Indexed OCR Text

Pages 21-40

- الشمس -
بجوابٍ، وإنما جيْءَ به تابعاً لقولِه ((فَأَلْهمها فُجورَها وتَقْواها))(١) على
سبيل الاستطرادِ، وليس مِنْ جوابِ القسم في شيءٍ، فالجوابُ محذوفٌ
تقديرُه: ليُدَمْدِمَنَّ اللَّهُ عليهم، أي: على أهلِ مكةَ لتكذيبِهم رسولَ الله
صلى الله عليه، كما دَمْدَم على ثمودَ لتكذيبهم صالحاً صلَّى الله عليه
وسلم، قال معناه الزمخشري(٢)، وقدّره غيرُه: لتُبْعَثُنَّ.
وقوله: ((طحاها)(٣)، أي: دَحاها، وقد تقدَّم معناه(٤). وفيه لغتان،
يقال: طحا يَطْحو وطحىْ يَطْحي. ويجيءُ طحا بمعنى ذهب، قال
علقمة(٥):
٤٥٧٩- طحابك قَلْبٌ في الحِسانِ طَروبُ
بُعَيْدَ الشبابِ عَصْرَ حان مَشيبُ
ويقال: طحا بمعنى ارتفعَ. وفي أقسامِهِم: ((لا والقمرِ الطَّاحي))،
أي: المرتفعُ. وفاعلُ ((زكَّاها)) و((دَسَّاها)) الظاهرُ أنه ضميرُ ((مَنْ)). وقيل:
ضميرُ الباري تعالى، أي: مَنْ زكأَها اللَّهُ، ومَنْ دَسَّاها اللَّهُ، أي: مَنْ
زَكَّى اللَّهُ نفسَه. وأنْحَى الزمخشريُّ (٦) على صاحبِ هذا القولِ لمنافرتِه
مذهبَه، والحقُّ أنَّه خلافُ الظاهرِ، لا لما قال الزمخشريُّ، بل لمنافرةِ نظمِه
للاحتياجِ إلى عَوْدِ الضميرِ على النفسِ مقيدةً بإضافتِها إلى ضمير ((مَنْ)).
(١) الآية ٨.
(٢) الكشاف ٤/ ٢٥٩.
(٣)
عاد إلى الآية ٦.
لم يسبق له أن فضَّل في هذا الفعل.
(٤)
ديوانه ١٣١، والمفضليات ٣٩١، وأمالي الشجري ٢٦٧/٢.
(٥)
الكشاف ٤/ ٢٥٩.
(٦)
٢١

ب الشمس -
آ. (١٠) قوله: (دَسَّاها)) أصلُهُ دسَّسَها فَكَثُرَتْ الأمثالُ: فَأَبْدِل مِنْ
ثالثها حرفَ علةٍ كما قالوا: قَصَّيْتُ [أَظْفاري(١) و[قولِهِ}(٢):
٤٥٨٠- تَقَضِّيَ البَازِي.
والنَّدْسِيَةُ: الإِخفاءُ بمعنى أخفاها بالفجورِ، وقد نَطَقْ بالأصلَ مَنْ
قال(٣):
٤٥٨١- وأنت الذي دَسَّسْتَ عمراً فأصبحَتْ :
خَلائلُه منه أراملَ ضُيَّعاً
ومن قال(٤):
٤٥٨٢- ودَسَّسْت عَمْراً في التراب فأصبحَتْ
البيت.
آ. (١١) قوله: ﴿بطَغْواها﴾: في هذه الباء ثلاثةُ أوجهِ،
أحدُها: أنها للاستعانةِ مجازاً، كقولِه: ((كتبتُ بالقلم))، وبه بدأ
الزمخشري(٥)، ويعني فَعَلَتِ التكذيبَ بِطُغْيانها، كقولك: ((ظَلَمَنِي بِجُرْأَتِه
(١) زيادة من ( ش ).
(٢)
تقدم برقم ٥١٩
البيت لرجل من طىء وهو في اللسان (دسا) برواية «دَسَّيْتَ»، والمحرر
(٣)
٣١٢/١٦، والقرطبي ٧٧/٢٠.
(٤) هذه رواية ابن عطية للبيت في المحرر ٣١٢/١٦ ويبدو أنه نفس البيت السابق
برواية ثانية.
(٥) الكشاف ٤/ ٢٥٩.
٢٢

- الشمس -
على الله تعالى)). الثاني: أنها للتعدية، أي: كَذَّبَتْ بما أُوْعِدَتْ به مِنْ
عذابها ذي الطُّغيان، كقولِه تعالى: ((فأُهْلِكوا بالطاغية)) (١). والثالث: أنها
للسببية، أي: بسبب طُغْيانِها.
وقرأ العامَّةُ ((طَغْواها)) بفتح الطاءِ وهو مصدرٌ بمعنى الطُّغيان، وإنما
قُلِبَتْ الياءُ واو(٢) فَرْقاً بين الاسم والصفةِ، يعني: أنهم يُقِرُون ياءَ فَعْلى
بالفتح صفةً نحو: خَزْيا وصَدْيًا، ويَقْلبونها في الاسم نحو: تَقْوى
وشَرْوى(٣)، وكان الإِقرارُ في الوصفِ لأنه أثقلُ مِنْ الاسم، والياءُ أخفُّ
من الواوِ، فلذلك جُعِلت في الأثقل.
وقر(٤) الحسن ومحمد بن كعب وحماد بضم الطاء، وهو أيضاً مصدرٌ
كالرُّجْعى والحُسْنى، إلاَّ أنَّ هذا شاذ إذ كان مِنْ حَقِّه بقاءُ الياءِ على حالِها
كالشُّقْيا وبابها، هذا كلُّه عند مَنْ يقول: طَغَيْتُ طُغْياناً بالياءِ، فَأَمَّا مَنْ يقول:
طَغَوْت بالواو فالواوُ أصلٌ عنده، قاله أبو البقاء (٥)، وقد تقدَّم الكلامُ على
اللغتين في البقرة (٦) والله الحمدُ.
آ. (١٢) قوله: ﴿إِذِ انبعَثَ﴾: «إِذِ) يجوزُ فيه وجهان،
أحدُهما: أَنْ يكونَ ظرفاً لـ ((كذَّبَتْ)). والثاني: أَنْ يكونَ ظرفاً للطَّغْوِى.
(١) الآية ٥ من الحاقة.
(٢)
انظر: الممتع ٥٤٢ .
(٣)
الشروى : المثل.
أنظر: الشواذ ١٧٤، والمحتسب ٣٦٣/٢، والبحر ٤٨/٨، والقرطبي
(٤)
٧٨/٢٠، والإتحاف ٢/ ٦١٢ .
الإملاء ٢٨٨/٢.
(٥)
(٦) انظر: الدر المصون ٥٤٨/٢.
٢٣

- الشمس -
و ((أشْقاها)) فاعلُ ((انبعَث)). وفيه وجهان، أحدُهما: أَنْ يُراد به شخصٌ
واحد بعينه. وفي التفسيرِ أنه رجل يُسَمَّى قُدار بن سالف. والثاني: أن
يُراد به جماعةٌ، قال الزمخشري(١): ((ويجوز أن يكونوا جماعةً
[٩١٩/ أ] [والتوحيد](٢) / لتَسْوِيَتِك في أفعل التفضيل إذا أضفْتَه، بين الواحد
والجمع والمذكرِ والمؤنثِ، وكان يجوزُ أَنْ يقول: أَشْقَوْها))(٣) انتهى.
وكان يَنْبَغِي أَنْ يُقَيِّد فيقول: إذا أَضَفْتَه إلى معرفةٍ؛ لأن المضافَ إلى
النكرةِ حُكْمُه الإفرادُ والتذكيرُ مطلقاً كالمقترنِ بـ ((مِنْ)).
آ. (١٣) قوله: ﴿فقال لهم﴾: إنْ كان المرادُ بـ((أَشْقاها)).
جماعةٌ فَعَوْدُ الضميرِ مِنْ («لهم)» عليهم واضحٌ، وإنْ كان المرادُ به عَلَماً
بعينِهِ فالضميرُ مِنْ ((لهم)» يعودُ على ثمود.
قوله: ((ناقةَ اللَّهِ) منصوبٌ على التحذير، أي: احْذَروا ناقةَ اللَّهِ فلا
تَقْرَبُوها، وإضمارُ الناصبِ هنا واجبٌ لمكانِ العطف، فإنَّ إضمارَ الناصبِ
يجبُ في ثلاثةِ مواضعَ، أحدُها: أن يكونَ المحذَّرُ نحو: ((إياك)» وبابه ..
الثاني: أن يُوجدَ فيه عطفٌ. الثالث: أَنْ يوجَدَ فيه تَكْرارٌ نحو: ((الأسدَ
الأسدَ)). وقرأ(٤) زيد بن علي ((ناقةُ الله)) رفعاً على خبرِ ابتداء مضمرٍ، أي:
هذه ناقةُ اللَّهِ فلا تتغَرَّضوا لها.
آ. (١٤) قوله: ﴿فَدَمْدَمَ﴾: الدَّمْدَمَةُ. قيل: الإِطباقُ يُقال:
دَمْدَمْتُ عليه القبرَ، أي: أَطْبَقْتُه عليه. وقيل: الإلزاقُ بالأرض. وقيل:
(١) الكشاف ٤/ ٢٥٩.
(٢) من الكشاف.
قال: ((كما تقول أفاضلهم)).
(٣)
(٤) انظر: الدر المصون ٤ / ٤٥١.
٢٤

- الشمس -
الإِهلاكُ باستئصالٍ. وقيل: الدَّمْدَمَةُ حكايةُ صوتِ الهَذَّة ومنه: دَمْدَمَ في
كلامه. ودَمْدَمْتُ الثوبَ: طَلَيْتُهُ بالصَّبْغِ. والباءُ في ((بذَنْبهم)) للسببية.
قوله: ((فَسوَّاها» الضميرُ المنصوبُ يجوزُ عَوْدُه على ثمودَ باعتبار
القبيلةِ كما أعادَه في قولِه ((بطَغْواها)). ويجوزُ عَوْدُه على الدَّمْدَمَة
والعقوبةٍ، أي: سَوَّاها بينهم، فلم يَفْلَتْ منهم أحدٌ. وقر(١) ابن الزبير
((فَدَهْدَمَ)) بهاءٍ بين الدالَيْن بدلَ الميم، وهي بمعنى القراءةِ المشهورةِ.
آ. (١٥) قوله: ﴿ولا يَخافُ﴾: قر( ٢) نافعٌ وابنُ عامر ((فلا))
بالفاء، والباقون بالواو، ورُسِمَتْ في مصاحفِ المدينة والشام بالفاء وفي
غيرِها بالواوِ، فقد قرأ كلٌّ بما يوافقُ رَسْمَ مُصْحَفِه. ورُوِيَ أنَّ رسولَ الله
صلى الله عليه وسلم كان يقرأُ ((ولم يَخَفْ)) وهي مُؤَيِّدَةٌ لقراءةِ الواوِ، ذكره
الزمخشري(٣)، فالفاءُ تقتضي التعقيبَ، وهو ظاهرٌ. والواوُ يجوزُ أَنْ تكونَ
للحالِ، وأنْ تكونَ لاستئنافِ الأخبارِ، وضميرُ الفاعل في ((يَخاف)) يحتملُ
عَوْدُه على الرَّبِّ، وهو الأظهرُ، لكونه أقربَ مذكورٍ. والثاني: أنه يعودُ
على رسولِ الله، أي: ولا يخاف عُقْبى هذه العقوبةِ لإِنذاره إياهم.
والثالث: أنه يعودُ على ((أشقاها»، أي: انبعَثَ لعَقْرها، والحالُ أنه غيرُ
خائفٍ عاقبةَ هذه الفَعْلَةِ الشنعاءِ. وعُقبِىُ الشيء خاتمتُه.
[تمَّت بعونه تعالى سورة الشمس]
(١) الشواذ ١٧٤، والبحر ٤٨٢/٨، والقرطبي ٧٩/٢٠.
(٢) السبعة ٦٨٩، والحجة ٧٦٦، والبحر ٨/ ٤٨٢، والقرطبي ٨٠/٢٠، والنشر
٤٠١/٢
(٣) الكشاف ٢٦٠/٤
٢٥

سورة والليل
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (٣) قوله: ﴿وما خَلَقَ﴾: يجوزُ في ((ما)) أَنْ تكونَ بمعنى
((مَنْ))، وهو رأيُ جماعةٍ تقدَّم ذِكْرُهمْ في السورةِ قبلَها. وقيل: هي
مصدريةٌ. وقال الزمخشري(١): ((والقادرُ: العظيمُ القدرةِ الذي قَدَرَ على
خَلْقِ الذكَرِ والأنثى من ماءٍ واحدٍ)). قلت: قد تقدَّم تقريرُ قولِه هذا
وما اعْتُرِضَ به عليه، وما أُجيب عنه، في السورةِ قبلها. وقرأ(٢)
أبو الدرداء ((والذَّكرِ والأنثى)). وقرأ عبد الله ((والذي خَلَق)، والكسائيُّ
- ونَقَلها ثعلبٌ عن بعض السَّلَف ـ ((وما خَلَقَ الذَّكَرِ)» بجرِّ ((الذكَرِ)). قال
الزمخشري(٣): ((على أنه بدلٌ من محلٌّ ((ما خَلَقَ)) بمعنى ((وما خَلَقَه، أي:
ومخلوقِ اللَّهِ الذكّرِ، وجاز إضمارُ ((الله) لأنه معلومٌ بانفرادِه بالخَلْقِ)).
وقال الشيخ(٤): ((وقد يُخَرَّجُ على تَوَهُّم المصدرِ، أي: وخَلْقِ الذِّكرِ،
(١) الكشاف ٤/ ٢٦٠.
(٢) انظر في قراءاتها: الشواذ ١٧٤، والمحتسب ٣٦٤/٢، والقرطبي ٨١/٢٠،
والبحر ٨/ ٤٨٣.
(٣) الكشاف ٤/ ٢٦٠ - ٢٦١.
(٤) البحر ٨/ ٤٨٣.
٢٧

کقوله(١):
- الليل -
٤٥٨٣_ تَطُوفُ العُفاةُ بأبوابه
كما طاف بالبَيْعَةِ الراهبِ
بجرِّ ((الراهب)) على توهُّم النطقِ بالمصدرِ، أي: كطَوافِ الراهبِ؟
انتهى. والذي يَظْهَرُ في تخريجَ البيت أنَّ أصلَه ((الراهبيّ)» بياءِ النَسَبِ،
نسبةً إلى الصفةِ، ثم خُفُّف، وهو قليلٌ کقولهم: أحمري ودوّاري، وهذا
التخريجُ بعينِه في قولٍ امرىء القيس (٢).
٤٥٨٤-
فَقِلْ في مَقيلٍ نَحْسُهُ مُتَغَيْبٍ
استشهد به الكوفيون (٣) على تقديم الفاعلِ. وقرأ العامَّةُ ((تَجَلَّى))
فعلاً ماضياً، وفاعلُه ضميرٌ عائدٌ على النهار. وعبد الله (٤) بن عبيد بن عمير
(تَتَجَلَّى)) بتاءَيْن، أي: الشمس. وقُرىء ((تُجْلي)) بضمِّ التّاءِ وسكونٍ
(١) ورد البيت برقم ٣٣٨٧ برواية:
يطوف العفاة بأبوابه
كطوف النصارى ببيت الوثنْ
ولم أجد الرواية التي أثبتها المؤلف عند غير أبي حيان في البحر ٤٨٣/٨ .
(٢) ليس في ديوانه، وصدره:
فظلَّ لنا يومٌ لذيذٌ بنعمةٍ
وهو في مجالس العلماء ٣١٩، وشرح التسهيل ١٠٨/٢، وشرح التسهيل
لابن مالك ١٦٠/١. والمقيل: اسم مكان من القيلولة.
(٣) انظر: شرح التسهيل لابن مالك ١٠٨/٢. قالوا: التقدير: في مقيل متغيّب.
نحسُه.
(٤) انظر: البحر ٤٨٣/٨.
٢٨

- الليل -
الجيم، أي: الشمسُ أيضاً، ولا بُدَّ من عائدٍ على النهارِ محذوفٍ، أي:
تتجلّى أو تُجْلِي فيه / .
[٩١٩/ب]
آ. (٤) قوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكم﴾: هذا جوابُ القسم. ويجوزُ أَنْ
يكونَ محذوفاً، كما قيلَ في نظائرِه المتقدمةِ .
آ. (٥) قوله: ﴿أَعْطِئْ﴾: حَذَفَ مفعولَيْ («أعطى)) ومفعولٌ
(اتَّقى)) ومفعولَ ((صَدَّقَ)) المجرور بـ ((على))؛ لأنَّ الغرضَ ذِكْرُ هذه
الأحداثِ دونَ متعلَّقاتها، وكذلك مُتَعَلَّقا البخل والاستغناءِ. وقوله:
((فسَنُيَسِّره للعُسْرى)» إمّا من بابِ المقابلةِ لقوله: ((فَسَنُيَسِّره لليسرى))، وإمّا
لأنَّ نيسِّره بمعنى نُهَيُه، والتهيئةُ تكونُ في الْيُسْر والعُسْر.
آ. (١١) قوله: ﴿وما يُغْني﴾: يجوز أَنْ تكونَ ((ما)) نفياً،
وأَنْ تكونَ استفهاماً إنكارياً.
قوله: ((تَرَدَّى)): إمَّا من الهلاكِ، أو مِنْ تَرَدَّى بأكفانِهِ، وهو كنايةٌ
عن الموت كقوله(١):
٤٥٨٥_ وخُطَّا بأَطْرافِ الأسِنَّةِ مَضْجَعي
ورُدَّا على عَيْنَيَّ فَضْلَ رِدائيا
وقول الآخر (٢):
(١) البيت لمالك بن الريب من مرثيته المشهورة، وهو في جمهرة أشعار العرب
٧٦٢.
(٢) لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر ٤٨٤/٨. الحنوط: ما يُخلط من الطَّيب
لأكفان الموتى.
٢٩

- الليل -
٤٥٨٦- نَصيبُك مِمَّا تَجْمَعُ الدهرَ كلَّه
رِداءان تُلْوى فيهما وحَنُوْطَ
آ. (١٤) قوله: ﴿ناراً تَلَظَّى﴾: قد تقدَّم في البقرة (١) أن
البزيَّ يُشَدِّد مثلَ هذه التاء، والتشديدُ فيها عَسِرٌ لالتقاء الساكنين فيها على
غير حَدِّهما، وهو نظيرُ قولِه: ((إذْ تَلْقِونه))(٢) وقد تقدَّم. وقال
أبو البقاء (٣): يُقرأ بكسر التنوين وتشديد التاءِ، وقد ذُكِرَ وَجْهُه عند
((ولا تَيَّمَّمُوا الخبيثَ)(٤) انتهى. وهذه قراءةٌ غريبٌ، ولكنها موافقةٌ للقياس.
من حيث إنه لم يلتقِ فيها ساكنان. وقوله: ((وقد ذُكِر وجهُه الذي قاله في
البقرة لا يُقيد هنا شيئاً البتة، فإنه قال هناك(٥): ((ويُقْرَأُ بتشديدِ التاءِ، وقبلَه
ألفٌ، وهو جَمْعٌ بين ساكنَيْن، وإنما سَوَّغَ ذلك المدُّ الذي في الألفِ».
وقر(٦) ابن الزُّبير وسفيان وزيد بن علي وطلحة (تَلَظَّى)) بتاءَيْن وهو
الأصلُ.
.آ. (١٥) قوله: ﴿إِلَّ الأَشْقَى﴾: قيل: الأَشْقَىُّ والأَتْقى
بمعنى الشقيّ والتقيّ ولا تفضيلَ فيهما؛ لأنَّ النارَ ليسَتْ مختصةً بالأكثرِ
(١) انظر: الدر المصون ٦٠٠/٢، والسبعة ٦٩٠، والنشر ٤٠١/٢، والإتحاف
:
٦١٤/٢.
(٢) الآية ١٥ من النور.
(٣) الإملاء ٢٨٨/٢.
الآية ٢٦٧ من البقرة.
(٤)
الإملاء ٠١١٤/١
(٥)
(٦) الكشاف ٢٦٢/٤، ومعاني القرآن للفراء ٢٧٢/٣.
٣٠

- الليل -
شقاءً، وتجنّها ليس مختصاً بالأكثرِ تَقْوى. وقيل: بل هما على بابِهما،
وإليه ذهب الزمخشريُّ(١) قال: ((فإنْ قلتَ: كيف قال: ((لا يَصْلاها إلاَّ
الأشْقى)) ((وسيُجَنَبِها الأَنْقى)) وقد عُلِمَ أنَّ كلَّ شقيّ يَصْلاها، وكلَّ تقيّ
يُجَنَبِها، لا يَخْتَصُّ بالصَّلْي أشقىُ الأشقياءِ، ولا بالنجاةِ أتقى الأتقياءِ، وإنْ
زَعَمْتَ أنه نكَّر النار فأراد ناراً بعينِها مخصوصةً بالأشقى، فما تصنع بقوله
(وسيُجَنَّبِها الأتقى))؟ فقد عُلِمَ أنَّ أَفْسَقَ المسلمين يُجَنَّبُ تلك النارَ
المخصوصةَ لا الأتقى منهم خاصة. قلت: الآية واردةٌ في الموازنة بين
حالتَيْ عظيمٍ من المشركين وعظيم من المؤمنين، فَأُريد أَنْ يُبالَغَ في
صفتَيْهما المتناقضتَيْن فقيل: الأشقَى، وجُعِل مختصَّاً بالصَّلْي، كأنَّ النارَ
لم تُخْلَقْ إلَّ له. وقيل: الأتقى. وجُعل مختصَّاً بالنجاةِ، كأنَّ الجنةً
لم تُخْلَقْ إلَّ له. وقيل: هما أبو جهل - أو أمية بن خلف ــ وأبو بكر الصديق
رضي الله عنه)) انتهى، فآل جوابُه إلى أنَّ المرادَ بهما شخصان معيَّنان.
آ. (١٨) قوله: ﴿يَتَزَكَّىَ﴾: قرأ العامَّةُ ((يَتَزَكَّىُ)) مضارعَ
تَزَكَّى، والحسن(٢) بن علي بن الحسن بن علي أمير المؤمنين يَزَّكَّى بإدغامِ
التاءِ في الزاي. وفي هذه الجملةِ وجهان، أحدُهما: أنها في موضعٍ
الحالِ من فاعلِ ((يُؤْتِي))، أي: يُؤْتِيه مُتَزَكِّياً به. والثاني: أنها لا موضعَ
لها من الإعراب، على أنها بدلٌ مِنْ صلة ((الذي)»، ذكرهما الزمخشري (٣).
وجعل الشيخُ(٤) الثاني متكلَّفاً.
(١) الكشاف ٢٦١/٤ - ٢٦٢.
(٢) الشواذ ١٧٤، والبحر ٨/ ٤٨٤ .
(٣) الكشاف ٤ / ٢٦٢.
(٤) البحر ٨/ ٤٨٤.
٣١

- الليل -
آ. (١٩) قوله: ﴿تُجْزَىْ﴾: صفةٌ لنعمةٍ، أي: تُجْزِي
الإِنسانَ، وإنما لجيء به مضارعاً مبنياً للمفعولِ لأجلِ الفواصل؛
إذ الأصلُ: يُجْزيها إياه أو يُجْزِيه إياها.
آ. (٢٠) قوله: ﴿إِلَّ ابتغاءَ﴾: في نصبه وجهان، أحدهما:
أنه مفعولٌ له. قال الزمخشري(١): ((ويجوزُ أَنْ يكونَ مفعولاً له على
المعنى؛ لأنَّ المعنى: لا يُؤْتِي مالَه إلَّ ابتغاءَ وَجْهِ ربه لا لمكافأةِ نعمةٍ))،
وهذا أَخَذَه مِنْ قولِ الفَرَّاء (٢) فإنه قال: ((ونُصِبَ على تأويل: ما أعْطَيْتُك
ابتغاءَ جزائِك، بل ابتغاءَ وجهِ اللَّهِ تعالى. والثاني: أنَّه منصوبٌ على
الاستثناء المنقطع، إذ لم يندَرِجْ تحت جنسٍ ((مِنْ نعمة)). وهذه قراءةُ
العامَّةِ، أعني النصبَ والمدَّ. وقر(٣) يحيىُ بَرفعِه ممدوداً على البدل مِنْ
محلٌ ((مِنْ نعمة)) لأنَّ محلّها الرفعُ: إمَّا على الفاعليَّةِ، وإمَّا على الابتداءِ ..
و ((مِنْ)) مزيدةٌ في الوجهَيْن، والبدلُ لغة تميم، لأنهم يُجْرُون المنقطعَ في
غيرِ الإِيجاب مُجْرى المتصل. وأنشد الزمخشريّ(٤) بالوجهَيْن: النصْبِ
[٩٢٠/أ] والبدلِ/ قولَ بشرِ بنِ أبي خازم(٥):
٤٥٨٧- أَضْحَتْ خَلاءً قِفاراً لا أَنْيسَ بها
إلَّ الجاذِزَّ والظُّلْمَانُّ تَخْتَلِفُ
(١) الكشاف ٢٦٢/٤.
(٢) معاني القرآن ٢٧٢/٣.
(٣)
القرطبي ٨٩/٢٠، والبحر ٤٨٤/٨.
(٤)
الكشاف ٤/ ٢٦٢.
(٥) ديوانه ١٣٨، والبحر المحيط ٤٨٤/٨، والقرطبي ٠٨٩/٢٠, والجآذر: ج جوذر
وهو ولد المها. والظلمان: ج ظليم وهو النعام. تختلف: تتردد. ورواية
الديوان: إلا الجَوازِيَّ.
---
٣٢

- الليل -
وقولَ القائلِ في الرفع (١):
٤٥٨٨_ وبَلْدَةٍ ليس بها أنيسُ
إِلَّ الْيَعافيرُ وإلَّ الْعِيْسُ
وقال مكي (٢): ((وأجاز الفراء (٣) الرفعَ في ((ابتغاء)» على البدل مِنْ
موضع ((نِعمةٍ)) وهو بعيدٌ) قلت: كأنَّه لم يَطَّلِعْ عليها قراءةً، واستبعادُه هو
البعيدُ، فإنَّها لغةٌ فاشيةٌ. وقرأ (٤) ابنُ أبي عبلة ((ابْتِغا)) بالقصر.
آ. (٢١) قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَىْ﴾: هذا جوابُ قَسَم
مضمرٍ. والعامَّةُ على ((يَرْضَى)) مبنياً للفاعلِ. وقُرِىء(٥) ببنائِه للمفعول مِنْ
أَرْضاه الله، وهو قريبٌ مِنْ قوله في آخرِ سورةٍ طه «لعلَّك تَرْضَىْ))
و ((تُرْضىُ))(٦).
[تمَّت بعونه تعالى سورة والليل]
(١) البيت لجران العود، وهو في ديوانه ٥٣، والكتاب ١٣٣/١، ومعاني القرآن
للفراء ٤٧٩/١، والمقتضب ٣١٩/٢، والإنصاف ٢٧١، وابن يعيش ٢/ ٨٠.
(٢) مشكل الإعراب ٢/ ٤٨٠.
(٣) معاني القرآن ٢٧٣/٣ قال: ((ولو رفع ((إلا ابتغاء)» رافع لم يكن خطأ، لأنك
لو ألقيت من النعمة لقلت: ما لأحد عنده نعمة تجزى إلاَّ ابتغاء، فيكون الرفع
على إتباع المعنى، كما تقول: ما أتاني من أحد إلاّ أبوك)).
(٤)
البحر ٤٨٤/٨، والشواذ ١٧٤ .
(٥) البحر ٨/ ٤٨٤ ٤
(٦) الآية ١٣٠ من طه وقراءة المبني للمجهول قراءة الكسائي وشعبة وآخرين. انظر:
السبعة ٤٢٥.
٣٣

سورة الضحى
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (٢) قوله: ﴿سجا﴾: قيل: معناه سَكّن، ومنه: سجا البحر
يَسْجُو سَجْواً، أي: سَكَّنَتْ أمواجُه، وطَرْفٌ ساجٍ، أي: فاتر، ومنه
اسْتُغِير تَسْجِيَةُ الميتِ، أي: تَغْطِيَتُه بالثوبِ، قالَه الراغب(١). وقال
الأعشى(٢):
٤٥٨٩- وما ذَنْبُنا إنْ جاش بَحْرُ ابنِ عَمِّكُمْ
وبَخْرُكَ ساجٍ لا يُوارِي الدَّعامِصا
وقيل: سجا، أي: أَذْبَرَ، وقيل بعكسِه. وقال الفراء (٣): ((أظلم)).
وقال ابن الأعرابي: ((اشتدَّ ظلامُه)). وقال الشاعر(٤):
(١) المفردات ٢٢٥.
(٢) ديوانه ١٥١. جاش البحر: اضطرب بالماء. الدعامص: ج دُعموص وهي دودة
سوداء تكون في الغدير إذا قل ماؤه.
(٣)
معاني القرآن ٢٧٣/٣.
(٤) نسبه في اللسان (سجا) إلى الحارثي، وهو في القرطبي ٩١/٢٠، ومجاز
القرآن ٣٠٢/٢.
٣٥

- الضحى
٤٥٩٠- يا حَبَّذا القَمْراءُ والليلُ السَّاجْ
وطُرُقٌ مِثْلُ مُلاءِ النََّّاجْ
وهو من ذواتِ الواوِ، وإنما أُميل لموافقةٍ رؤوسٍ الآي، كالضُّحى
فإنه من ذواتِ الواوِ أيضاً.
آ. (٣) قوله: ﴿ما وَدَّعك﴾: هذا هو الجوابُ. والعامَّةُ على
تشديد الدالِ من التّوديع. [وقرأ(١) عروة بن الزبير وابنه هشام وأبو حيوة
وابن أبي عبلة بتخفيفِها مِنْ قولِهِم: وَدَعَه، أي: تركه. والمشهورُ في
اللغةِ الاستغناءُ عنِ وَدَعَ ووَذَرَ واسمٍ فاعِلهما واسمٍ مفعولهما ومصدرِهما.
بـ (تَرَكَ)) وما تصرَّفَ منه، وقد جاء وَدَعَ ووَذَرَ. قال الشاعر(٢):
٤٥٩١- سَلْ أميري ما الذي غَيَّرَهْ
عن وِصالي اليومَ حتّى وَدَعَهْ
وقال الشاعر (٣):
٤٥٩٢- وثُمَّ وَدَعْنا آلَ عمروٍ وعامٍ
فرائِسَ أَطْرافِ المُثَقَّفةِ السُّمْرِ
قيل: والتوديعُ مبالغةٌ في الوَدْع؛ لأن مَنْ وَذَّعك مفارقاً فقد بالغ
في تزكِك.
قوله: ((وما قَلَى))، أي: ما أَبْغَضَك، قلاه يَقْليه بكسر العين في
(١) البحر ٤٨٥/٨، والمحتسب ٣٦٤/٢، والقرطبي ٩٤/٢٠.
(٢)
تقدم برقم ٢٩٢٩.
(٣) لم أهتد إلى قائله، وهو في القرطبي ٩٤/٢٠، والبحر ٤٨٥/٨. والمثقفة
السمر: الرماح.
٣٦

- الضحى -
المضارع، وطيِّىء تقول: قلاء يقلاه بالفتح. قال الشاعر(١):
٤٥٩٣- أيا مَنْ لَسْتُ أَنْساه
ولا واللَّهِ أَقْلاه
لكَ اللَّهُ على ذاكَ
لكَ اللَّهُ [لكَ اللَّهُ (٢)
وحُذِفَ مفعولُ ((قَلَى)) مراعاةً للفواصلِ مع العِلْم به وكذا بعدَ
((فَآوىُ)) وما بعده.
آ. (٤) قوله: ﴿ولَلّخرةُ﴾: الظاهرُ في هذه اللام أنَّها جوابُ
القسم، وكذلك في ((وَسَوْفَ)) أَقْسم تعالى على أربعة أشياءَ: اثنان منفيَّان
وهما توديعُه وقِلاه، واثنان مُثْبَتَان مؤكّدان، وهما كونُ الآخرةِ خيراً له من
الدنيا، وأنه سوف يُعْطيه ما يُرضيه. وقال الزمخشري(٣): ((فإنْ قلتَ:
ما هذه اللامُ الداخلةُ على ((سَوْف))؟ قلت: هي لامُ الابتداءِ المؤكِّدةُ
لمضمون الجملة، والمبتدأُ محذوفٌ تقديرُه: ولأنت سَوْفَ يُعْطيك، كما
ذَكَرْنا في ((لَأُقْسِمُ)) (٤) أن المعنى: لأَنا أُقْسِمُ. وذلك أنها لا تَخْلو: مِنْ أَنْ
تكونَ لامَ قسمٍ أو ابتداء. فلامُ القسم لا تدخلُ على المضارع إلاَّ مع نونٍ
التوكيد، فبقي أن تكونَ لامَ ابتداءٍ، ولامُ الابتداء لا تدخل إلاَّ على
الجملة من المبتدأ والخبرِ فلا بُدَّ من تقدير [مبتدأ](٥) وخبر، وأصله:
(١) لم أقف على هذه الأبيات.
(٢) زيادة من ( ش).
(٣) الكشاف ٤/ ٢٦٤.
(٤) الآية ١ من القيامة وهي قراءة ابن كثير. انظر: السبعة ٦٦١.
(٥) زيادة من الكشاف.
٣٧

- الضحى بـ
ولأنت سوف يعطيك)). ونقل الشيخ(١) عنه أنه قال: ((وخُلِع من اللامِ
دلالتُها على الحال)) انتهى. وهذا الذي رَدَّده الزمخشري يُختار منه أنها
(٢)
لامُ القسم(٢).
قوله: ((لا تَدْخُلُ على المضارع إلاَّ مع نون التوكيد)» هذا استثنى
النحاة منه صورتَيْنِ، إحداهما: أَنْ لا يُفْصَلَ بينها وبين الفعل حرفُ
تنفيس كهذه الآيةِ، كقولك: واللَّهِ لَسَأُعْطيك. والثانية: أن لا يُفْصَلَ
بينهما بمعمولِ الفعل كقوله تعالى: ((لإِلى الله تُحْشَرون))(٣). ويَدُلُّ لِمَا
قُلْتُه ما قال الفارسيُّ: ((ليسَتْ هذه اللامُ هي التي في قولك: ((إنَّ زيداً
لَقائمٌ، بل هي التي في قولك: ((لأَقومَنَّ)) ونابَتْ ((سوفَ)) عن إحدى نونَيْ
التوكید، فكأنه قال: ولَيُعْطِینَّك.
وقوله: ((خُلِع منها دلالتُها على الحال)) يعني أنَّ لامَ الابتداءِ الداخلةَ
[٩٢٠/ ب] على المضارع تُخَلِّصُه للحال، وهنا لا يُمْكِنُ ذلك لأجلِ حَرْفِ التنفيسِ،
فلذلك خُلِعَتِ الحاليةُ منها.
وقال الشيخ(٤): ((واللامُ في ((وَلَلآخرةُ)) لامُ ابتداء وَكَّدَتْ مضمونَ
الجملةِ»، ثم حكىُ بعضَ ما ذكّرْتُه عن الزمخشري وأبي علي ثم قال(٥):
((ويجوز عندي أَنْ تكونَ اللامُ في ((وللآخرةُ خيرٌ»، وفي ((وَسَوْفَ يُعْطِيك))
.(١) لم يرد هذا النقل في مطبوعتي البحر والكشاف.
(٢) سوف يثبت المؤلف هذا بالمناقشة التالية.
(٣) الآية ١٥٨ من آل عمران.
البحر ٤٨٦/٨.
(٤)
(٥) لم يرد هذا النقل في مطبوعة ((البحر المحيط)).
٣٨

- الضحى -
اللامَ التي يُتَلَقَّى بها القسمُ، عَطَفَهما على جوابٍ القسم، وهو قولُه:
(ما وَدَّعَكَ)) فيكون قد أقسم على هذه الثلاثة)) انتهى. فظاهرُه أنَّ اللامَ في
(لَلآخرةُ)) لامُ ابتداء غيرُ مُتَلَقَّى بها القسمُ، بدليلٍ قولِه ثانياً: ((ويجوز
عندي)) ولا يظهرُ انقطاعُ هذه الجملةِ عن جواب القسم البتةَ، وكذلك في
((وَلَسَوْفَ)) وتقديرُ الزمخشري مبتدأً بعدها لا يُنافي كونَها جواباً للقسم،
إنما مَنَعَ أن تكونَ جواباً داخلةً على المضارع لفظاً وتقديراً.
آ. (٦) قوله: ﴿فَآوى﴾: العامَّة على ((آوى)) بألفٍ بعد الهمزة
رباعياً، مِنْ آواه يُؤْوِيْهِ، وأبو الأشهب(١) ((فأَوَى)) ثلاثياً. قال
الزمخشري(٢): ((وهو على معنيين: إمَّا مِنْ ((أواه)) بمعنى آواه. سُمع بعضُ
الرعاة يقول: ((أين آوي هذه))، وإمّا مِنْ أَوَى له إذا رحمه)) انتهى. وعلى
الثاني قولُه(٣):
٤٥٩٤- أراني - ولا كفرانَ الله - آَيَّةً
لنفسي لقد طالَبْتُ غيرَ مُثيلٍ
أي: رحمةً لنفسي. ووجهُ الدلالةِ مِنْ قوله: ((يقول: أين آوي
هذه»؟ أنه لو كان من الرباعي لقال: ((أُؤُوي)) بضم الهمزةِ الأولى وسكونِ
الثانيةِ؛ لأنه مضارعُ ((آوى)» مثل أَكْرَمَ، وهذه الهمزةُ المضمومةُ هي حرفُ
المضارعةِ، والثانيةُ هي فاءُ الكلمةِ، وأمَّا همزةُ أَفْعَل فمحذوفةٌ على
القاعدةِ، ولم تُبْدَلْ هذه الهمزةُ كما أُبْدِلَتْ في ((أُوْمِنُ أنا)) لئلا تثقلَ
(١) البحر ٤٨٦/٨، والكشاف ٤/ ٢٦٤.
(٢) الكشاف ٤ / ٢٦٤.
تقدم برقم ٢٥٥٤ .
(٣)
٣٩

- الضحى -
بالإِدغام، ولذلك نصَّ القراءُ على أنَّ ((تُؤْويه)» من قوله «وفَصيلتِه التي
تُؤْويه))(١) لا يجوزُ إِبْدالُها للثِّقَلِ.
آ. (٨) قوله: ﴿عائلاً﴾: أي: فقيراً. وهذه قراءةُ العامَّةِ.
يقال: عال زيدٌ، أي: افتقر. قال جرير(٢):
٤٥٩٥- اللهُ نَزَّل في الكتابِ فريضةٌ
لابنِ السبيل وللفقيرِ العــائـلِ
وأعال: كَثُرَّ عيالُه قال(٣):
٤٥٩٦- وما يُذري الفقيرُ متى غِناه
وما يَذْري الغَنِيُّ متى يُعِيلُ
وقرأ (٤) اليماني ((عَيِّلاً)) بكسر الياء المشددة كسَيِّد.
آ. (٩) قوله: ﴿فأمَّا اليتيمَ﴾: منصوبٌ بـ تَقْهَرْ. وبه استدل
الشيخ ابن مالك(٥) - رحمه الله - على أنه لا يَلْزَمُ من تقديمِ المعمولِ
تقديمُ العامل. ألا ترى أن ((اليتيمَ)) منصوبٌ بالمجزوم، وقد تقدَّم على
الجازم، ولو قَدَّمْتَ (تَفْهَرْ)) على ((لا)) لامتنع؛ لأنَّ المجزومَ لا يتقدَّمُ على
جازِمِه، كالمجرورِ لا يتقدَّمُ على جارِّه، وتقدَّم ذلك في سورة هود عند
(١) الآية ١٣ من المعارج.
(٢) ديوانه ٤١٥، والقرطبي ٩٩/٢٠.
(٣)
تقدم برقم ١٥٣٨.
البحر ٤٨٦/٨، والقرطبي ١٠٠/٢٠، والشواذ ١٧٥.
(٤)
(٥) انظر: شرح التسهيل له ٣٥٤/١.
٤٠