Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
سورة البقرة : الآيات ١١ - ١٣
دونَ الذين يَنْهَوْنهم من المؤمنين عن الإفسادِ فى الأرضِ، ﴿ وَلَكِن لَّا يَشْعُونَ﴾ .
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أَلََّ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لَّا
يَشْعُونَ
(١٢
وهذا القولُ من اللَّهِ جلَّ ثناؤُه تكذيبٌ للمنافقين فى دَعْواهم إذا (١) أُمِروا بطاعةٍ
اللَّهِ فيما أمَرهم اللَّهُ به، ونُهوا عن معصيةِ اللَّهِ فيما نهاهم اللَّهُ عنه، قالوا : إنما نحن
مُصلحون لا مُفسدون، ونحن على رُشْدٍ وهُدًى فيما أَنْكُرْتموه علينا دونَكم ، لا
ضالُّون . فكذَّبهم اللّهُ جلّ وعزّ فى ذلك من قِيلِهم، فقال: ألا إنهم هم المُفْسِدون
المخالفون أمرَ اللَّهِ جلَّ وعزَّ، المتعدُّون حدودَه، الراكبون معصيته، التاركون فروضَه،
وهم لا يَشْعُرون ولا يَدْرُون أنهم كذلك، لا الذين يَأْمُرونهم بالقسطِ من المؤمنين،
ويَنْهَوْنهم عن معاصى اللَّهِ جلّ وعزّ فى أرضِه من المسلمين .
القولُ فى تأويلٍ قولِ اللَّهِ جلَّ ثناؤه: ﴿ وَإِذَا قِلَ لَهُمْ ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ النَّاسُ﴾.
قال أبو جعفرٍ: وتأويلُ قولِه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ النَّاسُ ﴾ يعنى:
وإذا قيل لهؤلاء الذين وصَفَهم اللَّهُ ونَعَتهم بأنَّهم يقولون: ﴿ءَامَنَا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ
اُلْآَخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾: صَدِّقوا بمحمدٍ عَلَّه(١) وبما جاء به من عندِ اللَّهِ، كما
صدَّق به الناسُ . ويعنى بـ ﴿النَّاسُ﴾: المؤمنين الذين آمنوا بمحمدٍ ونبوَّتِه وما جاء
به من عندِ اللَّهِ .
كما حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ(٣) بنُ سعيدٍ، عن بِشرِ بنِ عُمارةَ،
عن أبى رَوْقٍ ، عن الضخَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِهِ: ﴿وَإِذَا قِيْلَ لَّهُمْ ءَامِنُواْ كَمَآ
(١) فى ر، ت ٢: ((إذ)).
(٢) بعده فى ص: ((ونبوته)).
(٣) فى ص: ((عمار)).

٣٠٢
سورة البقرة : الآية ١٣
ءَامَنَ النَّاسُ﴾. يقولُ: وإذا قيل لهم: صدِّقوا كما صدَّق أصحابُ محمدٍ عَلَّه،
قولوا (١) : إنه نبٌّ ورسولٌ، وأن ما أُنْزِل عليه حقٌّ، وصدِّقوا بالآخرة، وأنكم مبعوثون
من بعدِ الموتِّ(٢) .
وإنما أُدْخِلت الألفُ واللَّمُ فى ﴿ النَّاسُ﴾ وهم بعضُ الناسِ لا جميعُهم؛
لأنهم كانوا معروفين عندَ الذين خُوطبوا ( بذلك فى هذه الآيةِ بأعيانِهم . وإنما
١٢٨/١ معناه: آمِنوا كما آمَن الناسُ الذين تعرِفونهم من أهلِ اليقينِ / والتصديقِ باللَّهِ،
وبمحمدٍ عَلَه، وبما جاء به من عندِ اللَّهِ، وباليوم الآخرِ. فلذلك أُدْخِلت الألفُ
واللامُ فيه، كما [٣٥/١ و] أَدْخِلتا فى قوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ
جَمَعُواْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]. لأنه أَشِير بدخولِهما (٤) إلى ناسٍ معروفين
عند مَن خُوطِب بذلك .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ الشُّفَهَاءُ﴾ .
قال أبو جعفرٍ: والسفهاءُ جمعُ سَفِيهِ، كما العلماءُ جمعُ عليم، والحكماءُ
جمعُ حكيم. والسفيهُ الجاهلُ الضعيفُ الرأيِ، القليلُ المعرفةِ بمواضعِ المنافعِ
والمضارِّ. ولذلك سمَّى اللَّهُ جلَّ وعزَّ النساء والصبيانَ سفهاءَ، فقال تعالى: ﴿ وَلَا
تُؤْتُواْ السُّفَهَاءَ أَمْوَلَكُمُ الَِّ جَعَلَ اَللَّهُ لَكُنْ قِيَمًا﴾ [النساء: ٥]. فقال عامَّةُ أهلِ التأويلِ:
هم النساء والصبيانُ ؛ لضعفٍ آرائِهم، وقلةِ معرفتهم بمواضعِ المصالحِ والمضارِّ التى
(١) فى م: ((قالوا)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٥/١ (١٢٦، ١٢٧) من طريق أبي كريب به .
(٣ - ٣) فى ص، م: ((بهذه)).
(٤) فى م: ((بدخولها)) .
(٥ - ٥) فى م: ((كالعلماء)).
(٦) فى ت ٢: ((رأيهم)).

٣٠٣
سورة البقرة : الآية ١٣
تُصْرَفُ إليها الأموالُ .
وإنما عَنى المنافقون بقيلِهِم: ﴿ أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ الشُّفَهَءُ﴾ - إذ دُعوا
إلى التصديقِ بمحمدٍ عَ لِّ، وبما جاء به من عندِ اللهِ، والإقرارِ بالبعثِ ، فقيل(١)
لهم: ﴿ءَامِنُواْ﴾ -: كما آمَن أصحابُ محمدٍ وأتباعُه من المؤمنين المصدِّقين به
مِنُ أهلِ الإيمانِ واليقينِ، والتصديقِ باللَّهِ، وبما افْتَرض عليهم على لسانِ رسولِهِ
محمدٍ عَ لِّ وفى كتابِهِ، وباليومِ الآخرِ. فقالوا إجابةٌ لقائلِ ذلك لهم: أنؤمنُ كما
آمنَ أهلُ الجهلِ، ونصدِّقُ بمحمدٍ كما صدَّق به هؤلاء الذين لا عقولَ لهم ولا
أفهامَ !
کالذى حدَّثنی موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمَّادٍ ، قال: حدّثنا
أسباطُ ، عن الشّدِّىِّ فى خبرٍ ذكره عن أبى مالك ، وعن أبى صالح ، عن ابن عباسٍ،
وعن مُرَّةَ الهَمْدانىٌّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ◌َّ ◌َهِ: ﴿قَالُواْ
أَنُؤْمِنُ كَمَا ءَامَنَ الشُّفَهَءُ﴾: يعنُون أصحابَ النبيِّ عَ(١).
حدَّثنى المُنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجّاج، قال: حدَّثنا
عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع بنِ أنسٍ: ﴿ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ
الشُّفَهَاءُ﴾: يعنُون أصحابَ محمدٍ عٍَّ(٤).
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢: ((فقال)).
(٢) سقط من: م.
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٧٦/١ عن السدى به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠/١ إلى المصنف عن
ابن مسعود وحده. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٦/١ عقب الأثر (١٣٠) من طريق عمرو، عن أسباط،
عن السدی من قوله .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٦/١ (١٣٠) من طريق أبى جعفر، عن الربيع، عن أبى العالية .

٣٠٤
سورة البقرة : الآية ١٣
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: حدّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ زيدِ بنِ
أسلمَ فى قوله: ﴿ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ الشُّفَهَءُ ﴾. قال: هذا قولُ المنافقين،
یریدون أصحاب النبيِّ سَلِّ .
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثْنَا عُثمانُ بنُ سعيدٍ، عن بشرِ بنِ عُمارةً(١)، عن
أبى رَوْقٍ ، عن الضخَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كُمَآ ءَامَنَ الشُّفَهَءُ﴾ :
يقولون : أنقولُ كما يقولُ السفهاء؟ یعنُون أصحاب محمدٍ مێ ، خلافِهم لدينهم .
(٢)
القولُ فى تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿أَلَّ إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَّا
يَعْلَمُونَ
قال أبو جعفرٍ: وهذا خبرٌ من اللَّهِ تعالى عن المنافقين الذين تقدَّم نعتُه
لهم، ووصفُه إيّاهم بما وصَفهم به من الشكِّ والتكذيبِ - أنهم هم الجُمَّالُ
فى أديانِهم، الضعفاءُ الآراءِ فى اعتقاداتهم واختياراتهم التى اختاروها
لأنفسِهم، من الشكٌ ("والتكذيب٣ِ) والرَّيبِ فى أمرِ اللهِ جلّ وعزّ وأمرِ رسولِه
١٢٩/١ وأمرِ نبوَّتِه، وفيما جاء به من عندِ اللَّهِ، وأمرٍ / البعثِ؛ لإساءتهم إلى أنفسِهم
بما أتَوْا من ذلك، وهم يحسبون أنهم إليها يُحسنون(٤)، وذلك هو عينُ
الشَّفَهِ؛ لأن السفيهَ إنما يُفْسِدُ من حيثُ يرى أنه يُصلِحُ، ويُضيّعُ من حيثُ
يرى أنه يحفَظُ ، فكذلك المنافقُ، يعصِى ربَّه من حيثُ يرى أنه يُطِيعُه ،
ويكفُرُ به من حيثُ يرى أنه يُؤْمنُ به، ويُسىءُ إلى نفسِه من حيث
(١) فى م: ((عمار)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٦/١ (١٢٩) من طريق أبي كريب به.
(٣ - ٣) زيادة من: ر.
(٤) فى ر، ت ٢: ((محسنون)).

٣٠٥
سورة البقرة : الآية ١٣
يَحْسَبُ (١) أنه يُحسنُ إليها، كما وصَفهم به ربُّنا جلّ ذكرُه فقال: ﴿أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ
اُلْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لَّا يَشْعُونَ﴾. وقال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَآءُ ﴾ دونَ المؤمنين
المصدِّقين باللّهِ وبكتابِه وبرسوله وثوابِه وعقابِهِ، ﴿ وَلَكِن لَّا يَعْلَمُونَ﴾. وكذلك
كان ابنُ عباسٍ يتأوَّلُ هذه الآيةً .
حدَّثنا أبو كُرِيبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، عن بشرِ بنِ عُمارةَ، عن أبى
رَوْقٍ، عن الضخَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: يقولُ اللَّهُ عزّ وجلَّ: ﴿أَلَ إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾،
يقولُ: الجمَّالُ، ﴿وَلَكِن لَّا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: ولكن لا يعقِلون(٢).
وأما وجهُ دخولِ الألفِ واللام فى ﴿ السُّفَهَآءُ ﴾ فشبيةٌ بوجهِ دخولهما فى
النَّاسُ﴾، فى قوله: ﴿وَإِذَا قِلَ لَهُمْ ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ النَّاسُ﴾. وقد بيّنَّا العلَّةَ
فى دخولهما هنالك، والعلَّةُ فى دخولِهما فى ﴿الشُّفَهَاءُ ﴾ نظيرتُها فى دخولهما
فى ﴿ النَّاسُ ﴾ هنالك، سواءٌ.
والدلالةُ التى تدلُّ عليه هذه الآيةُ من خطأً قولٍ مَن زعم أن العقوبةَ من اللَّهِ
جلّ وعزّ لا يَسْتَحِقُّها إلا المعاندُ ربَّه، بعدَ (٢) علمِه بصحةِ ما عانَده فيه - نظيرةٌ(٤)
دلالةِ الآياتِ الأُخَرِ التى قد تقدَّم ذكرنا تأويلَها فى قوله: ﴿ وَلَكِن لَّا يَشْعُونَ
ونظائرٍ() ذلك .
،
(١) فى ر: (یری)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٦/١ (١٣٢،١٣١) من طريق أبي كريب به. وهو تمام الأثر المتقدم فى
الصفحة السابقة .
(٣) فى م: ((مع)).
(٤) فى ت ٢، م: ((نظير)).
(٥) فى م: ((نظير)).
( تفسير الطبرى ٢٠/١ )

٣٠٦
سورة البقرة : الآية ١٤
القولُ فى تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿ وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُواْ ءَامَنَا وَإِذَا خَلَوْاْ
إِلَى شَيَطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ﴾.
قال أبو جعفرٍ: وهذه الآيةُ نظيرةٌ(١) الآيةِ الأُخْرى التى أخبر اللَّهُ جلّ ثناؤه فيها
عن المنافقين بخداعِهم اللَّهَ ورسوله والمؤمنين، فقال: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنًا
بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِ﴾. ثم أكْذَبهم تعالى ذكرُه بقوله: ﴿وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾،
وأنهم بقيلهم ذلك يُخادِعون اللَّهَ والذين آمنوا. وكذلك أخْبر عنهم فى هذه الآية
أنهم يقولون للمؤمنين المصدِّقين باللّهِ وكتابه ورسوله بألسنتِهم: آمنًا وصدَّقنا
بمحمدٍ ، وبما جاء به من عندِ اللَّهِ، خداعًا عن دمائهم وأموالهم وذراريِّهم، ودرءًا لهم
عنها، وأنهم إذا خَلَوْا إِلى مَرّدتِهم(١) وأهلِ العُتُوِّ والشرِّ والخُثِ منهم ، ومن سائرِ أهلِ
الشركِ ، الذين هم على مثلٍ ما (٣) هم عليه من الكفرِ باللَّهِ وبكتابه ورسوله، وهم
شَياطينُهم - وقد دلَّلنا فيما مضى من كتابِنا (٤) على أن شياطينَ كلِّ شيءٍ مَرَدتُه -
قالوا لهم: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ أى: إنَّا معكم على دينكم، وظُهراؤُ كم على مَن [٣٥/١ظ]
خالَفكم فيه، وأولياؤُكم دونَ أصحابٍ محمدٍ عَّهِ، ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ﴾ باللّهِ
وبكتابه ورسوله وأصحابه .
كالذى حدَّثنا محمدُ بنُ العلاءِ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ ، قال: حدَّثَنَا
بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ ، عن الضّحَاكِ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿ وَإِذَا لَقُواْ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوَاْ ءَامَنَا﴾. قال: كان رجالٌ / من اليهودِ إذا لَقُوا أصحابَ النبيِّ
١٣٠/١
(١) فى ر، ت ٢، م: ((نظير)).
(٢) فى ص: ((أهل مودتهم)).
(٣) فى ص، م: ((الذى)) .
(٤) ينظر ما تقدم فى ص ١٠٩.

٣٠٧
سورة البقرة : الآية ١٤
عَلَّه أو بعضَهم، قالوا: إنَّا على دينكم. وإذا خَلَوا إلى أصحابِهم، وهم شياطينُهم ،
قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ﴾(١) .
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: حدَّثنا سَلَمَةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ ، عن
محمد بن أبی محمدٍ ، مولی زید بن ثابت ، عن عكرمةً ، أو عن سعیدِ بن ◌ُبیٍ ، عن
ابنِ عباسٍ: ﴿ وَ إِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوَاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ﴾. قال:
إذا خَلَوا إلى شياطينهم من يهودَ ، الذين يأمُّرونهم بالتكذيبِ وخلافٍ ما جاء به
الرسولُ، ﴿قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ﴾، أى: إِنَّا على مثلِ ما أنتم عليه، ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ
مُسْتَهْزِءُونَ﴾(٢).
حدَّثنی موسى ، قال: حدَّثنا عمرو، قال: حدَّثنا أسباطُ ، عن السُّدِّىِّ فی خبرٍ
ذكَره عن أبى مالك، و(١)عن أبى صالح، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الھَمْدانيّ ، عن
ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ◌َّهِ: ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ﴾: أما
شياطينُهم، فهم رُءُوسُهم فى الكفرِ () .
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذِ العَقَدىُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدثنا سعيدٌ ، عن
قتادةَ قولَه: ﴿ وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ﴾ أى: رُؤَسائِهم وقادتهم فى الشرّ، قالوا :
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٦/١ - ٤٨ (١٣٣، ١٣٦، ١٤٢) من طريق محمد بن العلاء به.
(٢) سيرة ابن هشام ٥٣١/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٧/١، ٤٨ (١٣٧، ١٤١) من طريق
سلمة به .
(٣) فى ص: ((أو)).
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٧٧/١ عن السدى به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١/١ إلى المصنف عن
ابن مسعود وحده. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٧/١ عقب الأثر (١٤٠) من طريق عمرو بن حماد،
عن أسباط ، عن السدى من قوله .
(٥) فی ر: ( یزید)).

٣٠٨
سورة البقرة : الآية ١٤
﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾ (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ ، قال: أخبرنا مَعْمٌ، عن
قتادةَ فى قولِه: ﴿ وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ﴾. قال: المشركون .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو الباهلىُّ ، قال: حدَّثنا أبو عاصم ، قال : حدَّثنا عيسى
ابنُّ ميمونٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى نَجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ جلّ وعزَّ: ﴿وَإِذَا
خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ﴾. قال: إذا خلا المنافقون إلى أصحابِهم من الكفارِ .
حدَّثنى المُنَّى بنُ إبراهيمَ ، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ
أبى نجيح، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ﴾. قال: أصحابُهم من المنافقين
والمشركين(٢).
حدَّثنى المُنَّى ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجّاج، عن عبدِ اللهِ بنِ أبى جعفرٍ ،
عن أبيه، عن الرَّبيع بنِ أنسٍ: ﴿ وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ﴾. قال: إخوانُهم من
المشركين، ﴿قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجَّاجْ، قال : قال ابنُ
بجريج فى قوله: ﴿وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوَاْ ءَامَنَا﴾ قال : إذا أصاب المؤمنين
رَخاءً قالوا: نحن معكم ، إنما نحن إخوانكم . وإذا خَلَوا إلى شياطينِهم اسْتَهْزَءوا
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٧/١ (١٣٨) من طريق سعيد به .
وأخرجه عبد بن حميد - كما فى الفتح ١٦١/٨ - من طريق شيبان عن قتادة. وستأتى بقيته
فى ص ٣١٢.
(٢) تفسير مجاهد ص ١٩٦، ومن طريقه عبد بن حميد - كما فى تغليق التعليق ١٧٢/٤ - وابن أبى حاتم
فى تفسيره ٤٧/١ (١٣٩).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٨/١ عقب الأثر (١٤٠) من طريق ابن أبى جعفر به .
(٤) بعده فى م: ((إنا)).

٣٠٩
سورة البقرة : الآية ١٤
بالمؤمنين .
حدَّثنا القاسمُ ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ،
قال : قال(١) مجاهدٌ: شَياطينُهم أصحابُهم من المنافقين والمشركين.
فإن قال لنا قائلٌ: أرأيتَ قولَه: ﴿ وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ﴾. فكيف قيلَ :
﴿خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ﴾. ولم يقلْ: خَلَوا بشياطينِهِم. فقد عَلِمْتَ أن الجارىَ بينَ
الناسِ فى كلامِهم: خَلَوتُ بفلانٍ. أكثرُ وأَقْشَى من: خَلَوتُ / إلى فلانٍ. ومن ١٣١/١
قولك : إن القرآنَ أفصحُ البيانِ ؟
قيل: قد اخْتَلف فى ذلك أهلُ العلم بلغةِ العربِ ، فكان بعضُ نحوِّى
البصرةِ يقولُ: يقالُ: حَلَوتُ إلى فلانٍ. إذا أُرِيد به : خلَوتُ إليه فى (٢ الحاجةِ
خاصَّةً(٢)، لا يَحْتَمِلُ - إذا قيل كذلك - إلا الخلاءَ إليه فى قضاءِ الحاجةِ . فأما
إذا قيل: خَلَوتُ به. احْتَمل معنيين: أحدُهما، الخلاءُ به فى الحاجةِ . والآخرُ،
فى (٣) السخريةِ به. فعلى هذا القولِ: ﴿ وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ﴾ لا شكَّ أفصحُ
منه لو قيل: وإذا خَلَوا بشياطينِهم. لما فى قولِ القائلِ: وإذا خَلَوا بشياطينِهم . من
التباسِ المعنى على سامِعيه١٢ ، الذى هو مُنْتَفٍ عن قوله: ﴿ وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى
شَيَطِينِهِمْ﴾ . فهذا أحدُ الأقوالِ .
والقولُ الآخرُ: "أن تُوجّة) معنى قوله: ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ﴾:
(١) فى ص: ((وقال)) .
(٢ - ٢) فى ص، ت ١، م: ((حاجة خاصة)).
(٣) سقط من : ص .
(٤) فى ص: (( سامعه)) .
(٥ - ٥) فى ص، ت ٢: ((فأن توجه))، وفى م: ((أن توجيه)).

٣١٠
سورة البقرة : الآية ١٤
و(١) إذا خَلَوا مع شياطينِهم. إذ كانت حروفُ الصفاتِ(٢) يُعاقِبُ بعضُها بعضًا،
كما قال اللَّهُ مُخبرًا عن عيسى ابن مريمَ أنه قال للحواربين: ﴿مَنْ أَنْصَارِىّ إِلَى
اللَّهِ﴾ [الصف: ١٤]. يريدُ: مع اللَّهِ. وكما تُوضعُ ((على)) فى موضعٍ ((مِن))
و((فى)) و((عن))، و ((الباء))، كما قال الشاعرُ():
إذا رَضِيَتْ علىَّ بنو قُشيرٍ
لَعَمْرُ اللَّهِ أعْجَبَنِى رِضَاها
بمعنى : عَنِّى .
وأما بعضُ نحويِّى (٤) الكوفةِ، فإنه كان يتأوَّلُ أن ذلك بمعنى: وإذا
لَقُوا الذين آمنوا قالوا آمَنَّا، وإذا صرَفوا خَلاءَهم إلى شياطينِهم. فيزعُمُ أن
الجالبَ لـ ﴿إِلَى﴾ المعنى الذى دلَّ عليه الكلامُ من انصرافِ المنافقين عن لقاءٍ
المؤمنين إلى شياطينهم خالين بهم، لا قولُه: ﴿خَلَوْاْ﴾. وعلى هذا التأويلِ لا
يَصْلُحُ فِى(٥) موضعٍ ﴿إِلَى﴾ غيرُها؛ لتغيُّرِ الكلامِ بدخولٍ غيرِها من الحروفِ
مكانَها .
وهذا القولُ عندی أولی بالصواب ؛ لأن لكلِّ حرفٍ من حروفٍ المعانی وجهًا
هو به أولى من غيرِهِ ، فلا يصلُحُ تحويلُ ذلك عنه إلى غيرِه إلا بحجةٍ يجبُ التسليمُ
(١) فى ت ٢: ((فإذا))، وفى م: ((أى)).
(٢) حروف الصفات هى حروف الجر، وسميت بذلك لأنها تحدث صفة فى الاسم ، فقولك : جلست فى
الدار. دلت ((فى)) على أن الدار وعاء للجلوس، وقيل: لأنها تقع صفات لما قبلها من النكرات . همع الهوامع
١٩/٢. وهى أيضًا حروف المعانى، كما سيأتى.
(٣) هو القحيف العجلى ، وينظر البيت فى النوادر لأبى زيدص ١٧٦، والكامل ٢/ ١٩٠، ٩٨/٣، والخزانة
٠١٣٢/٢
(٤) بعده فى ص، م: ((أهل)).
(٥) سقط من: ص.

٣١١
سورة البقرة : الآية ١٤
لها، ول ((إلى))(١) فى كلِّ موضعِ دخَلت من الكلامِ حُكْمٌ ، وغيرُ جائزٍ سَلْبُها معانيَها
فى أما کنها .
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤه : ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ
١٤ )
أجمع أهلُ التأويلِ جميعًا لا خلافَ بينهم على أن معنى قوله: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ
مُسْتَهْزِءُونَ﴾: إنما نحن ساخرون. فمعنى الكلام إذن: وإذا انصرف المنافقون خالِين
إلى مَرَدّتِهم من المنافقين والمشركين قالوا: إنا معكم على (١) ما أنتم عليه، من
التكذيبِ بمحمدٍ مَّهِ وبما جاء به، ومعاداتِه ومعاداةِ أتباعِه ، إنما نحن ساخرون
بأصحابِ محمدٍ عَّهِ " فى قيلِنا" لهم إذا لَقِيناهم: ﴿ءَامَنَّا بِالَّهِ وَبِلْيَوْمِ
[٣٦/١و] الْآَخِ﴾ .
كما حدَّثنا محمدُ بنُ العلاءِ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ ، قال: حدَّثنا
بشئ(٤) بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ
إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾: ساخرون بأصحابٍ محمدٍ عَهٍ(٥).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ ، عن ابنٍ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبى
محمدٍ مولی زیدِ بنِ ثابتٍ ، عن عكرمةً، أو عن سعيد بن جبيرٍ ، عن ابنِ عباسٍ :
﴿ إِنَّمَا تَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾ أى: إنما نحن نَسْتهزِئُّ بالقومِ ونلعبُ بهم .
/ حدَّثنا بشرُ بنُ معاذِ العَقَدىُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، عن سعيدٍ، ١٣٢/١
(١) فى ص: ((الأولى)).
(٢) فى م: ((عن)).
(٣ - ٣) فى ص: ((بقيلنا)).
(٤) فى م: ((قیس )).
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٨/١ (١٤٢) من طريق محمد بن العلاء به. وهو تتمة الأثر المتقدم فى
ص ٣٠٦.
(٦) سيرة ابن هشام ١/ ٥٣١. وهو تتمة الأثر المتقدم فى ص ٣٠٧.

٣١٢
سورة البقرة : الآيتان ١٤، ١٥
عن قتادةَ: ﴿ إِنَّمَا غَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾: إنما نَشْتهزِئُ بهؤلاء القومِ ونَسْخَّرُ
(١)
بهم
.
حدَّثنى المُثَنَّى ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجّاج، عن عبدِ اللهِ بنِ أبى جعفرٍ ،
عن أبيه، عن الرّبيع: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾ أى: نَسْتَهزِئُ بأصحابِ محمدٍ
(٢)
عَاجٍ(٢).
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾.
قال أبو جَعفرٍ : اخْتُلِف فى صفةِ استهزاءِ اللَّهِ تعالى ذكرُه الذى ذكر أنه
فاعلُه بالمنافقين الذين وصَف صفتَهم ؛ فقال بعضُهم: استهزاؤُه بهم كالذى أُخْبرنا
تبارك اسمُه أنه فاعلٌ بهم يومَ القيامةِ فى قولِه تعالى: ﴿ يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ
لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْظُرُوْنَا نَقْلَِسْ مِن نُوْرِكُمْ قِيلَ أَرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَالْتَمِسُواْ نُرًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم
يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ
بِسُورٍ لَُّ بَابُ بَاطِنُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ
مَّعَكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ [الحديد: ١٣، ١٤ ] الآية. وكالذى أخبرنا أنه فعَل بالكفارِ بقولِه :
﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنْفُسِهِمَّ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ
ج
إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨]. فهذا وما أُشْبهه من استهزاءِ اللَّهِ تعالى ذكرُه وسخريته
ومكرِهِ وخديعتِه للمنافقين وأهلِ الشركِ به، عندَ قائلى هذا القولٍ ومتأوِّلى هذا
التأويلِ .
(٣)
وقال آخرون : بل استهزاؤُه بھم توبيخُه إياهم ، ولومُه لهم على ما ر کبوا من معاصيه
(١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٨/١ عقب الأثر (١٤٢) معلقا. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١/١
إلى عبد بن حميد. وهو تتمة الأثر السابق فى ص ٣٠٧.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٨/١ عقب الأثر (١٤٢) من طريق ابن أبى جعفر به.
(٣) فى م: ((معاصى اللَّه)) .

٣١٣
سورة البقرة : الآية ١٥
والكفرِ به، كما يقالُ: إِن فلانًا ليُهْزَأُ منه(١) اليومَ، ويُسخرُ منه. يُرادُ به توبيخُ الناسِ
إِيَّاه ولومُهم له. أو (١) إهلاكُه إِيَّهم وتدميرُه بهم، كما قال عَبِيدُ بنُ الأَبْرَصِ ) :
سَائِلْ بنا حُجْرَ ابنِ أَمِّ قَطَامِ إِذْ
ظلَّت به الشّمْرُ النواهِلُ تَلعبُ
فزعَموا أن السُّمْرَ - وهى القَنَا - لا لَعِبَ منها، ولكنها لما قتَلَتهم وشرَّدتهم،
جعَل ذلك من فعلِها لعبًا بمن فِعَلَت ذلك به . قالوا : فكذلك استهزاءُ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه
بَنْ اسْتَهزأ به من أهلِ النِّفاقِ والكفرِ به، إما إهلاكُه إيَّاهم وتدميرُه بهم، وإما إملاؤُه
لهم ليأخُذَهم فى حالٍ أَمنِهم عندَ أنفسِهم بغتةً ، أو توبيخُه لهم ولائمتُه إيَّاهم . قالوا :
وكذلك معنى المكرِ منه والخديعةِ والشُّخريةِ .
وقال آخرون: قولُه: ﴿يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّ
أَنْفُسَهُمْ﴾. على الجوابِ، كقولِ الرجلِ لمن كان يخدَعُه إذا ظَفِرِ به: أنا الذى
خدَعتُك. ولم تكنْ منه خديعةٌ ، ولكن قال ذلك إذ صار الأمر إليه . قالوا : وكذلك
قولُه: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]، و﴿ اَللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾.
على الجوابِ ، واللَّهُ لا يكونُ منه المكرُ ولا الهُزْءُ. والمعنى عندَهم أن المكرَ والهُزْءَ
حاق بهم .
(١) بعده فى ر: ((منذ)).
(٢) فی ص، ر، ت ٢: ((و).
والضمير فى قوله: إهلاكه إياهم وتدميرهم. عائد على اللَّه سبحانه، وهو معطوف على قوله : توبيخه
إياهم .
(٣) ديوانه ص ٧.
(٤) النواهل، جمع الناهل والناهلة: وهى الإبل العطاش ، تشبه بها الرماح ، كأنها تعطش إلى الدم.
التاج (ن هـ ل).
(٥) زيادة من : ر.

٣١٤
سورة البقرة : الآية ١٥
اَللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾. وقولُه :
١٤
وقال آخرون: قولُه: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ
يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]. وقولُه: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمُّ سَخِرَ
اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩]. و﴿ نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]. وما أشبه ذلك -
إخبارٌ من اللَّهِ جلَّ ثناؤه أنه مجازِيهم جزاءَ الاستهزاءِ، ومعاقبُهم عقوبةَ الخِداعِ،
١٣٣/١ فأخرج خبرَه عن جزائِه / إيَّاهم وعقابِه ١١ لهم، مُخْرَجَ خبرِه عن فعلِهم الذى عليه
استحقُّوا العقابَ فى اللفظِ، وإن اخْتَلف المعنَيان، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿وَجَزَّوُاْ
سَِئَةٍ سَيَِّةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]. ومعلومٌ أن الأُولَى من صاحِبها سيئةٌ ، إذ كانت
منه للَّهِ تبارك وتعالى معصيةً ، وأن الأُخرى عَدْلٌ؛ لأنها من اللَّهِ جزاء للعاصى على
المعصيةِ، فهما - وإن اتَّفق لفظاهما - مختلفتا المعنى، وكذلك قولُه: ﴿ فَمَنِ
أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ ﴾ [البقرة: ١٩٤]. فالعُدْوانُ الأُولُ ظلمٌ ، والثانى جزاءٌ لا
ظلمٌ ، بل هو عَدلٌ ؛ لأنه عقوبةٌ للظالم على ظلمِه، وإن وافق لفظُه لفظَ الأولِ . وإلى
مثل(٢) هذا المعنى وَجَهوا كلَّ ما فى القرآنِ من نظائرِ ذلك، مما هو خبرٌ عن مكرِ اللَّهِ
جلَّ وعزَّ بقومٍ، وما أشْبَه ذلك .
وقال آخرون: إن معنى ذلك أن اللَّهَ جلَّ ثناؤه أخبر عن المنافقين أنهم إذا خَلَوْا
إلى مَرَدّتِهم قالوا: إنا معكم على دينكم فى تكذيبٍ محمدٍ عَّله وما جاء به، وإنما
نحن - بما نُظهرُ لهم من قولِنا لهم: صدَّقْنا بمحمدٍ عَّه وما جاء به - مستهزئون .
يعنُون أنَّا نُظهرُ لهم ما هو عندَنا باطلٌ لا حَقٌّ ولا هُدَى . قالوا: وذلك هو معنًى من
معانى الاستهزاءِ، فأخبر اللَّهُ أنه يَشْتهزئُُ بهم ، فيُظهرُ لهم من أحكامِه فى الدنيا
خلافَ الذى لهم عندَه فى الآخرةِ، كما أظهروا للنبىّ ◌َظُلّه والمؤمنين فى الدينِ ماهم
على خلافِه فى سرائرِهم .
(١) فى ص: ((معاقبته)).
(٢) زيادة من : ر.

٣١٥
سورة البقرة : الآية ١٥
والصوابُ فى ذلك من القولِ والتأويلِ عندَنا أن معنى الاستهزاءِ فى كلامِ
العربِ إظهارُ المستهزِئ للمستهزأ به من القول والفعل ما يُرْضِيه ويُوافِقُهُ(١) ظاهرًا،
وهو بذلك من قيله وفعلِه به مُوَرِّطُهُ(٢) مساءَتَه(٢) باطنًا، وكذلك معنى الخداعِ
والسخريةِ والمكرِ .
فإذ كان ذلك كذلك، وكان اللَّهُ جلَّ ثناؤه قد جعَل لأهلِ النِّفاقِ فى الدنيا من
الأحكام - بما أظهروا بألسنتِهم من الإقرارِ باللَّهِ وبرسولِه وبما جاء به من عندِ اللَّهِ ،
المُدْخِلِهِم(٤) فى عِدادٍ مَن يشمَلُهم(٥) اسمُ الإسلامِ، وإن كانوا(٩) لغيرِ ذلك
مُستبطِنِينَ(٧) - أحكامَ المسلمين(٨) المصدِّقين إقرارَهم بألسنتهم بذلك، بضمائرٍ
قلوبِهم، وصَحائحِ عزائمِهم، وحميدِ أفعالهم المحققةِ لهم صحةَ إيمانِهم، مع علمٍ
اللَّه جلَّ وعزّ بكذبِهم، واطلاعه على خُبْثِ اعتقادِهم، وشكهم فيما ادَّعَوا بألسنتِهم
أنهم به (٩) مصدِّقون، حتى ظنُّوا فى الآخِرةِ - إذ حُشِروا فى عِدادٍ من كانوا فى
عِدادِهم فى الدنيا - أنّهم وارِدُون مَوْرِدَهم، وداخِلون مَدْخَلَهم ، واللَّهُ جلَّ جلالُه
مع إظهارِه ما قد أظهر لهم من الأحكام المُلْحِقتِهم (١١) فى عاجلِ الدنيا وآجلِ الآخرةِ
(١) سقط من: ص، وفى ر، ت ٢: ((يوفقه)).
(٢) فى م: (( مورثه)).
(٣) فى ص، م: ((مساءة)).
(٤) فى م: ((المدخل لهم)).
(٥) فى ص، م: ((يشمله)).
(٦) فى ر: ((كان)).
(٧) بعده فى م: ((من)).
(٨) فى ر: ((الإسلام)).
(٩) سقط من: م.
(١٠) فى م: ((الملحقهم)).

٣١٦
سورة البقرة : الآية ١٥
إلى [٣٦/١] حالٍ تمييزِهِ بينَهم وبينَ أوليائِه، وتفريقه بينهم وبينهم - مُعِدٌّ
لهم من أليم عقابِهِ ونَكالِ عذابِهِ، ما أعدَّ منه لأعدى أعدائِه، وشرّ(١)
عبادِه، حتى ميَّز بينهم وبينَ أوليائِه، فألحَقَهم من طبقاتِ جحيمِه بالدركِ
الأسفل " من النارِ" - كان معلومًا(٢) أنه جلَّ ثناؤه بذلك من فعلِه بهم ،
وإن كان جزاءً لهم على أفعالهم، وعدلًا ما فعَل من ذلك بهم؛
لاستحقاقِهم إيَّه منه بعصيانِهم له كان بهم بما أظهَر لهم من الأمورِ التى
أظهرها لهم من إلحاقِه أحكامَهم فى الدنيا بأحكامٍ أوليائه وهم له أعداءٌ، وحشرِه
إيّاهم فى الآخرةِ مع المؤمنين وهم به من المكذِّبين، إلى أن ميَّز بينَهم وبينَهم -
مستهزِيئًا بهم" وساخرًا، ولهم خادِعًا، وبهم ماكرًا؛ إذ كان معنى الاستهزاءِ
والشُّخريةِ والمكرِ والخديعةِ ما وصَفنا قبلُ، دونَ أن يكونَ ذلك معناه فى حالٍ فيها
١٣٤/١ المستهزِئُ بصاحبِه له ظالم، أو عليه فيها(٥) عادلٌ، بل ذلك معناه فى كلِّ / أحوالِه،
إذا(١) وُجدَت الصفاتُ التى قدَّمنا ذكرَها فى معنى الاستهزاءِ وما أشْبَهه من
نظائره .
وبنحوٍ ما قلنا فيه ژُوى الخبرُ عن ابنِ عباسٍ .
حدَّثنا أبو كُرِيبٍ ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ ،
(١) فى م: ((أشر)).
(٢ - ٢) زيادة من : ر.
(٣) قوله: كان معلوما. جواب قوله: فإذا كان ذلك كذلك ... المتقدم أول الفقرة .
(٤ - ٤) فى م: ((وبينهم مستهزئا)).
(٥) بعده فى م: ((غير)).
(٦) فى ر: ((إذ قد)).
:

٣١٧
سورة البقرة : الآية ١٥
عن أبى رَوْقٍ ، عن الضّاكِ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿اَللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ . قال:
يسخّرُ بهم للنّقمةِ منهم(١).
وأمّا الذين زعموا أن قولَ اللَّهِ جلّ ثناؤه: ﴿اَللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ . إنما هو على
وجهِ الجوابِ، وأنه لم يكنْ من اللَّهِ استهزاءٌ ولا مكرٌ ولا خديعةٌ، فنافون عن اللَّهِ جلّ
ثناؤه ما قد أَثْبَته اللَّهُ جلّ ثناؤه لنفسِه وأَوْجَبه لها . وسواءٌ قال قائلٌ: لم يكنْ من اللَّهِ
جلَّ ذكره استهزاءٌ ولا مكرّ(١) ولا سُخريةٌ بمن أخْبَر أنه يَسْتَهزِئُُ ويسخَرُ ويمِكُرُ به . أو
قال: لم يخسِفِ اللَّهُ بمن أخْبَر أنه خسَف به من الأمم ، ولم يُغرقْ من أخْبَر أنه غرّقه
منهم .
ويقالُ لقائل ذلك: إن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه أُخْبَرنا أنه مكَر بقوم مضَوا قبلَنا لم نَرَهم ،
وأخْبَر عن آخرين أنه خسَف بهم، وعن آخرين أنه غرّقهم، فصدَّقْنا اللَّهَ جلّ ثناؤه
فيما أخْبَرنا به من ذلك ، ولم نفرِّقْ بين شىءٍ منه، فما برهانُك على تفريقِك ما فرَّقْتَ
بينه ، بزعمِك أنه قد غرّق وخسف بمن قد (٢) أخبر أنه غرّقه وخسف به ، ولم يمگز بمن
أُخْبَر أنه قد مكر به؟ ثم يُعكَسُ القولُ عليه فى ذلك ، فلن يقولَ فى أحدِهما شيئًا إلا
أُلْزِمِ فى الآخرِ مثلَه .
فإِن لجأ إلى أن يقولَ: إِن الاستهزاءَ عبثٌ ولعبّ، وذلك عن اللَّهِ عزَّ وجلَّ
منفئٌّ .
قيل له: إن كان الأمرُ عندَك على ما وصَفْتَ من معنى الاستهزاءِ،
أَفَلِسْتَ تقولُ: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بهم، وسخِرِ اللَّهُ منهم، ومكَر اللَّهُ بهم. وإن لم
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٨/١ (١٤٣) من طريق أبي كريب به.
(٢) بعده فى م: ((ولا خديعة)).
(٣) زيادة من: ر.

٣١٨
سورة البقرة : الآية ١٥
يكن من اللَّهِ عندَك هُزْءٌ ولا سخريةٌ؟ فإن قال: لا. كذَّب بالقرآنِ، وخرَج من ١ ملَّةِ
الإسلامِ. وإن قال: بلى. قيل له : أفتقولُ من الوجهِ الذى قلت: ﴿اَللَّهُ يَسْتَهْزِئُ
بِهِمْ ﴾، ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ ﴾: يلعَبُ اللَّهُ بهم ويعبَثُ. ولا لعبَ من اللَّهِ ولا عبثَ؟
فإن قال: نعم. وصَف اللَّهَ بما قد أجْمَع المسلمون على نفيِه عنه، وعلى تخطئةٍ
واصفِه به ، وأَضاف إليه ما قد قامت الحجةُ من العقولِ على ضلالٍ مُضيفِه إليه . وإن
قال : لا أقولُ: يلعبُ اللَّهُ بهم، ولا يعبّثُ. وقد أقولُ: يَسْتهزِئُ بهم، ويسخّرُ
منهم. قيل: فقد فرَّقت بين معنى اللعبِ والعبثِ، والهُزْءِ والسخرية، والمكرِ
والخديعةِ ، ومن الوجهِ الذى جاز قيلُ هذا، ولم يَجُزْ قيلُ هذا، افْتَرق معنياهما ، فعُلم
أن لكلِّ واحدٍ منهما معنَى غيرَ معنى الآخرِ .
وللكلامِ فى هذا النوعِ موضعٌ غيرُ هذا، كرِهنا إطالة الكتابِ باستقصائِه،
وفيما ذكَرْنا كفايةٌ لمن وُفِّق لفَهمِه .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿ وَيَهُُّهُمْ ﴾ .
قال أبو جعفرٍ: اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ قوله: ﴿وَيَعُدُّهُمْ﴾؛ فقال بعضُهم
بما حدَّثنی به موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ ، عن
الشّدِّىِّ فى خبرِ ذكَرَه عن أبى مالكِ ، وعن أبى صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ ، وعن مُرَّةَ،
عن ابنٍ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ عَ ◌ّهِ: ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾: يُملى لهم(١).
(١) فى م: ((عن)).
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٧٨/١ عن السدى به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١/١ إلى المصنف عن
ابن مسعود وحده. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٨/١ (١٤٤) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط،
عن السدى من قوله. وسيأتى بقية هذا الأثر فى ص ٣٢١، ٣٢٢.

٣١٩
سورة البقرة : الآية ١٥
/ وقال آخرون بما حدَّثنى به المثُنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا سويدُ بنُ نصرٍ، عن ١٣٥/١
ابنِ المباركِ، عن ابنِ مجريجٍ قراءةً، عن مجاهدٍ: ﴿وَيَئُّهُمْ﴾ قال: يَزِيدُهم(١).
وكان بعضُ نحوِّى(٢) البصرةِ يتأوَّلُ ذلك أنه بمعنى: يَهُدُّ لهم. ويزعُمُ أن ذلك
نظيرُ قولِ العربِ: الغلامُ يلعَبُ الكِعابَ. "يُراد به : يلعَبُ بالكِعابِ) . قال:
وذلك أنهم قد يقولون : قد مدَدْتُ له، وأَمْددْتُ له . فى غيرِ هذا المعنى ، وهو قولُ
اللَّهِ جلَّ وعز: ﴿وَأَمْدَدْنَهُمْ﴾ [ الطور: ٢٢]. وهذا من: أَمْدَدناهم. قال: ويقالُ:
قد مدَّ البحرُ فهو مادِّ، وأَمَدَّ الجُرْحُ فهو ثُمِدٌّ .
وحُكِى عن يونسَ الجَزَميِّ(٤) أنه كان يقولُ: ما كان من الشرّ فهو : مدَدْتُ ،
وما كان من الخيرِ فهو: أَمْدَدتُ. ثم قال: وهو كما فشَّرتُ لك، إذا أردتَ أنك
ترَكْتَه فهو : مَدَدتُ له ، وإذا أردتَ أنك أعْطَيْتَه قلت : أَمْدَدتُ .
وأما بعضُ نحوِّى الكوفةِ فإنه كان يقولُ : كلُّ زيادةٍ حدَثت فى الشىءِ من
نفسِه، فهو: مَدَدتُ، بغيرِ ألفٍ، كما تقولُ: مَّ النهَرُ، ("ومدَّه نهَرْ آخرٌ غيرُه. إذا
اتَّصل به فصار منه ، وكلَّ زيادةٍ حَدَثت فى الشىءٍ من غيرِه فهو بألفٍ ، كقولك :
أمدَّ الجُرْعُ؛ لأنَّ المِدَّةَ من غيرِ الجُرْحِ، وأَمْدَدتُ الجيشَ بِمَدَدٍ .
وأولى هذه الأقوالِ بالصوابٍ فى قوله: ﴿وَيَئُدُهُمْ ﴾. أن يكونَ بمعنى:
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٨/١ (١٤٥) من طريق ابن جريج به.
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١/١ إلى الفريابى وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) بعده فى ر: ((أهل)).
(٣ - ٣) سقط من: ص.
(٤) ينظر تهذيب اللغة ١٤/ ٨٥.
(٥ - ٥) فى ص: ((مده فهو))، وفى ر: ((مد نهر)).

٣٢٠
سورة البقرة : الآية ١٥
يزيدُهم. على وجهِ الإملاءِ والتركِ لهم فى عُتوِّهم وتمرُّدِهم، كما وصَف ربُّنا جلَّ
ثناؤه أنه فَعَل بنظرائهم فى قوله: ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ- أَوَّلَ
مَّقِّ وَنَذَرُهُمْ فِي ◌ُغْيَِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ [الأنعام: ١١٠]. " فكذلك قولُه: ﴿ وَيَئُهُمْ
فِي ◌ُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. يعنى: "يَذَرُهم ويتركُهم فيه، ويُلى " لهم ليزدادوا إثمًا
إلی إثمِهم .
ولا وجهَ لقولٍ من قال: ذلك بمعنى: يَمُدُّ لهم. لأنَّه لا تدافُعَ بين"
العربِ وأهلِ المعرفةِ بلغتِها أن يستجيزوا قولَ القائلِ: مدَّ النهَرَ(٥) نَهَرٌ آخرُ.
بمعنى: اتصل به فصار(١) زائدًا (ماءُ المتَّصَلِ) به بماءِ المتَّصِلِ. مِن غيرِ
تأوَّلٍ منهم ذلك(٨) أن معناه: [٣٧/١و] مدَّ النهَرَ نهَرٌ آخرُ. فكذلك ذلك فى
قولِهِ جلّ وعزّ: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِى ◌ُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى : ﴿فِ تُغْيَنِهِمْ﴾ .
قال أبو جعفرٍ: والطغيانُ الفُعْلانُ، من قولِك: طغَى فلانٌ يطفَى طُغْيانًا . إذا
) أَن
٦
تجاوز فى الأمرِ حدَّه فبغَى. ومنه قولُ اللَّهِ جلّ ثناؤه: ﴿كَلَّ إِنَّ الْإِنسَنَ لَيَطْفَىٌ
(١) فى ر: ((معنى)).
(٢ - ٢) سقط من: ص، م.
(٣ - ٣) فى ص، م: ((نذرهم ونتركهم فيه ونملى)).
(٤ - ٤) فى ص: ((تتدافع)).
(٥) فى ص: ((إليهم)).
(٦) فى ص: ((صارا)).
(٧ - ٧) فى ر، ت ٢: ((ما اتصل))، وفى ت ١: ((بماء المتصل)).
(٨) فى ص: (( وذلك)).
(٩) فى ص: ((للنهر)).