Indexed OCR Text

Pages 621-640

- الإنسان -
فقال الزمخشري(١): ((وقُرِىءَ ((وإسْتبرقَ)) نصباً في موضع الجرِّ على مَنْعٍ
الصرفِ؛ لأنَّه أعجميٌّ وهو غَلَطْ؛ لأنَّه نكرةٌ يَدْخُلُهُ حَرفُ التعريفِ.
تقول: ((الإِستبرق)) إلَّ أَنْ يَزْعُمَ ابن مُحيصن أنه يُجْعَلُ عَلَماً لهذا الضَّرْبِ
من الثيابٍ. وقُرِىءَ ((وأَسْتبرقَ)) بوصْل الهمزةِ والفتح، على أنَّه مُسَمَّى
باسْتَفْعل من البَريق، ليس بصحيح أيضاً؛ لأنَّه مُعَرَّب مشهورٌ تعريبُه، وأنَّ
أصلَهُ اسْتَبْرَه(٢). وقال الشيخ(٣): ((ودَلَّ قولُه (إلَّ أَنْ يزعمَ ابنُ محيصن))
وقولُه بعدُ: ((وقُرىء ((واسْتبرق)» بوَصْلِ الألفِ والفتح أنَّ قراءةَ ابنِ محيصن
هي بقَطْعِ الهمزةِ مع فتح القافِ. والمنقولُ عنه في كتبِ القراءاتِ أنَّه قرأ
بوَصْل الألفِ وفتح القافِ)). قلت: قد سَبَقَ الزمخشريُّ إلى هذا مكيٌّ(٤)
فقال: ((وقد قرأ ابنُ محيصن بغيرِ صَرْفٍ، وهو وهمٌ إنْ جعلَه اسماً لأنه
نكرةٌ منصرفةٌ. وقيل: بل جَعَله فعلاً ماضياً مِنْ بَرِقَ فهو جائزٌ في اللفظِ،
بعيدٌ في المعنى. وقيل: إنَّه في الأصلِ فعلٌ ماضٍ على اسْتَفْعل مِنْ بَرِقَ،
فهو عربيٍّ من البريق، فلمَّا سُمِّي به قُطِعَتْ ألفُه؛ لأنه ليس مِنْ أصلٍ
الأسماءِ أَنْ يدخلَها ألفُ الوصلِ، وإنما دَخَلَتْ في أسماءِ معتلةٍ مُغَيَّةٍ عن
أصلِها معدودةٍ لا يُقاسُ عليها)) انتهى. فدلَّ قولُه: ((قُطِعَتْ ألفُه)) / إلى [٨٩٥/ب]
آخرِهِ أنه قرأ بقطع الهمزةِ وفتح القافِ. ودلَّ قولُه أولاً: ((وقيل: بل جعله
فعلاً ماضياً مِنْ بَرِقَ)) أنه قرأ بَوَصْلِ الألفِ؛ لأنَّه لا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُحْكَمَ عليه
بالفعليةِ غيرَ منقولٍ إلى الأسماءِ، وبتَرْكِ ألفِه ألفَ قطع البتةَ، فهذا جَهْلٌ
باللغةِ، فيكونُ قد رُوِي عنه قراءتان: قَطْعُ الألفِ ووَصْلُها. فظهر أنَّ
الزمخشريَّ لم ينفَرِدْ بالنقل عن ابنِ محيصن بقَطْع الهمزة.
(١) الكشاف ١٩٩/٤.
(٢) المعرَّب ١٠٨ وذكر أن أصله إسْتَفْرَه.
(٣) البحر ٨/ ٤٠٠.
(٤) إعراب المشكل ٤٤١/٢ .
٦٢١

- الإنسان -
وقال أبو حاتم في قراءة ابن محيصن: «لا يجوز. والصوابُ أنه
اسمُ جنسٍ لا ينبغي أَنْ يَحْمِلَ ضميراً. ويؤيِّد ذلك دخولُ المعرفةِ عليه.
والصوابُ قَطْعُ الألفِ وإجراؤُه على قراءةِ الجماعةِ)). قال الشيخ(١):
((ونقولُ: إنَّ ابن محيصن قارىءٌ جليلٌ مشهورٌ بمعرفةِ العربيةِ، وقد أَخَذَ
عن أكابرِ العلماءِ فِيُتَطَلَّبُ لقراءته وَجْهٌ، وذلك أنه يَجْعَلُ استفعل من
البريق تقول: بَرِقَ واسْتَبْرَقِ كعَجِبَ واستعجب، ولمَّا كان قولُه: ((خُضْر))
يدل على الخُضْرة، وهي لَوْنُ ذلك السُّنْدُس، وكانت الخُضْرَةُ مِمَّا يكونُ
فيها لشدتها دُهْمة وغَبَش أخبرَ أنَّ في ذلَك بَريقاً وحُسْناً يُزيل غُبْشَتَه
فاستبرقَ فعلٌ ماضٍٍ، والضميرُ فيه عائدٌ على السندس، أو على الأخضرِ
الدالِّ عليه ((خُضْر). وهذا التخريجُ أَوْلَى مِنْ تَلْحينَ مَنْ يعرِفُ العربية
وتوهيمِ ضابطٍ ثقةٍ)). قلت: هذا هو الذي ذكره مكيّ كما حگیتُه عنه،
وهذه القراءةُ قد تقدَّمَتْ في سورة الكهف(٢)، وإنما أَعَدْتُ ذلك لزيادةِ
هذه الفائدة .
قوله: ((وحُلُوا)) عطفٌ على ((ويَطوف))، عَطَفَ ماضياً لفظاً، مستقبلاً
معنىٌ، وأَبْرَزه بلفظِ الماضي لتحقُّقه. وقال الزمخشري(٣) بعد سؤالٍ
وجوابٍ مِنْ حيث المعنى: ((وما أحسنَ بالمِعْصَم أَنْ يكونَ فيه سِواران:
سِوارٌ مِنْ ذهبٍ وسِوارٌ مِنْ فضةٍ))، فناقَشَه الشيخَ(٤) في قولِه ((بالمِعْصم))
فقال: ((قولُه بالمِعْصِمِ: إمَّا أَنْ يكونَ مفعولَ ((أَحْسِن))، و ((أَنْ يكونَ»(٥)
(١) البحر ٤٠٠/٨
(٢) انظر: الدر المصون ٤ / ٤٨٤.
....
(٣) الكشاف ٤ / ٢٠٠:
(٤) البحر ٨ / ٤٠٠.
(٥) من قول الزمخشري: ((أن يكون فيه سواران)).
٦٢٢

- الإنسان -
بدلاً منه، وأمَّا ((أنْ يكونَ)) مفعولَ أَحْسن وقد فُصِلَ بينهما بالجارِّ
والمجرور: فإنْ كان الأولَ فلا يجوزُ؛ لأنَّه لم تُعْهَدْ زيادةُ الباءِ في مفعولٍ
أَفْعَلِ التعجبِ. لا تقول: ما أحسنَ بزيدٍ تريدُ: ((ما أحسنَ زيداً». وإن كان
الثاني(١) ففي مثلِ هذا الفصل خلافٌ، والمنقولُ عن بعضهِم لا يجوزُ،
والمُوَلَّدُ مِنَّا ينبغي إذا تكلَّم أن يَتَحَرَّزَ في كلامِه ممَّا فيه خلافٌ)). قلت:
وأيُّ غَرَضٍ له في تتبُّع كلامِ هذا الرجل، حتى في هذا الشيء اليسيرِ؟
على أنَّ الصحيحَ جوازُه، وهو المسموُ من العربِ نثراً. قال عمروابن
معديكرب(٢): ((اللَّهِ دَرُّ بني فلانٍ ما أشَدَّ في الهيجاءِ لقاءَها، وأثْبَتَ في
المَكْرُمات بقاءَها، وأحسنَ في اللََّبات(٣) عطاءَها)) والتشاغلُ بغير هذا
أَوْلی.
آ. (٢٣) قوله: ﴿إِنَّا نحن نَزَّلْنا﴾: يجوزُ أَن يكونَ ((نحن))
توكيداً لاسم ((إِنَّ))، وأَنْ يكونَ فَضْلاً و «نَزَّلْنَا)) على هَذَيْن الوجهَيْن هو
خبرُ ((إنَّ»، ويجوزُ أَنْ يكونَ ((نحن)) مبتدأً و ((نَزَّلْنا)) خبرُه، والجملةُ خبرُ
(إنَّ). وقال مكي(٤): (نحنُ)) في موضع نصبٍ على الصفةِ لاسم ((إنَّ)،
لأنَّ المضمرَ يُوصَفُ بالمضمر؛ إذ هو بمعنى التأكيدِ لا بمعنىُ الثَّحْلية،
ولا يُؤْصَفُ بالمُظْهَرِ؛ لأنه بمعنى التَّحْلية، والمضمرُ مُسْتَغْنٍ عن التَّحْلية؛
لأنَّه لم يُضْمَرْ إلَّ بعد أن عُرِفَ تَحْلِيَتُه وعينُه فهو محتاجٌ إلى التأكيدِ لتأكُّدِ
(١) أي: إنَّ ((أن يكون فيه)) هو المفعول وفُصِل بين أحسن ومفعولها بالجارِ
والمجرور.
(٢) انظر: شرح التسهيل ٤٠/٣ وقال ابن مالك: ((لم يمتنع ولم يضعف لثبوت ذلك
نثراً ونظماً وقياساً)).
(٣) اللَّزْبة: الشدة.
(٤) إعراب المشكل ٤٤٢/٢.
٦٢٣

- الإنسان -
الخبرِ عنه)». قلت: وهذه عبارةٌ غريبةٌ جداً؛ كيف يُجْعَلُ المضمرُ موصوفاً
بمثلِه؟ ولا نعلمُ خلافاً في عدم جوازٍ وصفِ المضمرِ إلَّ ما نُقِل عن
الكسائيّ أنه جوَّزَ وَصْفَ ضمير الغائبِ بالمُظْهَرِ. تقول: «مَرَرْتُ به
العاقل)) على أَنْ يكونَ ((العاقلِ)) نعتاً. أمَّا وَصْفُ ضميرِ غير الغائبِ بضميرٍ
آخرَ فلا خلافَ في عَدَمِ جوازِهِ، ثم كلامُه يَؤُول إلى التأكيدِ فَلا حاجةً
إلى العدول عنه.
آ. (٢٤) قوله: ﴿أو كَفُوراً﴾: في ((أو)) هذه أوجهٌ، أحدُها:
أنَّها على بابها، وهو قولُ سيبويهٍ (١). قال أبو البقاء (٢): ((وتُفيد في النهي
[المنعَ](٣) عن الجميع؛ لأنَّك إذا قلت في الإباحة: ((جالِس الحسنَ
أو ابنَّ سِيرين» كان التقديرُ: جالِسْ أحدَهما. فإذا نهىُ فقال: ((لا تُكَلِّمْ
[٨٩٦/أ] زيداً أو عَمْراً)) فالتقدير: لا تُكَلِّمْ أحدَهما، فأيُّهما / كلَّمَهُ كان أحدَهما،
فيكونُ ممنوعاً منه، فكذلك في الآية، ويَؤُول المعنى: إلى تقديرٍ :
ولا تُطِعْ منهما آئِماً ولا كفوراً)). وقال الزمخشريُّ(٤): ((فإنْ قلتَ: معنى
((أو): ولا تُطِعْ أحدَهما، فهلا جيْءَ بالواو ليكونَ نَهْياً عن طاعتِهما
جميعاً. قلت: لو قيل: ((لا تُطِعْهما)) لجازَ أَنْ يُطِعَ أحدَهما. وإذا قيل:
لا تُطِعْ أحدَهما عُلِم أنَّ الناهيَ عن طاعةِ أحدِهما، عن طاعتِهما جميعاً
أَنْهَى، كما إذا نُهِيَ أَنْ يقولَ لأَبَويْهِ: ((أَفّ)) عُلِم أنه مَنْهِيٌّ عن ضَرْبهما
على طريقِ الأَوْلَى)). الثاني: أنَّها بمعنى ((لا))، أي: لا تُطِعْ مَنْ أَئِم
(١) الكتاب ١/ ٤٨٩، ٤٩١.
(٢) الإملاء ٢٧٧/٢.
(٣) من الإملاء.
(٤) الكشاف ٤/ ٢٠٠.
٦٢٤

- الإنسان -
ولا مَنْ كَفَر. قال مكي (١): ((وهو قولُ الفراء(٢)، وهو بمعنى الإباحة التي
ذكّرْنا)). الثالث: أنها بمعنى الواو، وقد تقدَّم أنَّ ذلك قولُ الكوفيين(٣)
وتقدَّمَتْ أدلَّتُهم.
والكفور، وإنْ كان يَسْتَلْزِمُ الإِثمَ، إلاّ أنه عُطِفَ لأحدٍ شيئَيْن: إمّا
أَنْ يكونا شخصَيْن بعينهِما. وفي التفسير: الآثمُ عُتبةُ، والكَفورُ الوليدُ،
وإمَّا لِما قاله الزمخشري(٤) قال: ((فإنْ قلتَ: كانوا كلُّهم كفرةً فما معنى
القِسْمَةِ في قولِه آئماً أو كفوراً؟ قلت: معناه لا تُطِعْ منهم راكباً لِما هو إثمٌ
داعياً لك إليه، أو فاعلاً لِما هو كفرٌ داعياً لك إليه؛ لأنهم إمَّا أَنْ يَدْعُوْه
إلى مساعَدَتِهِم على فعلٍ هو إثمٌ أو كفرٌ، أو غيرُ إثمٍ ولا كفرٍ، فنُهي أَنْ
يساعدَهم على الاثنين دونَ الثالث)).
آ. (٢٦) قوله: ﴿وسَبِّحْه﴾: فيه دليلٌ على عَدَم ما قال بعضُ
أهلِ علم المعاني والبيان: إنَّ الجمعَ بين الحاءِ والهاءِ مثلاً يُخْرِجُ الكلمةَ
عن فصاحتِها وجَعَلُوا من ذلك قولَ الشاعر(٥):
٤٤٥٣- كريمٌ متى أَمْدَحْه أَمْدَخْه والوَرَى
معي وإذا ما لُمْتُه لُمْتُه وَحْدي
البيت لأبي تمام. ويُمكن أَنْ يُفَرَّقَ بين ما أنشدوه وبين الآيةِ
الكريمة بأن التكرارَ في البيتِ هو المُخْرِجُ له عن الفصاحة بخلافِ الآيةِ
الكريمةِ فإنه لا تَكْرارَ فيها.
(١) إعراب المشكل ٤٤٢/٢.
(٢) معاني القرآن ٢١٩/٣.
(٣) انظر: المغني ٨٨.
(٤) الكشاف ٤/ ٢٠٠.
(٥) وهو أبو تمام في ديوانه ١١٦/٢ .
٦٢٥

- الإنسان -
آ. (٢٧) قوله: ﴿يَوْماً﴾: مفعولٌ بـ ((يَذَرُون)) لا ظرفٌ، ووَصْفُه
بالثِّقَلِ على المجازِ؛ لأنه مِنْ صفاتِ الأعيانِ لا المعاني. ووراء هنا
بمعنى قُدَّام. قال مكي(١): ((سُمِّي وراء لتوارِيْه عنك)) فظاهرُ هذا أنه
حقيقةٌ، والصحيحُ أنْهِ اسْتُغير لـ قُدَّامٍ. وقيل: بل هو على بابِه، أي :. :
وراءَ ظهورِهم لا يَعْبَؤُون به. وفيه تجوُّزٌ.
!
آ. (٢٨) قوله: ﴿وإذا شِئْنا﴾: قال الزمخشري (٢): ((وحَقُّه أَنْ
يجيءَ بـ ((إنْ)) لا بـ ((إذا)) كقولِه: ((وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قوماً غيرَكم))(٣) ((إِنْ
يَشَأْ يُذْهِبْكم)»(٤) يعني أنَّ ((إذا)) للمحقَّقِ، و ((إنْ)) للمحتملِ، وهو تعالى
لم يَشَأْ ذلك. وجوابُهُ أنَّ ((إذا)) قد تقع موقعَ ((إنْ)) كالعكسِ(٥).
آ. (٣٠) قوله: ﴿إلاَّ أَنْ يشاءَ اللَّهُ﴾: فیه وجهان، أحدهما:
أنَّه حالٌ، أي: إلَّ في حالِ مشيئةِ اللَّهِ، قاله أبو البقاء(٦). وفيه نظرٌ؛ لأنَّ
هذا مقدَّرٌ بالمعرفة. إلَّ أَنْ يريدَ تفسير المعنى. والثاني: أنه ظرفٌ. قال
الزمخشري (٧): ((فإنْ قلت: ما محلُّ ((أَنْ يشاء الله)»؟ قلت: النصبُ على
الظرف، وأصلُه إلاَّ وقتَ مشيئةِ اللَّهِ، وكذلك قرأ ابنُ مسعود (٨) ((إلَ
ما يشاءُ اللَّهُ)) لأنَّ ((ما)) مع الفعلِ كـ ((أَنْ)). ورَدَّه الشيخُ(٩): بأنه لا يقومُ
مَقامَ الظرفِ إلَّ المصدرُ الصريحُ. لو قلت: ((أجيتُك أَنْ يَصيحَ الديكُ))
أو ((ما يصيحُ)) لم يَجُزْ)). قلت: وقد تقدَّم الكلامُ معه في ذلك غيرَ مرةٍ.
(١) إعراب المشكل ٤٤٢/٢.
(٢) الكشاف ٢٠١/٤.
(٣) الآية ٣٨ من سورة محمد صلى الله عليه وسلم.
(٤) الآية ١٣٣ من النساء.
(٥) كقوله تعالى: ((أفإنْ مِثَّ فهم الخالدون)).
(٦) الإملاء ٢٧٧/٢.
(٧) الكشاف ٢٠١/٤ .
(٨) البحر ٤٠١/٨.
(٩) البحر ٨/ ٤٠٢ .
٦٢٦

- الإنسان -
وقرأ(١) نافعٌ والكوفيون (تَشاؤُون)) خطاباً لسائر الخَلْقِ أو على
الالتفاتِ من الغَيْبة في قوله: ((نحن خَلَقْناهم)). والباقون بالغَيْبة جَرْياً على
قولِه: ((خَلَقْناهم)) وما بعده.
آ. (٣١) قوله: ﴿والظَّالمين أَعَدَّ لهم﴾: منصوبٌ على
الاشتغال بفعلِ يُفَسِّرُه ((أعدَّ لهم)) من حيث المعنى لا من حيث اللفظُ،
تقديرُه: وعَذَّبَ الظالمين، ونحوُه: ((زيداً مَرَرْتُ به))، أي: جاوَزْتُ
ولابَسْتُ. وكان النصبُ هنا مُختاراً لِعَطْف جملةِ الاشتغالِ على جملةٍ
فعليةٍ قبلَها، وهي قوله: ((يُدْخِلُ)). وقرأ (٢) الزبير(٣) وأبان بن عثمان وابن
أبي عبلة ((والظَّالمون)) رَفْعاً على الابتداءِ، وما بعده الخبرُ، وهو مرجوحٌ
لعدم المناسبةِ. وقرأ ابنُ مسعودٍ ((وللظالمين)) بلام الجرِّ. وفيه وجهان،
المشهورُ: أَنْ يكونَ ((للظَّالمين)) متعلِّقاًبـ ((أَعَدَّ)) بعده / ويكونَ ((لهم)) [٨٩٦/ب]
تأكيداً. والثاني : - وهو ضعيفٌ جداً - أَنْ يكونَ مِنْ بابِ الاشتغال، على
أَنْ نُقَدِّر فعلاً مثلَ الظاهرِ، ويُجَرَّ الاسمُ بحرفِ جرِّ. فنقول: ((بزيدٍ مررتُ
به))، أي: مررتُ بزيدٍ مررتُ به. والمعروفُ في لغة العربِ مذهبُ
الجمهورِ، وهو إضمارُ فِعْلٍ ناصبٍ موافقٍ للفعل الظاهرِ في المعنى. فإنّ
وَرَدَ نحوُ ((بزيدٍ مَرَرْتُ به)) عُدَّ من التوكيدِ، لا من الاشتغالِ.
[تمَّت بعونه تعالى سورة الإنسان]
(١) السبعة ٦٦٥، والتيسير ٢١٨، والنشر ٣٩٦/٢، والقرطبي ١٥٢/١٩،
والبحر ٤٠١/٨، والحجة ٧٤١.
(٢) انظر في قراءاتها: المحتسب ٣٤٤/٢، والبحر ٤٠٢/٨، والقرطبي ١٥٣/١٩،
والشواذ ١٦٦ .
(٣) في المظان: ابن الزبير.
٦٢٧

سورة والمرسلات
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (١) قوله: ﴿عُرْفاً﴾: فيه ثلاثةُ أوجهِ، أحدُها: أنَّه مفعولٌ
مِنْ أجلِه، أي: لأجلِ العُرْفِ وهو ضِدُ النُّكْرِ. والمرادُ بالمُرْسَلاتِ: إمَّا
الملائكةُ، وإمّا الأنبياءُ، وإمَّا الرِّياحُ أي: والملائكةُ المُرْسَلاتُ،
أو والأنبياء المُرْسَلات، أو والرياحُ المُرْسَلات. والعُرْفُ: المعروفُ
والإِحسانُ. قال الشاعر(١):
٤٤٥٤_ مَنْ يَفْعَلِ الخيرَ لا يَعْدَمْ جَوازِيَهُ
لا يَذْهَبُ العُرْفُ بينَ اللَّهِ والناسِ
وقد يُقال: كيف جَمَعَ صفةَ المذكرِ العاقلِ بالألفِ والتاءِ، وحقُّه أَنْ
يُجْمَعَ بالواوِ والنونِ؟ تقول: الأنبياءُ المُرْسَلونَ، ولا تقولُ: المُرْسَلات.
والجوابُ: أَنَّ المُرْسَلات جَمْعُ مُرْسَلة، ومُرْسَلة صفةٌ لجماعةٍ من
الأنبياء، فالمُرْسَلات جمعُ ((مُرْسَلة)) الواقعةِ صفةً لجماعة، لا جمعُ
(مُرْسَل)) المفردِ. الثاني: أَنْ ينتصِبَ على الحالِ بمعنى: متتابعة، مِنْ
قولِهِم: جاؤوا كعُرْفِ الفَرَس، وهم على فلانٍ كعُرْف الضَّبُع، إذا تألَّبوا
عليه. الثالث: أَنْ ينتصِبَ على إسقاطِ الخافضِ أي: المُرْسَلاتِ بالعُرْفِ.
(١) البيت للحطيئة وهو في ديوانه ٢٨٤.
٦٢٩

- المرسلات -
وفيه ضَعْفٌ، وقد تقدَّمَ الكلامُ على العُرْفِ في الأعراف(١). والعامَّةُ على
تسكينِ رائِهِ، وعيسى(٢) بضمِّها، وهو على تثقيلِ المخففِ نحو: ((بَكُر)»
في بَكْر. ويُحتمل أَنْ يكونَ هو الأصلَ، والمشهورةُ مخففةٌ منه، ويُخْتَمَلُ
أَنْ يكونا وزنَيْنِ مستقلَّيْن ...
آ. (٢) قوله: ﴿عَصْفاً﴾: مصدرٌ مؤكِّدٌ لاسم الفاعلِ، والمرادُ
بالعاصفات: الرياحُ أو الملائكةُ، شُبُّهَتْ بسُرْعة جَرْيِها في أمرِ الله تعالى
بالرياحِ، وكذلك (نَشْراً)) و ((فَرْقاً)) انتصبا على المصدرِ أيضاً.
آ. (٥) قوله: ﴿ذِكْراً﴾: مفعولٌ به، ناصبُه «المُلْقِيات)». وقرأ
العامَّةُ ((فالمُلْقِياتِ)» بسكون اللامِ وتخفيفِ القَافِ اسمَ فاعلٍ.
وابن عباس (٣) بفتح اللام وتشديد القافِ، من التَّلْقِية، وهي إيصالُ الكلام
إلى المخاطبٍ. وَرَوَىُ عنه المهدويُّ أيضاً فتحَ القافِ اسمَ مفعولٍ أي:
مُلْقَیَةٌ مِنْ قِبَل الله تعالى.
آ. (٦) قوله: ﴿عُذْراً أو نُذْراً﴾: فيهما أوجهٌ، أحدُها: أنَّهما
بدلانٍ مِنْ ((ذِكْراً)). الثاني: أنهما منصوبان به على المفعوليةِ، وإعمال
المصدرِ المنوَّنِ جائزٌ. ومنه ((أو إطْعامٌ في يوم ذي مَسْغَبةٍ يتيماً) (٤).
الثالث: أنَّهما مفعولان مِنْ أجلِهما، والعاملُ فيه: إمَّا ((المُلْقِيات))، وإمَّا
(ذِكْراً))؛ لأنَّ كُلَّ منهما يَصْلُحُ أَنْ يكونَ مَعْلولاً بأحدِهما، وحينئذٍ يجوزُ
(١) مرَّ في الآية ١٩٩، ولكنه لم يتحدث عنها.
(٢) الإتحاف ٢/ ٥٨٠، والبحر ٨/ ٤٠٤.
(٣) انظر في قراءاته: المحتسب ٣٤٥/٢، والبحر ٤٠٤/٨، والقرطبي ١٥٦/١٩.
(٤) الآية ١٤ من البلد.
٦٣٠

- المرسلات -
في (عُذْراً)) و((نُذْراً) وجهان، أحدُهما: أَنْ يكونا مصدرَيْنِ بسكونِ العينِ
كالشُّكر والكُفْر. والثاني: أَنْ يكونا جمعَ عَذِير ونَذِير، المرادِ بهما
المصدرُ بمعنى: الإِعذارِ والإِنذارِ، كالنَّكير بمعنى الإِنكار. الرابع: أنَّهما
منصوبان على الحالِ من ((المُلْقِيات))، أو من الضمير فيها، وحينئذٍ يجوزُ
أَنْ يكونا مصدرَيْنِ واقعَيْنِ مَوْقِعَ الحالِ بالتأويلِ المعروفِ في أمثاله، وأَنْ
يكونا جمعَ عذيرٍ ونذيرٍ مُراداً بهما المصدرُ، أو مراداً بهما اسمُ الفاعلِ
بمعنى: المُعْذِرِ والمُنْذِر، أي: مُعْذِرين أو مُنْذِرين.
وقرأ العامَّةُ بسكونِ الذالِ مِنْ ((عُذْراً)) و((نُذْراً)). وقرأ (١) زيدُ ابن
ثابت وابن خارجة وطلحةُ بضمِّها والحَرَمَّان وابنُ عامر وأبو بكر بسكونِها
في ((عُذْراً) وضمِّها في ((نُذُراً)). والسكونُ والضمُّ - كما تقدَّمَ - في أنَّه
يجوزُ أَنْ يكونَ كلٌّ منهما أصلاً للآخرِ، وأَنْ يكونا أصلَيْنِ، ويجوز في
كلٍ من المثقَّلِ والمخفَّفِ أن يكونَ مصدراً، وأَنْ يكونَ جمعاً سَكَنَتْ عينُه
تخفيفاً. وقرأ(٢) إبراهيم التيمي ((عُذْراً ونُذْراً) بواو العطفِ موضعَ ((أو))،
وهي تدلُّ على أنَّ ((أو)) بمعنى الواو.
آ. (٧) قوله: ﴿إِنَّ ما تُوْعَدون﴾: هذا جوابُ القسم في
قولِه ((والمُرْسَلاتِ))، وما بعده معطوفٌ عليه، وليس قَسَماً مستقلاً، لِما
تقدَّم في أولِ هذا الموضوع، ولوقوع الفاءِ عاطفةً؛ لأنها لا تكونُ للقَسَم.
و ((مياه موصولةٌ بمعنى الذي - هي اسمُ ((إنَّ)) و (تُوْعَدون)) صلَتُها،
(١) النشر ٢١٧/٢، والحجة ٧٤٢، والقرطبي ١٥٦/١٩، والإتحاف ٥٨٠/٢،
والبحر ٤٠٥/٨.
(٢) القرطبي ١٥٦/١٩، والبحر ٤٠٥/٨، وإبراهيم بن يزيد التيمي الكوفي، قرأ
على الأعمش. توفي سنة ٩٢. طبقات القراء ٢٩/١.
٦٣١

- المرسلات -
والعائدُ محذوفٌ أي: إنَّ الذي تُؤْعَدُونه. و((لَواقِعٌ)) خبرُها. وكان مِنْ
حَقِّ ((إِنَّ)) أَنْ تُكْتَبَ منفصلةً من ((ما)) الموصولةِ، ولكنهم كتبوها متصلةً
بها .
آ. (٨) قوله: ﴿فإذا النُّجومُ طُمِسَتْ﴾: ((النجومُ)) مرتفعةٌ
بفعلٍ مضمرٍ يُفَسِّره ما بعده عند البصريين غيرَ الأخفشِ(١)، وبالابتداء عند
الكوفيين والأخفشِ. وفي جواب ((إذا)) قولان: أحدُهما محذوفٌ
[٨٩٧/أ] تقديرُه: / فإذا طُمِسَت النجومُ وَقَعَ مَا تُوْعَدون، لدلالةِ قولِه: ((إنَّ
ما تُؤْعَدُوْن لَواقِعٌ))، أو بَانَ الأمرُ. والثاني: أنَّه ((لأَيِّ يومٍ أُجُلَتْ)) على
إضمارِ القولِ، أي: يُقال: لأيِّ يومٍ، فالفعلُ في الحقيقةِ هو الجوابُ.
وقيل: الجوابُ: ((ويلٌ يومئذٍ)) نقله مكي(٢)، وهو غَلَطُ؛ لأنَّه لو كان
جواباً لَزِمَتْه الفاءُ لكونِه جملةً اسميةً.
آ. (١١) قوله: ﴿أُقّتَتْ﴾: قرأ (٣) أبو عمروِ ((وُقُّتَتْ)) بالواوِ،
والباقون ((أُقْتَتْ)) بهمزةٍ بدلَ الواوٍ. قالوا: وهي الأصلُ؛ لأنَّه من الوَقْتِ،
والهمزةُ بدلٌ منها؛ لأنَّها مضمومةٌ ضمةً لازِمَةً(٤). وقد تقدَّم ذِكْرُ ذلك في
أولِ هذا الموضوع.
(١) أشار في معاني القرآن إلى نظيرها وهي إن فأجاز أن يكون الاسم بعدها مبتدأ
وفاعلاً. معاني القرآن ٣٢٧.
(٢) إعراب المشكل ٢/ ٤٤٧.
(٣) السبعة ٦٦٦، والنشر ٣٩٦/٢، والتيسير ٢١٨، القرطبي ١٥٨/١٩، والحجة
٧٤٢، والبحر ٤٠٥/٨.
(٤) انظر: الممتع ٣٣٢.
٦٣٢

- المرسلات -
آ. (١٢) قوله: ﴿لأيِّ يومٍ﴾: متعلّقٌ بـ ((أُجُلَتْ)) وهذه الجملةُ
معمولةٌ لقولٍ مضمرٍ. أي: يُقال. وهذا القولُ المضمرُ يجوزُ أَنْ يكونَ
جواباً لـ ((إذا))، كما تقدَّم، وأَنْ يكونَ حالاً مِنْ مرفوع ((أُقْتَتْ)) أي: مَقُولًاً
فيها: لأيِّ يومٍ أُجُّلَتْ.
آ. (١٣) قوله: ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾: بدلٌ مِنْ ((لأيِّ يومٍ)) بإعادةِ
العاملِ. وقيل: بل تتعلَّق بفعلٍَ مقدَّرٍ أي: أُجِّلَتْ ليومِ الفَصْل. وقيل:
اللامُ بمعنى ((إلى)) ذكرهما مكيٌّ(١).
آ. (١٥) قوله: ﴿وَيْلٌ﴾: مبتدأٌ، سَوَّغ الابتداءَ به كونُه دعاءً.
وقال الزمخشري(٢): ((فإنْ قلتَ: كيف وقعَتِ النكرةُ مبتدأً في قولِه:
((وَيْلٌ))؟ قلت: هو في أَصْلِهِ مصدرٌ منصوبٌ سادٌّ مَسَدَّ فِعْلِه، ولكنه عُدِل
به إلى الرفع للدلالةِ على ثباتِ معنى الهلاكِ ودوامِه للمدعُوِّ عليهم.
ونحوُهُ ((سَلامٌ عليكم)»(٣) ويجوز: وَيْلاً له بالنصبِ، ولكن لم يُقْرَأْ به)).
قلت: هذا الذي ذكره ليس من المُسَوِّغاتِ التي عَدَّها النَّحْويون، وإنما
المُسَوِّغُ ما ذكرْتُه لك مِنْ كونه دعاءً. وفائدةُ العدولِ إلى الرفع ما ذكره.
و ((يومئذٍ)) ظرفٌ للوَيْل. وجَوَّز أبو البقاء(٤) أَنْ يكونَ صفةً لـ ((وَيْلٌ))
و «للمُكَذِّبين» خبرُه.
(١) إعراب المشكل ٤٤٧/٢ .
(٢) الكشاف ٤/ ٢٠٣.
(٣) الآية ٥٤ من الأنعام.
(٤) الإملاء ٢٧٨/٢.
٦٣٣

۔۔ المرسلات -
آ. (١٦) قوله: ﴿أَلَم نُهْلِكِ﴾: العامَّةُ على ضَمِّ حرفٍ
المضارعةِ مِنْ (أَهْلَكَ)) رباعياً. وقتادة (١) بفتحِه. قال الزمخشري(٢): ((مِنْ
هَلَكه بمعنى: أَهْلكه. قال العجَّاجِ (٣):
٤٤٥٥- ومَهْمَهِ هالكِ مَنْ تعرَّجا
قلت: فـ ((مَنْ)) معمولٌ لـ «هالك))، وهو مِنْ هَلَكَ. إلاَّ أنَّ بعضَ:
الناس جَعَلَ هذا دليلاً على إعمالِ الصفةِ المشبهةِ في الموصولِ، وجَعَلَها
مِن اللازم؛ لأنَّ شرطَ الصفةِ المشبهةِ أَنْ تكونَ مِنْ فِعْلٍ لازم، فعلى هذا
:
لا دلیلَ فیه .
آ. (١٧) قوله: ﴿ثم تُتْبِعُهُم﴾: العامَّةُ على رَفْعِ العَينِ
استئنافاً أي: ثم نحن نُشْبِعُهم، كذا قَدَّره أبو البقاء(٤). وقال: ((وليس
بمعطوفٍ؛ لأنَّ العَطْفَ يوجِبُ أَنْ يكونَ المعنى: أَهْلَكْنا الأوَّلِيْن، ثم
أَتْبَعْنَاهِم الآخِرِين في الهلاكِ. وليس كذلكَ؛ لأنَّ هلاكَ الآخرين لم يَقَعْ
بعدُ». قلت: ولا حاجةَ في وجهِ الاستئنافِ إلى تقديرِ مبتدأ قبلَ الفعل،
بل يُجْعَلُ الفعلُ معطوفاً على مجموع الجملةِ من قولِه: ((ألم نُهْلِك»،
ويَدُلُّ على هذا الاستئنافِ قراءةُ(٥) عبدِ الله (ثم سَنُتْبِعُهم)) بسينِ التنفيسِ.
(١) البحر ٨/ ٤٠٥.
(٢) الكشاف ٤/ ٢٠٣
(٣)
تقدم برقم ٣١٧٤:
(٤) الإملاء ٢٧٨/٢.
(٥) انظر في قراءاتها: الشواذ ١٦٧، والبحر ٤٠٥/٨، والقرطبي ١٥٩/١٩،
والمحتسب ٣٤٦/٢،.
٦٣٤

- المرسلات -
وقرأ الأعرجُ والعباسُ عن أبي عمروٍ بتسكينِها(١). وفيها وجهان،
أحدُهما: أنه تسكينٌ للمرفوع فهو مستأنف كالمرفوع لفظاً. والثاني: أنَّه
معطوفٌ (٢) على مجزومٍ. وَالمَعْنِيُّ بالآخِرين حينئذٍ قومُ شُعَيْبٍ ولوطٍ
وموسى، وبالأوَّلِيْنَ قومُ نوحٍ وعادٍ وثمودَ.
آ. (١٨) قوله: ﴿كذلك نَفْعَلُ﴾: أي: مثلَ ذلك الفعلِ
الشَّنيعِ نَفْعَلُ بكلُ مَنْ أَجْرَمَ.
آ. (٢٣) قوله: ﴿فَقَدَرْنا﴾: قرأ(٣) نافعٌ والكسائيُّ بالتشديد
من التقدير، وهو موافِقٌ لقولِه: ((مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَه فقدَّره))(٤) والباقون
بالتخفيف من القُدرة. ويَدُلُّ عليه قولُه: ((فِنِعْمَ القادِرون)). ويجوز أَنْ
يكونَ المعنىُ على القراءة الأولى: فنِعْمَ القادرون على تقديرِه، وإن
جُعِلت ((القادِرون)) بمعنى ((المُقَدِّرُون)) كان جَمْعاً بين اللفظَيْنِ، ومعناهما
واحدٌ، ومنه قوله تعالى: ((فَمَهِّلِ الكافرين أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدَا))(٥) وقولُ
الأعشى(٦):
٤٤٥٦- وأَنْكَرَتْني وما كان الذي نَكِرَتْ
من الحوادث إلاَّ الشَّيْبَ والصَّلعَا
(١) نُتُبِعْهُمْ.
(٢) مطموس في الأصل، أثبتناه من ( ش).
(٣) السبعة ٦٦٦، والنشر ٣٩٧/٢، والبحر ٤٠٦/٨، والحجة ٧٤٣، والتيسير
٢١٨، والقرطبي ١٦٠/١٩.
(٤) الآية ١٩ من عبس.
(٥) الآية ١٧ من الطارق.
(٦) تقدم برقم ٢٦٧٨ .
٦٣٥

- المرسلات -
آ. (٢٥) قوله: ﴿كِفاتاً﴾: الكِفاتُ: اسمٌ للوِعاءِ الذي یُكْفَتُ
فيه أي: يُجْمَعُ، قاله أبو عبيدة(١). يقال: كَفَتَهَ يَكْفِتُه أي: جَمَعَهُ وضَمَّه.
وفي الحديث ((اكْفِتُوا صِبْيانَكم))(٢) وقال الصمصامة بن الطُّرِمَّاح(٣):
٤٤٥٧- وأنتَ اليوم فوقَ الأرضِ حَيّاً
وأنتَ غداً تَضُتُّك في كِفاتِ
وقيل: الكِفاتُ اسمٌ لِمَا يَكْفِتُ كالضُّمام والجِماع. يقال: هذا البابُ
جِماعُ الأبوابِ. وفي انتصابِهِ وجهان، أحدُهما: أنه مفعولٌ ثانٍ لـ «نَجْعَلْ))
لأنَّها للتصيير. والثاني: أنَّه منصوبٌ على الحالِ من ((الأرضَ))، والمفعولُ
[٨٩٧/ ب] الثاني ((أحياءً وأمواتاً) بمعنى: ألم نُصَيِّرْها/ أحياءً بالنَّبات وأمواتاً بغير
نباتٍ أي: بعضُها كذا، وبعضُها كذا. وقيل: كِفاتٌ جمعُ كَافِتِ كَصِيامٍ
وقِيامٍ في جمعٍ صائمٍ وقائمٍ. وقيل: بل هو مصدرٌ كالكتابِ والحسابِ.
آ. (٢٦) قوله: ﴿أحياءً﴾: فيه أوجهٌ، أحدها: أنَّه منصوبٌ
بـ كِفات، قاله مكي(٤)، والزمخشريُّ(٥) وبدأ به، بعد أن جَعلَ ((كِفاتاً))
اسمَ ما يَكْفِتُ كقولهم: الضُّمام والجِماع، وهذا يمنعُ أَنْ يكونَ ((كِفاتً»
ناصباً لـ «أحياءً)) لأنه ليس من الأسماءِ العاملةِ، وكذلك إذا جَعَلْناه بمعنى
(١) المجاز ٢٨١/٢.
(٢) رواه البخاري في كتاب بدء الخلق ٥٩، باب ١٦ إذا وقع الذباب. الفتح
٤٠٩/٦.
(٣) القرطبي ١٦١/١٩، والماوردي ٣٨٠/٤.
(٤) إعراب المشكل ٤٤٧/٢ وعبارته: ((أي تكفت الأحياء والأموات، أي: تضمهم
أحياء على ظهرها، وأمواتاً على بطنها».
(٥) الكشاف ٤/ ٢٠٣.
٦٣٦

- المرسلات -
الوِعاء، على قول أبي عبيدةً، فإنه لا يعملُ أيضاً، وقد نصَّ النحاةُ على
أنَّ أسماءَ الأمكنة والأزمنةِ والآلات، وإنْ كانَتْ مشتقةً جاريةً على الأفعالِ
لا تعملُ، نحو: مَرْمى ومِنْجل، وفي اسم المصدرِ خلافٌ مشهورٌ، ولكنْ
إنما يتمشَّىُ نصبُهما بكِفات على قولِ أبي البقاء(١)، فإنَّه لم يُجَوِّزْ إلَّ أَنْ
يكونَ جمعاً لاسمٍ فاعلٍ، أو مصدراً، وكلاهما من الأسماءِ العاملة.
الوجه الثاني: أَنْ ينتصِبَ بفعلٍ مقدرٍ يَدُلُّ عليه ((كِفات)) أي:
يَكْفِتُهم أحياءَ على ظهرِها، وأمواتاً في بَطْنِها، وبه ثنَّى الزمخشري (٢).
الثالث: أن يَنْتَصِبا على الحالِ من ((الأرضَ)) على حَذْفِ مضافٍ
أي: ذاتَ أحياءٍ وأموات.
الرابع: أَنْ يَنْتَصِبا على الحالِ مِنْ محذوفٍ أي: تَكْفِتُكم أحياءً
وأمواتاً؛ لأنَّه قد عُلِمَ أنَّها كِفاتٌ للإِنسِ، قاله الزمخشريُّ(٣)، وإليه نحا
مكيُّ(٤)؛ إلَّ أَنَّه قَدَّره غائباً أي: تَجْمعهم الأرضُ في هاتَيْن الحالتَيْن.
الخامس: أَنْ ينتصِبا مفعولاً ثانياً لـ ((نَجْعل)) وكِفاتاً حالٌ كما تقدَّم
تقريرُه. وتنكيرُ «أحياءَ وأمواتاً)): إمَّا للتَّفْخيم أي: تَجْمَعُ أحياءً لا يُقَدَّرُون
وأمواتاً لا يُحْصَوْن، وإِمَّا للتبعيضِ؛ لأنَّ أحياءَ الإِنس وأمواتَهم ليسوا
بجميع الأحياءِ ولا الأمواتِ، وكذلك التنكيرُ في ((مَاءً فُراتاً» يحتمل
المعنَيْنِ أيضاً: أمَّا التفخيم فواضِحٌ لِعِظَمِ المِنَّةِ به عليهم، وأمَّا التبعيضُ
(١) الإملاء ٢٧٨/٢، قال: ((جمع كافت مثل صائم وصيام، وقيل: هو مصدر مثل
كتاب وحساب والتقدير: ذات كَفْت أي جَمْع)».
(٢) الكشاف ٢٠٤/٤.
(٣) الكشاف ٤/ ٢٠٤.
(٤) إعراب المشكل ٤٤٧/٢.
٦٣٧

- المرسلات -
فكقولِه تعالى: ((ونُتَزِّلُ مِن السماءِ مِنْ جبالٍ فيها مِنْ بَرَدِ)) (١) فهذا مُفْهِمٌ
للتبعيضٍ، والقرآنُ يُفَسِّرُ بعضُه بعضاً.
والشَّامخاتُ: جمعُ ((شامِخ))، وهو المرتفعُ جداً ومنه: ((شَمَخَ بَأَنْفِه)»
إذا تكبّر، جُعِل كِنايةً عن ذلك كثَنْي العِطْفِ(٢) وصَعْرِ الخَدِّ، وإنْ
لم يخصُل شيءٌ من ذلك.
آ. (٢٩) قوله: ﴿انْطَلِقوا﴾: أي: يُقال لهم ذلك. وقرأ
العامَّةُ (انطَلِقوا)) الثاني كالأول بصيغةِ الأمرِ على التأكيد. ورُوَيْسٌ(٣) عن
يعقوب ((انطلَقوا)) بفتح اللام فعلاً ماضياً على الخبرِ أي: لَمَّا أُمِرُوا امْتَئِلوا
ذلك. وهذا موضعُ الفاءِ فكان يَنْبغي أَنْ يكونَ التركيبُ: فانطَلَقوا نحو
قولك: قلت اذهب فذهب، وعَدَمُ الفاءِ هنا ليس بالواضحِ.
آ. (٣١) قوله: ﴿لا ظَليلِ﴾: صفةٌ لـ ظلِّ)) و ((لا)» تتوسّطُ بين
الصفةِ والموصوفِ لإِفادةِ النفي، وجيْءَ بالصفةِ الأولى اسماً، وبالثانية .
فعلاً، دلالةٌ على نَفْي ثبوتِ هذه الصفةِ واستقرارِها للظلِّ، ونَفْي التجدُّدِ
والحدوثِ للإِغْناءِ عن اللهب.
آ. (٣٢) قوله: ﴿إِنَّها﴾: أي: إنَّ جهنّم؛ لأنَّ السياقَ كلَّه
لأجلها. وقرأ العامَّةُ: ((بشَرَرِ)) بفتح الشينِ وعَدَمِ الألفِ بين الراءَيْن.
وورش (٤) يُرَقِّقُ الراءُّ الأولى لكسرِ التي بعدها. وقرأ ابن عباس وابن مقسم
(١) الآية ٤٣ من النور.
(٢) ثني العطف: الإِغراض.
(٣) النشر ٣٩٧/٢، والبحر ٤٠٦/٨، والإتحاف ٥٨١/٢.
:
(٤) انظر في قراءاتها: الإتحاف ٢/ ٥٨١، والبحر ٤٠٧/٨، والمحرر ٢٠٢/١٦.
٦٣٨

- المرسلات -
بكسرِ الشين وألفٍ بين الراءَيْنِ. وعيسى كذلك، إلاَّ أنَّه فتح الشين.
فقراءةُ ابنِ عباس(١) يجوزُ أَنْ تكونَ جمعاً لشَرَرَة، وفَعَلة تُجْمَعُ على فِعال
نحو: رَقَبَة ورِقاب ورَحَبة(٢) ورِحاب، وأَنْ تكونَ جمعاً لشَرُّ، لا يُرادبه
أَفْعَلُ التفضيلِ. يقال: رجلٌ شَرِّ ورجالٌ شِرارٌ، ورجلٌ خيرٌ ورجالٌ خِيار،
ويؤنثان فيقال: امرأة شَرَّةٌ، وامرأةٌ خَيْرَةٌ. فإن أُريد بهما التفضيلُ امتنعَ
ذلك فيهما، واختصًّا بأحكام مذكورةٍ في كتبٍ النخويين أي: ترمي بشِرارٍ
من العذابِ أو بشِرار من الخَّلْقِ.
وأمَّا قراءة عيسىُ(٣)/ فهي جمعُ شَرارَةٍ بالألفِ وهي لغةٌ تميم. [١/٨٩٨]
والشَّرَرَةُ والشَّرارَةِ: ما تطايَرَ من النارِ متفرِّقاً.
قوله: ((كالقَصْرِ)) العامَّةُ على فتح القافِ وسكونِ الصادِ، وهو القَصْرُ
المعروف، شُبُّهَتْ به في كِبَرِهِ وعِظَمِه. وابن (٤) عباس وتلميذاه ابن جُبَيْر
وابنُ جَبْر(٥)، والحسن، بفتح القافِ والصادِ، وهي جمعُ قَصَرة بالفتح
والقَصَرَةُ: أَعْناقُ الإِبلِ والنخلِ، وأصولُ الشجرِ. وقرأ ابن جبير والحسن
أيضاً بكسرِ القافِ وفتح الصاد جمعَ ((قَصَرة)) يعني بفتح القافِ. قال
الزمخشريُّ(٦): ((كحاجةٍ وحِوَج)) وقال الشيخ (٧): ((كحَلَقة(٨) من الحديد
(١) شرار.
(٢) الرَّحَبة: الأرض الواسعة، بسكون الحاء وفتحها.
(٣) (شَرار)).
(٤) انظر في قراءاتها: المحتسب ٤٤٦/٢، والقرطبي ١٦٤/١٩، والبحر ٤٠٧/٨.
(٥) وهو الإِمام مجاهد.
(٦) الكشاف ٤/ ٢٠٤.
(٧) البحر ٤٠٣/٨.
(٨) في ضبط هذه اللفظة قال أبو عبيد - كما في اللسان (حلق) - ((أختار في حَلَقَة
الحديد فتح اللام ويجوز الجزم، وأختار في حَلْقة القوم الجزم ويجوز التثقيل».
٦٣٩

- المرسلات -
وحِلَق)). وقُرىء ((كالقَصِرِ)) بفتح القاف وكسرِ الصادِ، ولم أَرَ لها توجيهاً.
ويظهرُ أنَّ ذلك مِنْ بابِ الإِتباعِ، والأصلُ: كالقَصْرِ بسكونِ الصادِ، ثم
أتبعَ الصادَ حركةَ الرَاءِ فكسَرهاَ، وإذا كانوا قد فَعَلُوا ذلك في المشغولِ
بحركة نحو: كَثِفِ وكَبِد، فلَأَّنْ يَفْعلوه في الخالي منها أَوْلَى. ويجوزُ أَنْ
يكونَ ذلك للنقل بمعنى: أنه وَقَفَ على الكلمةِ فَتَقَل كسرةَ الراءِ إلى
الساكنِ قبلَها، ثم أَجْرَى الوَصْلَ مُجْرَى الوقفِ، وهو بابٌ شائعٌ عند
القُرَّاءِ والنحاة. وقرأ عبدُ الله بضمِّهما. وفيها وجهان، أحدُهما: أنَّه جمعُ
قَصْرٍ كرَهْن وَرُهُن، قاله الزمخشريُّ(١). والثاني: أنَّه مقصورٌ مِن قُصور
كقوله(٢):
٤٤٥٨- فيها عيائِيْلُ أُسودٍ ونُمُرْ
يريد: ونُمور. فقصَر. وكقوله: ((النُّجُم)) يريد النجوم. وتخريجُ
الزمخشريُّ أَوْلَى؛ لأنَّ محلّ الثاني: إمَّا الضرورةُ، وإمَّا النُّدُور.
آ. (٣٣) قوله: ﴿جمالَةٌ﴾: قرأ(٣) الأخوَان وحَفْصٌ جِمالَةٌ)».
والباقون ((جمالات)). فالجمالَةُ فيها وجهان، أحدُهما: أنَّها جمعٌ صريحٌ،
والتاءُ التأنيثِ الجمعِ. يُقال: جَمَلٌ وجِمال وجِمالَة نحو: ذَكَر وذِكار
وذِكارة، وحَجَر وحِجارة. والثاني: أنه اسمُ جمع كالذُّكارة والحِجارة،
(١) الكشاف ٤/ ٢٠٤
(٢) تقدم برقم ١٩٣٩
(٣) أنظر في قراءاتها: السبعة ٦٦٦، والبحر ٤٠٧/٨، والقرطبي : ١٦٥/١٩،
والتيسير ٢١٨، والحجة: ٧٤٤، والنشر ٣٩٧/٢، والمحتسب ٣٤٧/٢، والشواذ
٠١٦٧
٦٤٠