Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
سورة البقرة : الآية ٣٤
كانت الملائكةُ تُقاتِلُ الجنَّ، فسيى إبليسُ وكان صغيرًا، فكان مع الملائكةِ فتعبَّد
معها، فلما أمِروا بالسجودِ لآدمَ سجَدوا، فأبى إبليسُ، فلذلك قال اللّهُ: ﴿إِلَّآَ
١)
(١).
إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنّ؟
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثنا المباركُ بنُ
مُجاهدٍ أبو الأزهرِ، عن شريكِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ أبى نمرٍ، عن صالحٍ مولى التَّوَمةِ، عن
ابن عباسٍ ، قال : إن مِن الملائكةِ قبِيلًا يقالُ لهم : الجنّ. فكان إبليسُ منهم ، وكان
إبليسُ يُوسُ ما بينَ السماءِ والأرضِ ، فعصَى فمسَخه اللَّهُ شيطانًا رَجيمًا(٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ سِنانِ القَزَّزُ، قال: حدَّثنا أبو عاصم، عن شَريكٍ ، "عن
رجل٢ٍ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إن اللَّهَ خلَق خلقًا فقال: اسْجُدوا لآدمَ .
فقالوا: لا نَفْعَلُ. فبعَث اللَّهُ عليهم نارًا تَحْرِقُهم، ثم خلق خلقًا آخَرَ، فقال: إنى خالقٌ
بشرًا مِن طينٍ، فاسْجُدوا لآدمَ . قال: فأبُوْا، فبعث اللّهُ عليهم نارًا فأخْرَقَتهم . قال : ثم
خَلَق هؤلاءِ، فقال : اسْجُدوا لآدمَ. فقالوا : نعم. قال: وكان إبليسُ مِن أولئك الذين
أَبُوا أَن يَسجدوا لآدمَ(٤).
(١) أخرجه المصنف فى تاريخه ٨٧/١. وينظر العظمة (١١٤٣)، وتفسير ابن كثير ١١١/١.
(٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ١ / ٨٢. وأخرجه البيهقى فى الشعب (١٤٤) من طريق زهير بن محمد ، عن
شريك به .
(٣ - ٣) سقط من: الأصل ، ص ، ر .
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١١١/١ عن المصنف. وقال: وهذا غريب، ولا يكاد يصح إسناده؛ فإن فيه
رجلا مبهما ، ومثله لا يحتج به .
وأخرجه المصنف فى تاريخه ٨٧/١ عن محمد بن سنان، عن أبى عاصم، عن شبيب، عن عكرمة، عن ابن
عباس. وأخرجه ابن الأنبارى فى الأضداد ص ٣٣٥، ٣٣٦ من طريق أبى عاصم به مثله . وينظر ما سيأتى فى
تفسير الآية ٢٨، ٢٩ من سورة الحجر.

٥٤٢
سورة البقرة : الآية ٣٤
قال أبو جعفرٍ: وعلةُ مَن قال هذه المَقَالةَ - (أن إِبليسَ ليس هو مِن الملائكة -
أن اللَّهَ تعالى ذكره أخبَر فى كتابِه أنه خلق إبليسَ من نارِ السَّمومِ، ومِن مارجٍ مِن
نارٍ، ولم يخبِرْ عن الملائكةِ أنه خلقها مِن شىءٍ من ذلك، وأن اللَّهَ أخْبَر (٢) أنه مِن
الجنّ .
/ قالوا: فغيرُ جائزٍ أن يُنْسَبَ إلى غيرِ ما نسَبه اللَّهُ إليه. قالوا: ولإبليسَ نَسْلٌ
وذُرِّيّةٌ ، والملائكةُ لا تَتَنَاسَلُ ولا تَتَوالَدُ.
٢٢٧/١
قال أبو جعفرٍ: وهذه عِللٌ تُنبئُ عن ضعفٍ معرفةٍ أهلِها، [٥٦/٢و] وذلك أنه
غيرُ مُسْتَنْكَرٍ أن يكونَ اللَّهُ تعالى ذكرُه خلَق أصنافَ ملائكتِهِ مِن أصنافٍ مِن خلقِه
شَتَّى. فخلَق بعضًا مِن نُورٍ ، وبعضًا مِن نارٍ ، وبعضًا مما شاء مِن غيرِ ذلك . وليس فى
تَوْكِ اللَّهِ تعالى ذكرُه الخبرَ عما خلَق منه ملائكته ، وإخبارِه عما خلَق منه إبليسَ ، ما
يوجِبُ أن يكونَ إبليسُ خارجًا مِن ١ معناهم، إذ كان جائزًا أن يكونَ خلَق صِنفًا مِن
ملائكته مِن نارٍ كان منهم إبليسُ ، وأن يكونَ أَفْرَد إبليسَ بأن خلَقه مِن نارِ السَّمَومِ دون
سائرٍ ملائكتِهِ. وكذلك غيرُ مخرجِه أن يكونَ كان مِن الملائكةِ بأن كان له نسلٌ
وذريةٌ ، لِمَا رَكَّب فيه من الشهوةِ واللذةِ التى نُزِعتْ من سائرِ الملائكةِ، لِا أراد اللّهُ به(٤)
مِن المَغْصيةِ .
وأما خبرُ اللَّهِ تعالى ذكرُه عنه أنه مِن الجِّ، فغيرُ مدفوع أن يُسَمَّى ما اجْتنَّ
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣.
(٢) بعده فى ص : (( فى كتابه )) .
(٣) فى م: ((عن).
(٤) فى الأصل: ((منهم))، وفى ص، ت٣: ( بهم).
(٥) بعده فى ص : (( من الجن)).

٥٤٣
سورة البقرة : الآية ٣٤
مِن الأشياءِ كلِّها عن الأبصارِ جنًّا - كما قد ذكَرْنا قبلُ فى شعرِ الأعْشَى - فيكونُ
إبليسُ والملائكةُ منهم لاجْتِنانِهم عن أبصارِ بنى آدمَ .
القولُ فى معنى: ﴿إِبْلِسَ﴾.
قال أبو جعفرٍ : وإبليسُ : إِفْعِيلُ، مِن الإِبْلاسِ، وهو الإياسُ مِن الخيرِ والندَمُ
والحزنُ .
كما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ ، قال: حدَّثنا بشرُ ابنُ
عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ ، عن الضَّحَّاكِ ، عن ابنِ عباسٍ ، قال: إبليسُ أَبْلَسَه اللَّهُ مِن
الخيرِ كلِّه، وجعَله شيطانًا رجيمًا عُقوبةً لمعصيتِه (١).
حدَّثنى موسى ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أَسْباطُ ، عن الشُّدِّىِّ ، قال :
كان اسمُ إِبليسَ الحارثَ، وإنما سُمِّى إبليسُ حينَ أبْلِس فقيرًا(١).
قال أبو جعفرٍ: وكما قال اللَّهُ تبارك وتعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ تُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤].
یعنی به أنهم آیسون مِن الخیرِ، نادِمون ◌ُزْنًا، كما قال العجَّاجُ () :
يا صاحِ هل تَغْرِفُ رَسْمًا مُكْرَسَا(٤)
قال نَعَمْ أَعْرِفُه وَأَبْلَسَا
(١) أخرجه المصنف فى تاريخه ٩٥/١. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٤/١ (٣٦٢)، وابن الأنبارى فى
الأضداد ص ٣٣٦ من طريق بشر به بنحوه .
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٠/١ إلى ابن المنذر. وتقدم بتمامه فى ص ٤٨٢.
(٢) فى م: ((فغير))، وغير منقوطة فى ص .
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٤/١ عقب الأثر (٣٦٢) من طريق عمرو بن حماد به نحوه.
(٣) ديوانه ص ١٢٣ .
(٤) رسم مكرِس ومكرّس: بعرت فيه الإبل وبؤَّلت ، فركب بعضه بعضًا. التاج (ك رس ).

٥٤٤
سورة البقرة : الآية ٣٤
وقال رُؤْيةٌ(١) .
.
وحضَرَتْ(٢) يومَ الخميسِ الأخْمَاسْ
وفى الوجوهِ صُفْرَةٌ وإبْلاسْ
[٥٦/٢ظ] يعنى به: اكْتئابًا وكُسوفًا .
فإن قال قائلٌ: فإن كان إِبليسُ كما قلتَ إفعيلَ مِن الإِبْلاسِ، فهلًا صُرِف
وَأُجْرِى؟
قيل : تُرِك إجراؤه اسْتِثْقالا، إذ كان اسمًا لا نظيرَ له مِن أسماءِ العربِ ، فَشبَّهَته
٢٢٨/١ العربُ - إذا كان كذلك - بأسماءِ العَجَم التى / لاتُجْرَى، وقد قالوا: مرَرْتُ
بإسحاقَ. فلم يُجْروه، وهو مِن: أسْحَقه اللَّهُ إِسْحاقًا. إذ كان وقَع مبتدأً اسمًا لغيرٍ
العربِ، ثم تسَمَّت به العربُ، فجرَى مَجْراه - وهو مِن أسماءِ العجم - فى
الإعرابِ، فلم يُصْرَفْ. وكذلك أيوبُ، إنما هو فَيُعُولٌ(١)، مِن: آبَ يَوبُ، ( نظيرَ
فَيُّومٍ من : قام يقومُ ) .
وتأويلُ قولِه: ﴿أَبَ﴾. يعنى بذلك إبليسَ، أنه امْتَنع مِن السجود لآدمَ فلم
يَسْجُدْ له، ﴿ وَأَسْتَكْبَرَ﴾. يعنى بذلك أنه تكبّر وتعَظّم عن طاعةِ اللَّهِ فى السجودِ
لآدمَ .
وهذا وإن كان مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه خبرًا عن إبليسَ، فإنه تَقْرِيعٌ لضُرَبائِه مِن
(١) ديوانه ( مجموع أشعار العرب ) ص ٦٧ .
(٢) فى الديوان: ((عرفت)).
(٣) فى ص، ر، ت١، ت٢، ت٣: ((فعول))، وفى م: ((فيعوع)). وأيوب زنة فيعول ، وقيل: فعول.
(٤ - ٤) سقط من: ص، ر، م، ت١، ت٢، ت٣.

٥٤٥
سورة البقرة : الآية ٣٤
خلقِ اللَّهِ الذين يَتَكَتَّرون عن الخضوع لأمرِ اللّهِ ، والانقيادِ لطاعته فيما أمرهم به وفيما
نهاهم عنه، والتسليم له فيما أوجب لبعضِهم على بعضٍ مِن الحقِّ. وكان ممّن تكَبَّر
عن الخضوع لأمرِ اللَّهِ ، والتَّذَلَّلِ لطاعتِه، والتسليم لقضائه فيما ألْزَمَهم مِن حقوقٍ
غيرِهم - اليهودُ الذين كانوا بينَ ظَهْرانَىْ مُهاجَرِ رسولِ اللَّهِ مَِّ، وأحبارُهم الذين
كذَّبوا (١) برسولِ اللَّهِ وَلِ، " وهم بصفتِه عارفون(٢)، وبأنه للَّهِ رسولٌ عالمون. ثم
اسْتَكْبَروا - مع علمِهم بذلك - عن الإقرارِ بنبوتِه، والإذْعانِ لطاعتِه ؛ بَغْيًا منهم له
وحسدًا. فقرّعهم اللَّهُ بخبرِهِ عن إبليسَ الذى فعَل فى استكبارِه عن السجودِ لآدمَ،
حسدًا له وبَغْيًا، نظيرَ فعلِهم فى التكبّرِ عن الإذعانِ لمحمدِ نبيِّ اللّهِ عَ له ونبوتِه، إذ
جاءهم بالحقِّ مِن عندٍ ربِّهم، حسدًا وبَغْيًا .
ثم وصَف إبليسَ بمثلٍ الذى وصَف به الذين ضرَبه لهم مثلاً ، فى الاستكبارِ
والحسدِ والاسْتِْكافِ عن الخضوع لمن أمَرِه اللَّهُ بالخضوع له، فقال: ﴿وَكَانَ ﴾ -
يعنى إِبليسَ - ﴿مِنَ الْكَفِينَ﴾. مِن الجاحِدِين نعمَ اللَّهِ عليه، وأياديَه عندَه،
بخلافِه عليه فيما أمَره به من السجودِ لآدمَ، كما كفَرَت اليهودُ نعمَ ربِّها التى آتاها
وآباءَها قبلُ؛ مِن إطعام اللَّهِ أَسْلافَهم الَّ والسَّلْوَى، وإِظلالِ الغَمامِ عليهم ، وما لا
يُحْصَى مِن نعمِه التى كانت لهم خُصوصًا، وما خصَّ الذين أدْرَ كوا محمدًا عَ لَه
بإدراكِهم إياه، ومشاهدتهم " محُجَّةَ اللَّهِ عليهم٣)، [٥٧/٢و] فجَحَدت نبوتَه بعد
علمِهم به، ومعرفتهم بنبوتِه، حسدًا وَبَغْيًا، فنسبه اللَّهُ تعالى ذكرُه إلى الكافرين،
فجعَله مِن عِدادِهم فى الدِّينِ والمِلّةِ ، وإن خالَفهم فى الجنسِ والنسبةِ، كما جعَل أهلَ
(١) فى ص، ر، م، ت١، ت٢، ت٣: ((كانوا)).
(٢ - ٢) فى ص، ر، م، ت١، ت٢، ت٣: ((وصفته عارفين)).
(٣ - ٣) فى ص: ((محمد عٍَّ)).
( تفسير الطبري ٣٥/١ )

٥٤٦
.
سورة البقرة : الآية ٣٤
النِّفاقِ بعضَهم مِن بعضٍ، لاجتماعِهم على النفاقِ، وإن اخْتَلَفَت أنسابُهم
وأجْناسُهم، فقال: ﴿اَلْمُنَفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧].
يعنى بذلك أن بعضَهم مِن بعضٍ فى النفاقِ والضَّلالِ، فكذلك قولُه فى إبليسَ :
﴿وَكَانَ مِنَ الْكَفِينَ﴾. كان منهم فى الكُفرِ بِاللَّهِ، والمخالفةِ لأُمْرِه، وإن كان
مخالفًا جنسُه أجْناسَهم ، ونِسبتُه نِسْبتَهم . ومعنى قوله: ﴿ وَكَانَ مِنَ اَلْكَفِينَ﴾ .
أى أنه كان حينَ أتَى السجودَ مِن الكافرين حينئذٍ .
وقد رُوِى عن الربيع بن أنسٍ، عن أبى العاليةِ أنه كان يَقولُ فى تأويل قوله :
وَكَانَ مِنَ الْكَفِرِينَ﴾. فى هذا الموضعِ: وكان مِن العاصِين .
حدَّثْنى المُنُنَّى بنُ إبراهيمَ ، قال: حدَّثنا آدمُ العسقلانىُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ،
عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ فى قوله: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَفِينَ﴾. يعنى: من (١)
(٢)
العاصِين(٢).
حدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ
بمثله .
وذلك شَبية بمعنى(٣) قولِنا فيه .
وكان سجودُ الملائكةِ لآدمَ تَكْرِمةً لآدمَ ، وطاعةٌ للَّهِ، لا عبادةٌ لآدمَ،
/ كما حدثنا به بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريع، قال: حدَّثنا سعيدٌ،
٢٢٩/١
عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْبَلَئِكَةِ أَسْجُدُواْ لِأَدَمَ﴾. فكانت الطاعةُ للَّهِ،
(١) سقط من: الأصل، ص، ر، م، ت١، ت٢ .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٥/١ (٣٦٧) من طريق آدم به.
(٣) فى الأصل: ((لمعنى)).

٥٤٧
سورة البقرة : الآيتان ٣٤، ٣٥
والسَّْدةُ لآدمَ ، أكْرَمِ اللَّهُ آدمَ أن أسْجَدَ له ملائكته(١).
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ وَقُلْنَا يَادَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ
قال أبو جعفرٍ : وفى هذه الآيةِ دَلالةٌ واضحةٌ على صحةٍ قولٍ مَن قال: إِن إبليسَ
أَخْرِج مِن الجنةِ بعدَ الاسْتكبارِ عن السجودِ لآدمَ ، وأَسْكِنها آدمُ قبلَ أن يَهْبِطَ إبليسُ
إلى الأرضِ. ألا تسمعون اللَّهَ يقولُ: ﴿وَقُلْنَا يَادَمُ أَسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا
مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا نَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ اُلِّلِينَ ﴿٢) فَأَزَّلَّهُمَا
الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَا كَانَا فِيَّةِ﴾. فقد تبَيَنَّ أن إِبليسَ إِنما أزَلَّهما عن طاعةِ اللَّهِ
بعدَ أن لُعِن وَأَظْهَر التكَبُّرَ؛ لأن سجودَ الملائكةِ لآدمَ كان بعدَ أن نُفخ فيه الروح،
وحينئذٍ كان امْتِناُ إبليسَ مِن السجودِ له، وعند الامتناع مِن ذلك حلَّت عليه
اللعنةُ .
كما حدَّثنى موسى بنُ هارون، قال: حدَّثنا [٧/٢ ٥ظ] عمرٌو، قال: حدَّثنا
أسباطُ ، عن الشّدِّىِّ فى خبرٍ ذكره عن أبى مالك ، وعن أبى صالح ، عن ابنِ عباسٍ ،
وعن مُرةَ، عن ابنِ مسعودٍ ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ◌َّهِ، أن عدوَّ اللَّهِ إبليسَ
أَقْسَم بعِزَّةِ اللَّهِ لَيُغْوِيَنَّ آدمَ وذريَّتَه وزوجَتَه، إلا "عبادَ اللَّهِ المُخْلَصِين منهم،
بعد أن لعنه اللَّهُ، وبعدَ أن أُخْرِج مِن الجنةِ، وقبلَ أن يَهْبِطَ إلى الأرضِ، وعلّم
اللَّهُ آدَمَ الأسماءَ كلَّها .
وحدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: حدَّثنا سلمةُ ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: لما فرَغ اللَّهُ مِن
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٠/١ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم. وينظر تفسير
ابن أبى حاتم ٨٤/١ (٣٦٤)، وتاريخ دمشق ٤٠٠/٧.
وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٤/١ (٣٦٠) من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة ، عن ابن عباسٍ .
(٢ - ٢) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((عباده)).

٥٤٨
سورة البقرة : الآية ٣٥
إبليسَ ومُعاتَبَتِه، وأَتَى إلا المعصيةَ، أوقَع اللَّهُ عليه اللعنةَ، ثم أُخْرَجه مِن الجنةِ ، أقْبَل
على آدمَ وقد علَّمه الأسماءَ كلَّها، فقال: ﴿يَتَادَمُ أَنْبِتْهُم بِأَسْمَاءِمْ﴾ . إلى قوله :
( إِنَّكَ أَنَتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾(١).
ثم اختلَفَ أهلُ التأويلِ فى الحالِ التى خُلقت لآدمَ زوجتُه، والوقتِ الذى
جُعِلَت له سكنًا؛ فقال ابنُ عباسٍ بما حدَّثنى به موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا
عمڑو، قال: حدثنا أسباطُ ، عن الشُّدِّئِ فی خبرٍ ذكّره عن أبى مالك ، وعن أبى
صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ
النبيِّ ◌َِّ: فَأَخْرِج إبليسُ مِن الجنةِ حينَ لُعِن، وأُشْكِن آدمُ الجنةَ ، فكان يَمْشِی فيها
وَخْشًا (٢) ، ليس له زَوْجٌ يَشْكُنُ إليها، فنام نَوْمةً، فاسْتَيْقظ وإذا عند رأسِه امرأةٌ
قاعدةٌ، خلَقها اللَّهُ من ضِلَعِه، فسَألَها: من أنْتِ ؟ قالت: امْرَأَةٌ . قال : ولِمَ
خُلِقْتٍ؟ قالت: تسكنُ إِلَىَّ. قالت له الملائكةُ - ينظُرون ما بلغَ علمُه -: ما
اسْمُها يا آدمُ؟ قال: حواءُ. قالوا: ولِمَ سميت حواءَ؟ قال: لأنّها خُلِقَتْ مِن
شىءٍ حىٍّ. فقال اللَّهُ له: ﴿يَعَادَمُ أَسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا
حَيْثُ شِئْتُمَا﴾(٣).
فهذا الخبرُ يُنْبِئُ عن أن حَواءَ خُلِقَتِ بعدَ أن أُسكِن آدمُ الجنةَ ، فجُعِلَت له
مَكَنًا .
/ وقال آخرون: بل خُلِقَت قبلَ أن يُسْكَنَ آدمُ الجنةَ .
٢٣٠/١
(١) تقدم بتمامه فى ص ٤٩٦ .
(٢) أى وحده ليس معه غيره . اللسان ( وح ش ) .
(٣) أخرجه المصنف فى تاريخه ١٠٣/١، ١٠٤. وأخرجه البيهقى فى الأسماء والصفات (٨٢٠)، وابن
عساكر فى تاريخه ٤٠٢/٧ من طريق عمرو بن حماد به. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٥/١ (٣٧٢)
من طريق عمرو بن حماد ، عن أسباط ، عن السدى من قوله .

٥٤٩
سورة البقرة : الآية ٣٥
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لما فرَغ اللَّهُ مِن
مُعاتَبَةٍ إبليسَ، أقْبَل على آدمَ وقد علَّمَه الأسماءَ كلَّها، فقال: ﴿يَقَدَمُ أَنْبِهُم
بِأَسْمَاءِهِمْ﴾. إلى قوله: ﴿ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ . ثم أُلْقَى السِّنَةَ على آدمَ -
فيما بلَغَنا عن أهلِ الكتابِ مِن أهلِ التَّوْراةِ، وغيرِهم مِن أهلِ العلمِ ، عن عبدِ اللهِبنِ
عباسٍ وغيرِهِ - ثم أخَذ ضِلَعًا مِن أَضْلاعِه مِن شِقٌّه الأيسرِ، [٥٨/٢ و] ولأم مكانَه لحمًا،
وآدمُ نائمٌ لم يَهْبُبْ مِن نَوْمِه حتى خلَق اللَّهُ مِن ضِلَعِه تلك زوجتَه حَوَّاءَ ، فسوَّاها امرأةٌ
ليَسْكُنَّ إليها، فلما كشَف عنه السِّنَةَ وهبَّ مِن نومتِهِ رآها إلى جنبِه، فقال - فيما
يَزْعُمون واللَّهُ أعلم -: لحْمى ودمى وزوجتى. فسكن إليها، فلمّا زوَّجه اللَّهُ،
وجعَل له سكنًا من نفسِه، قال له قِبَلً(١): ﴿يَادَمُ أَسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا
(٢
مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا نَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّلِينَ ﴾
قال أبو جعفرٍ : ويقالُ لامرأةِ الرجل : زوْجُه وزَوْجتُه . والزوجةُ بالهاءِ أكثرُ فى
كلامِ العربِ منها بغيرِ الهاءِ، والزوج بغيرِ الهاءِ يقالُ: إنها لغةٌ لأزْدِ شَئُوءةَ . فأمّا
الزوجُ الذى لا اختلافَ فيه بينَ العربِ فهو زوجُ المرأةِ .
القولُ فى تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا ﴾
قال أبو جعفرٍ : أمّا الرَّغَدُ، فإنه الواسِعُ مِن العيشِ الهَنِىءِ الذى لا يُعَنِّى صاحبه ،
يقالُ: أَرْغَد فلانٌ . إذا أصاب واسعًا مِن العيشِ الهَنِىءٍ، كما قال امرُؤُ القيسِ بنُ
(١) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((فتلا)). وقِيلا: عيانا ومقابلة، لا من وراء حجاب، ومن غير أن يولى
أمره أو كلامه أحدا من ملائكته . النهاية ٨/٤ .
(٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ١٠٤/١. وذكره ابن كثير فى تفسيره ١١٢/١ عن ابن إسحاق به .

٥٥٠
سورة البقرة : الآية ٣٥
حُجْرٍ (١):
(١)
يأمنُ الأحداثَ فی عیشٍ رغدْ
بينَما المرءُ تَراهُ ناعِمًا
وكما حدَّثنا به موسى، قال: حدَّثنا عمرو، قال: حدَّثنا أسْباطُ ، عن الشدىِّ
فى خبرٍ ذكّره عن أبى مالك ، وعن أبى صالح، عن ابنِ عباسٍ ، وعن مُرَّةَ ، عن ابنٍ
مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبىِّ عَّهِ: ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا﴾: والرَّغَدُ
(٢)
الهنِىءُ().
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: حدَّثنا أبو عاصم ، قال : حدَّثنا عيسَى ، عن ابنِ
أبى نَجيح، عن مجاهِدٍ قولَه: ﴿رَغَدًا﴾. قال: لا حِسابَ عليهم (١).
حدَّثنا المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةً، قال: حدَّثنا شئْلٌ، عن ابنِ أبى تَجِيحٍ ،
عن مجاهدٍ مثله .
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا حَكّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن محمدِ بنِ
عبدِ الرحمنِ، عن القاسم بنٍ أبى بَزَّةً، عن مجاهدٍ: ﴿ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ
شِئْتُمَا﴾ . أى : لا حسابَ عليهم .
حُدِّثْتُ عن المِنْجابِ بنِ الحارثِ ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ ، عن أبى رَوْقٍ ،
(١) لم نجده فى ديوان امرئ القيس بهذه الرواية، ولكن لامرئ القيس قصيدة على نفس الوزن بها بيت شبيه ،
لعله المراد وليس فيه موضع الشاهد ، وهو :
ضرب الدهر ثناه فخمد
بينما المرء شهاب ثاقب
دیوان امرئ القيس ص٢١٧ .
(٢) ذكره الحافظ فى الفتح ١٦٤/٨ عن المصنف من طريق السدى عن رجاله . وأخرجه ابن أبى حاتم فى
تفسيره ٨٦/١ (٣٧٥) عن أبى زرعة، عن عمرو بن حماد، عن أسباط، عن السدى من قوله. وهو تمام الأثر
المتقدم فى ص ٥٤٧.
(٣) تفسير مجاهد ص ٢٠٣، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٦/١ (٣٧٤).

٥٥١
سورة البقرة : الآية ٣٥
عن الضَّخَّاكِ، عن ابن عباسٍ فى قولِه: ﴿ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا﴾. قال: الرَّغَدُ سَعَةُ
المَعيشةِ(١).
[٥٨/٢ظ] فمعنى الآية: وقلْنا يا آدمُ اسْكُن أنت وزوجك الجنةَ، وكُلَا مِن
الجنةِ رِزقًا واسعًا هَنيئًا مِن العيشِ حيثُ شئتُما .
كما حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْع، قال: حدَّثنا سعيدٌ ، عن
قتادةَ قولَه: ﴿يَادَمُ أَسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾: ثم
أتى(٢) البلاءُ الذى كُتِب على الخلقِ / على آدمَ، كما ابتُلِى الخلقُ قبلَه، إن الله تعالى ذكره ٢٣١/١
أحَلَّ له ما فى الجنةِ أن يَأْكلَ منها رَغَدًا حيثُ شاءَ، غيرَ شجرةٍ واحدةٍ نُّهِى عنها ، وقَدَّم إليه
فيها ، فما زال به البلاءُ حتی وقَع بالذی نُهِی عنه .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلّ وعزّ: ﴿ وَلَ نَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ
قال أبو جعفرٍ : والشجَرُ فى كلامِ العربِ كلُّ ما قام على ساقٍ ، ومنه قولُ اللَّهِ
تعالى ذكره: ﴿ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ﴾ [الرحمن: ٦]. يعنى بالنَّجْم ما نجم مِن
الأرضِ مِن نَّيْتٍ ، وبالشجَرِ ما اسْتَقَلَّ على ساقٍ .
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى عينِ الشجرةِ التى نُهِىَ عن أكلِ ثمرِها آدمُ عليه
السلام ؛ فقال بعضُهم: هى السُّنْلةُ .
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ إسماعيلَ الأُخْمَسيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ الحِمَّانُ،
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٥/١ (٣٧٣) عن أبى زرعة، عن المنجاب به .
(٢) فى م: ((إن)).

٥٥٢
سورة البقرة : الآية ٣٥
عن النضرِ، عن عِكَرمةَ، عن ابنِ عباسٍ ، قال: الشجرةُ التى نُهِىَ آدمُ عنها(١)
ـ (٢)
السُّئْلةُ(٢) .
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هُشَيْمٌ، وحدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال :
حدَّثَنَا عِمْرانُ بنُ عُيَيْنَةً(١) ، جميعًا عن حُصينٍ، عن أبى مالكِ فى قوله: ﴿ وَلَا تَقْرَبَا
هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾. قال: هى الشئبلةُ (٤).
حدَّثنا محمد بن بَشَّارِ، قال: حدَّثنا ابنُ مَهْدىٍّ، وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ
الأهْوازىُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرِىُّ، قالا جميعًا: حدَّثنا سفيانُ، عن
محُصَيْنٍ، عن أبى مالكِ مثلَه .
حدَّثنا أبو كُرَيْب وابنُ وَكيع، قالا: حدَّثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعْتُ أبى ، عن
عطيةَ العوفيّ فى قوله: ﴿ وَلَا نَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾. قال: السُّئْلةُ (٥).
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: حدَّثنا يَزِيدُ ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ ، قال :
الشجرةُ التى نُهِى عنها آدم هى السُّنْبلةُ .
حدَّثنى المثنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: [٥٩/٢و] حدَّثنا
(١) فى م: ((عن أكل ثمرها)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٦/١ (٣٧٧)، وأبو الشيخ فى العظمة (١٠٥٩) من طريق محمد بن
إسماعيل به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٢/١ إلى ابن المنذر وابن عساكر. والنضر بن عبد الرحمن
متروك .
(٣) فى م: ((عتيبة)). وينظر تهذيب الكمال ٣٤٥/٢٢.
(٤) أخرجه ابن عساكر فى تاريخه ٤٠١/٧ من طريق حصين به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٣/١ إلى
و کیع وعبد بن حميد وأبی الشيخ .
(٥) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٦/١ عقب الأثر (٣٧٧) معلقا .

٥٥٣
سورة البقرة : الآية ٣٥
القاسمُ ، قال : حدَّثنى رجلٌ مِن بنى تميم، أن ابنَ عباسٍ كتَب إلى أبى الجَلْدِ يَسْألُه عن
الشجرةِ التى أُكَل منها آدمُ ، والشجرةِ التى تاب عندَها؟ فكتب إليه أبو الجَلْدِ :
سأَلْتَنى عن الشجرةِ التى نُهِىَ عنها آدم ، وهى السُّنْئلةُ ، وسألتنى عن الشجرة التى تاب
عندَها آدمُ ، وهى الزَّئْتُونةُ .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: حدَّثنا سلمةُ ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ ، عن رجلٍ مِن
أَهْلِ العلمِ ، عن مجاهدٍ ، عن ابنِ عباسٍ أنه كان يقولُ : الشجرةُ التى نُهِىَ عنها آدمُ
(١)
البُ(١).
حدَّثنى المثنَّى ، قال: حدَّثنى إسحاقُ ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أُخْبَرَنا
ابنُّ عُيَيْنَةَ وابنُ المباركِ ، عن الحسنِ بنِ عُمارةَ، عن المِنْهالِ بنِ عمرٍو، عن سعيدِ بنِ
جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ ، قال: كانت الشجرةُ التى نَهَى اللَّهُ عنها آدمَ وزوجته
.(٢)
السُّنبلةَ(٢).
حذَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ ، عن بعضِ أهلِ
اليمنِ، عن(٢) وَهْبٍ بِنِ مُنَّهِ اليَمانيّ أنه كان يقولُ: هى البُرُّ، ولكنَّ الحَّةَ منها
فى الجنةِ ككُلَى البقرِ، ألينُ مِن الزُّبْدِ وأَخْلَى مِن العسلِ، وأهلُ الثَّوْرةِ يَقُولون:
(٤)
هى البُ(٤).
حدَّثنا ابنُّ حُميدٍ ، قال: حدَّثنا سلمةُ ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاق ، عن يعقوبَ
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١١٣/١ عن ابن إسحاق به. وينظر الدر المنثور ٥٢/١.
(٢) سيأتى بتمامه فى تفسير الآية ٢٢ من سورة الأعراف .
(٣) فى الأصل: ((وعن )).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٦/١ (٣٧٨) من طريق سلمة به .

٥٥٤
سورة البقرة : الآية ٣٥
ابنِ عُثْبةَ ، أنه حدَّث أنها الشجرةُ التى تَحَنَّكُ(١) بها الملائكةُ للخَلْدَةِ(٢) ..
٢٣٢/١
/ حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال : حدَّثنا ابنُ يَمانٍ ، عن جابرِ بنِ يزيدَ بنِ رِفاعةً، عن
مُحارِبٍ بنِ دِثارٍ ، قال: هى السنبلةُ (٣) .
حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال: حدَّثنا أبو أسامةَ، عن يزيدَ بنِ إبراهيمَ ، عن الحسنِ،
قال : هى السنبلةُ التى جعَلها اللَّهُ رِزِقًا لولدِه فى الدنيا(٣).
وقال آخرون : هى الكَرْمةُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال: حدَّثنا ( عبيدُ اللَّهِ)، عن إسرائيلَ، عن السدىِّ، عمَّن
حدَّثه، عن ابنِ عباسٍ، قال: هى الكَوْمةُ(٥).
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: حدَّثنا أسْباطُ ،
عن السُّدِّىِّ فى خبرٍ ذكره عن أبى مالكِ ، وعن أبى صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ ، وعن مُرَّةَ
الهَمْدانيٌّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ يَِّ: ﴿ وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ
(١) فى م: ((تحتك)).
(٢) فى ص، م: ((للخلد)).
(٣) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٦/١ عقب الأثر (٣٧٧) معلقا .
(٤ - ٤) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((عبد الله)).
(٥) فى ر، والمصادر: (( الكرم)).
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٦/١ (٣٧٦) من طريق عبيد الله به.
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٣/١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
وذكر السيوطى ٥٣/١ عن المصنف، عن ابن عباس: هى اللوز. وقال: كذا فى النسخة، وهى قديمة،
وعندى أنها تصحفت من الكرم .
٠

٥٥٥
سورة البقرة : الآية ٣٥
الشَّجَرَةَ﴾: هى الكَرْمُ، وتَزْعُمُ اليهودُ أنها الحنطةُ(١).
حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حَمادٍ ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن
السدىِّ، قال : الشجرةُ هى الكرمُ .
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: حذَّثنا هُشَيْمٌ، عن مُغيرةً ، عن الشعبىِّ ، عن
جَعْدةَ بنِ هُبَيْرةَ ، قال: هو العِنَبُ. فى قوله: ﴿ وَلَا نَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ
﴾ .
حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال: حدَّثنا أبى، عن خَلَّادِ الصَّفَّارِ، عن بَيَانٍ، عن
الشعبىِّ، عن جَعْدَةَ بنِ هُبَيْرةَ: ﴿ وَلَا نَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ﴾. قال: الكَوْمُ(٣) .
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ وابنُ وَكيع، قالا: [٥٩/٢ ظ] حدَّثنا جَرِيرٌ، عن مُغيرةَ، عن
الشعبىِّ، عن جَعْدةَ بنِ هُبَيْرةَ ، قال : الشجرةُ التى نُهِى عنها آدمُ شجرةُ الخمرِ .
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرِىُّ، قال: حدَّثَنَا عَبَّادُ بنُ
العَوَّامِ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ حسين (٢) ، عن يَعْلَى بنِ مُسْلِم، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ
قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾. قال: الكَوْمُ(٤) .
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ ، قال: حدَّثنا سُفيانُ ، عن
الشُّدِّىِّ، قال : العِنَبُ .
حدَّثنا القاسمُ قال : حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن أبى مَعْشَرٍ ، عن
محمدٍ بنٍ قيسٍ ، قال : عِنَبُ (٤).
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٣/١ إلى المصنف عن ابن مسعود. وينظر تاريخ دمشق ٧/ ٤٠١.
(٢) أخرجه وكيع - كما فى الدر المنثور ٥٣/١ - وأخرجه ابن سعد ٣٤/١ من طريق بيان به. وعزاه السيوطى
إلى أبى الشيخ. وينظر تفسير ابن أبى حاتم ٨٦/١ (٣٧٦).
(٣) فى ص: ((حصين)).
(٤) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٦/١ عقب الأثر (٣٧٦) معلقًا .

٥٥٦
سورة البقرة : الآية ٣٥
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا خالدٌ الواسطىُ، عن
بَيَانٍ، عن الشعبىِّ، عن جَعْدةَ بنِ هُبَيْرةَ: ﴿ وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾. قال: الكَوْمُ.
وقال آخرون: هى التّينةُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ ،
عن بعضِ أصحابٍ محمدٍ عَظِّهِ، قال: تينةٌ (١).
٢٣٣/١
/ قال أبو جعفرٍ: والقولُ فى ذلك عندنا أن اللَّهَ تعالى ذكره أخْبَر عبادَه أن آدمَ
وزوجَه قد أكَلا مِن الشجرةِ التى نهاهما عن الأكل منها ، وأتيا الخطيئةَ التى نهاهما
عن إتيانِها بأكلِهما ما أكَلا منها، بعدَ أن بينَّ اللَّهُ لهما عَينَ الشجرةِ التى نهاهما عن
الأكلِ منها، وأشار لهما إليها بقوله: ﴿ وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾. ولم يَضَعِ اللَّهُ
لعبادِهِ المخاطَبِين بالقرآنِ دَلالةً على أىِّ أشجارِ الجنةِ كان نَهْيُه آدمَ عليه السلامُ أن
يَقْرَبَها ، بنصِّ عليها باسمِها ، ولا بدَلالةٍ عليها ، ولو كان للَّهِ جلّ ثناؤُه فى العلم بأىِّ
ذلك مِن أَىِّ رضًا، لم يُخْلِ عبادَه مِن نَصْبِ دَلالةٍ لهم عليها يَصِلون بها إلى معرفةٍ
عينِها ، ليُطِيعوه بعلمِهم بها، كما فعل ذلك فى كلِّ ما فى العلم به له رضًا .
فالصوابُ فى ذلك أن يقالَ: إن الله تعالى ذكرُه نهَى آدمَ عليه السلامُ وزوجتَه
عن أكلِ شجرةٍ بعينِها مِن أشجارِ الجنةِ دون سائرٍ أشجارِها ، فخالَفا إلى ما نهاهما اللَّهُ
عنه، فأكلا منها كما وصَفَهُما اللَّهُ به، ولا علمَ عندَنا ( بأىّ ذلك من أى٢ِّ) . وقد
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٣/١ إلى المصنف عن بعض الصحابة.
وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٦/١ (٣٧٩) من طريق ابن جريج عن مجاهد. وعزاه السيوطى إلى أبى
الشيخ عن مجاهد. وينظر ما تقدم فى ص ٢٠٤.
(٢ - ٢) فى م: ((أى شجرة كانت على التعيين؛ لأن الله لم يضع لعباده دليلا على ذلك فى القرآن، ولا =

٥٥٧
سورة البقرة : الآية ٣٥
قِيلَ: كانت شجرةَ البُرّ . وقيل: كانت شجرةَ العِنَبِ . وقيل: كانت شجرةَ التِّينِ .
وجائزٌ أن تكونَ واحدةٌ منها، وذلك " عِلْمٌ إذا عُلِم " لم يَنْفَع العالمَ به علمُه، وإِنْ
جَهِله جاهلٌ لم يضُرَّه جهلُه به .
[٦٠/٢ و] القولُ فى تأويل قولِه عزّ وجلّ: ﴿ وَلَا نَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ
الَّلِمِينَ
٣٥
قال أبو جعفرٍ: اخْتلَف أهلُ العربيةِ فى تأويلٍ قوله: ﴿ وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ
فَتَكُونَا مِنَ الَّلِينَ﴾؛ فقال بعضُ نخونِى الكوفيين: تأويلُ ذلك: ولا تَقْرَبا هذه
الشجرةَ ، فإنكما إن قرِبْتُماها كنتما مِن الظالمين. فصار الثانى فى موضعٍ جوابٍ
الجزاءِ، وجوابُ الجزاءٍ يَعْمَلُ فيه أوَّلُه، كقولك: إن تَقُمْ أَقُمْ. فَتَجْزِمُ الثانىَ بجزمٍ
الأوَّلِ ، فكذلك قولُه: ﴿فَتَكُونَ ﴾ لمّا وَقَعَتِ الفَاءُ فى موضع شرطِ الأَوَّلِ نُصِب بها ،
وصُيِّرَت بمنزلةِ ((كى)) فى نصبِها الأفعالَ المستقبلةَ، للزومِها الاستقبالَ، إذ كان
أصلُ الجزاءِ الاستقبالَ .
وقال بعضُ نحوِّى أهلِ البصرةِ: تأويلُ ذلك: لا يكُنْ منكما قُرْبُ هذه
الشجرةِ، فأن تكونا مِن الظالمين. غيرَ أنه زعَم أنّ ((أن)) غيرُ جائزٍ إظهارُها مع
﴿لَا﴾، ولكنَّها مُضْمَرةٌ لابد منها ليصحَ الكلامُ بعطفِ اسم - وهى ((أن)) - على
اسمٍ، كما غيرُ جائزٍ فى قولِهم: عسى أن يَفْعَلَ : عسى الفعلُ. ولا فى قولِك : ما
كان لِيَفْعَلَ: ما كان لأَن يَفْعَلَ .
وهذا القولُ الثانى يُفْسِدُه إجماعُ جميعِهم على تخطئةِ قولِ القائلِ : سرَّنى
= فى السنة الصحيحة ، فأتى يأتى ذلك من أتى )).
(١ - ١) فى م: ((إن علمه عالم)).

٥٥٨
سورة البقرة : الآية ٣٥
تقومُ يا هذا. وهو يُرِيدُ: سرّنى قيامُك. فكذلك يجِبُ أن يَكونَ خطأً على هذا
المذهبِ قولُ القائلِ: لا تقمْ. إذا كان المعنى: لا يكن منك قيامٌ . وفى إجماع
جميعِهم على صحةٍ قولِ القائلِ : لا تَقُمْ . وفسادٍ قولِ القائلِ: سَّنِى تَقُومُ . بمعنى:
سرَّنى قيامُك - الدليلُ الواضحُ على فسادٍ دعوى المُدَّعِى أن مع ﴿لَا﴾ التى فى
قوله: ﴿ وَلَا تَقْرَبَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾. ضميرَ ((أن))، وصحةِ القولِ الآخرِ.
وفى قوله: ﴿ فَتَكُوْنَا مِنَ الَّلِينَ﴾. وجهان مِن التأويل؛ أحدُهما: أن يَكونَ
فَتَكُونَا﴾ فى نيةِ العطفِ على قولِه: ﴿ وَلَا تَقْرَبَا﴾ فيكونَ تأويلُه حينئذٍ : ولا تَقْرَبا
هذه الشجرةَ، ولا تكونا من الظالمين. فيكونَ ﴿ فَتَكُونَا﴾ حينئذٍ فى معنى الجزمِ
مجزومًا بما مُجُزِم به: ﴿ وَلَا تَقْرَبَا﴾. كما يقولُ القائلُ: لا تُكَلِّمْ عَمْرًا ولا تُؤْذِه.
كما قال امرُؤُ القيسِ(١).
فَيُذْرِكَ مِن أُخْرَى القَطاِ(٢) فَتَزَلَقِ
٢٣٤/١ [٢/ ٦٠ظ] / فقلتُ له صوِّبْ ولا تَجْهَدَنَّهُ
فجزَم ((يُذْرك)) بما جزَم به (( لا تَجْهَدَنَّه))، كأنه كرَّر النهىَ .
والثانى: أن يكونَ ﴿فَتَكُونَا مِنَ اْلّلِينَ﴾. بمعنى جوابِ النهى ، فيكونَ تأويلُه
حينئذٍ : لا تَقْرَبا هذه الشجرةَ ، فإنكما إن قَرِبْتُماها كنتما مِن الظالمين. كما تقولُ :
لا تَشْتُمْ زِيدًا(٢) فِيَشْتُمَك مُجازاةً. فيكونَ ﴿فَتَكُونَا﴾ حينئذٍ فى موضعِ نَصبٍ إِذ
كان حرفًا تُطِفَ على غيرِ شكلِه، لمّ كان فى ﴿ وَلَا نَقْرَبَا﴾ حرفٌ عاملٌ فيه لا(1)
يَصْلُحُ إِعادتُه فى ﴿فَتَكُونَا﴾، فتُصِب على ما قد بيَّنْتُ فى أولِ هذه المسألةِ.
(١) ديوانه ص ١٧٤ .
(٢) القطاة : موضع الردف من الدابة خلف الفارس. اللسان ( ق ط و) .
(٣) فى ص، م، تأ، ت٢، ت٣: ((عمرًا)).
(٤) فى ص، م: (( ولا)).

٥٥٩
سورة البقرة : الآية ٣٥
وأما تأويلُ قولِه: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الَّلِينَ﴾. فإنه يعنى به: فتكونا من المُتُعدِّين
إلى غيرٍ ما أُذِن لهم فيه وأُبيح لهم. وإنما عَنَى بذلك أنكما إن قرِبْتُما هذه الشجرةَ
كنتما على مِنْهاج مَن تَعدَّى حُدودى، وعَصَى أمرى، واسْتَحلَّ مَحارِمى؛ لأن
الظالمين بعضُهم أولياءُ بعضٍ، واللَّهُ ولىُ المتُِّين.
وأصلُ الظلم فى كلامِ العربِ وضعُ الشىءٍ فى غيرِ موضعِه، ومنه قولُ نابغةٍ
بنی ذُنْیانَ(١) :
إلَّا أَوَارِئَّ(٢) لَأَيَا مَا أُبَيِّنُها
والتُّؤْىُ كالحوضِ بِالمَظْلومةِ الجَلَدِ
فجعَل الأرضَ مظلومةً ؛ لأن الذى حفَر فيها التُّؤْىَ حفَر فى غيرِ موضعِ الحفرِ ،
فجعَلها مظلومةً لوضع الحُفْرةِ منها فى غيرِ موضعِها. ومِن ذلك قولُ ابنٍ قَمِيئَةً
فى صفةٍ غَيْثٍ (4) :
ظَلَم البِطاعَ(٥) به (٦) انهلالُ(٧) خريصةٍ(٨)
(٥) (٦)
فَصَفَا النَّطافُ(٩) له بُعَيْدَ الْمُقْلَعِ (١٠)
(١) تقدم فى ص ١٨٤.
(٢) فى الأصل، م: ((الأوارى)). ويروى بالوجهين، وقد تقدم بدون الألف واللام فى جميع النسخ فى
الموضع السابق .
(٣ - ٣) فى ص: ((لموضع الحفر)).
(٤) كذا نسبه المصنف ، وورد هذا البيت فى ديوان ابن قميئة ص ٢٠٧ على أنه من الشعر المنسوب إليه وليس
فى مخطوطة الديوان . والصواب أنه للحادرة، ينظر المفضليات ص ٤٤، وديوان شعر الحادرة ص ٣٠٨ .
(٥) البطاح : بطون الأودية . التاج ( ب ط ح) .
(٦) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((بها)). وفى المفضليات: ((له)). والمثبت من الأصل، ص موافق لما فى ديوان
شعر الحادرة .
(٧) أنهل المطر انهلالاً: سال بشدة . اللسان (هـ ل ل ).
(٨) الحريصة : السحابة التى تقشر وجه الأرض بمطرها. التاج ( ح ر ص ) .
(٩) النطاف: القليل من الماء . وقيل: هى الماء الصافى قلَّ أو كثر. اللسان (ن ط ف).
(١٠) المقلع : الإقلاع؛ وهو الإمساك والكف . التاج ( ق ن ع ).

٥٦٠
سورة البقرة : الآيتان ٣٥ ، ٣٦
وظلمُه إياه مَجِيئُه فى غيرِ أوانِهِ ، وانصبابُه فى غيرِ مَصَبِّه. ومنه ظلمُ الرجلِ
جَزورَه، وهو نحرُه إياه لغيرٍ عَلَّةٍ ، وذلك عندَ العربِ وَضْعُ النحرِ فى غيرِ موضعِه .
وقد يتفَرَُّ الظُّلْمُ فى معانٍ يَطولُ بإِحْصائِها الكِتابُ ، سنُبيِّنُها فى أماكنِها إذا
أتْنا عليها، إن اللَّهُ شاء ذلك، وأصلُ ذلك كُلُّه ما وصَفْنا من وضع الشىءٍ فى غيرِ
موضِعِه .
القولُ فى تأويلٍ قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿فَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾ .
قال أبو جعفرٍ : اخْتَلَفتِ القَرَأةُ فى قراءةِ ذلك ؛ فقرَتْه عامَّتُهم: ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾ .
بتشديدِ اللام ، بمعنى : اسْتَزَلَّهما، مِن قولك: زَلَّ الرجلُ فى دينِه. إذا هفَا فيه
وَأَخْطَأْ ، فأتَى ما ليس له إتيانُه [٦١/٢ وع فيه، وأزلَّه غيرُه ، إذا سبَّب له ما يَزِلُّ مِن أجلِه فى
دِينِه أو دنياه؛ ولذلك أضاف اللَّهُ تعالى ذكرُه إلى إبليسَ خروجَ آدمَ وزوجتِهِ مِن الجنةِ
فقال: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا﴾. يعنى: إبليسُ أُخرَجهما(٢) ﴿مِّنَا كَانَا فِيَّةِ ﴾؛ لأنه كان
الذى سبَّب لهما الخطيئةَ التى عاقَتَهما اللَّهُ عليها بإخراجِهما مِن الجنةِ .
وقرَأه آخرون: (فَأَزَالهما) . بمعنى إزالةِ الشىءٍ عن الشىءٍ، وذلك تَنْحِيتُه عنه.
وقد رُوِى عن ابنِ عباسٍ فى تأويلٍ قولِه: ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾ ( ما حدَّثناهُ" القاسمُ،
٢٣٥/١ قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: / حدَّثنَى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيج، قال: قال ابنُ
عباسٍ: قولُه: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ ﴾. قال: أغواهماً).
(١) وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وأبى عمرو والكسائى. السبعة لابن مجاهد ص ١٥٣.
(٢) سقط من ص، م، ت٢ .
(٣) وهى قراءة حمزة . المصدر السابق.
(٤ - ٤) فى ص: (( الشيطان عنها، قال: أغواهما. حدثنا)).
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٧/١ (٣٨٦) من طريق ابن جريج به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٥٣/١ إلى ابن المنذر.