Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١ سورة البقرة : الآيتان ١٩، ٢٠ وقال آخرون : الرعدُ ريحٌ تختَقُ تحتَ السحابِ فتصّاعدُ، فيكونُ منه ذلك الصوتُ . ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، [٢/٢و] قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبيرىُّ، قال: حدَّثنا بشير(١) أبو (٢) إسماعيلَ، عن أبى كَثِيرٍ(٣)، قال: كنتُ عندَ أبى الجَلْدِ(٤)، إذ جاءه رسولُ ابنِ عباسٍ بكتابٍ إليه ، فكتَبُ إليه: كتبتَ إلىّ تسألنى عن الرعدِ ، فالرعدُ (٦) الربح(). حدَّثنى إبراهيمُ بنُ عبدِ اللهِ ، قال: حدَّثنا عمرانُ بنُ ميسرةَ ، قال: حدَّثنا ابنُ إدريسَ ، عن الحسنِ بنِ الفراتِ، عن أبيه، قال: كتب ابنُ عباسٍ إلى أبى الجَلْدِ() يسألُه عن الرعدِ ، فقال: الرعدُ ريح (١). قال أبو جعفرٍ : فإن كان الرعدُ ما ذكره ابنُ عباسٍ ومجاهدٌ ، فمعنَى الآية : أو كصيِّب من السماءِ فيه ظلماتٌ وصوتُ رعدٍ؛ لأن الرعدَ إن كان ملكًا يسوقُ السحابَ، فغيرُ كائنٍ فى الصّيِّبِ؛ لأن الصَّيِّبَ إنما هو ما تحدَّر من صَوْبٍ(1) السحابِ، والرعدُ إنما هو فى جوِّ السماءِ يسوقُ السحابَ. على أنه لو كان فيه (١) فى م، ص، ت ١: (( بشر)). (٢) فى النسخ: ((بن)) وهو خطأ . وهو بشير بن سلمان ، أبو إسماعيل ، والمثبت من مصدر التخريج ، وينظر تهذيب الكمال ٤/ ١٦٨. (٣) فى الأصل: (( كبير)). (٤) فى م: ((الخلد)). (٥) فى ت ١: ((فقال فى كتاب)). (٦) أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (٧٧٣) من طريق بشير به، وسيأتى تمامه فى ص ٣٦٣، ٣٦٤. (٧) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٥/١ (١٨٧) من طريق ابن إدريس، به . (٨) فى ص، ت ١، ت ٢: ((صوت)). :٣٦٢ سورة البقرة : الآيتان ١٩، ٢٠ ثَمّ(١)، لم يكنْ له صوتٌ مسموعٌ، لم (١) يكنْ هنالك رعبٌ يُؤْعَب به أحدٌ ؛ لأنه قد قيل : إن مع كلِّ قطرةٍ من قَطْرِ المطرِ ملَكًا . فلا يَعْذُو الملَكُ الذى اسمُه الرعدُ لو كان ١٥٢/١ مع الصيِّبِ، إذا لم يكنْ مسموعًا صوتُه - أن يكونَ كبعضٍ / تلك الملائكةِ التى تنزلُ مع القَطْرِ إلى الأرضِ، فى ألا رُعبَ على أحدٍ بكونِه فيه. فقد عُلِم - إذ كان الأمرُ كما (١) وصَفْنا من قولِ ابنِ عباسٍ - أن معنَى الآيةِ: أو كمثَلِ غَيْثٍ تحدَّر من السماءِ فيه ظلماتٌ وصوتُ رعدٍ . إن كان الرعدُ هو ما قاله ابنُ عباسٍ ، وأنه اسْتَغْنَى بدَلالةِ ذكرِ الرعدِ باسمِه على المرادِ فى الكلام من ذكرٍ صوتِه، وإن كان الرعدُ ما قاله أبو الجلدِ(٤)، فلا شىءَ فى قولِه: ﴿فِهِ ظُلُمَتٌ وَرَعْدٌ﴾. متروٌ؛ لأن معنى الكلامِ حينئذٍ : فيه ظلماتٌ ورعدٌ ، الذى هو ما وصَفْنا صفتَه . وأما البرقُ ، فإن أهلَ العلم اخْتَلفوا فيه ؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنا مطرُ بنُ محمدٍ الضبّىُّ، قال: حدَّثنا أبو عاصم، وحدَّثنا محمدُ بنُ بشّارٍ ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ ابنُّ مهدىٌّ، وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازىُّ ، قال: حدَّثنى أبو أحمدَ الزُّبيرىُّ، قالوا جميعًا : حدَّثنا سفيانُ الثورىُّ، عن سَلَمَةَ بنِ كُهيلٍ، عن سعيدِ بنِ أَشْوعَ ، عن ربيعةَ بنِ الأَنْيَضِ، عن علىٍّ، قال : البرقُ مخاريقُ (٥) الملائكةٍ(٦). (١) فى م: ((يمر)). (٢) فى م: ((فلم). (٣) فى ص، ر، م: ((على ما)). (٤) فى م: ((الخلد)). (٥) المخاريق، جمع مخراق: وهو فى الأصل ثوب يلف ويضرب به الصبيان بعضهم بعضا ، أراد أنه آلة تزجر بها الملائكة السحاب وتسوقه . النهاية ٢٦/٢. (٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٥/١ (١٩٠)، وأبو الشيخ فى العظمة (٧٧١)، والبيهقى ٣٦٣/٣ من طريق سفيان به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٩/٤، ٥٠ إلى عبد بن حميد وابن المنذر. وأخرجه الخرائطى فى مكارم الأخلاق (٥٦٥ - المنتقى) من طريق المسعودى ، عن سلمة ، عن رجل ، عن على بلفظ: الرعد: ملك، والبرق: مخاريق بأيدى الملائكة. وينظر علل الدارقطنى ٣/ ٢٠٠. ٣٦٣ سورة البقرة : الآيتان ١٩، ٢٠ حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بنُ حسين، عن الشُّدِّىِّ، عن أبى مالكِ، عن ابنِ عباسٍ ، قال : البرقُ مخاريقُ بأيدى الملائكةِ يزْجُرون بها السحابَ . حدَّثنى المُثُنَّى، قال: حدَّثنا الحجاج، قال: حدَّثنا حمادٌ ، عن المغيرةِ بنِ سالمٍ، عن أبيه أو غيرِهِ ، أن علىَّ بن أبى طالبٍ قال : الرعدُ الملَكُ ، والبرقُ ضربُه السحابَ بِخْراقٍ من(١) حديدٍ (٧). وقال آخرون: هو سَوْطٌ من نورٍ ، يزجُرُ به الملكُ السحابَ . [٢/٢ظ] ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثت عن المِنْجابِ بنِ الحارثِ ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ ، عن الضخَاكِ ، عن ابنِ عباسٍٍ بذلك(٣). وقال آخرون : هو ماءً . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا بشيرُ(٤) أبو (٥) إسماعيلَ، عن أبى كَثِيرٍ(١)، قال: كنتُ عند أبى الجَلْدِ(٧)، إذ جاءه رسولُ ابنٍ (١) ليس فى : الأصل . (٢) ينظر ما تقدم فى ص ٣٦٠. (٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٠/٤ إلى المصنف وابن مردويه . (٤) فى م: (( بشر)). (٥) فى النسخ: ((بن)). وهو خطأ كما تقدم فى ص ٣٦١. (٦) فى الأصل: ((كبير)). (٧) فى م: ((الخلد)). ٣٦٤ سورة البقرة : الآيتان ١٩، ٢٠ عباسٍ بكتابٍ إليه (١)، (٢) فَكتَب إليه٢): كَتَبْتَ(٣) إِلىَّ(٤) تسألُنى عن البرقِ ، فالبرقُ (٥) الماءُ . حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عبدِ اللَّهِ ، قال: حدَّثنا عِمرانُ بنُ ميسرةَ، قال: حدَّثنا ابنُ إدريسَ، عن الحسنِ بنِ الفراتِ، عن أبيه ، قال: كتَب ابنُ عباسٍ إلى أبى الجلدِ يسألُه عن البرقِ ، فقال : البرقُ ماءٌ(). حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا جَرِيرٌ، عن عطاءٍ، عن رجلٍ من أهلِ البصرةِ من قُرَّائِهم ، قال: كتَب ابنُ عباسٍ إلى أبى الجَلْدِ(٨) - رجلٍ مِن أهلِ هَجَرَ - يسألُه عن البرقِ، فكتب إليه: كتَبَتَ إلىَّ تسألُنى عن البرقِ، وإنه من الماءِ ١ . وقال آخرون: هو مَصْغُ (١١) ملَكِ . / حدَّثنا محمدُ بنُ بِشَّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهدىٍّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عثمانَ بنِ الأسودِ ، عن مجاهدٍ ، قال: البرقُ مَضْعُ ١٥٣/١ (١) ليس فى : الأصل . (٢ - ٢) سقط من: ص . (٣) سقط من : م. (٤) زيادة من : ص. (٥) تقدم أول هذا الأثر فى ص ٣٦١ . وينظر الدر المنثور ٤٩/٤. (٦) فى الأصل: ((الحسين)). (٧) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٥/١ (١٨٨) من طريق ابن إدريس به. (٨) فى م: ((الخلد)). (٩) أخرج أبو الشيخ فى العظمة (٧٨٢) من طريق ابن فضيل، عن عطاء بن السائب ، عن عامر، قال : أرسل ابن عباس إلى أبى الجلد. فذكره مطولًا، وفيه: وأما البرق فهو تلألؤ الماء. ينظر علل أحمد ٧٠/١ (١٩٤). (١٠) سيأتى تعريف المصع فى كلام المصنف، وينظر النهاية ٣٣٧/٤. ٣٦٥ سورة البقرة : الآيتان ١٩، ٢٠ ملَكٍ(١). حدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثْنَا إِسحاقُ، قال: حدَّثنا هشام، عن محمدِ بنِ مسلم الطائفيّ ، قال : بلَغنى أن البرقَ ملَكٌ له أربعةُ أوجهٍ ، وجهُ إنسانٍ ، ووجهُ ثَوْرٍ ، ووجهُ نَسٍ، ووجهُ أسدٍ ، فإذا مصَع بأجنحته فذلك البرقُ(٢). حدَّثنا القاسمُ ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ مُريجٍ، عن وهبِ بنِ سليمانَ، عن شُعيبِ الجَبَائِىِّ، قال: فى كتابِ اللَّهِ ؛ الملائكةُ حَملةُ العرشِ ، لكل ملَكِ منهم وجهُ إنسانٍ وثَورٍ وأسدٍ ونَشْرٍ ، فإذا حرّكوا أجنحتَهم ، فهو البرقُ ، وقال أميةُ بنُ أبى الصَّلْتِ(٣): والنَّشْرُ للُخرى ولَيْثُ مُرْصَدُ(٤) [٤/٢ و] رجلٌ وثور تحتَ رجلٍ يمينه حدَّثنا الحسنُ(٥) بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا علىُ بنُ عاصم، عن ابنٍ نجريجٍ، عن مجاهدٍ ، عن ابنِ عباسٍ، قال : البرقُ ملَكٌ(٦). (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٦/١ (١٩٤) من طريق عثمان به، بزيادة : يسوق به السحاب . وعزاه السيوطى فى الدرالمنثور ٤٩/٤ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ مثله. وعزاه أيضًا إلى المنذر مطولا . (٢) أخرجه ابن أبى حاتم - كما فى البداية والنهاية ٨٧/١، وتفسير ابن كثير ٣٦٣/٤ - عن أبيه ، عن هشام - هو ابن عبيد الله الرازى - به. وينظر الدر المنثور ٤ /٤٩. (٣) ديوانه ص ٢٩. (٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٩/٤ إلى أبى الشيخ. (٥) فى الأصل، ص، م، ت١، ت٢: ((الحسين)). وتقدم فى ص ٣٥٨. (٦) أخرج أبو الشيخ فى العظمة (٧٨٠) من طريق جويير، عن الضحاك، عن ابن عباس بلفظ : البرق ملك يترايا. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٩/٤ إلى ابن أبى الدنيا فى المطر. ٣٦٦ سورة البقرة : الآيتان ١٩، ٢٠ حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجاجٌ، عن ابنٍ مُجريج () ، قال : الصواعقُ ملَكٌ يَضْرِبُ(٢) السحابَ بالمطارقِ(٣) ، فيُصيبُ به من يشاء . قال أبو جعفرٍ: وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ ما قاله علىُ بنُّ أبى طالبٍ وابنُ عباسٍ ومجاهدٌ بمعنَى واحدٍ؛ وذلك أن تكونَ المخاريقُ التى ذكَر علىّ، رضِى اللّهُ عنه، أنها هى البرقُ، هى(٤) السّياطُ التى هى من نورٍ ، التى يُزْجِى بها الملَكُ السحابَ، كما قال ابنُ عباسٍ، ويكونُ إزجاءُ الملَكِ السحابَ مَصْعَه إِّه بها. وذلك أن المصاعَ عندَ العربِ أصلُه المُجُالدُ بالسيوفٍ، ثم تستغمِلُه فى كلِّ شيءٍ مجولد به، فی حربٍ وغیرِ حربٍ، كما قال أَعْشَى بنى ثعلبةً وهو يصفُ جَوارِىَ لَعِبْن بحَلْيهن وتَجَلَدْن به(٥): إِذا هُنَّ نازَلْنَ أَقرانَهُنَّ وكان المِصِاُ بما فى الجُوَنْ(٦) يقالُ منه: ماصَعه مِصاعًا. وكأنَّ مجاهدًا إِنما قال: مَصْعُ ملَكٍ. إذ كان (١) بعده فى ت٢: ((وهب بن سليمان)). (٢) زيادة من : م . (٣) فى م، ت٢: ((بالمخارق)). (٤) فى ص، ت ٢: ((وهى)). (٥) ديوان الأعشى ص ١٧. (٦) الجونة - وربما همزت - : سلة مستديرة مغشاة أدما، يجعل فيها الطيب والثياب. اللسان (ج أن، ج و ن ). ٣٦٧ سورة البقرة : الآيتان ١٩، ٢٠ السحابُ لا يُماضِعُ الملَكَ، وإنما الرعدُ هو الماصِحُ له، فجعَله مصدرًا من: مصَعَه يمصَعُه مَصْعًا . وقد ذكرنا فى معنى الصاعقةِ ما قاله شهرُ بنُ حَوْشبٍ فيما مضَى (١). وأما تأويلُ الآيةِ، فإن أهلَ التأويلِ مختلفون فيه ؛ فرُوِى عن ابنِ عباسٍ فى ذلك أقوالٌ؛ [٣/٢و] أحدُها: ما حدَّثنا به محمدُ بنُ محُميدٍ ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ بنُ الفضلِ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاقَ ، عن محمد بن أبى محمدٍ مولی زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ، عن ابنِ عباسٍ : ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَتُ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَبِعَهُمْ فِىّ ◌َاذَانِمِ مِنَ الصَّوَِّقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ أى: هم من ظلُمات ما هم فيه من الكفرِ والحذرِ من القتلِ على الذى هم عليه من الخلافِ والتخوُّفِ منكم - على مثلِ ما وَصَفَ من الذى(٢) هو فى ظلمةِ الصيِّبِ، فجعَل أصابعَه فى أَذُنيه مِن الصواعقِ حذَرَ الموتِ، ﴿ يَكَّدُ الْبَّقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ أى: لشدةِ ضوءِ الحقِّ، ﴿كُلُّمَاً أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْا فِهِ وَإِذَا / أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ﴾ أى: يعرِفون الحقَّ ويتكلَّمون ١٥٤/١ به، فهم من قولهم به على استقامةٍ، فإذا ارْتَكسوا منه إلى الكفرِ قامُوا (٤) متحيِّرين . (١) فى م: ((المماصع)). (٢) ينظر ما تقدم فى ص ٣٥٧. (٣) فى الأصل: ((الذين)). (٤) سيرة ابن هشام ٥٣٣/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٤/١، ٥٦، ٥٨ (١٨٣، ١٩٨، ٢٠٦، ٢٠٩ ) من طريق سلمة به ، وتقدم أول هذا الأثر فى ص ٣٣٦ . ٣٦٨ سورة البقرة : الآيتان ١٩، ٢٠ والآخرُ: ما حدَّثنا به موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: حدَّثنا أسباطُ ، عن الشّدِّىِّ فى خبرِ ذكَرَه عن أبى مالكٍ ، وعن أبى صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ عَّهِ: ﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ إلى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: أما الصيِّبُ فالمطرُ. كان رجلان من المنافقين من أهلِ المدينةِ هربا من رسولِ اللَّهِ مَه إلى المشركين، فأصابَهما هذا المطرُ الذى ذكَر اللَّهُ، فيه رعدٌ شديدٌ وصواعقُ وبرقٌ، فجعَلا كلَّما أصابَهما(٢) الصواعقُ جعَلا أصابِعَهما فى آذانِهما، من الفَرَقِ أن تدخُلَ الصواعقُ فى مسامعهما فتقتُلَهما، وإذا لَمَع البرقُ مَشَوا فى ضوئه، وإذا لم يلمَعْ لم يُنْصِرا، قاما مكانَهما لا يمشيان، فجعَلا يقولان: ليتنا قد أصْبَحنا فنأتىَ محمدًا فنضعَ أيديَنا فى يدِه. فأصْبَحا، فأتَياه فأسْلَما، ووضَعا أيديَهما فى يدِه، وحسن إسلامُهما، فضرَب اللَّهُ شأنَ هذين المنافقين الخارجين مثلًا للمنافقِين الذين بالمدينةِ، وكان المنافقون إذا حضروا مجلسَ النبيِّ عَّهِ جعَلوا أصابِعَهم فى آذانِهِم فَرَقًا مِن كلامِ النبيِّ عَمِ أن يَنْزِلَ فيهم شىءٌ، أو يُذْكَروا بشىءٍ فَيُقْتَلوا، كما كان ذانك [٣/٢] المنافقان الخارجان يجعلان أصابِعَهما فى آذانِهما. ﴿ كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْا فِهِ﴾، فإذا كَثُرت أموالُهم، وؤُلِد لهم الغِلمانُ، وأصابُوا" غنيمةً أو فتحًا، مشَوْافيه، وقالوا: إن دينَ محمدٍ عَ لِّ دِینُ () (١ - ١) فى م: ((والمطر، كانا)). (٢) فى م: (( أضاء لهما)). (٣ - ٣) فى الأصل: ((فأصابوا))، وفى ر، ت ٢: ((أو أصابوا)). (٤) فى ص، والدر المنثور: ((حينئذ))، وفى ت ١: ((حق و)). ٣٦٩ سورة البقرة: الآيتان ١٩، ٢٠ صدقٍ . فاستقامُوا عليه، كما كان (١) ذانك المنافقان يَمْشِيَان، إذا أضاء لهما (٢) البرقُ مشَوْا فيه ، ﴿ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ﴾. فكانوا إذا هلكت أموالُهم، وؤُلِدٍ لهم الجوارِى، وأصابهم البلاءُ، قالوا: هذا مِن أجلِ دينٍ محمدٍ. فَارْتَدُّوا كفارًا، كما قام ذانك المنافقان حينَ أَظْلَم البرقُ عليهما (١). والثالثُ: ما حدَّثَنَى به محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنى عمى ، قال: حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَآءِ﴾: كمطرٍ ، ﴿فِيهِ ظُلُمَتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ إلى آخرِ الآيةِ: هو مَثَلُ المنافقِ فى ضوء ما تكلّم بما معه من كتابِ اللَّهِ، وعمِل مُراءاةً للناسِ، فإذا خلا وحدَه عمِل بغيرِه، فهو فى ظلمةٍ ما أقام على ذلك ، وأمّا الظلماتُ فالضلالةُ، وأما البرقُ فالإيمانُ ، وهم أهلُ الكتابِ، ﴿ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ﴾ فهو رجلٌ(٤) يأخُذُ بطرَفِ الحقِّ لا يستطيعُ أن (٥) ◌ُجاوزَه(٥) . والرابعُ: ما حدَّثنى به الْمُثَنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: حدَّثَنى معاويةُ بنُ صالح، عن علىٍّ بنٍ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَآءِ﴾: وهو المطرُ، ضرّب مثَلَه فى القرآنِ، يقولُ: ﴿فِيهِ ظُلُمَتٌ﴾ يقولُ : (١) سقط من: الأصل . (٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢: ((لهم)). (٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢/١ إلى المصنف عن ابن مسعود وناس من الصحابة نحوه. وتقدم أول هذا الأثر فى ص ٣٣٧ . (٤) بعده فى ت١: ((واحد)). (٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢/١ إلى المصنف. وتقدم أوله فى ص ٣٥٦. ( تفسير الطيرى ٢٤/١ ) ٣٧٠ سورة البقرة : الآيتان ١٩، ٢٠ ابتلاء، (﴿وَرَعْدٌ﴾ يقولُ: تخويفٌ، ﴿وَبِرْقٌ﴾. ﴿يَكَدُ اْبَقُ يَخْطَفُ أَبْصَرَهُمْ﴾. يقولُ: يكادُ مُحكَمُ القرآنِ أن يدلَّ على عَوْراتِ المنافقين، ﴿ كُلُّمَّاً أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ ﴾ يقولُ: كلَّما أصاب المنافقون مِن الإِسلام عزَّا اطمأنُّوا، وإن أصابَ الإِسلامَ نكبةٌ (٢ قاموا ليؤْجِعوا٢) إلى الكفرِ، يقولُ: ﴿ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ﴾ كقوله: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍّ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرُّ أَطْمَأَنَّ بِهِ،﴾ [الحج: ١١]. إلى آخرِ الآيةِ(٢). ١٥٥/١ قال أبو جعفرٍ: / ثم اخْتَلَف سائرُ أهلِ التأويلِ بعدُ فى ذلك نظيرَ ما روى عن ابنِ عباسٍ مِن الاختلافِ فحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو الباهلىُّ، قال: حدَّثنا أبو عاصم، عن عيسى بن ميمونٍ، عن ابنٍ أبى نَجيح، عن مجاهدٍ ، قال: إضاءةُ البرقِ وإظلامُه (٤) على نحوِ ذلك المثَلِ(٥). حدَّثنا المُثَنَّى ، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ ، عن ابن أبى نَجيح، عن مجاهدٍ مثلَه . حدَّثنا عمرُو بنُ عليّ ، قال: حدَّثنا أبو عاصم ، قال: حدَّثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى نَجیح، عن مجاهدٍ مثلَه . (١ - ١) فى الدر المنثور: ((ورعد وبرق - تخويف)). (٢ - ٢) فى م: ((قالوا ارجعوا)). (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٤/١، ٥٥، ٥٧، ٥٨ (١٨٢، ١٨٦، ٢٠٣، ٢٠٨) من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢/١ إلى ابن المنذر والصابونى فى المائتين. (٤) فى الأصل، ر: ((إظلامهم)). (٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣/١ إلى عبد بن حميد. وينظر تفسير مجاهد ص ١٩٧. وتقدم أول هذا الأثر فى ص ٣٥٧. ٣٧١ سورة البقرة : الآيتان ١٩، ٢٠ حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريع، عن سعيدٍ، عن قتادةً فى قولِ اللَّهِ: ﴿ فِيهِ ظُلْمُتٌ وَرَعْدٌ وَبْقٌ﴾ إلى قولِه: ﴿ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ﴾: فالمنافقُ(١) إذا رأى فى الإسلام رخاءً أو طمأنينةً أو سَلْوةً من عيشٍ، قال: أنا معكم وأنا منكم. وإذا أصابته شدَّةٌ(٢) حَقْحَق(٢) واللَّهِ عندَها، فانْقُطِعِ به، فلم يَصْبِرْ على بلائِها، ولم يَحتسِبْ أُجرَها، ولم يرجُ (٤) عاقبتها حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أُخْبَرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أْبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿فِيهِ ظُلُتٌ وَرَعْدٌ وَبِرْقٌ﴾ يقولُ: أجبنُ(٥) قوم، لا يسمعون شيئًا إلا ظنُّوا أنهم هالكون فيه؛ "حذَرًا من١) الموتِ، ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَفِرِينَ﴾. ثم ضرَب لهم مثَلًا آخرَ، فقال: ﴿يَكَادُ الْبَّقُ يَخْطَفُ أَبْصَرَهُمْ كُلّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْا فِهِ﴾. يقولُ: هذا المنافقُ؛ إذا كثُر مالُه، وكثُرت ماشيتُه، وأصابَته عافيةٌ، قال: لم يُصِبْنى مذُ دخلتُ فى دينى هذا إلا خيرٌ. ﴿ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ ﴾ يقولُ: إذا ذهبت أموالُهم، وهلَكت مواشيهم، وأصابهم البلاءُ، قاموا متحيِّرین . (١) فى ت ١: ((قال)). (٢) فى الأصل، ص، ت١، ت٢: ((شديدة)). (٣) الحقحقة : أن يسار البعير ويحمل على ما يتعبه وما لا يطيقه حتى يبدع براكبه، وقيل: هو المتعب من السير. اللسان ( ح ق ق ). (٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣/١ إلى المصنف وعبد بن حميد نحوه ، وتقدم أوله فى ص ٣٣٩. (٥) فى م: ((أخبر عن))، وفى ت ١: (( هم أجبن )). (٦ - ٦) فى ص، ت ١: ((حذارا من)). ٣٧٢ سورة البقرة : الآيتان ١٩، ٢٠ حدَّثنى المُثَنَّى ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجاج، عن عبدِ اللهِ بنِ أبى جعفرٍ ، عن أبيه ، عن الرّبيع بنِ أنسٍ: ﴿فِيهِ ظُلُمَتُ وَرَعْدٌ وَبِرْقٌ﴾ قال: مثلُهم كمثلٍ قومٍ ساروا فى [٥/٢ و] ليلةٍ مظلمةٍ، ولها مطرٌ ورعدٌ وبرقٌ على جادَّةٍ، فلما أَبْرَقت أبْصَروا الجادَّةَ فمضَوْا فيها ، فإِذا ذهَب البرقُ تحيّروا، وكذلك المنافقُ، كلَّما تكلُّم بكلمةٍ الإخلاصِ أضاء له، فإذا شكَّ تحيّر ووقَع(١) فى الظُّلْمةِ، فكذلك قولُه: ﴿كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ﴾. ثم قال فى أسماعِهم وأبصارِهم التى عاشُوا بها فى الناسِ: ﴿ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَرِهِمَّ﴾(١). حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا أبو تميلةً ، عن عُبيدِ بنِ سليمانَ الباهليّ، عن الضَاكِ بنِ مُزَاحم: ﴿فِيهِ ظُلُمَتُ﴾ قال: أما الظلماتُ فالضلالةُ ، والبرقُ الإيمانُ(٤) . حدَّثنى يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرنا ابنُ وَهبٍ، قال: حدَّثنى عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ فى قولِهِ: ﴿ فِهِ ظُلُمُتٌ وَرَعْدٌ وَبِرْقٌ﴾ (°فَقَرأ حتى بلَغْ): ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ قال: هذا أيضًا مثَلٌ ضرّبه اللَّهُ للمنافقين، كانوا قد استنارُوا () بالإسلام، كما استنار(٧) هذا بنورِ هذا(1) البرق. (١) بعده فى ر: ((ورجع)). (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٩/١ عقب الأثر (١٢٠) من طريق ابن أبى جعفر به. (٣) فى الأصل: ((ثميلة))، وفى م: ((نميلة)). (٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٤/١، ٥٦ (١٨٤، ١٩٥) من طريق على بن الحكم عن الضحاك . (٥ - ٥) فى ر: ((حتى قرأ)). (٦) فى ت ١: ((استضاءوا)). (٧) فى ت ١: ((استضاء)). (٨) سقط من: ص، ت ١. ٣٧٣ سورة البقرة : الآيتان ١٩، ٢٠ حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجَّاجْ، قال : قال ابنُ مجريج: ليس فى الأرضِ شىءٌ يسمعُه المنافقُ إلا ظنَّ أنه يُرادُ به ، وأنه الموتُ، كراهيةً له ، والمنافقُ أكرَهُ خلقِ اللَّهِ للموتِ، كما إذا كانوا بالبرارِىِّ (١) فى المطرِ، فَرُّوا من الصواعقِ . /حدَّثنا عمرو بنُ علىّ، قال: حدَّثنا أبو معاويةً، قال: حدَّثنا ابنُ جريج، عن ١٥٦/١ عطاءٍ فى قولِه : ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ قال: مثَلْ ضُرِب (٢) للكافرين(٢). قال أبو جعفرٍ: وهذه الأخبارُ(١) التى ذكَرْناها عمَّن رَوَيناها عنه، فإنها وإن اخْتَلفت فيها ألفاظُ قائليها متقارِباتُ المعانى؛ لأنها جميعًا تُنْبئُ عن أن اللَّهَ ضرَب الصَّيِّبَ لظاهرٍ إِيمانِ المنافقِ مثلًا ، ومثّل ما فيه من ظلماتٍ بضلالتِه ، وما فيه من ضياء برقٍ بنورِ إِيمانِهِ ، واتِّقَاءَه من الصواعقِ بتصييرٍ أصابعه فى أُذُنَيه ، لضعفٍ (٤) جَنانِهِ ، ونَخْبٍ ( ٢) فؤادِهِ، من حُلولٍ عقوبةِ اللَّهِ بساحتِه، ومشيَه فى ضوءِ البرقِ باستقامتِه على نورِ إِيمانِهِ ، وقيامَه فى الظلامِ بحيرتهِ فى ضلالتِه وارتكاسِه فى عَمَهِه . فتأويلُ الآيةِ(١) إذن - إذ(٧) كان الأمرُ على ما وصَفْنا -: [٥/٢ظ] أو (٨) مَثَلُ ما اسْتَضاء به الُنافِقون، مِن قِيلِهِم لرسولِ اللَّهِ عْ له وللمؤمنين بألسنتِهم: آمنًا باللّهِ (١) فى ص: ((بالبر))، وفى م، ر، ت ١، ت ٢: (( بالبراز)). (٢) فى ص، ر، م، ت ١: (( للكافر))، وفى ت ٢: (( الكافر)). (٣) فى ص، ر، م، ت ١، ت ٢: ((الأقوال)). (٤) فى م: ((بضعف)). (٥) فى م: ((تحير)). والنخب: الجبن وضعف القلب. اللسان (ن خ ب ). (٦) فى ص: (( الكلام)). (٧) فى ص: ((إن))، وفى م ((إذا)). (٨) فى الأصل: ((و)). ٣٧٤ سورة البقرة : الآيتان ١٩، ٢٠ وباليوم الآخرِ وبمحمدٍ وبما جاء به . حتى صار لهم بذلك فى الدنيا أحكامُ المؤمنين ، وهم - مع إظهارِهم بألسنتِهم ما يُظْهرِون - باللَّهِ وبرسولِه وما جاء به مِن عندِ اللَّهِ وباليومِ الآخرِ مُكَذِّبون، ولخلافٍ ما يُظْهِرون بالأَلْسُنِ فى قلوبِهِم مُعْتَقِدون، على عمَّى منهم وجَهالةٍ بما هم عليه مِن الصَّلالةِ، لا يَدْرُون فى (١) أىِّ الأمرَين اللذين قد شُرِعا لهم الهدايةُ ، فى(٢) الكفرِ الذى كانوا عليه قبلَ إرسالِ اللَّهِ محمدًا عَئهم بما أَرْسَله به إليهم، أم فى الذى أتاهم به محمدٌ عَظِّ مِن عندِ ربِّهم؟ فهم مِن وَعيدِ اللَّهِ إياهم على لسانِ محمدٍ عَ ◌ٍّ وَجِلون، وهم مع وَجَلِهم مِن ذلك فى حقيقتِه شاكُّون، فى قلوبهم مرضّ فزادَهم اللَّهُ مرضًا - كمثل غَيْثٍ سرَى ليلًا فى مُزْنِةٍ(٣) ظَلْمَاءَ وليلةٍ(٤) مُظْلِمةٍ ، يَحْدُوها رَعْدٌ ، ويَسْتَطِيرُ فى حافاتِها برقٌ ، شديدٌ لَعَانُه، كثيرٌ خَطَرانُه(٥) ، يكادُ سناه(٦) يَذْهَبُ بالأبصارِ ، ويَخْتَطِفُها مِن شدَّةِ ضِیائِه ونورِ شُعاعِه ، وتَهْبِطُ منها تاراتٍ صَواعِقُ، تَكادُ تَدَعُ النفوسَ مِن شدةِ أَهْوالِها زَواهِقَ . فالصَّيِّبُ مَثَلٌ لظاهرٍ ما أَظْهَر المنافِقون بألسنتِهم مِن الإقْرارِ والتَّصْدِيقِ، والظلماتُ التى هى فيه لظُلُماتٍ ما هم مُشْتَبِطنوه(٧) من الشكّ والتّكْذِيبِ ومرضٍ القلوبِ ، وأما الرعدُ والصَّواعقُ فلِما هم عليه مِن الوَجَلِ مِن وَعيدِ اللَّهِ إياهم على لسانِ رسولِه ◌ِّه فى آي كتابِهِ، إِمَّ فى العاجلِ وإِمَّا فى الآجِلِ، أن يَخُلَّ بهم، مع شكُّهم فى ذلك، هل هو كائنٌ أم غيرُ كائنٍ، وهل له حقيقةٌ أم ذلك كذبٌ (١) سقط من: ص، ر، م، ت ١، ت ٢. (٢) فى الأصل، ص: (( أفى )). (٣) فى ت ١: ((برية)). (٤) فى م: ((ليل)). (٥) الخطران : الارتفاع والانخفاض . انظر التاج (خ ط ر). (٦) فى ص، ر، م، ت١، ت٢: (( سنا برقه)). (٧) فى م: ((مستنبطون)). ٣٧٥ سورة البقرة : الآيتان ١٩، ٢٠ وباطلٌ؟ مَثَلٌ(١) . فهم مِن وَجَلِهِم أن يكونَ ذلك حقًّا، يَتَّقُونه بالإقرارِ بما جاء به محمدٌ عَ ◌ِّ بألسنتِهم ، مخافةً على أنفسِهم مِن الهلاكِ ونزولِ النَّقِماتِ . وذلك تأويلُ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿ يَجْعَلُونَ أَصَبِعَهُمْ فِىّ ◌َاذَانِهِمِ مِنَ الصَّوَعِقِ حَذَرَ الْمَوْتَّ﴾ يغنى بذلك: يَتَّقُون وَعيدَ اللَّهِ الذى أَنْزَله فى كتابِهِ على لسانِ رسولِه ◌َّه بما يُبْدُونه بألسنتِهم مِن ظاهرِ الإقرارِ، كما يَتَّقِى الخائفُ(٢) أصواتَ الصَّواعقِ بتغطيةِ أُذُنيه، وتَصْييرِ أصابِعِه فيهما(٢)، حَذَرًا على نفسِه منها (1). وقد ذكَرْنا الخبرَ الذى رُوِى عن ابن مسعودٍ وعن ابنِ عباسٍ أنهما كانا يَقُولان : إن المنافقين [٦/٢و] كانوا إذا حضَروا مجلسَ رسولِ اللَّهِ عَ لِ أَدْخَلوا أصابعَهم فى آذانِهِم فَرَقًا مِن كلام رسولِ اللَّهِ عَ لَه، أن يَنْزِلَ فيهم شىءٌ، أو يُذْكَروا بشىءٍ فيُقْتَلوا(٥) . فإن كان ذلك صحيحًا - ولستُ أعْلَمُه صحيحًا،/ إذ كنتُ بإسنادِه ١٥٧/١ مُرتابًا - فإِن القولَ الذى رُوِى عنهما هو القولُ. وإن يكنْ غيرَ صَحيح، فأوْلَى بتأويلٍ (٦) الآيةِ ما قُلْنا؛ لأنَّ اللَّهَ إِنما قصَّ علينا مِن خبرِهم فى أولٍ مُتَدَأُ قَصَصِهم، أنهمُ يُخادِعون اللَّهَ ورسوله والمؤمنين بقولهم: آمَنَّا باللّهِ وباليومِ الآخِرِ . مع شكٌّ قلوبهم ومرضٍ أفئدتِهم فى حقيقةِ ما زعموا أنهم به مُؤْمنون، مما جاءَهم به رسولُ اللَّهِ عَلَه مِن عندِ ربِّهم، وبذلك وصَفهم فى جميع آيِ القرآنِ التى ذكر فيها صفتَهم، فكذلك ذلك فى هذه الآية . (١) ليست فى: الأصل، وفى ت ١: ((شك)). (٢) بعده فى ر: ((من)). (٣) فى ص، م، ت١: (( فيها)). (٤) فى ت ٢: (( منهما)). (٥) تقدم فى ص ٣٦٨ . (٦) بعده فى ص: ((عارفون)). ٣٧٦ سورة البقرة : الآيتان ١٩، ٢٠ وإنما جعَل اللَّهُ إدخالَهم أصابِعَهم فى آذانهم مَثَلًا لاتِّقائهم رسولَ اللَّهِ سَمِ والمؤمنين بما ذكَرْنا أنهم يَتَّقُونهم به، كما يَتَّقِى سامعُ صوتِ الصاعقةِ بإدخالٍ أصابعِه فى أُذُنيه ، وذلك مِن المثَلِ نظيرُ تمثيلِ اللَّهِ ما أَنْزَل(١) فيهم مِن الوَعيدِ فى آي كتابِهِ بأصواتِ الصَّواعقِ، وكذلك قولُه: ﴿حَذَرَ الْمَوْتٍ﴾ جعَله جل ثناؤه مَثَلًا لخوفِهم وإشفاقِهم مِن محلولٍ عاجلِ العِقابِ المُهْلِكِهم الذى تُؤُعّدوه بساحتِهم، كما يَجْعَلُ سامعُ أصواتِ الصَّواعِقِ أَصابِعَه فى أَذُنيهِ حَذَرَ العَطَبِ والموتِ على نفسِه أن تَزْهَقَ مِن شدتها . وإنما نصَب قولَه: ﴿حَذَرَ الْمَوْتٍ﴾ على نحوِ ما تَنْصِبُ به التَّكْرِمةَ فى قولِك: زُرْتُك تَكْرِمةٌ لك. تُرِيدُ بذلك: زُرْتُكُ(١) مِن أجلِ تَكْرِمِتِك. وكما قال جلّ ثناؤه: ﴿ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبَّا﴾ [الأنبياء: ٩٠]. على التفسيرِ للفعلِ". وقد رُوى عن قتادةً أنه كان يَتَأوَّلُ قولَه: ﴿حَذَرَ الْمَوْنِ﴾: حَذَرًا مِن الموتِ. حدَّثنا بذلك الحسنُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاقِ ، قال: حدَّثْنَا مَعْمَرٌ عنه . وذلك مذهبٌ مِن التأويلِ ضعيفٌ؛ لأنَّ القومَ لم يَجْعَلوا أصابعَهم فى آذانِهم حَذَرًا مِن الموتِ، فيكونَ معناه ما قال: إنه يرادُ(١) به: حَذَرًا مِن الموتِ. وإنما جعَلوها (١) فى الأصل: ((نزل)). (٢) فى م: ((المهلك)). (٣) سقط من: ص، ت ٢، ت ٣. (٤) يعنى بالتفسير للفعل: المفعول لأجله. ينظر معانى القرآن للفراء ١٧/١، والمصطلح النحوى ص ١٦٤. (٥) فى م: ((مراد)). ٣٧٧ سورة البقرة : الآيتان ١٩، ٢٠ مِن حِذارِ الموتِ فى آذانِهم . وكان قتادةُ وابنُ جُرَيْج يَتَأَوَّلان قولَه: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَبِعَهُمْ فِى ءَاذَانِمِ مِنَ الصَّوْرِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ أن ذلك مِن اللَّهِ جل ثناؤه صفةٌ للمنافِقِين بالهَلَع وضعفِ القلوبِ وكراهية الموتِ. [٦/٢ظ] ويَتَأَوَّلان فى ذلك قولَه: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [ المنافقون : ٤]. وليس الأمر فى ذلك عندى كالذى قالا ، وذلك أنه قد كان فيهم مَن لا تُتْكرُ شجاعتُه ، ولا تُدْفَعُ بَسالتُه، كقُزْمانَ(١) الذى لم يَقُمْ مَقَامَه أحدٌّ(٢) مِن المؤمنين ( يومَ أحد٣ٍ)، ودونَه (٤)، وإنما كانت كراهتُهم شُهودَ الَشاهِدِ مع رسولِ اللهِ عَه، وتَرْكُهم معاونته على أعدائِه ؛ لأنهم لم يكونوا فى أديانِهم مُشْتَبْصِرين ، ولا برسول اللَّهِ وَ ظَلِ مُصَدِّقِين، فكانوا للحضورِ معه مَشاهدَه كارِهِين، إلا بالتَّخْذِيلِ عنه . ولكنّ ذلك وصفٌ مِن اللهِ لهم بالإشْفاقِ مِن محلولٍ عقوبةِ اللَّهِ بهم على نفاقِهم ، إما عاجلًا وإما آجِلاً . ثم أخبر جلّ ثناؤُهُ أَن المنافِقِين الذين نعَتَهم اللهُ النَّعْتَ الذى ذكَر، وضرَّب لهم الأمثالَ التى وصَف ، وإنِ اتَّقَوْا عقابَه، وأَشْفَقُوا من عذابِه إشفاقَ الجاعل فى أذنيه أصابعَه حِذارَ حُلولِ الوَعيدِ الذى توَعَّدهم به فى آي كتابِه - غيرُ مُنْجِيهم ذلك مِن نزوله بعَقْوَتِهم( ، وحُلولِه بساحتِهم، إما عاجلًا فى الدنيا، وإما آجِلًا فى الآخِرةِ، (١) هو قزمان بن الحارث، حليف بنى ظفر، كان منافقا معروفا بالشجاعة ، وقاتل يوم أحد قتالا شديدا، حتى أصابته الجراحة ، فقتل نفسه. ينظر الإصابة ٥/ ٤٤٠. (٢) سقط من: ص، وفى ر: ((بأحد))، وفى ت ٢: ((كأحد)). (٣ - ٣) فى ص: ((كثير أحد))، وفى ر، ت ٢: ((كبير أحد))، وفى ت ١، م: ((بأحد)). (٤) فى الأصل، ر: ((ذويه)) . (٥) فى ص: ((بعقولهم))، وفى م: ((بعقوبتهم)). والعقوة والعقاة: الساحة وما حول الدار، والمحلة . اللسان (ع ق و). ٣٧٨ سورة البقرة : الآيتان ١٩، ٢٠ للذى فى قلوبهم مِن مرضِها، والشكِّ فى اعتقادِها، فقال: ﴿ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِلْكَفِنَ﴾ يَعْنى (١): جامِعُهم، فمُحِلِّ بهم عُقوبتَه. ١٥٨/١ / وكان مجاهدٌ يَتَأوَّلُ ذلك كما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو الباهلىُّ ، قال : حدَّثنا أبو عاصم، قال أخبرنا عيسى بنُ مَيْمونٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَفِرِينَ﴾ قال: جامِعُهم فى (٢) جهنم(٢). حدَّثنى القاسمُ ، قال: حدَّثنا حسينٌ، قال: حدّثنا حجاج ، عن ابنٍ مُرَیْجٍ، عن مُجاهدٍ فى قولِهِ: ﴿وَاَللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَفِرِينَ﴾ قال: جامِعُهم (١). وأما ابنُ عباسٍ فرُوِى عنه فى ذلك ما حدَّثنى به ابنُ حُمَيْدٍ ، قال: حدَّثنا سلمةُ ، عن ابنِ إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ أبی محمدٍ ، عن عِگرمةً ، أو عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَفِرِينَ﴾ يقولُ: اللَّهُ مُنْزِلٌ ذلك بهم مِن (٤) النّقْمَةِ(٤). ثم عاد جلّ ذكرُه إلى نعتِ إقرارِ المنافقين بألسنتِهم، والخبرِ (°عنه وْ عنهم ١٤ وعن نفاقِهم ، وإتمام المثلِ الذى ابْتَدَأْ ضَرْبَه لهم ولشكَهم ومَرَضٍ قلوبِهم ، فقال: ﴿يَكَادُ الْبَّقُ﴾ يغنى بالبرقِ الإقرارَ الذى أَظْهَروه بألسنتِهم باللهِ وبرسولِه وما جاء به (١) فى م: ((بمعنى)). (٢) تفسير مجاهد ص ١٩٧، ومن طريقه عبد بن حميد - كما فى تغليق التعليق ٤/ ١٧٢ - وابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٧/١ (٢٠١). وتقدم أول هذا الأثر فى ص ٣٤٠ . (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٧/١ (٢٠٠) من طريق ابن جريج به ، بزيادة : يوم القيامة فى جهنم . (٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٧/١ (١٩٩) من طريق سلمة به . (٥ - ٥) سقط من: ر، ت ١. ٣٧٩ سورة البقرة : الآيتان ١٩، ٢٠ مِن عندِ ربِّهم. فجعَل البرقَ له مثلًاً على ما(١٢) قدَّمْنا صفته، ﴿يَخْطَفُ أَبَصَرَهُمْ﴾ يعنى: يَذْهَبُ بها ويَسْتَلِيُها ويَلْتَمِعُها (٢) مِن شدةِ ضِيائِه(٣) ونُورٍ (٤) شُعاعِه(٤) . كما [٧/٢و] حُدِّثْتُ عن المِنْجابِ بنِ الحارثِ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحاكِ ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِهِ: ﴿يَكَادُ الْبَقُ يَخْطَفُ أَبْصَرَهُمْ﴾ . قال: يَلْتَمِعُ أَبْصارَهم ولمَّا يَفْعَلْ(٥). والخَطْفُ السَّلْبُ. ومنه الخبرُ الذى رُوِى عنِ النبىِّ عَِّ أنه نَهى عن الخَطْفةِ(٢). يعنى بها النُّهْبَةَ. ومنه قيل للخُطَّافِ الذى يُخْرَجُ به الدَّلْؤُ مِن البئرِ: ◌ُخُطَّفٌ؛ لاخْتِطافِهِ واسْتِلابِهِ ما علِقٍ به . ومنه قولُ نابغةِ بنى ذُبْيانَ(٧): (١) بعده فى ر: (( قد)). (٢) التمع الشىءَ: اختلسه . اللسان ( ل م ع ). (٣) فى الأصل، ص، ر، ت٢: ((ضيائها)). (٤) فى الأصل، ص، ر، ت ٢: (( شعاعها)). (٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٧/١ (٢٠٤) عن أبى زرعة، عن المنجاب به . (٦) أخرجه الدارمى ٢/ ٨٥، والطبرانى فى الكبير ٢٠٩/٢٢ (٥٥١)، والبيهقى ٣٣٤/٩ من طريق أبى أويس عبد الله بن عبد الله، عن الزهرى، عن أبى إدريس، عن أبى ثعلبة بلفظ: نهى رسول الله عَ ئهم عن الخطفة ، والمجثمة ، والنهبة ، وعن أكل كل ذى ناب من السباع. وآخره فى النهى عن كل ذى ناب من السباع فى الصحيحين، وغيرهما من طرق عن الزهرى به. وينظر علل الدار قطنى ٣١٦/٦ - ٣١٨. وأخرجه الحميدى (٣٩٧)، وأحمد ٤٥٥/٦،١٩٥/٥ (الميمنية) من طريق سهيل، عن عبد الله بن يزيد السعدى، عن أبى الدرداء، نحوه. وينظر علل الدارقطنى ٢٠٣/٦، ٢٠٤. والخطفة : ما اختطف الذئب من أعضاء الشاة وهى حية . والمراد ما يقطع من أطراف الشاة ، والخطفة المرة الواحدة من الخطف ، فسمى بها العضو المختطف . ينظر النهاية ٤٩/٢ . (٧) ديوانه ص ٥٢. ٣٨٠ سورة البقرة : الآيتان ١٩، ٢٠ خَطاطِيفُ حُجْنٌ(١) فى حِبالٍ متينةٍ تَمُدُّ بها أيدٍ إليك نَوازِعُ فجعَل ضوءَ البرقِ وشدةَ شُعاعِ نُورِهِ ، لضَوْءٍ (٢) إقرارِهم بألسنتِهم باللهِ وبرسوله عَ لَّهِ وبما جاء به مِن عندِ اللهِ واليومِ الآخِرِ وشُعاع نورِه - مَثَلًا. ثم قال: ﴿ كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ﴾ يعنى أن البرقَ كلَّما أضاء لهم. وجعَل البرقَ الإِيمانِهِم مَثَلًا . وإنما أراد بذلك أنهم كلما أضاء لهم الإيمانُ . وإضاءتُه لهم أن يَرَوْا فيه ما يُعْجِبُهم فى عاجلِ دُنْياهم مِن النُّصْرةِ على الأعداءِ ، وإصابةِ الغَنائم فى المَغَازِى ، وكثرةِ الفُتوح وتتابُعِها(١) ، والثَراءِ فى الأموالِ، والسلامةِ فى الأبدانِ والأهلِ والأولادِ - فذلك إضاءتُه لهم ؛ لأنهم إنما يُظْهِرون بألسنتِهم ما يُظْهِرونه مِن الإقرارِ ابتغاءَ ذلك، ومُدافَعَةً عن أنفسِهم وأموالهم وأهليهم وذَرارِيِّهم، فهم كما وصَفَهم جلّ ثناؤُه بقولِه: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيِّرُّ الْمَأَنَّ بِّ. وَإِنْ أَصَابَنَّهُ فِئْنَهُ أَنْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ،﴾ [ الحج: ١١]. ويعنى بقولِه: ﴿ مَّشَوْا فِهِ﴾: مشَوْا) فى ضوءِ البرقِ . وإنما ذلك مَثَلٌ لإقرارِهم على ما وصَفْنا . فمعناه: كلما رأزا فى الإيمانِ ما يُعْجِبُهم فى عاجلٍ دنياهم - على ما وصَفْنا - ثبتوا عليه، وأقاموا فيه، كما يَمْشِى السائرُ فى ظُلمةِ الليلِ وظُلمةِ الصَّيِّبِ الذى وصَفه جلّ ذكرُه، إذا برَقَت فيها بارقةٌ (فأبصر طريقَه بها). ﴿ وَإِذَا أَظْلَمَ ﴾ يغنى: ذهَب ضَوْءُ البرقِ عنهم . ويعنى بقولِه : ﴿ عَلَيْهِمْ (١) الحجن جمع أحجن: وهو الشىء المعوج. اللسان ( ح ج ن ). (٢) فى ص: ((بضوء))، وفى م: ((كضوء)). (٣) فى ص، م: ((منافعها)). (٤) فى الأصل: (( يعنى مشوا)). (٥ - ٥) فى م: ((أبصر طريقه فيها)). (٦) فى الأصل، ر، ت١: ((عليهم)) .