّثنى يونسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهب، قال : قال ابنُ زيدٍ فی قوله :
(١ - ١) سقط من : ر.
(٢ - ٢) فى الأصل: (( بعضكم لبعض عدو قال)).
(٣) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ١١٢، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٩/١، ١٤٥٥/٥ (٣٩٨، ٨٣٢٠)
عن یونس به .

٥٧٤
سورة البقرة : الآية ٣٦
أَهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌ﴾. قال : لهما ولذريتهما .
قال أبو جعفرٍ : فإن قال قائلٌ: وما كانت عَداوةُ ما بينَ آدمَ وزوجتهِ وإبليسَ
والحيةِ ؟
قيل : أما عَداوةُ إِبليسَ آدمَ وذريته ، فحسَدُه إيّاه ، واسْتِکبارُه عن طاعةِ اللهِ فى
السجودِ له حينَ قال لربِّه: ﴿أَنَأْ خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْنِى مِن نَّارٍ وَخَلَقْنَهُ مِن طِينٍ
[ الأعراف: ١٢، ص: ٧٦] .
وأما عَداوةُ آدمَ وذريته إبليسَ ، فعداوةُ المؤمنين إيّاه ؛ لكفرِه باللّهِ وعِصْیانِه ربَّه
فى تكبِّرِه عليه ومُخالفتِهِ أمرَه ، وذلك مِن آدمَ ومؤمنى ذريته إيمانٌ باللّهِ .
وأما عَداوةُ إبليسَ آدمَ ، فكفرٌ باللّهِ .
وأما عَداوةُ ما بينَ آدمَ وذريتِه والحيّةِ، فقد ذكرنا ما رُوِى فى ذلك عن
ابنِ عباسٍ ووهبٍ بنِ مُنَبِّهِ، وذلك هى العَداوةُ التى بيننا وبينَها، كما رُوِى عن
رسولِ اللّهِ مَّهِ أنه قال: (( ما سَالَمْنَاهُنَّ منذ حارَبْنَاهُنَّ، فمن تَرَكَهُنَّ خَشْيَةً ثَّأْرِهِنَّ
فليس منَّا )) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكم، قال: حدَّثنا حجاج بنُ رِشدين()،
قال : حدَّثنا حَيْوَةُ بنُ شُرَيْح، عن ابنِ عَجْلانَ ، عن أبيه، عن أبى هريرةَ ، عن رسولٍ
اللّهِ مَّ الِ أنه قال: ((ما سَالَمْنَاهُنَّ منذ حارَبْنَاهُنَّ، فمن تَرَكَ شَيْئًا مِنْهُنَّ خِيفَةٌ فليس
(٢)
مِنَّا))(٢).
(١) فى م: ((رشد)).
(٢) أخرجه أحمد ٣٦٠/١٥، ٤٣٣/١٦ (٩٥٨٨، ١٠٧٤١)، وأبو داود (٥٢٤٨)، والطحاوى فى
المشكل (١٣٣٨) من طرق عن ابن عجلان به. وأخرجه الحميدى (١١٥٦)، وأحمد ٣٢٤/١٢ =

٥٧٥
سورة البقرة : الآية ٣٦
وأحْسَبُ أن الحربَ التى بينَنا كان أصلُه ما ذكره علماؤنا الذين قدَّمْنا الروايةَ
عنهم / فى إدخالِها إبليسَ الجنةَ بعدَ أن أخْرَجَه اللّهُ منها، حتى اسْتَزَلَّه عن طاعةِ ربِّه ٢٤١/١
فى أكلِ(١) ما نُهِى عن أكلِه مِن الشجرةِ .
وقد حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ، قال: حدَّثْنا مُعاويةُ بنُ هشامٍ ، وحدَّثنا محمدُ بنُ
خلفٍ العَسْقلانُ، "قال: حدَّثنا آدمُ، جميعًا عن شَيْبانَ" ، عن جابرٍ، عن سعيد
ابنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: سُئِل رسولُ اللّهِ مَ لَّهِ عن قتلِ الحَيَّاتِ، فقال رسولُ
اللّهِ مَّهِ: (( خُلِقَتْ هى والإِنسَانُ، كُلُّ واحِدٍ منهما عَدُوٌّ لصَاحِبِهِ ، إِن رَآهَا أَفْرَعَتْه،
وإِن لَدَغَتْهُ أَوْ جَعَتْهُ، فَاقْتُلْهَا حيث وَجَدْتَهَا))(٣).
القولُ فى تأويل قوله جلَّ وعزَّ: ﴿ وَلَكُمْ فِ اُلْأَرْضِ مُسْنَقَرٌ﴾ .
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلكِ ؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنى المثنى بنُ إبراهيمَ ،
قال: حدَّثنا [٦٥/٢ظ] آدمُ العَسْقلانُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ الرازىُّ، عن الربيعِ،
عن أبى العاليةِ فى قولهِ: ﴿ وَلَكُمْ فِى الْأَرْضِ مُسْنَقَرٌ﴾. قال: هو قولُه: ﴿ الَّذِى
جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾(٤).
وحُدِّثْتُ عن عمارٍ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللّهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ،
= (٧٣٦٦)، وابن حبان (٥٦٤٤) من طريق ابن عجلان أيضا، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن عجلان
به. وقال الدارقطنى فى العلل ١٣٨/١١: ولعل محمد بن عجلان سمعه عن أبيه، واستثبته من بكير بن
الأشج.
(١) فى م: ((أكله)).
(٢ - ٢) سقط من: ص.
(٣) إسناده ضعيف؛ لضعف جابر الجعفى. وأخرجه الطيالسى (٢٧٤١)، والطبرانى فى الأوسط (٤٥٠٠)
من طريق جابر به .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٠/١، ١٤٥٥/٥ (٤٠١، ٨٣٢٣) من طريق آدم به .

٥٧٦
سورة البقرة : الآية ٣٦
عن الربيعِ فى قوله: ﴿وَلَكُمْ فِىِ الْأَرْضِ مُسْنَقَرٌ﴾. قال: هو قولُه: ﴿جَعَلَ لَكُمُ
اُلْأَرْضَ قَرَارًا﴾ [غافر: ٦٤].
وقال آخرون: معنى ذلك: ولكم فى الأرضِ قَرارٌ فى القبورِ (١).
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا موسى بنُ هارونَ ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: حدَّثنا أسْباطُ ،
عن السدىِّ: ﴿ وَلَكُمْ فِىِ اُلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌ﴾. قال(١): القبورُ(١).
حدَّثنى يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أُخْبَرَنا ابنُ وهب، قال: حدَّثنا
عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدىٍّ، عن إسرائيلَ، عن إسماعيلَ الشُّدىِّ، قال: حدَّثنى مَن
سمِع ابنَ عباسٍ قال: ﴿ وَلَكُمْ فِ اُلْأَرْضِ مُسْنَفَرٌ﴾. قال: القبورُ).
حدَّثنى يونُسُ ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿ وَلَكُمْ فِ اُلْأَرْضِ
مُسْتَقَرٌ﴾. قال: مُقامُهم فيها .
والمستقرُّ فى كلام العربِ هو موضعُ الاستقرارِ، فإذ كان ذلك
كذلك، فحيثُ كان مِن(٥) الأرضِ موجودًا حالًّا، فذلك المكانُ مِن الأرضِ
مُسْتَقَؤُه .
وإنما عنَى اللّهُ جلّ وعزّ بذلك أن لهم فى الأرضِ مستقرًّا ومَنْزِلًا بأماكنهم
(١) بعده فى ر: ((ولكم فيها بلاغ إلى الموت)).
(٢) فى م، ت ١، ت ٢: ((يعنى))، وفى ت ٣: ((أعنى)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٥٥/٥ عقب الأثر (٨٣٢١) من طريق عمرو به .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٩/١ (٣٩٩) من طريق إسرائيل، عن السدى، عن ابن عباس.
(٥) بعده فى م: ((فى)).

٥٧٧
سورة البقرة : الآية ٣٦
ومُسْتَقَرّهم مِن الجنةِ والسماءِ، وكذلك قولُه: ﴿ وَمَتَهُ﴾. يعنى به أنّ لهم فيها
متاعًا بمتاعِهم فى الجنةِ .
القولُ فى تأويل قوله جلّ وعزّ : ﴿ وَمَنَئُ إِلَى سِرٍ
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: ولكم فيها بَلاغُ إلى
الموتِ .
٢٤٢/١
/ ذِكر مَن قال ذلك
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن
السدىِّ فى قوله: ﴿ وَمَتَهُ إِلَى حِينٍ﴾. قال: يقولُ: بَلاٌ إلى الموتِ (١).
حدَّثنى يونُسُ، قال أَخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدىٍّ،
عن إسرائيلَ، عن إسماعيلَ الشُّدىِّ، قال: حدَّثنى مَن سمِع ابنَ عباسٍ: ﴿ وَمَغُ
إِلَى حِينٍ﴾ . قال : الحياةُ .
" حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى ،
عن [٢/ ٦٦و] إسرائيلَ، عن السدىِّ، عمّن حدّثه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمَتَعُ إِلَى
حِينٍ﴾ . قال: الحياةُ(٢) .
وقال آخرون: يعنى بقولِه: ﴿ وَمَعُ إِلَى حِينٍ﴾: إلى قيامِ الساعةِ .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٩٠، ١٤٥٦/٥ (٤٠٢، ٨٣٢٤) من طريق عمرو به.
(٢ - ٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٩٠، ١٤٥٦/٥ (٤٠٣، ٨٣٢٥) من طريق عبيد اللّه بن
موسى ، عن إسرائيل ، عن السدى ، عن عكرمة، عن ابن عباس .
( تفسير الطيرى ٣٧/١ )

٥٧٨
سورة البقرة : الآية ٣٦
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنَّى ، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شِئْلٌ، عن ابنٍ أبى نَجِيحِ،
عن مُجاهِدٍ: ﴿ وَمَتَعُ إِلَى حِينٍ﴾. قال: إلى يومِ القيامةِ ، إلى انقطاع الدنيا .
وقال آخرون: ﴿إِلَى حِينٍ﴾: إلى أجلٍ.
ذكرُ من قال ذلك
حُدِّثْت عن عمارٍ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللّهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن
الربيعِ: ﴿ وَمَتَعُ إِلَ حٍِ﴾. قال: إلى أجلٍ(٢).
والمتاحُ فى كلامِ العربِ كلِّ ما استُمْتِع به مِن شىءٍ، فى(٢) معاشِ استُمْتِع به،
أو رِياشٍ أو زينةٍ أو لذَّةٍ أو غير ذلك. فإذا كان ذلك كذلك - وكان اللّهُ تعالى ذكرُه
قد جعَل حياةَ كلِّ حىٍّ متاعًا له يَسْتَمْتِعُ بها أيامَ حياتِه، وجعَل الأرضَ للإنسانِ مَتاعًا
أيامَ حياتِهِ بِقَرارِهِ عليها ، والغْتِذائِه بما أُخْرَج اللّهُ عزّ وجلّ منها مِن الأقْواتِ والثِّمارِ،
والتِذاذِه بما خلَق اللهُ فيها مِن الملاذِ، وجعَلها مِن بعدِ وفاتِه لجثتِه ◌ِفاتًا(٤)، ولجسمِه
منزلًا وقَرارًا، وكان اسمُ المتاعِ يَشْتَمِلُ جميعَ ذلك - كان أولى التأويلاتِ بالآيةِ -
إذ(٥) لم يَكُنِ اللّهُ تعالى ذكرُه وضَع دلالةٌ دَالَّةٌ على أنه قصَد بقولِه: ﴿ وَمَتَهُ إِلَى
حِينٍ﴾. بعضًا دونَ بعضٍ، وخاصًّا دونَ عامٌّ فى عقلٍ ولا خبرٍ - أن يكون ذلك فی
(١) بعده فى ص، م: ((قال)).
(٢) ذكره القرطبى فى تفسيره ٣٢١/١ عن الربيع.
(٣) فى م: ((من)).
(٤) كِفاتا: أى تحفظهم وتحرزهم أحياء على ظهرها فى دورهم ومنازلهم، وتحفظهم وتحرزهم أمواتا فى
بطنها . التاج (ك ف ت).
(٥) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((إن)).
-

٥٧٩
سورة البقرة : الآيتان ٣٦، ٣٧
معنى العامّ ، وأن يَكونَ الخبرُ أيضًا كذلك إلى وقتِ بُطولٍ (١) اسْتِمْتَاعِ بنى آدمَ وبنى
إبليسَ بها ، وذلك إلى أن تُبَدَّلَ الأرضُ غيرَ الأرضِ.
فإذا كان ذلك أولى التأويلاتِ بالآيةِ لما وصَفْنا ، فالواجبُ إذن أن يَكونَ تأويلُ
الآيةِ: ولكم فى الأرض مَنازلُ ومَساكنُ تَسْتَقِرُون فيها اسْتِقْرارَكم - كان - فى
السماواتِ، وفى الجنانِ فى مَنازلِكم منها، واستمتاٌ منكم بها وبما أخْرَجْتُ لكم
منها ، وبما جعَلْتُ لكم فيها مِن الْمَعَاشِ والرِّياشِ والزَّينِ والملاذٌّ، وبما أعطيتُكم على
ظهرِها " من الحياةِ)) أيام حياتِكم، ومِن بعدٍ وَفاتِكم لأزماسِكم(٢) وأحداثِكم [٢]
٦٦ظ] تُدْفَنون فيها ، وتَبْلُغون باستمتاعِكم بها إلى أن أُبَدِّلَكم بها غيرَها .
القولُ فى تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿فَلَقَّقَ ءَادَمُ مِن زَّيٍِّ، كَلِمَتٍ﴾ .
أما تأويلُ قولِه: ﴿فَلَقََّ﴾. فإنه: أخَذ وقَبِل(٤). وأصلُه التَّفَعُّلُ مِن اللِّقَاءِ،
كما يَتَلَقَّى / الرجلُ الرجلَ يستقبلُهُ(٥) عندَ قدومِه مِن غَيْبةٍ أو سفرٍ، فكذلك ٢٤٣/١
ذلك" فى قوله: ﴿ فَلَقََّ﴾. كأنه اسْتَقْبَله فتلَقَّه بالقَبولِ حينَ أُوحِى إليه أو أُخْبِر
به ، فمعنى ذلك إذن : فلقّى اللّهُ آدمَ كلماتٍ توبةٍ ، فتلقَّاها آدمُ مِن ربِّه وأخَذها عنه
تائبًا ، فتاب اللّهُ عليه بقِيلِه إياها وقبولِه إياها مِن ربّه .
كما حدَّثنی یونُسُ بنُ عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال : قال ابنُ زید
فى قولِه: ﴿فَلَقَّقَ ءَادَمُ مِن زَيِّهِ، كَلِمَتٍ﴾ الآية. قال: لقَّاهما هذه الآيةَ: ﴿ رَبَّنَا
(١) فى ص، م: ((يطول)).
(٢ - ٢) سقط من: ص، ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) الرمس: القبر. التاج (رم س).
(٤) فى م، ر: ((قيل)).
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( مستقبله)).
(٦ - ٦) فى ص: ((غيبته أو سفره فكان ذلك كذلك و)).

:
٥٨٠
سورة البقرة : الآية ٣٧
ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن ◌َّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣].
وقد قرَأَ بعضُهم: (فَتَلَقَّى ءَادَمَ مِن رَّهِ كَلماتٌ)(١). فجعَل ((الكلماتِ)) هى
المُتْلَقِّيةَ آدمَ . وذلك وإن كان مِن جِهةِ العربيةِ جائزًا - إذ كان كلَّ ما تَلقَّاه الرجلُ فهو
له مُتَلَقٍّ ، وما لقِيه فقد لقِيه، فصار للمتكلم أن يُوَجَّةَ الفعلَ إلى أيُّهما شاء، ويُخْرِجَ
مِن الفعلِ أيَّهما أحبَّ - فغيرُ جائزٍ عندى فى القراءةِ إلا رفعُ ((آدمَ))(٣) على أنه المُلَقِّى
((الكلماتِ))؛ لإجماع الحُبَّةِ مِن القَرأةِ وأهلِ التأويلِ مِن علماءِ السلف والخلفِ
على توجيهِ التَّلَقِّى إلى آدمَ دونَ الكلماتِ ، وغيرُ جائزِ الاعتراضُ عليها فيما كانت
عليه مُجْمِعةً بقولٍ مَن يجوزُ عليه السهوُ والخطأً .
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى أعْيانِ الكلماتِ التى تَلقَّاها آدمُ مِن ربّه؛ فقال بعضُهم
بما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ ، قال: حدّثنا ابنُ عَطِیً ، عن قیسٍ ، عن ابنِ أبى ليلى ، عن
المِنْهالِ، عن سعيدٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَلَفَّىَ ءَادَمُ مِن زَبِّهِ، كَلِمَتٍ فَنَابَ عَلَيْهِ﴾.
قال: أى ربِّ، ألم تَخْلُقْنى بيدِك؟ قال: بلى. قال: أى ربِّ، ألم تَنفُخْ فىَّ مِن
رُوحِك؟ قال : بلى . قال : أْ رَبِّ ، أَلَمْ تُشْكِنِّى جنّتَك؟ قال : بلى . قال : أْ
ربِّ، ألم تَشِقْ رحمتُك غضبَك؟ قال: بلى. قال: أرأَيْتَ إن(٤) يُبْتُ
وأصْلَحْتُ، أراجِعِى أنت إلى الجنة؟ قال: بلى(٥). قال: فهو قولُه: ﴿فَلَفَّىَ ءَادَمُ
(١) ذکره ابن کثیر فی تفسيره ١١٦/١ عن ابن زید.
(٢) هذه قراءة ابن كثير. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ١٥٣.
(٣) بل قراءة الرفع والنصب متواترتان .
(٤) بعده فى م: ((أنا)).
(٥) فى م: ((نعم)). وهو وجه الكلام، وتظاهرت النسخ على ((بلى))، وكذا هو فى التاريخ للمصنف ،
والمستدرك .
٠٠