Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ سورة البقرة : الآية ٦ السلامُ؛ إذ كان ذلك مِن الأمورِ التى لم يكنْ محمدٌ مَّهِ ولا قومُه ولا عشيرتُه يَعْلَمونه، ولا يَعْرِفونه مِن قبلِ نزولِ الفرقانِ على محمدٍ عَ الِ، فيُمْكِنَهم ادعاءُ اللَّبْسِ فى أمرِهِ مَّهِ أَنَّه نبىٌّ، وأن ما جاء به فمِن عندِ اللَّهِ . وأَنَّى يُمْكِنُهم ادعاءُ اللَّيْسِ فى صدقِ أُمِّيِّ نشَأْ يِيْنِ أُمِّين، لا يَكْتُبُ ، ولا يَقْرأُ، ولا يَحْسُبُ ، فيقال : قرأ الكتبَ فعلِم . أو: حسَب فنَجَّم؟ انْبَعث على أحبارٍ قَرَأَةٍ كَتَبَةٍ، قد دَرَسوا الكتبَ، ورأسوا الأممَ، يُخْبِرُهم عن مستورِ عيوبِهم، ومَصونٍ علومِهم، ومكتومٍ أخبارِهم ، وخَفِيّات أمورِهم التى جهِلها مَن هو دونَهم مِن أحبارِهم. إن أمْرَ مَن كان كذلك لغيرُ مُشْكِلٍ، وإنَّ صِدقَه، والحمدُ للَّهِ، لَبِيِّنٌّ. ومما يُنْبِئُ عن صحَّةٍ ما قلنا - من أنَّ الذين عَنى اللَّهُ تعالى ذِكْرُه بقوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءُ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ نُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ . هم أحبار اليهودِ الذين قُتِلوا على الكفرِ وماتوا عليه - اقتصاصُ اللَّهِ تعالَى ذِكْرُه نبأَهم، وتذكيرُهُ(١) إيَّاهم ما أَخَذ عليهم مِن العهود والمواثيقِ فى أمرِ محمدٍ عَ لِّ بعدَ اقتصاصِه تعالى ذِكْرُه ما اقْتَصَّ مِن أمرِ المنافقين، واعتراضِه بينَ(٣) ذلك بما(٤) اعْتَرض به مِن الخبرِ عن إبليسَ وآدمَ فى قولِهِ: ﴿يَنِيّ إِسْرَِّيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِىَ الَّتِىِ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [ البقرة: ٤٠] الآيات. واحتجاجُه لنبيِّه عليهم بما احْتََّ به عليهمْ فيها عند١َ) بجحودِهم نبوَّتَه . فإذا كان الخبرُ أولًا عن مؤمنى أهلِ الكتابِ، (١ - ١) فى م: ((وانبعث على أخبار قراء كتب)). (٢) فى ر: ((بذكره)). (٣) فى ص: ((من)). (٤) فى ص: ((لما)). (٥ - ٥) سقط من: ر. (٦) فى ض، م: ((بعد)). ٢٦٢ سورة البقرة : الآية ٦ وآخرًا عن مشركيهم ، فأَوْلَى أن يكونَ وَسَطًا عنهم، إذ كان الكلامُ بعضُه لبعضٍ تَبَعْ ، إلا أنْ تَأْتِىَ (١٣) دلالةٌ واضحةٌ بعدولٍ بعضٍ ذلك عما ابْتَدَأ به مِن معانيه، فيكونَ معروفًا حينئذٍ انصرافُه عنه . وأما معنى الكفرِ فى قوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. فإنه الجُحودُ ، وذلك أن الأحبارَ مِن يهودِ المدينةِ جحَدوا نبؤَّةً محمدٍ عَِّ، وستَروه عن الناسِ، وكتّموا أمره، وهم يَعْرِفونه کما یَغْرِفون أبناءهم . وأصلُ الكفرِ عندَ العربِ تغطيةُ الشىءٍ، ولذلك سَمَّوًا الليلَ كافرًا؛ لتغطيةِ ظُلْمتِهِ ما لِبِسَته، كما قال الشاعرُ() : أَلْقَتْ ذُكَاءُ(١) يَمِينَها فى كافِرٍ فتَذَكَّرَا ثَقَلًاً(٤) رَئِيدًا(٥) بَعْدَما وكما قال لَبِيدُ بنُ ربيعةً(٧): فى لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمامُها * # يعنى : غَطَّاها . فكذلك الأحبارُ مِن اليهودِ، غطّوا أمرَ محمدٍ عَ لَّهِ وكتَموه الناسَ، مع علمهم بنبوَّتِه ووجودِهم صفته فى كتبهم ، فقال اللَّهُ جَلَّ ثناؤُه فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَتِ وَاَلْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيِّنَكَهُ لِلنَّاسِ فِىِ الْكِنَبِّ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ (١ - ١) سقط من: ص. (٢) فى م: ((تأتيهم)) . (٣) هو ابن صعير المازنى، كما فى المفضليات ص ١٣٠. (٤) الثقل : بيض النعام المصون . اللسان (ث ق ل). (٥) الطعام الرشيد: المتَضَّد بعضه فوق بعض، أو بعضه إلى جنب بعض. ينظر اللسان (رث د). (٦) الذُّكاء: اسم للشمس. اللسان (ذك و). (٧) شرح ديوان لبيد ص ٣٠٩. ٢٦٣ سورة البقرة : الآية ٦ وَيَلْعَنُّهُمُ الَّعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩]. وهم الذين أَنْزَل اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فيهم: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءُ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ . القولُ فى تأويل قولِه جَلَّ ثناؤُه: ﴿ سَوَاءُ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ نُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ / وتأويلُ ﴿سَوَاءُ﴾: معتدلٌ. مأخوذٌ مِن التَّساوى، كقولك: متساوٍ هذان ١١١/١ الأمران عندِى، وهما عندى سواءٌ. أى: هما متعادلان عندى . ومنه قولُ اللَّهِ جَلَّ ثناؤه: ﴿ وَإِمَّا تَّخَافَ مِن قَوْمٍ خِيَانَةٌ فَأَنَبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَآءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨]. يعنى بذلك(١): أغْلِمْهم وآذِنْهم بالحربِ، حتى يَسْتوىَ علمُك وعلمُهم) بما عليه كلُ فريقٍ منهم للفريقِ الآخرِ. فكذلك قولُه: ﴿سَوَاءُ عَلَيْهِمْ﴾: معتدلٌ عندهم أىُّ الأمرين كان منك إليهم، الإنذار أم تركُ الإنذارِ؛ لأنهم [٣٠/١ط] لا يؤمنون، وقد خَتَمْتُ على قلوبِهم وسمعِهم. ومِن ذلك قولُ عبدِ اللَّهِ(١) بنِ قيسِ الرُّقَّاتِ(٤): سَوَاءٌ عَلَيْها لَيْلُها ونَهَارُها تقَدَّت(٥) بِيَ الشَّهْباءُ(٦) نَحْوَ ائِ جَعْفَرٍ يعنى بذلك: معتدلٌ عندَها فى السيرِ الليلُ والنهارُ؛ لأنه لا فُتورَ فيه . ومنه قولُ (٧) الآخرِ(٢): (١) زيادة من: ر. (٢ - ٢) فى ص: ((عليك وعليهم)). (٣) كذا فى النسخ. وهو مختلف فيه، والراجح أنه عبيد الله، وينظر البداية والنهاية ١٧٥/١٢ حاشية (٧). (٤) ديوانه ص ٨٢. (٥) فى م: ((تغذٌّ))، وهما بمعنى، قدى الفرس: أسرع. اللسان (ق د ی). (٦) الشهبة فى الخيل : لون بياض، يصدعه سواد فى خلاله. اللسان ( ش هـ ب). (٧) البيت للأعشى فى ديوانه ص ٣٧٣. ونسبه ابن الشجرى فى الحماسة ٢/ ٧١٠، ٧٢٨، والنويرى فى نهاية الأرب ١٤٢/١، إلى مضرس بن ربعى، ونسبه المرزوقى فى الأزمنة والأمكنة ٢٣٣/٢ إلى مضرس بن لقيط، ونسبه الحصرى فى زهر الآداب ٧٥١/٢ إلى ابن محكان السعدى . : ٢٦٤ سورة البقرة : الآية ٦ سَواءٌ صَحِيحاتُ(١) العُيُونِ وُورُها وَلَيْلِ يقولُ الَّءُ مِن ظُلُماتِهِ لأن الصحيحَ لا يُتْصِرُ فيه إلا بَصَرًّا ضعيفًا مِن ظُلْمتِه . وأمَّا قولُه: ﴿ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. فإنه ظهَر به الكلامُ ظهورَ الاستفهامِ وهو خبرٌ؛ لأنه وقَع مَوْقِعَ ((أىّ))، كما تقولُ: ما نُبالى أقُمْتَ أُم قَعَدْتَ. وأنت مخبر لا مستفهمٌ؛ لوقوع ذلك موقعَ ((أَىّ))، وذلك أن معناه إذا قلتَ ذلك: ما نبالى أىُّ هذين كان منك. فكذلك ذلك فى قوله: ﴿ سَوَآءُ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرَهُمْ﴾. لما كان معنى الكلام: سواءٌ عليهم أىُّ هذين كان منك إليهم . حسن فى موضعِه مع ﴿ سَوَآءُ﴾: أفعَلْتَ أَم لم تَفْعَلْ. وقد كان بعضُ نحوِنِّى أُهلِ البصرةِ يَزْعُمُ أن حرفَ الاستفهامِ إنما دخَل مع سَوَآءُ﴾ وليس باستفهامٍ؛ لأن المُسْتَفهِمَ إذا اسْتَفْهَم غيرَه فقال: أزيدٌ عندَك أَمْ(١) عمرٌو؟ مستثبِتٌ صاحبه أيُّهما عندَه، فليس أحدُهما أُحقَّ بالاستفهامِ مِن الآخرِ. فلما كان قولُه: ﴿ سَوَآءُ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَّهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرُهُمْ﴾. بمعنى التسويةِ، أَشْبهَ ذلك الاستفهامَ ، إذ أشْبَهه فى التسويةِ . وقد بيًَّّا الصوابَ فى ذلك. فتأويلُ الكلام إذن : معتدلٌ يا محمدُ على هؤلاء الذين جحدوا نبؤَّتَك مِن أحبارٍ يهودِ المدينةِ بعدَ علمِهم بها، وكتَموا بيانَ أمرِك للناسِ بأنك رسولى إلى خلقى، وقد أخذتُ عليهم العهدَ والميثاقَ أَلا يَكْتُموا ذلك، وأن يبيِّنوه للناسِ، ويُخْبِروهم أنهم يجدون صفتَك فى كتبهم - أَنْذَرتَهم أم لم تُنْذِرْهم فإنهم لا يؤمنون، ولا يَرْجِعون إلى الحقِّ، ولا يُصَدِّقون بك وبما جئتَهم به . (١) فى ديوان الأعشى: ((بصيرات)). (٢) فى ص: ((أو)). ٢٦٥ سورة البقرة : الآيتان ٦ ، ٧ كما حدَّثنا محمدُ بنُ حميدٍ ، قال : حدثنا سَلَمةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ أبى محمدٍ مَوْلَى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةً، أو عن سعيد ابنِ مُجُبيرٍ ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ سَوَآءُ عَلَيْهِمْ ءَ أَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: أْ أنهم قد كفَروا بما عندَهم(١) مِن ذِكْرٍ، وجحَدوا ما أَخِذ عليهم مِن الميثاق لك ، فقد كفَروا بما جاءك، وبما عندَهم مما جاءهم به غيرُك، فكيف يَسْمَعون منك إنذارًا وتحذيرًا وقد كفَروا بما عندَهم مِن علمِك(٢) ؟ / القولُ فى تأويلِ قولِه عزّ وجَلَّ: ﴿خَتَمَ اَللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمٌ ﴾ . ١١٢/١ قال أبو جعفرٍ: وأصلُ الخَتَّم الطَّبْعُ. والخاتمُ هو الطَّابَعُ. يقالُ منه: خَتَمْتُ الكتابَ . إذا طَبَعْتَه . فإن قال لنا قائلٌ: وكيف يَخْتِمُ على القلوبِ، وإنما الختمُ طبعٌ على الأوعيةِ والظروفِ والغُلُفِ (١) ؟ قيل : فإن قلوبَ العبادِ أوعيةٌ لما أُودِعت مِن العلوم، وظروفٌ لما جُعِل فيها مِن المعارفِ بالأمورِ(٤) . فمعنى الختم عليها وعلى الأسماعِ التى بها تُدْرَكُ المسموعاتُ ، ومِن قِبَلِها يُوصَلُ إلى معرفةِ حقائقِ الأنباءِ عن المغيَّاتِ - نظيرُ معنى الختم على سائرٍ الأوعيةِ والظروفِ . فإن قال : فهل لذلك مِن صفةٍ تصِفُها لنا فنفْهَمَها أهى مثلُ الختم الذى يُعْرَفُ (٥) (١) بعده فى م: ((من العلم)). (٢) تقدم أول هذا الأثر فى ص ٢٥٨ . (٣) الغلف جمع الغلاف: وهو الصوان وما اشتمل على الشىء. اللسان (غ ل ف). (٤) فى ص: ((بالعلوم)). (٥) فى ر: ((نعرف)) .. ٢٦٦ سورة البقرة : الآية ٧ لما ظهَر للأبصارِ ، أم هى بخلافٍ ذلك ؟ قيل : قد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى صفةِ ذلك، وسنُخْبِرُ بصفتِه بعدَ ذکرِنا قولهم ؛ فحدّثنی عیسی بنُ عثمانَ بنِ عیسی الرَّمْلئُ ، قال : حدَّثنا يحيى بنُ عیسى ، عن الأعمشِ ، قال : أرانا مجاهدٌ بيدِه، فقال: كانوا يُرَوْن أن القلبَ فى مثلِ هذا - يعنى الكفَّ - فإذا أذْنَب العبدُ ذنبًا ضُمَّ منه - وقال بإصْبَعِه الخِنْصَرِ هكذا - فإذا أَذْنَبِ ضُمَّ - وقال بإِصْبَعِ أخرى - فإذا أذنَب ضُمَّ - وقال بإصبَعِ أخرى هكذا - حتى ضَمَّ أصابعَه كلَّها. قال: ثم يُطْبَعُ عليه بطابَع. قال مجاهدٌ: وكانوا يُرَوْن أن ذلك الرّئْنُ. حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا وكيع، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ ، قال : القلبُ مثلُ الكفّ، فإذا أَذْنَب ذنبًا قبَض إصْبَعًا حتى يَقْبِضَ أصابعَه كلَّها ، وكان أصحابُنَا يُرَوْن أنه الرانُ . حدَّثنا القاسمُ بنُ الحسنِ، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنی حجاجٍ، قال: حدَّثنا ابنُ جريج، قال: قال مجاهدٌ : تُبحت أن الذنوبَ على القلبِ تَحُفُّ به مِن نواحيه حتى تلتقىَ عليه، فالتقاؤُها عليه الطبعُ، والطبعُ الختمُ . قال ابنُ نجريج: الختمُ ، الختمُ على القلبِ والسمعِ(١). حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: حدَّثنى عبدُ اللَّهِ بنُ كَثِيرٍ أنه سمِع مجاهدًا يقولُ : الرانُ أيسرُ مِن الطبعِ ، والطبعُ أيسرُ مِن الأقفالِ، والأقفالُ أشدُّ ذلك كلِّه(٢). (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤١/١ (٩٩) من طريق حجاج به . (٢) أخرجه البيهقى فى الشعب (٧٢١٠) من طريق حجاج به . ٢٦٧ سورة البقرة : الآية ٧ وقال بعضُهم: إنما معنى قولِه: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾. إخبارٌ مِن اللَّهِ جَلَّ ثناؤه عن تكبرِهم وإعراضِهم عن الاستماعِ لما دُعوا إليه مِن الحقِّ، كما يقالُ : إن فلانًا لأصمُ عن هذا الكلام. إذا امْتَنَع مِن سماعِه، ورفَع نفسَه عن تفهُّمِه تكبرًا . والحقُّ فى ذلك عندى ماصحَّ بنظيرِهِ الخبرُ عن رسولِ اللَّهِ ◌ٍَّ ، وهو ما حدَّثْنا به محمدُ بنُ بَشارٍ ، قال: حدثَّنا صفوانُ بنُ عيسى ، قال: حدَّثنا ابنُ عَجْلانَ ، عن القَتقاعِ، عن أبى صالح، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ عَظِهِ: ((إنَّ المؤْمنَ إذا أَذْنَبِ ذَنْبًا كانت نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فى قلبِه، فإِنْ تاب ونزَع واسْتَغْفر صُقِلُ(١) قلبُه، فإِنْ زاد زادت حتى تُغْلِقَ(٢) قلبَه، فذلك الزَّانُ الذى قال اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُه: ﴿كَلَّا بَلَّ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ / يَكْسِبُونَ﴾)) [المطففين: ١٤]. ١١٣/١ فأخْبَر ◌َّمِ أن الذنوبَ إذا تَتابعت على القلوبِ أَغْلَقَتْها(١) ، وإذا أَغْلَقَتْها(١) أتاها حينئذٍ الختمُ مِن قِبَلِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ والطبعُ ، فلا يكونُ للإيمانِ إليها مسلكٌ ، ولا للكفرِ منها مَخْلَصٌ، فذلك هو الطبعُ. والختمُ الذى ذكره اللَّهُ تبارك وتعالى فى قوله : ﴿ خَتَمَ اَللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ . نظيرُ الطبع والختم على ما تُدْرِكُه الأبصارُ مِن الأوعيةِ والظروفِ التى لا يُوصِلُ إلى ما فيها إلا بفضِّ ذلك عنها ثم كُلِّها ، فكذلك لا يصلُ الإِيمانُ [١/ ٣١و] إلى قلوبٍ مَن وصَف اللَّهُ أنه ختَم على قلوبهم إلا بعدَ فضِّه خاتَمَه، وحَلِّ رِباطَه عنها . ويقالُ لقائلى القولِ الثانى، الزاعمِين أن معنى قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿خَتَمَ اَللّهُ عَلَى (١) سقط من: ت ٢، وفى ص، ر: ((صقلت)). (٢) فى ص: ((يغلق))، وفى م: ((يغلف)). (٣) فى م: ((أغلفتها)). ٢٦٨ سورة البقرة : الآية ٧ قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾. هو وصفُهم بالاستكبارِ والإعراضِ عن الذى دُعوا إليه مِن الإقرارِ بالحقِّ تكبِّرًا: أَخْبِرونا عن استكبارِ الذين وصَفهم اللَّهُ جلَّ ثناؤُه بهذه الصفةِ، وإعراضِهم عن الإقرارِ بما دُعوا إليه مِن الإيمانِ وسائرِ المعانى اللواحقِ به، أفعلٌ منهم أم فعلٌ مِن اللَّهِ جلّ ثناؤُه بهم(١)؟ فإن زعَموا أن ذلك فعلٌ منهم - وذلك قولُهم - قيل لهم: فإن اللَّهَ جَلّ وعزّ قد أُخْبَر أنه هو الذى ختَم على قلوبِهم وسمعِهم ، وكيف يجوزُ أن يكونَ إِعراضُ الكافرِ عن الإيمانِ، وتكبّرُه عن الإقرارِ به، وهو فعلُه عندَكم، ختمًا مِن اللَّهِ على قلبِه وسمعِه، وختمُه على قلبِه وسمعِه فعلُ اللَّهِ(١) جَل ذكرُه دونَ فعلِ الكافرِ. فإن زعَموا أن ذلك جاز(٢) أن يكونَ كذلك لأن تكبِّرَه وإعراضَه كانا عن ختم اللَّهِ على قلبِه وسمعِه، فلما كان الختمُ سببًا لذلك جاز أن يُسَمَّى مسبِّئُه به - ترَكوا قولَهم، وأَوْجَبوا أن الختمَ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه على قلوبِ الكفارِ وأسماعِهم معنّ غيرُ كفرٍ الكافرِ، وغيرُ تكبِّرِه وإعراضِه عن قَبولِ الإيمانِ والإقرارِ به، وذلك الدخولُ(٤) فيما انگروه . وهذه الآيةُ مِن أوضح الدليلِ (١) على فسادٍ قولِ المنكرين تكليفَ ما لا يُطاقُ إلا بمعونةِ اللَّهِ جلَّ ذكرُه؛ لأَنَّ اللَّهَ جَلَّ وعز أخْبَر أنه ختَم على قلوبٍ صِنْفٍ مِن كفارٍ عبادِهِ وأسماعِهم، ثم لم يُشْقِطِ التكليفَ عنهم، ولم يَضَعْ عن أحدٍ منهم فرائضَه ، ولم يُعْذِرْه فى شىءٍ مما كان منه مِن خلافٍ طاعتِه بسببٍ ما فعَل به مِن الختمِ (١) سقط من: ص . (٢) فى ص: ((للَّه)) . (٣) فى ص، م: ((جائز)). (٤) فى م: (( دخول )) . (٥) فى ر، م: ((الدلالة)). ٢٦٩ سورة البقرة : الآية ٧ والطبع على قلبِه وسمعِه ، بل أخْبَر أن لجميعِهم منه عذابًا عظيمًا على تركهم طاعتَه فيما أمَرهم به ونهاهم عنه من حدودِه وفرائضِه ، مع حَتْمِه القضاءَ عليهم مع ذلك أنهم(١) لا يؤمنون . القولُ فى تأويلِ قولِه جَلَّ ثناؤه: ﴿ وَعَلَىَ أَبْصَرِهِمْ غِشَوَةٌ ﴾ قال أبو جعفرٍ: وقولُه: ﴿وَعَلَى أَبْصَرِهِمْ غِشَوَةٌ﴾. خبرٌ مبتدأُ بعدَ تمامِ الخبرِ عمَّا ختَم اللَّهُ عليه مِن جوارحِ الكفارِ الذين مَضَت قصصُهم، وذلك أَنَّ ◌ْ غِشَوَةٌ﴾ مرفوعةٌ بقولِه: ﴿وَعَلَىَّ أَبْصَرِهِمْ﴾. فذلك دليلٌ على أنه خبرٌ مبتدأٌ ، وأن قولَه : ﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾. قد تناهَى عندَ قَولِه: ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ . وذلك هو القراءةُ الصحيحةُ عندَنا لَغْنَيين : أحدُهما : اتفاقُ الحُنَّةِ مِن القرأةِ والعلماءِ على الشهادةِ بتصحيحِها، وانفرادُ المخالفِ لهم فى ذلك، وشذوذُه عمَّا هم على تَخطئتِه مجمِعون، وكفَى بإجماع الحُنَّةِ على تَخطئةِ قراءةٍ (١) شاهدًا على خطئها . والثانى: أن الختمَ غيرُ موصوفةٍ به العيونُ فى شىءٍ مِن كتابِ اللهِ(١) ، ولا فى خبرٍ عن رسولِ اللهِ مَظله، ولا موجودٍ فى لغةِ أحدٍ مِن العربِ، وقد قال اللّهُ جلَّ ثناؤُه فى سورةٍ أُخْرَى: ﴿وَخَمَ عَلَى / سَمْعِهِ، وَقَلْبِهِ﴾﴾. ثم قال: ﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ، ١١٤/١ غِشَوَةَ﴾ [الجاثية: ٢٣]. فلم يُدْخِلِ البَصَرَ فى معنى الختم، وذلك هو المعروفُ فى (٤) كلامِ العربِ، فلم يَجُزْلنا ولا لأحدٍ مِن الناسِ القراءةُ بنصبِ الغِشاوةِ )؛ لما وصفتُ (١) فى م: ((بأنهم)). (٢) فى م: ((قراءته)). (٣) زيادة من : م . (٤) فى ص: ((من)). (٥) وبنصب الغشاوة قرأ المفضل عن عاصم. السبعة لابن مجاهد ص ١٣٨، ١٣٩. ٢٧٠ سورة البقرة : الآية ٧ مِن العِلَّتين اللتين ذكَرْتُ، وإن كان لنصبِها مَخْرَجٌ معروفٌ فى العربيةِ . وبما قلنا فى ذلك من القولِ والتأويلِ رُوى الخَبرُ عن ابنِ عباسٍ . حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنى عمى الحسينُ بنُ الحسن، عن أبيه، عن جدِّه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿خَتَمَ اَللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾: والغِشاوةُ على أبصارِهم . فإن قال قائلٌ: وما وجهُ مَخْرَجِ النَّصْبِ فيها ؟ قيل له: أن تَنْصِبَها) بإضمارِ ((جعَل))، كأنه قال: وجعَل على أبصارهم غشاوةً. ثم أسْقَط ((جعَل))، إذ كان فى أولِ الكلام ما يدلُّ عليه. وقد يَحْتَمِلُ نصبُها على إتباعِها موضعَ السمع، إذ كان مَوْضِعُه نصبًا ، وإن لم يكنْ حسَنًا إعادةُ العاملِ فيه على ﴿غِشاوةٌ﴾ ولكنْ على إتباع الكلامِ بعضِه بعضًا، كما قال : ﴿ يَطُوفُ عَلِهِمْ وِلدَنْ تُخلَّدُونَ () پاكوابٍ وابارِيقَ ﴾ . ثم قال: ( وفا كهة تما يتخیرون» ٣) ولحمٍ طيرٍ ممّا يشتهون *" وَحُورٍ عِينٍ) [الواقعة: ١٧ - ٢٢]. فخفَض اللحمَ والحورَ العينَ على العطفِ به على الفاكهةِ؛ إتباعًا لآخرِ الكلام أوَّلَه . ومعلوم أن اللحمَ لا يُطافُ به ولا بالحورِ العينِ (٤)، ولكن ذلك(٥) كما قال الشاعرُ يصفُ فرسه(٦): (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤١/١(١٠٠) عن محمد بن سعد به . (٢ - ٢) فى ر، ت ٢: ((أن ينصبها))، وفى م: ((أن نصبها)). (٣ - ٣) ضبطهما فى النسخة: ((ر)) بالرفع وبالخفض، والخفض شاهد المصنف، وهو قراءة حمزة والكسائى، ورواية المفضل عن عاصم، وقرأ الباقون بالرفع. السبعة لابن مجاهد ص ٦٢٢. (٤) سقط من : ص، م. (٥) سقط من : ص. (٦) معانى القرآن للفراء ١٤/١ وقال: أنشدنى بعض بنى أسد يصف فرسه. وفى الخزانة ٣/ ١٣٩، ١٤٠: ولا يعرف قائله ، ورأيت فى حاشية نسخة صحيحة من الصحاح أنه لذى الرمة ، ففتشت ديوانه فلم أجده فيه . ٠٠ ٢٧١ سورة البقرة : الآية ٧ حتّى شَتَتْ(١) هَمَّالَةٌ(٢) عَيْناها عَلَفْتُها تِبْنَا وَماءً بارِدًا ومعلومٌ أن الماءَ يُشْرَبُ ولا يُغْلَفُ(٣) ، ولكنه نصَب ذلك على ما وصفتُ قبلُ. وكما قال الآخر(٤): مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحا ورَأيْتُ زَوْجَك فى الوَغَى وكان ابنُ جريج يقولُ فى انتهاءِ الخبرِ عن الختم إلى قوله: ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ وابتداءِ الخبرِ بعدَه - بمثلِ الذى قلنا فيه، ويتأوَّلُ فيه مِن كتابِ اللَّهِ: ﴿فَإِن يَشَاء اللَّهُ يَخْتِّمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشورى: ٢٤]. حدَّثنا القاسمُ ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنی حجاجٌ ، قال: حدَّثنا ابنُ جريجٍ، قال: الختمُ على القلبِ والسمعِ، والغشاوةُ على البصرِ، قال اللَّهُ تعالى ذِكْرُه: ﴿فَإِن يَشَكٍ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَ قَلِكُ﴾. وقال: ﴿ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ، وَقَلِهِ، وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِهِ غِشَوَةَ﴾(٥). والغشاوةُ فى كلام العربِ الغطاءُ، ومنه قولُ الحارثِ بنِ خالدِ بنِ (٦) العاص (): تَبِعْتُكَ(٧) إِذْ عَيْنِى عليها غِشاوَةٌ فلمَّا انْجلتْ قَطَّعْتُ نَفْسِى أَلُومُها (١) شتا بالمكان: إذا أقام به شتاء. اللسان (ش ت و). (٢) هملت العين : فاضت وسالت. اللسان (هـ م ل). (٣) بعده فى م: (( به)) . (٤) تقدم فى ص ١٤٠ . (٥) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٧١/١ عن المصنف . (٦) شعر الحارث بن خالد ص ١٠١. (٧) فى شعر الحارث: ((صحبتك)). ٢٧٢ سورة البقرة : الآية ٧ ومنه يقالُ: تغشَّانى (١) الهمّ. إذا تجلَّله وركبه . ومنه قولُ نابغةٍ بنى ذُثْيانَ(٢): إِذَا الدَُّانُ تَغَشَّى الأَشْمَطَ الَرَمَا(٣) هَلَّا سألْتِ بَنِى ذُنْيانَ ما حَسَبِى يعنى بذلك(٤) : تجلَّله وخالَطه . ١١٥/١ وإنما أخْبَر اللَّهُ تعالى ذِكْرُه نبيَّه ◌َ لِّ عن الذين [٣١/١ظ] كفروا به مِن أحبارٍ اليهودِ ، أنه قد ختم على قلوبِهم وطبَع عليها ، فلا يَعْقِلون للَّهِ موعظةً وعظَهم بها ، فيما آتاهم مِن علم / ما عندهم من كتبه، وفيما حدَّد فى كتابه الذى أوحاه وأنْزَله إلى نبيِّه محمدٍ عَ لَّه، وعلى سمعِهم، فلا يَسْمَعون مِن محمدٍ نبيِّ اللّهِ ◌ّ له تحذيرًا ولا تذكيرًا ، ولا حُجةٌ أقامها عليهم بنبوَّتِه ، فيتذكّروا ويحذَروا عقابَ اللَّهِ فى تكذيبِهم إيَّه، مع علمِهم بصدقِهِ وصحَّةٍ أمرِه . وأَعْلَمه مع ذلك أن على أبصارِهم غِشاوةٌ عن(٥) أن يُصِروا سبيلَ الهُدَى، فَيَعْلَموا قَبيحَ (١) ما هم عليه من الضلالةِ والرَّدَى. وبنحوِ ما قلنا فى ذلك رُوِى الخبرُ عن جماعةٍ مِن أهلِ التأويلِ . حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ أبى محمدٍ مولی زیدِ بنِ ثابتٍ ، عن عكرمةَ ، أو عن سعيد بن جبيرٍ ، عن ابنِ عباسٍ : خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَّ أَبْصَرِهِمْ غِشَوَّةٌ﴾. أى: عن الهُدَى أن يُصيبوه أبدًا بغيرِ ما كذَّبوك به مِن الحقِّ الذى جاءك مِن ربِّك، حتى يؤمنوا (١) فى م: (( تغشاه)). (٢) ديوانه ص ١٠٦. (٣) البرم: الذى لا يدخل مع القوم فى الميسر. اللسان (ب رم). (٤) بعده فى م: ((إذا)). (٥) فى ص: ((من)). (٦) فى ص، م: ((قبح)) . (٧ - ٧) فى سيرة ابن هشام: ((يعنى بما)). ٢٧٣ سورة البقرة : الآية ٧ به ، وإن آمنوا بكلِّ ما كان قبلَك(١). حدَّثنی موسى ، قال: حدّثنا عمرو، قال: حدَّثنا أسباطُ ، عن السُّدِّئِّ فی خبرٍ ذكَره عن أبى مالك ، وعن أبى صالح، عن ابنِ عباسٍ ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيٌ ، عن ابنٍ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ رسولِ اللهِ صَ لَه: ﴿خَتَمَ اَللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمٌ﴾. يقولُ: فلا يَعْقِلون ولا يَسْمَعون. ويقولُ: وجعَل على أبصارِهم غشاوةً . يقولُ: على أعينِهِم فلا يُنْصِرون(٢). وأما آخرون ، فإنهم كانوا يتأوَّلون أنَّ الذين أخْبَرِ اللَّهُ عنهم مِن الكفارِ أنه فعَل ذلك بهم هم قادةُ الأحزابِ الذين قُتِلوا يومَ بدرٍ . حدَّثنى المُنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجّاج، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ بنِ أنسٍ : هاتان الآيتان إلى قولِه(٣): ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ هم ﴿الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ كَفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨]. وهم الذين قُتِلوا يومَ بدرٍ ، فلم يَدْخُلْ مِن القادةِ أحدٌ فى الإسلام إلا رجلان ؛ أبو سفيانَ ، والحَكَمُ بنُ أبى العاصِ) . محَدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ ، قال : حدثنا ابنُّ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الرَّبيعِ (١) سيرة ابن هشام ٥٣١/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤١/١ (٩٤) من طريق سلمة به، وتقدم طرف منه فى ص ٢٥٨، وسيأتى تمامه فى ص ٢٧٤. (٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٧١/١ عن السدى به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩/١ إلى المصنف عن ابن مسعود وحده. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٤١، ٤٢ (٩٥، ١٠١) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط ، عن السدى من قوله . وينظر تفسير الثورى ص ٤١. (٣) زيادة من: ر. (٤) تقدم فى ص ٢٥٩ من طريق آخر عن ابن أبى جعفر به . ( تفسير الطبرى ١٨/١ ) ٢٧٤ سورة البقرة : الآيتان ٧ ، ٨ ابنِ أنسٍ، عن الحسنِ، قال: أما القادةُ فليس فيهم نجيبٌ (١، ولا ناج، ولا مهتدٍ . وقد دلَّلنا فيما مضى على أَوْلى هذين التأويلين بالصوابِ فكرِهنا إعادته . القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيٌ وتأويلُ ذلك عندی کما قاله ابنُ عباسٍ وتأوَّله . حدَّثنا ابنُ محُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ أبی محمدٍ مولی زید بن ثابت، عن عكرمةً ، أو عن سعيد بنٍ مجبیٍ ،عن ابنِ عباسٍ : ولهم بما هم عليه مِن خلافِك عذابٌ عظيمٌ. قال: فهذا فى الأحبارِ مِن يهودَ فيما كذَّبوك به مِن الحقِّ الذى جاءك مِن ربِّك بعدَ معرفتِهم(١). القولُ فى تأويل قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَبِلْيَوْمِ اُلْآَخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ٨ ١١٦/١ / قال أبو جعفر: أما قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ فإِنَّ فى(١) ﴿ النَّاسِ﴾ وجهين؛ أحدُهما: أن يكونَ جمعًا لا واحدَ له مِن لفظِهِ، وإنما واحدُهم " إنسانٌ وواحدتُهم(٥) إنسانةٌ . والوجهُ الآخرُ: أن يكونَ أصلُه ((أُناسٌ))، أَشْقِطت(٦) الهمزةُ منها لكثرةٍ الكلامِ بها، ثم(٧) دَخَلَتها الألفُ واللامُ المعرّفتان، فأُدْغِمت (٨) اللامُ التى دخَلت مع (١) فى م: ((مجيب)). (٢) تقدم طرف منه فى ص ٢٧٢. (٣) فی ر: ((من)). (٤) فى م: (( واحده)). (٥) فى م: (( واحدته)) . (٦) فى ص: ((وأسقطت)). (٧) فى ص، ر، ت ٢: ((إذ)). (٨) فى ر، ت ٢: ((فاندغمت)). ٢٧٥ سورة البقرة : الآية ٨ الألفِ فيها للتعريفِ فى النونِ، كما قيل فى ٢١: ﴿لَّكِنَّا هُوَ اَللَّهُ رَبِّ﴾ [الكهف: ٣٨]. على ما قد بيَّا فى اسم اللَّهِ الذى هو اللَّهُ(٢) . وقد زعم بعضُهم أنَّ ((الناسَ)) لغةٌ غيرُ ((أُناسٍ))، وأنه سمِع العربَ تُصَغِّرُه ( نُوَيْسٌ)) مِن الناسِ، وأن الأصلَ لو كان ((أُناسٌ)) لقيل فى التصغيرِ: ((أُنْتِسٌ)). فردّ إلى أصله . قال أبو جعفرٍ: وأجْمَع جميعُ أهلِ التأويلِ على أن هذه الآيةَ نزَلَت فى قومٍ مِن أهلِ النفاقِ ، وأن هذه الصفةَ صفتُهم . ذكرُ بعضٍ(٢) مَن قال ذلك مِن أهلِ التأويلِ بأسمائهم حدَّثنا محمدُ بنُ محُميدٍ ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ أبى محمدٍ مولی زیدِ بنِ ثابتٍ ، عن عكرمةً، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُم بِسُؤْمِنِينَ ﴾ : يعنى المنافقين مِن الأُؤْسِ والخَزْرَجِ ومَن كان على أمرِهم (١). وقد سُمِّى فى حديثِ ابنِ عباسٍ هذا أسماؤُهم ٢) ، غيرَ أنى ترَكْتُ تسميتهم کرامةً إطالةِ الكتابِ بذ کرِهم .. حدَّثنا الحسنُ(١) بنُ يحيى، قال: أنبأنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أنبأنا مَعْمٌ، عن قتادةَ (١) زيادة من: م. (٢) ينظر ما تقدم فى ص ١٢٤. (٣) سقط من : ص. (٤) سيرة ابن هشام ٥٣١/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٢/١ (١٠٤) من طريق سلمة به. (٥) بعده فى م: ((عن أبي بن كعب)). (٦) فى م، ت ٢: ((الحسين)). ٢٧٦ سورة البقرة : الآية ٨ فى قوله: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَبِأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾. حتى بلَغ: ﴿فَمَا رَبِحَت ◌َرَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾. قال: هذه فى (١) المنافقين(١). حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو الباهلىُّ، قال: حدَّثنا أبو عاصم ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ ميمونٍ ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى نَجيح، عن مجاهدٍ ، قال: هذه الآيةُ إلى ثلاثَ عَشْرةَ فى نعتِ المنافقين(٢) . حدَّثنى المُثُنَّى ، قال: حدَّثنا أبو حذيفةً، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نجيحِ، عن مجاهدٍ مثلَه(٣) . حدَّثنا سفيانُ ، قال: حدَّثنا أبى، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ مثلَه . حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن الشدِّىِّ فى خبرِ ذكره عن أبى مالك ، وعن أبى صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ ، وعن مُرَّةَ، عن(٤) ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ يَّهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَ بِأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾: هم المنافقون(٥) . حدَّثنى المُثُنَّى ، قال: حدَّثنا إسحاقُ ، عن ابنِ أبى جعفرٍ ، عن أبيه ، عن الرَّبِيعِ ابنِ أنسٍ فى قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِ﴾ إلى: (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٠/١ (١٥٦) عن الحسن بن يحيى به . (٢) ينظر ما تقدم فى ص ٢٤٥. (٣) أخرجه الواحدى فى أسباب النزول ص ١٣ من طريق أبي حذيفة ، عن سفيان ، عن ابن أبى نجيح به . (٤) فى م: ((وعن)). (٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩/١ إلى المصنف عن ابن مسعود وحده. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٢/١ عقب الأثر (١٠٥) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط، عن السدى من قوله . ٢٧٧ سورة البقرة : الآية ٨ ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضَّا﴾. قال: هؤلاء أهلُ النفاقِ (١). حدَّثنا [١/ ٣٢و] القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنی حَجّاجْ، عن ابنِ مجريج فى قوله: ﴿ وَمِنَ / النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَّوْمِ الْآَخِرِ وَمَاهُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ ١١٧/١ قال : هذا المنافقُ، يخالفُ قولُه فعلَه، وسرُّه علانيتَه، ومَدْخَلُه مَخْرَجَه، ومَشْهَدُه (٢) مَغِيبَه (٢) . وتأويلُ ذلك أن اللَّهَ تبارَكَ وتعالى لما جمَع لرسوله محمدٍ عَلَّمِ أمرَه فى دارٍ هجرتِه، واسْتَقرَّ بها قرارُه، وأظْهَر اللَّهُ بها كلِمتَه، وفشا فى دُورِ أهلِها الإسلامُ، وقهَر بها المسلمون مَن فيها مِن أَهلِ الشركِ مِن عَبَدةِ الأوْثانِ ، وذلّ بها مَن فيها مِن أهلِ الكتابِ - أَظْهَر أحبارُ يهودِها لرسولِ اللَّهِ عَظِّمِ الضَّغائنَ، وأَبْدَوا له العداوةَ والشنآنَ(٢)، حسدًا وبَغيًا، إلا نفرًا منهم هداهم اللّهُ للإِسلام فأسْلَموا، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿وَذَ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِنَبِ لَوْ يَرُدُونَكُم مِّنْ بَعْدٍ إِيمَنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقَُّّ﴾ [البقرة: ١٠٩]. وطابَقهم سرًّا على معاداةِ النبيِّ ◌َّهِ وأصحابِهِ وبغيهم الغوائلَ(٤) - قومٌ مِن أراهطٍ(٥) الأنصارِ الذين آوَوْا رسولَ اللَّهِ مْ طَهِ ونصروه، كانوا (٢) قد عَسَوا (٢) فى شركِهم وجاهليَّتِهم. (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٢/١ (١٠٥) من طريق أبى جعفر، عن الربيع، عن أبى العالية . (٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٧٢/١ عن ابن جريج به . (٣) فى ص: ((الشنار)). والشنآن: البغض. اللسان (ش ن أ). (٤) الغوائل : الدواهى. اللسان (غ ول). (٥) الأراهط جمع الرهط: ما دون العشرة من الرجال لا يكون فيهم امرأة . اللسان (رهـ ط). (٦) فى م: (( وكانوا)). (٧) فى م: ((عتوا)). ٢٧٨ سورة البقرة : الآية ٨ قد سُقُّوا لنا بأسمائِهم، كرِهنا تطويلَ الكتابِ بذكرِ أسمائهم وأنسابِهم، وظاهروهم على ذلك فى خَفاءٍ غيرِ جِهارٍ ؛ حِذارَ القتلِ على أنفسِهم والسِّباءِ مِن رسولِ اللَّهِ مَظَه وأصحابِهِ، وركونًا إلى اليهودِ، لما هم عليه من الشركِ وسوء البصيرةِ بالإسلام. فكانوا إذا لَقُوا رسولَ اللَّهِ مَّهِ وأهلَ الإيمانِ به مِن أصحابِهِ ، قالوا لهم حِذارًا على أنفسِهم: إنَّا مؤمنون باللّهِ وبرسولِه وبالبعثِ. وأَعَطَوهم بألسنتِهم كلمةً الحقِّ ليَدْرءوا عن أنفسِهم حكمَ اللَّهِ فى من اعْتَقد ما هم عليه مقيمون من الشركِ ، لو أظهروا بألسنتِهم ما هم معتقدوه مِن شركِهم، وإذا لَقُوا إخوانَهم مِن اليهودِ وأهلِ الشركِ والتكذيبِ بمحمدٍ عَّه وبما جاء به، فخَلَوا بهم: ﴿قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾. فإِيَّهم عَنى جلّ ذكرُه بقولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِ وَمَاهُم بِمُؤْمِنِينَ﴾. يعنى بقوله تعالى خبرًا عنهم: ﴿ءَامَنَّا بِاللَّهِ﴾: صدَّقنا (١) باللّهِ . وقد دلَّلنا على أن معنى الإيمانِ التصديقُ، فيما مضَى مِن كتابِنا هذا قبلُ(١). وقولُه: ﴿وَبِالْيَوْمِ الْآَخِ ﴾. يعنى بالبعثِ يومَ القيامةِ، وإنما سُمِّى يومُ القيامةِ اليومَ الآخرَ ؛ لأنه آخرُ يومٍ ، لا يومَ بعدَه سواه . فإن قال قائلٌ: وكيف لا يكونُ بعدَه يومٌ، ولا انقطاعَ للآخرةِ ولا فناءَ ولازوالَ ؟ قيل : إن اليومَ عندَ العربِ إنما يُسَمَّى يومًا بليلتِه التى قبلَه ، فإذا لم يتقدَّمِ النهارَ ليلٌ لم يُسَمَّ يومًا. فيومُ القيامةِ يومٌ لا ليلَ بعدَه، سوى الليلةِ التى قامت فى (١) فى م: ((وصدقنا)). (٢) زيادة من: ر. وينظر ما تقدم فى ص ٢٤٠، ٢٤١. (٣) بعده فى ص، م: (( له)). ٢٧٩ سورة البقرة : الآيتان ٨، ٩ صبيحتها القيامةُ، فذلك اليومُ هو آخرُ الأيام، ولذلك سمَّاه اللَّهُ جلَّ ثناؤُه اليومَ الآخِرَ، ونعَته بالعُقْمِ(١)، ووصفه بأنه يومٌ عقيمٌ(٢)؛ لأنه لا ليلَ بعدَه. وأما تأويلُ قولِه: ﴿ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾. ونفيُّه عنهم جلّ ذكرُه اسمَ الإيمانِ، وقد أُخْبَر عنهم أنهم قد قالوا بألسنتِهم: ﴿ءَامَنَا بِاللَّهِ وَبِلْيَوْمِ الْآَخِ﴾ . فإن ذلك مِن اللَّه جلَّ ذكرُه تكذيبٌ لهم فيما أخبروا عن اعتقادِهم مِن الإيمانِ بِقُلوبِهم (١)، والإقرارِ بالبعثِ، وإعلامٌ منه نبيَّه عَ لِّ أن الذى يُتْدُونه له بأفواهِهم خلافُ ما فى ضمائرٍ قلوبِهم، وضِدُ ما فى عزائمٍ نفوسِهم . وفى هذه الآيةِ دلالةٌ واضحةٌ على بُطولٍ مازعَمَته الجَهْميَّةُ(٤) أن الإيمانَ هو التصديقُ بالقولِ دونَ سائرٍ المعانى غيرِهِ، وقد أَخْبَر اللَّهُ جلَّ ذكره عن الذين ذكرهم / فى كتابه من أهلِ النفاقِ أنهم قالوا بألسنتِهم: ﴿ءَامَنَا بِاللَّهِ وَبِأَلْيَوْمِ ١١٨/١ الْآَخِ﴾. ثم نفَى عنهم أن يكونوا مؤمنين، إذ كان اعتقادُهم غيرَ مُصدِّقٍ قِيلَهم ذلك. وقولُه: ﴿وَمَاهُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾. يعنى: بمصدِّقين بما(٥) يَزْعُمون أنهم به مُصدِّقون . القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ . قال أبو جعفرٍ : وخدائُ المنافقِ ربَّه والمؤمنين إظهارُه بلسانِه مِن القولِ والتصديقٍ خلافَ الذى فى قلبِهِ مِن الشكِّ والتكذيبِ ؛ ليَدْرأُ عن نفسِه بما أَظْهَر بلسانِه حكمَ (١) فى ص، م: ((بالعقيم)). (٢) يشير إلى قوله جل ثناؤه: ﴿ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَتَّى تَأْنِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةٌ أَوْ يَأْنِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٥]. (٣) زيادة من : ر. (٤) بعده فى ص، م: ((من)). (٥) فى ر، م: ((فيما)). ٢٨٠ سورة البقرة : الآية ٩ اللَّهِ اللازمَ من كان بمثلِ حالِه مِن التكذيبِ ، لو لم يُظْهِرْ بلسانِه ما أظْهَر مِن التصديقِ والإقرارِ - مِن القتلِ والسّباءِ، فذلك خِداعُه ربَّه وأهلَ الإيمانِ باللَّهِ . فإن قال قائلٌ: وكيف يكونُ المنافقُ للَّهِ وللمؤمنين مخادِعًا، وهو لا يُظْهِرُ بلسانِه خلافَ ما هو له معتقدٌ إِلا تَقِيَّةً؟ قيل: لاَتَمْتِعُ العربُ(١) أن تُسَمِّىَ مَن أُعْطَى بلسانِهِ غيرَ(٢) الذى هو فى ضميرِهِ تَقِيَّةً - لينجوَ مما هو له خائفٌ ، فنجا بذلك مما خافه - مخادِعًا لمن تَخَلَّص منه بالذى أَظْهَر له مِن التقِيَّةِ، فكذلك المنافقُ، سُمِّى مخادعًا للَّهِ جلّ وعزّ وللمؤمنين ، بإظهارِهِ ما أَظْهَر بلسانِهِ تَقِيَّةً، مما تَخَلَّص به مِن القتلِ والسّباءِ فى(٢) العاجلِ، وهو لغيرِ ما أَظْهَر مستبطِقٌّ، وذلك من فعلِه وإن كان خِداعًا للمؤمنين فى عاجلِ الدنيا ، فهو لنفسِه بذلك مِن فعلِه خادعٌ ؛ لأنه يُظْهِرُ لها بفعلِه ذلك بها أنه يُعْطِيها أمنيَّتَها ، ويُسْقِيها كأسَ سرورِها، وهو (١) مُوردُها به حياضَ عَطَيِها، ومُجَرِّعُها به كأسَ عذابِها، ومُذيقُها (٥) مِن غضبِ اللّهِ وأليم عقابِهِ ما لا قِبَلَ لها به ، فذلك خديعتُه نفسَه، ظنًّا منه - مع إساءته إليها فى أمرٍ مَعادِها - أنه إليها مُحْسِنٌ، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿ وَمَا يَخْدَعُونَ (١) إِلَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. إعلامًا منه عبادَه المؤمنين أن المنافقين (١) بعده فى ص: ((من)). (٢) فى ر: ((خلاف)). (٣) فى ص، م: ((والعذاب)). (٤) سقط من: م . (٥) فى ر: ((مزيدها))، وفى ت ١: ((مريرها))، وفى ت ٢: (( مزبرها))، وغير منقوطة فى ص، وفى تفسير ابن كثير ٧٤/١ نقلا عن المصنف: ((مزيرها))، وكذا استصوبها الشيخ شاكر فى تعليقه على تفسير الطبرى. (٦) فى ص: ((يخادعون)). وهى قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو. وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائى كالمثبت . ينظر السبعة لابن مجاهد ص ١٣٩. وسيأتى كلام المصنف على هاتين القراءتين فى ص ٢٨٣ وما بعدها . وينظر أيضا حجة القراءات ص ٨٧.