Indexed OCR Text

Pages 721-740

- التطفيف -
ويُسَمَّى سِجِيلاً فِعِيلاً من السَّجْلِ وهو الحَبْسُ والتضييق؛ لأنه سببُ الحَبْس
والتضییق في جهنم) انتھی.
آ. (٩) والرَّقْمُ: الخَطُّ. وقيل: الخَتْمُ بلغة حِمْيَرٍ (١)، والصحيحُ
الأولُ. قال(٢):/
[٩٠٨/أ]
٤٥١٤- سأَزْقُمُ في الماءِ القَراح إليكُمُ
على بُعْدِكُمْ إنْ كان للماءِ راقِمُ
وتقدَّمت هذه المادةُ في الكهف(٣).
آ. (١١) قوله: ﴿الذين يُكَذِّبون﴾: يجوزُ فيه الإِتباعُ نعتاً
وبدلاً وبياناً، والقطعُ رفعاً ونصباً.
آ. (١٣) قوله: ﴿إذا﴾: العامَّةُ على الخبر. والحسن(٤) ((أإذا))
على الاستفهام الإِنكاريُّ. والعامَّةُ ((تُتْلَى)) بتَاءين(٥) مِنْ فوقُ، وأبو حيوة
وابن مقسم بالياء مِنْ تحتُ؛ لأن التأنيث مجازيٌّ.
آ. (١٤) قوله: ﴿بَلْ ران﴾: قد تقدَّم وَقْفُ حفص على ((بل))
في الكهف (٦). والرَّيْنُ والرانُ الغشاوة على القلبِ، كالصَّدَأ على الشيءٍ
(١) انظر: لغات القبائل لأبي عبيد ٣١٨.
(٢) لم أهتد إلى قائله، وهو في اللسان (رقم) والقرطبي ٢٥٨/١٩.
(٣) انظر: الدر المصون ٧ /٤٤٥ .
(٤) البحر ٤٤١/٨، والإتحاف ٢/ ٥٩٦.
(٥) الإتحاف ٢٩٦/٢، والبحر ٤٤١/٨، والقرطبي ٢٥٩/١٩.
(٦) انظر: السبعة ٦٧٥ وليس لحفص وقف على ((بل)) في الكهف.
٧٢١

- التطفیف -
الصقيلِ من سيفٍ ومِرْآة ونحوهما. قال الشاعر(١):
٤٥١٥- وكم رانَ مِنْ ذنبٍ على قلبٍ فاجِرٍ
فتابَ مِن الذنبِ الذي ران وانْجَلَى
وأصلُ الرَّيْنِ: الغلبةُ، ومنه: رانَتِ الخمرُ على عقلِ شاربِها. وران
الغَشْيُ على عقل المريض. قال (٢):
٤٥١٦_
رانَتْ به الخَمْـ
ـرٌ
وقال الزمخشري (٣): ((يقال: ران عليه الذنبُ وغان، رَيْناً وغَيْئاً.
والغَيْنُ الغَيْمِ. ويقال: ران فيه النومُ: رَسَخَ فيه، ورانَتْ به الخمرُ: ذهَبَتْ
به)). وحكى أبو زيد(٤): ((رِيْنَ بالرَّجل رَيْناً: إذا وقع في أَمْرٍ لم يستطع
الخروجَ منه)). قلت: ويقال: ران راناً ورَيْناً. فجاء مصدرُه مفتوحَ العين
وساكنَها. و ((ما كانوا)) هو الفاعلُ. و ((ما)) يُحتملِ أَنْ تكونَ مصدريةً، وأَنْ
تكونَ بمعنى الذي، والعائدُ محذوفٌ. وأُمِيْلَتْ ألفُ ((ران)) وفُخِّمَتْ،
(١) لم أهتد إلى قائله، وهو في القرطبي ٢٦٠/١٩، والماوردي ٤٢٠/٤ ..
(٢) تمامه:
ثم لَمَّا رَآه رانَتْ به الخَمْ رُ وأن لا تَرِينَهُ بَاتَّقَاءٍ
وهو لأبي زُبَيْد، في اللسان ((رين)) والقرطبي ٢٦٠/١٩، ومجاز القرآن
٢٨٩/٢.
(٣) الكشاف ٤/ ٢٣٢.
(٤) انظر: اللسان ((رين)).
٧٢٢

- التطفيف -
فأمالها(١) الأخَوان وأبو بكر وفَخَّمها الباقون، وأُدْغِم لام ((بل)) في الراء
وأُظْهِرَتْ(٢).
آ. (١٥) قوله: ﴿عن ربِّهم﴾: متعلُّقٌ بالخبرِ، وكذلك
((يومئذٍ)). والتنوينُ عوضٌ من جملةٍ تقديرُها: يومَ إذ يقومُ الناسُ؛ لأنه
لم يناسِبْ إلَّ تقديرُها.
آ. (١٧) قوله: ﴿يُقال﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ القائمُ مقامَ الفاعلِ
ما دلَّتْ عليه جملةُ قولِه ((هذا الذي كُنتم)). ويجوزُ أَنْ يكونَ الجملةً
نفسَها، ويجوزُ أَنْ يكونَ المصدرَ، وقد تقدَّم تحريرُه أولَ البقرة(٣).
آ. (١٨) قوله: ﴿لَفي عِلَّيِّين﴾: هو خبر («إنَّ)). وقال ابنُ
عطية (٤) هنا كما قال هناك، ويُرَدُّ عليه بما تقدَّم. وعِلُُّون جمع عِلِّيّ،
أو هو اسمُ مكانٍ في أعلى الجنة، وجَرَى مَجْرَى جمع العقلاء فرُفع بالواوِ
ونُصِبَ وجُرَّ بالياء مع فوات شرطِ العقل. وقال أبو البقاء(٥): ((واحدُهم
عِلِّيّ وهو الملك. وقيل: هي صيغةُ الجمع مثلَ عشرين)) ثم ذكر نحواً
مِمَّا ذَكرَهُ في ((سِجِّين)) مِنْ الحَذْفِ المتقدِّم(٢). وقال الزمخشري(٧):
(١) انظر: السبعة ٦٧٥، والقرطبي ٢٦١/١٩، والنشر ٦٠/٢، والحجة ٧٥٤،
والبحر ٤٤١/٨ .
(٢) انظر: السبعة ٦٧٥، والتيسير ١٤٢، والحجة ٧٥٤، والبحر ٤٤١/٨.
(٣) انظر: الدر المصون ١٣٦/١.
(٤) المحرر ٢٥٦/١٦ حيث قال: ((الظرف ملغى)) وراجع إعرابه للآية ٧.
(٥) الإملاء ٢٨٣/٢.
(٦) قال: ((وقيل التقدير: ما كتاب عليين)).
(٧) الكشاف ٢٣٢/٤.
٧٢٣

۔ التطفیف -
((عِلِّيُّون: عَلَمٌ لديوانِ الخبر الذي دُوِّن فيه كلُّ ما عَمِلَتْه الملائكةُ وصُلَحَاءُ
الثقلَيْنِ، منقولٌ مِنْ جَمْع ((عِلِّيّ)) فِعِّيل من العُلُو كـ ((سِجِّين)) مِنْ السَّجْن))،
سُميّ بذلك: إمَّا لأنه سببُ الارتفاع، وإمَّا لأنه مرفوعٌ في السماءِ
السابعةِ)). قلت: وتلك الأقوالُ الماضيةُ في ((سِجِّين)) كلُّها عائدةٌ هنا(١).
آ. (٢١) قوله: ﴿يَشْهَدُه﴾: جملةٌ يجوزُ أَنْ تكونَ صفةً ثانيةً،
وأَنْ تكونَ مستأنفةً .
آ. (٢٤) قوله: ﴿تَعْرِفُ﴾: العامَّةُ على إسنادِ الفعلِ إلى
المخاطب، أي: تَعْرِفُ أنت يا محمدُ، أو كلُّ مَنْ صَحَّ منه المعرفةُ.
وقرأ(٢) أبو جعفر وابن أبي إسحاق وشيبةٌ وطلحةُ ويعقوبُ
والزعفراني (تُعْرَفُ)) مبنياً للمفعول، («نَضْرَةُ)) رَفْعٌ على قيامِها مِقَامَ الفاعلِ.
وعلي بن زيد(٣) كذلك إلاَّ أنَّه بالياءِ أسفلَ لأنَّ التأنيثَ مجازي.
[ وقوله(٤): (يَنْظرون)) حالٌ من الضمير المستكنُّ في الخبر
أو مستأنف(٥) ][ و ((على الأرائك)) متعلق بـ ايَنْظرون)) أو حال من
ضميره، أو حال مِنْ ضمير المستكنّ في الخبر (٦)].
(١) راجع الآية ٧.
(٢) النشر ٣٩٩/٢، والإتخاف ٥٩٧/٢، والبحر ٤٤٢/٨، والقرطبي ٢٦٤/١٩
(٣) في البحر: زيد بن علي ...
(٤) عاد إلى الآية ٢٣.
(٥) ما بين معقوفين سقط من نسخة ش.
(٦) ما بين معقوفين من نسخة عارف.
٧٢٤

- التطفيف ـ
آ. (٢٥) قوله: ﴿مِنْ رَحيقٍ﴾: الرحيق: الشرابُ الذي
لا غِشَّ فيه. وقيل: أجودُ الخمر. وقال حسان(١):
٤٥١٧_
بَرَدِىُ يُصَفُّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ
آ. (٢٦) قوله: ﴿خِتامُه﴾: قرأ الكسائيُّ(٢) ((خاتَمهُ)) بفتح التاءِ
بعد الألف. والباقون بتقديمِها على الألف، فوجهُ قراءةِ الكسائيّ أنَّه جعله
اسماً لِما تُخْتَمُ به الكأسُ بدليلِ قولِهِ «مَخْتوم)»، ثم بَيِّنَ الخاتَمَ ما هو؟
ورُوِيَ عن الكسائيِّ أيضاً كَسْرُ التاءِ، فيكونُ كقولِه تعالى: ((خاتَمَ
النبيين))(٣) والمعنى: خاتَمٌ رائحتُهُ مِسْكٌ، ووجهُ قراءةِ الجماعةِ أنَّ الخِتامَ
هو الطينُ الذي يُخْتَمُ به الشيءُ، فجُعِل بَدَلَه المِسْكُ. قال الشاعر (٤):
٤٥١٨- كأنَّ مُشَعْشَعاً مِنْ خَمْر بُصْرى
...... البُخْتُ مَسْدودَ الخِتَامِ
وقيل: خَلْطُه ومِزاجُه. وقيل: خاتِمتُه، أي: مَقْطَعُ شُرْبِهِ يَجِدُ فيه
الإِنسانُ ريحَ المِسْكِ. والتنافُسُ: المغالبة في الشيء النفيس. يقال:
نَفِسْتُ به نَفَاسَةً، أي: بَخِلْتُ به، وأصلُهُ مِنْ النَّفْس لِعِزَّتها.
(١) تقدم برقم ٣٤٩١.
(٢) السبعة ٦٧٦، والبحر ٨/ ٤٤٢، والتيسير ٢١١، والحجة ٧٥٤، والنشر
٣٩٩/٢، والقرطبي ٢٦٥/١٩.
(٣) الآية ٤٠ من الأحزاب.
(٤) لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر ٨/ ٤٤٢. وقبل قوله ((البخت)) لفظة غير
واضحة في النسخ، رسمت في البحر ((نمته)). والبخت: الإِبل.
٧٢٥

- التطفيف -
آ. (٢٧) قوله: ﴿مِنْ تَسْنيم﴾: التَّسْنيم اسمٌ لعَيْنِ في الجنة.
قال الزمخشري(١): ((تَسْتْيم عَلَمٌّ لَعْينٍ بعينها، سُمِّيت بالتَّسْنيم الذي هو
مصدرُ سَنَمَه: إذا رفعه)). قلت: وفيه نظرٌ؛ لأنه كان مِنْ حَقُّه أن يُمْنَعَ
الصرفَ للعَلَمِيَّة والتأنيث، وإنْ كان مجازياً .. ولا يَقْدَحُ في ذلك كونُه
مذكَّرَ الأصلِ؛ لأنَّ العِبْرَةَ بحالِ العَلَمَّيةِ. ألا ترى نَصَّهم على أنه لو سُمِّي
بزيد امرأةٌ وَجَبَ المَنْعُ، وإن كان في ((هِنْد)) وجهان. اللهم إلاَّ أَنْ تقولَ:
ذَهَبَ بها مَذْهَبَ الهِنْدِ ونحوِه، فيكونَ كواسِط ودابِقٍ.
آ. (٢٨) قوله: ﴿عَيْنَاً﴾: فيه أوجهٌ، أحدُها: أنَّه حالٌ، قاله
الزجاج(٢)، يعني مِنْ (تَسْنيم)) لأنَّه عَلَمٌ لشيءٍ بعينه، إلَّ أنه يُشْكِل بكونه
جامداً. الثاني: أنه منصوبٌ على المدح، قاله الزمخشري (٣). الثالث:
أنها منصوبةٌ بـ يُسْقَونْ مقدراً، قاله الأخفش(٤). وقوله: ((يَشْرب)» بها،
أي: مِنْها، أو الباءُ زائدةٌ، أو ضُمِّن ((يَشْربُ)) معنى يَرْوي. وتقدَّم هذا
مُشْبعاً في سورة الإِنسَان(٥).
١
آ. (٢٩) قوله: ﴿من الذين آمنوا﴾: متعلِّقٌ بـ((يَضْحكون)»،
أي: مِنْ أجلِهِم، وقُدِّمَ لأجل الفواصلِ. والتغامُز: الرَّمْزُ بالعينِ
والحاجب.
(١) الكشاف ٢٣٣/٤.
(٢) معاني القرآن ٣٠١/٥.
(٣) الكشاف ٢٣٣/٤.
(٤) معاني القرآن ٥٣٢/٢، وأجاز أيضاً النصب على المدح.
(٥) انظر إعرابه للآية ٦.
٧٢٦

- التطفيف -
آ. (٣١) قوله: ﴿فاكِهين﴾: قرأ(١) حفص ((فَكِھین)) دون
ألف. والباقون بها. فقيل: هما بمعنى. وقيل: فكهين: أَشِرين،
وفاكهين: مِنْ التفگُّهِ. وقيل: فكِھین: فَرِحین، وفاكهین ناعمين. وقيل:
فاکھین أصحابُ فاکھةٍ ومِزاج.
آ. (٣٢) قوله: ﴿وإذا رَأَوْهم﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ المرفوعُ
للكفار، والمنصوبُ للمؤمنين، ويجوزُ العكسُ، وكذلك الضميران(٢) في
(أُزْسِلوا عليهم)).
آ. (٣٤) قوله: ﴿فاليومَ﴾: منصوبٌ بـ ((يَضْحَكون)). ولا يَضُرُ
تقديمُه على المبتدأ؛ لأنَّه لو تقدَّم العاملُ هنا لجاز؛ إذا لا لَيْسَ، بخلاف
(زيدٌ قام في الدار)) لا يجوز: في الدار زيدٌ قام.
آ. (٣٥) قوله: ﴿على الأَرائِك يَنْظرون﴾: كما تقدَّم في
نظيره (٣) .
آ. (٣٦) قوله: ﴿هل تُوِّبَ﴾: يجوزُ أَنْ تكونَ الجملةُ
الاستفهاميةُ معلِّقةً للنظر قبلها، فتكونَ في محلٌ نصبٍ بعد إسقاطِ
الخافض. ويجوز أَنْ تكونَ على إضمارِ القول، أي: يقولون: هل ثُوِّبَ.
وتُوُّبَ، أي: جُوْزِيَ. يُقال: ثَوَّبه وأثابه. قال الشاعر (٤):
(١) السبعة ٦٧٦، والتيسير ٢٢١، والقرطبي ٢٦٧/١٩، والنشر ٣٥٤/٢، والبحر
٤٤٣/٨، والحجة ٧٥٥.
(٢) في الأصل: الضمير.
(٣) انظر إعرابه للآية ٢٣.
(٤) لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر ٤٤٣/٨.
٧٢٧

- التطفيف : -
٤٥١٩- سَأَجْزِيك أو يَجْزيك عني مُثَوِّبٌ
وحَسْبُك أَنْ يُنْتَى عليك وتُحْمَدَا
وأدغم(١) أبو عمروٍ والكسائيُّ وحمزةُ لامَ ((هل)) في الثاء. وقوله
((ما كانوا)) فيه حَذْفٌ، أي: ثوابَ ما كانوا. و ((ما)) موصولٌ اسميّ
أو حرفيٍّ.
[ثُمَّت بعونه تعالى سورة التطفيف]
(١) السبعة ٦٧٦، والنشر ٦/٢، والبحر ٤٤٣/٨، والإتحاف ٥٩٨/٢.
٧٢٨

سورة الانشقاق
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (١) قوله: ﴿إذا السَّماءُ﴾: كقولِه: ((إذا الشمس
كُوِّرت))(١) في إضمارِ الفعلِ وعَدَمِه. وفي (إذا)) هذه احتمالان، أحدهما:
أَنْ تكونَ شرطيةً. والثاني: أَنْ تكونَ غيرَ شرطيةٍ. فعلى الأول في جوابها
خمسةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه ((أَذِنَتْ))، والواوُ مزيدةٌ. الثاني: أنه ((فَمُلاقِيه)»،
أي: فأنت مُلاقِيْه. وإليه ذهب الأخفش(٢). الثالث: أنَّه ((يا أيُّها الإِنسانُ))
على حَذْفِ الفاء. الرابع: أنه ((يا أيُّها الإِنسانُ)) أيضاً، ولكن على إضمارِ
القولِ، أي: يقال: يا أيها الإنسانُ. الخامس: أنه مقدرٌ تقديرُهُ: بُعِثْتُم.
وقيل: تقديرُه: لاقى كلُّ إنسانٍ كَدْخَه. وقيل: هو ما صَرَّح به في سورتَيْ
التكوير والانفطار، وهو قولُه: ((عَلِمَتْ نفسٌ))(٣) قاله الزمخشري(٤)، وهو
حسنٌ.
وعلى الاحتمال الثاني فيها وجهان، أحدُهما: أنها منصوبةٌ مفعولاً
(١) الآية ١ من التكوير.
(٢) معاني القرآن ٢/ ٥٣٤.
(٣) الآية ١٤ من التكوير، والآية ٥ من الانفطار.
(٤) الكشاف ٤/ ٢٣٤.
٧٢٩

۔۔ الانشقاق ۔۔
بها، بإضمار اذكرْ. والثاني: أنها مبتدأٌ، وخبرُها ((إذا)) الثانية، والواوُ
مزيدةٌ، تقديرُه: وقتُ انشقاقِ السماءِ وقتُ مَدِّ الأرض، أي: يقع الأمران
في وقتٍ واحد، قاله الأخفشُ(١) أيضاً. والعاملُ فيها إذا كانت ظرفاً عند
الجمهور جوابُها: إمَّا الملفوظُ به، وإمَّا المقدَّرُ. وقال مكي(٢): ((وقيل:
العاملُ ((انْشَقَّتْ)). وقال ابن عطية(٣): ((قال بعضُ النحاة: العامل
(نْشَقَّتْ))، وأبىُ ذلك كثيرٌ من أئمتهم؛ لأنَّ ((إذا)) مضافةٌ إلى ((انشَقَّتْ))،
ومَنْ يُجِزْ ذلك تَضْعُفْ عنده الإضافةُ ويَقْوى معنى الجزاء.
وقرأ العامَّةُ (انشَقَّتْ)) بتاءِ التأنيث ساكنةً، وكذلك ما بعده. وقرأ(٤)
أبو عمرو في روايةِ عُبَيْد بن عقيل(٥) بإشمام الكسر في الوقف خاصة،
وفي الوصل بالسكونِ المَحْض. قال أبو الفضل(٦): ((وهذا من التغييرات
التي تلحق الرويَّ في القوافي. وفي هذا الإِشمام بيانُ أنَّ هذه التاءً من
علامةِ تأنيثِ(٧) الفعل للإِناث، وليسَتْ مِمَّا تنقلب في الأسماءِ، فصار
ذلك فارقاً بين الاسم والفعل فيمَنْ وقَفَ على ما في الأسماء بالتاءِ،
وذلك لغة طيِّىء، وقد حُمِل في المصاحف بعضُ التاءات على ذلك)).
(١) ذكر الأخفش في معاني القرآن جواز زيادة الواو ص ٤٥٧، ولكنه في هذا
الموضع لم يذكر شيئاً.
(٢) إعراب المشكل ٢/ ٤٦٥ .
(٣) المحرر ٢٦١/١٦ - ٢٦٢.
(٤) السبعة ٦٧٧، والبخر ٨/ ٤٤٥ .
(٥) عبيد بن عقيل البصري راوٍ ضابط. روى عن أبي عمرو، وروى عنه الجهضمي
توفي سنة ٠٢٠٧ طبقات القراء ٤٩٦/١.
(٦) انظر: البحر ٨/ ٤٤٥.
(٧) البحر: ترتيب.
٧٣٠

- الانشقاق -
وقال ابن عطية (١): ((وقرأ أبو عمرو ((انشَقَّتْ)) يقف على التاء كأنه يُشِمُّها
شيئاً من الجرِّ، وكذلك في أخواتها. قال أبو حاتم: «سمعتُ أعرابياً
فصيحاً في بلادٍ قيسٍ يكسِرُ هذه التاءات)). وقال ابن خالَويه(٢): ((انشَقَّت))
بكسر التاء عُبَيْد عن أبي عمرو. قلت: كأنه يريدُ إشمامَ الكسرِ، وأنه في
الوقفِ دونَ الوصل لأنه مُطْلَقٌ، وغيرُه مقيَّدٌ، والمقيَّدُ يَقْضي على
المطلق. وقال الشيخ(٣): ((وذلك أنَّ الفواصلَ تجري مَجْرى القوافي،
فكما أن هذه التاءَ تُكسر في القوافي تُكْسَرُ في الفواصل. ومثالُ كسرِها
في القوافي قولُ كثيِّر عَزَّةَ(٤):
٤٥٢٠- وما أنا بالذَّاعي لِعَزَّةَ بالرَّدى
ولا شامِتٍ إِنْ نَعْلُ عَزَّةَ زلَّتِ
وكذلك باقي القصيدة،/ وإجراءُ الفواصلِ في الوقف مُجْرى القوافي [٩٠٩/أ]
مَهْيَعٌ(٥) معروفٌ، كقولِه تعالى: ((الُّنونا))(٦) و((الرسولا))(٧) في الأحزاب،
وحَمْلُ الوصلِ على الوقفِ موجودٌ أيضاً.
آ. (٢) قوله: ﴿وأَذِنَتْ﴾: عَطْفٌ على «انْشَقَّتْ))، وقد تقدَّم
أنه جوابٌ على زيادةِ الواوِ، ومعنى ((أَذِنَتْ))، أي: استمعَتْ أَمْرَه. يُقال:
(١) المحرر ٢٦٠/١٦.
(٢) الشواذ ١٧٠.
(٣) البحر ٨/ ٤٤٥.
(٤) ديوانه ١٠٢ .
(٥) المهيع: الطريق البيِّن.
(٦) الآية ١٠ من الأحزاب.
(٧) الآية ٦٦ من الأحزاب.
٧٣١

- الإنشقاق -
أَذِنْتُ لك، أي: استمَعْتُ كلامَك. وفي الحديث(١): ((ما أَذِن اللَّهُ لشيءٍ
إِذْنَه لنبيٍّ يتغَنَّى بالقرآن)). وقال الشاعر(٢):
٤٥٢١- صُمّ إذا سَمِعوا خيراً ذُكِرْتُ به
وإن ذُكِرْتُ بِسُوْءٍ عندهم أَذِنوا
وقال آخر (٣):
٤٥٢٢ - إنْ يَأْذَنُوا رِئْبةً طاروا بها فَرَحاً
وما هُمُ أَذِنُوا مِنْ صالحِ دَفَنِوا
وقال الجخَّافُ بنُ حكيم(٤):
٤٥٢٣- أَذِنْتُ لَكْ لَمَّا سَمِعْتُ هريرَكُمْ
والاستعارةُ المذكورةُ في قولِه تعالى: ((قالتا أَتَّيْنا طائِعِين))(٥)
أو الحقيقةُ عائدٌ(٦) ههنا.
(١) رواه البخاري في كتاب التوحيد ٩٧، باب قول الله تعالى: ((ولا تنفع الشفاعةُ
عنده إلاَّ لِمَنْ أَذِنَ له)). انظر: الفتح ٤٥٣/١٣.
(٢) نسبه صاحب مجاز القرآن ٢٩١/٢ إلى رؤبة، ونسبه في اللسان (أذن) إلى
فَعْنَب بن أم صاحب وهو في معاني القرآن للزجاج ٣٠٣/٥.
(٣) تقدم برقم ١٧١٧ .
(٤) الجحاف بن حكيم السلمي شاعر معاصر لعبد الملك، حيث أهدر دمه، ذكره
الأخطل في شعره توفي نحواً من سنة ٩٠. انظر: طبقات فحول الشعراء
٤٧٩/١، والأعلام ١١٣/٢. والبيت لم أهتد إلى تمامه، وهو في البحر
٨ / ٤٤٥.
(٥) الآية ١١ من فصلت.
(٦) أي: الكلام فيها عائد ههنا.
٧٣٢

- الانشقاق -
قوله: ((وحُقَّتْ)) الفاعلُ في الأصلِ هو اللَّهُ تعالى، أي: حَقَّ اللَّهُ
عليها ذلك، أي: بسَمْعِه وطاعتِه. يُقال: هو حقيقٌ بكذا وتَحَقَّق به،
والمعنى: وحُقَّ لها أَنْ تفعلَ.
آ. (٣) قوله: ﴿وإذا الأرضُ مُدَّتْ﴾: كالأولِ، وقد تقدَّم
أنه يجوزُ أَنْ يكونَ خبرَ «إذا» الأولى على زيادةِ الواوِ.
آ. (٦) قوله: ﴿كادِحٌ﴾: الكَذْحُ: قال الزمخشري(١): ((جَهْدُ
النفس [في العمل](٢) والكَدُّ فيه، حتى يُؤَثِّر فيها، ومنه كَدَح جِلْدَه إذا
خَدَشَّه. ومعنى ((كادِحٌ))، أي: جاهِدٌ إلى لقاءِ ربِّك وهو الموتُ)). انتهى.
وقال ابن مقبل(٣):
٤٥٢٤- وما الدَّهْرُ إلَّ تارتان فمِنْهما
أموتُ وأخرىْ أَبْتغي العيشَ أَكْدَحُ
وقال آخر (٤):
٤٥٢٥_ ومَضَتْ بَشاشَةُ كلِّ عیشٍ صالحٍ
وبَقِيْتُ أكْدَحُ للحياةِ وأَنْصَبُ
وقال الراغب(٥): ((وقد يُستعمل الكَدْحُ استعمالَ الكَدْمِ بالأسنان.
قال الخلیل: الگذُ دونَ الگَذْم».
(١) الكشاف ٢٣٤/٤ _ ٢٣٥.
(٢) من الكشاف.
(٣) تقدم برقم ١٥٩٠.
(٤) لم أهتد إلى قائله، وهو في القرطبي ٢٧١/١٩، والبحر ٤٤٤/٨.
(٥) المفردات ٤٢٦.
٧٣٣

- الانشقاق -
قوله: ((فمُلاقِيه)) يجوزُ أَنْ يكونَ عطفاً على كادِح. والتسنَبِيبُ فيه
ظاهرٌ. ويجوز أَنْ يكونَ خبر مبتدأ مضمرٍ، أي: فأنت مُلاقيه. وقد تقدَّم
أنه يجوزُ أَنْ يكونَ جواباً للشرط. وقال ابنُ عطية (١): ((فالفاءُ على هذا
عاطفةٌ جملةَ الكلام على التي قبلها. والتقدير: فأنت مُلاقيه)) يعني بقوله:
((على هذا))، أي: على عَوْدِ الضميرِ على كَذْحِك. قال الشيخ(٢):
((ولا يَتَعَيَّنُ ما قاله، بل يجوزُ أَنْ يكونَ مِنْ عَطْف المفردات)»(٣).
والضمير: إمَّا للربِّ، وإمَّا للكَذْح، أي: مُلاقٍ جزاءَ كَدْحِك.
آ. (٩) قوله: ﴿مَسْروراً﴾: حالٌ مِنْ فاعل ((يَنْقَلِبُ)). وقرأ(٤)
زيد بن علي ((ويُقْلَبُ)) مبنياً للمفعول مِنْ قَلَبه ثلاثياً.
آ. (١٢) قوله: ﴿ويَصْلَى﴾: قرأ(٥) أبو عمرو وحمزةُ وعاصمٌ
بفتح الياء وسكونِ الصادِ وتخفيفِ اللام، والباقون بالضم والفتح
والتثقيل(٦). وقد تقدَّم تخريجُ القراءتَيْن في النساء عند قوله: ((وَسَيَصْلَوْن
سعيرا)) (٧) وأبو الأشهب ونافع(٨) وعاصم(٩) وأبو عمرو في روايةٍ عنهم
(يُصْلَى)) بضمِّ الياء وسكونِ الصاد مِنْ ((أَصْلِىُ)).
(١) المحرر ٢٦٢/١٦.
(٢) البحر ٤٤٦/٨.
(٣) قال: ((معطوفاً على كادح عَطْفَ المفردات)).
(٤) البحر ٤٤٦/٨.
(٥) انظر في قراءاتها: السبعة ٦٧٧، والنشر ٣٩٩/٢، والحجة ٧٥٦، والبخر
٤٤٧/٨، والتيسير ٢٢١، والقرطبي ٢٧٢/١٩.
(٦) ((ويُصَلَّى)).
(٧) الآية ١٠ من النساء. وانظر: الدر المصون ٥٩٥/٣ .
(٨) رواية عباس عن خارجة عن نافع.
(٩) رواية عباس عن أبان عن عاصم.
٧٣٤

- الانشقاق -
آ. (١٤) قوله: ﴿أَنْ لن﴾: هذه «أَنْ)) المخففةُ كالتي في أول
القيامة(١)، وهي سادَّةٌ مَسَدَّ المفعولَيْن أو أحدِهما على الخلاف.
و ((يَحُورُ)) معناه يَرْجِعُ. يقال: حار يَحُوْرُ حَوْراً. قال لبيد(٢):
٤٥٢٦- وما المَرْءُ إلَّ كالشِّهابِ وضَوْءُه
يَحُوْرُ رَماداً بعد إذ هو ساطعٌ
ويُسْتعمل بمعنى صار فيَرْفع الاسمَ ويَنْصِبُ الخبرَ عند بعضِهم،
وبهذا البيتِ يَسْتَدِلُّ قائِلُه. ومَنْ منع نَصَبَ ((رماداً) على الحال. وقال
الراغب (٣): ((الْحَوْرُ التردُّد: إمَّا بالذاتِ وإمَّا بالفكرة(٤). وقولُه تعالى:
(إِنَّه ظَنَّ أَنْ لن يَحُوْرَ))، أي: لن يُبْعَثَ. وحار الماءُ في الغَديرِ: تَرَدَّد
فيه. وحار في أمْرِهِ وتَخَيَّر، ومنه ((المِحْوَرُ)) للعُوْدِ الذي تجري عليه البَكَرة
لتردُّدِهِ. وقيل(٥): ((نعوذُ بالله من الحَوْرِ بعد الكَوْر))، أي: مِنْ الترذُّد في
الأمر بعد المُضِيِّ فيه، ومحاورةُ الكلام: مراجعتُه)).
آ. (١٥) قوله: ﴿بلىُ﴾: جوابٌ للنفي في ((لن))، و ((إنَّ)
جوابُ قسم مقدرٍ .
آ. (١٦) قوله: ﴿بالشَّفَقِ﴾: قال الراغب(٦): ((الشَّفَقُ:
اختلاطُ ضوءِ النهارِ بسوادِ الليل عند غُروبِ الشمس. والإِشفاقُ: عنايةٌ
(١) الآية ٣ «أيحسَبُ الإِنسانُ أَنْ لن نجمعَ عِظامَه)).
(٢) تقدم برقم ٣١٦٠.
(٣) المفردات ١٣٤.
(٤) الراغب: الفكر.
(٥) حديث شريف أخرجه مسلم في الحج برقم ١٣٤٣، وابن ماجة ١٢٧٩/٢.
(٦) المفردات ٢٦٣.
٧٣٥

- الانشقاق -
مختلِطَةٌ بخوفٍ؛ لأنَّ المُشْفِقَ يحبُّ المُشْفَقَ عليه، ويَخاف ما يلحقُه، فإذا
عُدِّيَ بـ ((مِنْ)) فمعنى الخوفِ فيه أظهرُ، وإذا عُدِّي بـ ((على))(١) فمعنى
العنايةِ فيه أظهرُ)). وقال الزمخشري(٢): ((الشَّفَقُ: الحُمْرَةُ التي تُرىُ فِي
الغرب (٣) بعد سقوطِ الشمسِ، وبسقوطِه يخرُجُ وقتُ المغربِ ويَدْخُلُ
وقتُ العَتَمَةِ عند عامَّةِ العلماء، إلّ ما يُروى عن أبي حنيفةَ في إحدى
الروايتين أنه البياضُ وروى أسدُ بن عمرو أنه رَجَعَ عنه(٤). سُمِّ شَفَقاً
لِرِقَّته، ومنه الشَّفَقَةُ على الإِنسان: رِقَّةُ القلبِ عليه)). انتهى. والشَّفَقُ
شفقان: الشَّفَقُ الأحمر، والآخر الأبيضُ، والشَّفَقِ والشَّفَقَةُ اسمان
للإِشفاقِ. قال الشاعر(٥):
1
٤٥٢٧- تَهْوَى حياتي وأَهْوَى مَوْتَها شَفَقًا
والموتُ أكرَمُ نَزَّالٍ على الحُرَمِ
آ. (١٧) قوله: ﴿وما وَسَقَ﴾: يجوزُ أَنْ تكونَ موصولةٌ
اسميةً أو حرفيةً، أو نكرةً. ووسَقَ، أي: جَمَعَ. ومنه ((الوَسَقُ)) لجماعة
الاصُع وهو ستون صاعاً. والوِسْق بالكسر الاسمُ، وبالفتح المصدرُ.
وطعامٌ مَوْسوق، أي: مجموعٌ. ويقال: وَسَقَه فانَّسق واسْتَوْسَقَ. ونظيرُ
(١) المفردات ("بـ في)).
(٢) الكشاف ٤/ ٢٣٥.
(٣) عارف حكمت: «المغرب».
(٤) انظر: القرطبي ٢٧٥/١٩. وأسد بن عمرو أبو المنذر البجلي الكوفي صاحب
أبي حنيفة. روى عنه أحمد بن حنبل، ولي القضاء توفي سنة ١٨٨. انظر:
تاريخ بغداد ١٦/٧.
(٥) البيت لإسحاق بن خلف من حماسيته ١٦٤/١، والقرطبي ٢٧٥/١٩:
٧٣٦

- الانشقاق -
وقوع افتعل واستفعل مطاوعَيْن اتَّسَعَ واستَوْسَع. وقيل: وَسَق، أي: عَمِلَ
فیه. قال الشاعر (١):
٤٥٢٨- فيَوْماً ترانا صالِحِيْنَ وتارةً
تقومُ بنا كالواسِق المُتَلَمِّبِ
[٩٠٩/ ب]
وإبل مُسْتَوْسِقَة. قال الراجز(٢): /
٤٥٢٩- إنَّ لنا قَلائِصاً حَقائِقا
مُسْتَوْسِقاتٍ لو تَجِذْنَ سائِقِا
قوله: ((إذا انَّسَقَ))، أي: امتلأ. قال الفراء (٣): ((وهو امتلاؤُه
واستواؤُه لياليَ البدر)» وهو افتعلَ من الوَسْقِ وهو الضمُّ والجَمْعُ كما
تقدَّم. وأَمْرُ فلانٍ مُتَّسِقٌ، أي: مُجْتَمِعٌ على ما يَسْتُرُ.
آ. (١٩) قوله: ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾: هذا جوابُ القسم. وقرأ(٤)
الأخَوان وابن كثير بفتح التاءِ على خطابٍ الواحد، والباقون بضمِّها على
خطاب الجمع. وتقدَّمَ تصريفُ مثلِه. فالقراءةُ الأولى رُوْعي فيها: إمَّا
خطابُ الإِنسانِ المتقدِّمِ الذِّكْرِ في قوله: ((يا أيُّها الإِنسانُ))(٥)، وإمَّا خطابُ
(١) لم أهتد إلى قائله، وهو في القرطبي ٢٧٧/١٩، واللسان (وسق)، والبحر
٨/ ٤٤٧.
(٢) البيت للعجاج، وهو في ملحق ديوانه ٣٠٧/٢، واللسان (وسق)، والقرطبي
١٩/ ٢٧٧ .
(٣) معاني القرآن ٢٥١/٣ ولم ينصَّ على غير امتلائه.
(٤) انظر في قراءاتها: السبعة ٦٧٧، والحجة ٧٥٦، والنشر ٣٩٩/٢، والتيسير
٢٢١، والبحر ٤٤٧/٨، والقرطبي ٢٧٨/١٩.
(٥) الآية ٦.
٧٣٧

- الانشقاق -
غيرِهِ. وقيل: هو خطابٌ للرسول، أي: لتركبَنَّ مع الكفارِ وجهادِهم.
وقيل: التاءُ للتأنيثِ والفعلُ مسندٌ لضميرٍ السماء، أي: لتركبَنَّ السماءَ
حالاً بعد حال: تكون كالمُهْلِ وكالدِّهان، وتَنْفَطْر وتَنْشَقُّ. وهذا قولُ
ابنِ مسعود. والقراءة الثانيةِ رُوْعِي فيها معنى الإِنسان إذ المرادُ به الجنسُ.
وقرأ عمر ((لَيَرْكَبُنَّ)) بياء الغَيْبة وضَمِّ الباء على الإخبار عن الكفار.
وقرأ عمر أيضاً وابن عباس بالغَيْبة وفتح الباء، أي: لَيركبَنَّ الإِنسانُ.
وقيل: ليركبَنَّ القمرُ أحوالاً مِنْ سَرار (١) وَاستهلال وإبدار. وقرأ عبد الله
وابن عباس (لَتِرْكَبِنَّ) بكسر حَرْفِ المضارعة وقد تقدَّم تحقيقُه في
الفاتحة(٢). وقرأ بعضُهم بفتح حرف المضارعة وكسرِ الباء على إسناد
الفعل للنفس، أي: لَتَرْكَبِنَّ أنت يا نفسُ.
قوله: ((طَبَقاً)) مفعولٌ به، أو حالٌ كما سيأتي بيانُه. والطَّبَقُ: قال
الزمخشري(٣): ((ما طابَقَ غيرَه. يُقال: ما هذا بطَبَقٍ لذا، أي: لا يطابقُه ..
ومنه قيل للغِطاء: الطَّبَقُ. وأطباق الثرى: ما تَطابَقَ منه، ثم قيل للحال
المطابقةِ لغيرِها: طَبَقٌّ. ومنه قولُه تعالى: ((طَبَقاً عن طَبَقٍ))، أي: حالاً
بعد حال، كلٌّ واحدةٍ مطابقةٌ لأختها في الشذَّةِ والهَوْلِ. ويجوز أنْ يكونَ
جمعَ (طبقة)) وهي المرتبةُ، مِنْ قولهم: هم على طبقاتٍ، ومنه
(طبقات(٤) الظهر)) لِفِقارِه، الواحدةُ طبَقَة، على معنى: لَتَرْكَبُّنَّ أحوالاً بعد
أحوالٍ هي طبقاتٌ في الشدَّة، بعضُها أرفعُ من بعض، وهي الموتُ
(١) سراره: آخر ليلة فيه.
(٢) أنظر: الدر المصون ١/ ٦٠.
(٣) الكشاف ٢٣٦/٤.
(٤) الكشاف: ((طبق)).
٧٣٨

- الانشقاق -
وما بعده من مواطنِ القيامة)) انتهى. وقيل: المعنى: لتركبُنَّ هذه الأحوال
أمةً بعد أمةٍ. ومنه قولُ العباس فيه عليه السلام(١) :
٤٥٣٠- وأنتَ لَمَّا وُلِذْتَ أَشْرَقَتِ الـ
أرضُ وضاءَتْ بنورِك الطُّرُقُ
تُنْقَلُ مِنْ صالِبٍ إلى رَحِمٍ
إذا مضىْ عَالَمٌ بدا طَبَقُ
يريد: بدا عالَمٌ آخرُ. فعلى هذا التفسير يكون ((طبقاً)) حالاً
لا مفعولاً به. كأنه قيل: متتابعِين أُمَّةً بعد أُمَّة. وأمّا قولُ الأقرع(٢):
٤٥٣١- إنِّي امرُّؤٌ قد حَلَبْتُ الدهرَ أَشْطُرَه
وساقَني طبقاً منه إلى طَبَقِ
فيحتملُ الأمرين، أي: ساقَنِي مِنْ حالةٍ إلى أخرى، أو ساقني من
أمةٍ وناس إلى أمةٍ وناس آخرين، ويكون نصبُ ((طَبَقاً)) على المعنيين على
التشبيه بالظرف، أو الحال، أي: منتقلاً. والطَّبَقُ أيضاً: ما طابقَ الشيءَ،
أي: ساواه، ومنه دَلالةُ المطابقةِ. وقال امرؤ القيس(٣):
٤٥٣٢ - دِيْمَةٌ هَطْلاءُ فيها وَطَفٌ
طَبَقُ الأرضِ تَحَرَّى وَتَدُرْ
(١) من المنسرح، في المحرر ٢٥٦/١٦، والبحر ٤٤٨/٨.
(٢) الأقرع بن جابس وهو في المحرر ٢٥٦/١٦. قال في اللسان (شطر): ((حَلَب
فلان الدهر أشْطرَه، أي: خَبَرَ ضروبه تشبيهاً بحَلْب جميع أخلافٍ الناقة)).
(٣) ديوانه ١٤٤. والديمة: المطر الدائم والهطلاء: الغزيرة. والوطف: الدنو من
الأرض وهذه السحابة تطبّق الأرض وتعمُّها. وتحرَّى: تثبت في المكان، وتدرُّ:
يكثر ماؤها.
٧٣٩

- الانشقاق -
قوله: ((عن طبَق)) في ((عن)) وجهان، أحدُهما: أنها على بابها.
والثاني: أنها بمعنى ((بَعْدَ)). وفي محلُّها وجهان، أحدهما: أنها في محلٌ
نصبٍ على الحال مِنْ فاعل ((تَرْكَبُنَّ». والثاني: أنَّها صفةٌ لـ ((طَبقا)). قال
الزمخشري(١): ((فإنْ قلتَ: ما محلُّ ((عن طبق))؟ قلت: النصبُ على أنَّه
صفةٌ لـ ((طبقا))، أي: طبقاً مجاوزاً لطبق، أو حالٌ من الضمير في
(لتركبُنَّ)، أي: لتركُبُنَّ طبقاً مجاوزِيْن لطبَق أو مجاوزاً أو مجاوزةً على
حَسَبِ القراءة)».
وقال أبو البقاء(٢): ((وعن بمعنى بَعْدَ. والصحيح أنها على بابِها،
وهي صفةٌ، أي: طبقاً حاصلاً عن طَبق، أي: حالاً عن حال. وقيل:
جيلاً عن جيل)) انتهى. يعني الخلافَ المتقدِّمَ في الطبق ما المرادُ به؟ هل
هو الحالُ أو الجيلُ أو الأمةُ؟ كما تقدَّم نَقْلُه، وحينئذٍ فلا يُعْرَبُ ((طَبَقاً))
مفعولاً به بل حالاً، كما تقدَّم، لكنه لم يَذْكُرْ في ((طبقاً)) غيرَ المفعولِ به.
وفيه نظرٌ لِما تقدَّم مِن استحالتِهِ معنى، إذ يصير التقديرُ: لتركَبُنَّ أمةً بعد
أَمَّةٍ، فتكون الأمةُ مرِكوبةً لهم، وإن كان يَصِحُ على تأويلٍ بعيدٍ جداً وهو
حَذْفُ مضافٍ، أي: لَتركبُنَّ سَنَنَ أو طريقةَ طبقٍ بعد طبقٍ.
آ. (٢٠) قوله: ﴿لا يُؤْمِنون﴾: حالٌ، وقد تقدَّم مثلُه.
آ. (٢١) قوله: ﴿وإذا قُرِىءَ﴾: شرطٌ، و((لا يَسْجُدون))
جوابُه. وهذه الجملةُ الشرطيةُ في محلٌ نصبٍ على الحالِ أيضاً نَسَقاً على
ما قبلها، أي: فمالهم إذا قُرىء عليهم القرآن لا يَسْجُدون؟.
(١) الكشاف ٢٣٦/٤.
(٢) الإملاء ٢٨٤/٢.
٧٤٠