Indexed OCR Text
Pages 261-280
سورة المجادلة بسم الله الرحمن الرحيم آ. (١) قوله: ﴿قد سَمِعَ﴾: ((قد)) هنا للتوقُّع. قال الزمخشري(١): ((لأنه عليه السلام والمجادِلَةَ كانا يتوقعان أن يَسمعَ الله مجادلتَها وشكواها، ويُتَزِّلَ في ذلك ما يُفَرِّجُ عنها. وإظهارُ الدالِ عند السينِ قراءةُ الجماعة إلاَّ أبا عمروٍ (٢) والأخوين. ويُنْقَلُ عن الكسائي أنه قال: ((مَنْ بَيِّنَ الدالَ عند السين فلساتُه أعجميٌّ وليس بعربي» وهذا غيرُ مُعَرَّجٍ عليه. و((في زَوْجِها)) أي في شأنِه من ظِهارِه إياها. قوله: ((وتَشْتكي إلى الله)) يجوزُ فيه وجهان، أظهرُهما: أنها عطفٌ على ((تُجادِلُك)) فهي صلةٌ أيضاً. والثاني: أنَّها في موضع نصبٍ على الحالِ أي: تجادِلُك شاكيةً حالَها إلى اللّهِ، وكذا الجملةُ مِنْ قولِه: ((والله يَسْمَعُ تَحاوُرَكما)) والحاليةُ فيها أَبْعَدُ. / [٨٤٥/ ب] آ. (٢) قوله: ﴿الذين يُظاهِرُون﴾: قد تقدَّم الخلافُ في (يُظَاهِرون)) في سورةِ الأحزاب (٣) وكذا في ((اللائي))(٤) فَأَغْنَى عن إعادتِهِ (١) الكشاف ٤/ ٧٠. (٢) الإتحاف ٥٢٥/٢، والنشر ٤٠٣/٢، والقرطبي ٢٧٢/١٧، والبحر ٢٣٢/٨. (٣) الآية ٤ من الأحزاب. وانظر: السبعة ٥١٩. (٤) الآية ٤ من الأحزاب. وانظر: السبعة ٥١٩. ٢٦١ - المجادلة - هنا وأُبي(١) هنا (يَتَظاهَرُون)) وعنه أيضاً (يَتَظَهَّرُوْن)). وفي ((الذين). وجهان، أحدهما: أنه مبتدأٌ، وخبرُه قولُه: ((ما هُنَّ أمّهاتِهم)). والثاني: أنَّه منصوبٌ بـ ((بصير)) على مذهبٍ سيبويهِ(٢) في جوازٍ إعمالِ فَعيل، قاله مكي (٣)، يعني أنَّ سيبويه يُعْمل فعيلاً من أمثلةِ المبالغةِ، وهو مذهبٌ مَطْعونٌ فيه على سيبويهِ؛ لأنه استدلَّ على إعمالِه بقولِ الشاعر (٤): ٤٢٣٨- حتى شاها كَليلٌ مَوْهِناً عَمِلٌ باتَتْ طِراباً وبات الليلَ لم يَنَمِ ورُدَّ عليه: بأنَّ ((مَوْهِناً) ظرفُ زمانٍ، والظروفُ تعملُ فيها روائحُ الأفعالِ. وللكلام في المسألةِ موضعٌ هو أليقُ به مِنْ هنا ولكنَّ المعنى: يأبى ما قاله مكيّ. وقرأ العامَّةُ: ((أمَّهاتِهم)) بالنصب على اللغة الحجازية الفصحى كقوله: ((ما هذا بَشَراً»(٥) وعاصم(٦) في روايةٍ (٧) بالرفع على اللغةِ (١) انظر في قراءاتها: البحر ٢٣٢/٨، والسبعة ٦٢٨، والنشر ٣٨٥/٢، والحجة ٧٠٣، والتيسير ٢٠٨. (٢) الكتاب ٥٨/١ - ٥٩. (٣) إعراب المشكل ٣٦٢/٢. (٤) البيت لساعدة بن جُؤَيَّة. وهو في ديوان الهذليين ١٩٨/١، والكتاب ٥٨/١، واللسان (شأي). وشآها: ساقها وأزعجها من موضعها. والموهن: وقت من .الليل. وكليل أي: إن البرق ضعيف الهبوب. والعَمِل: کثیر العمل فالحمار والأتن نظرت إلى بَرْق مُنْبىء بالغيث فطربت للبرق وانساقت إليه في أماكنه: واستمر البرق في لمعانه. (٥) الآية ٣١ من يوسف. (٦) انظر في قراءاتها: السبعة ٦٢٨، والبحر ٢٣٢/٨، والقرطبي ٢٧٩/١٧. (٧) في رواية المفضل. ٢٦٢ - المجادلة - التميميةِ، وإنْ كانَتْ هي القياسَ لعدمِ اختصاصٍ الحرفِ (١). وقرأ عبدُ الله ((أمَّهاتهم)) بزيادة الباءِ، وهي تحتمل اللغتين. وقال الزمخشري (٢): (وزيادةُ الباء في لغة مَنْ ينصِبُ)). قلت: هذا هو مذهبُ أبي علي، يرى أنَّ الباءَ لا تُزاد إلاَّ إذا كانَتْ ((ما)) عاملةً فلا تُزاد في التميمية ولا في الحجازيةِ إذا مَنَعَ مِنْ عملها مانعٌ نحو: ((ما إنْ زيدٌ بقائم)). وهذا مردودٌ بقولِ الفرزدق وهو تميمي(٣): ٤٢٣٩- لَعَمْرُكْ ما مَعْنٌ بتارِكِ حقُّه ولا مُنْسِىءٌ مَعْنٌ ولا مُتَسُرُ وبقول الآخر (٤): ٤٢٤٠ - لَعَمْرُك ما إنْ أبو مالكِ بواهٍ ولا بضعيفٍ قِواهْ فزادها مع ((ما)) الواقع بعدها ((إنْ)). قوله: ((مُنْكَراً من القولِ وزُوراً)) نعتان لمصدر محذوف أي: قولاً منكراً، وزوراً (٥) أي: كذباً وبُهْتاناً قاله مكي(٦) وفيه نظرٌ؛ إذ يصيرُ (١) أي لأن الحرف المختص عادة بالأسماء نحو إنَّ، أو بالأفعال نحو لن، هو الذي يعمل: أما ((ما)) فلا تختص فالقياس أن لا تعمل. (٢) الكشاف ٢/ ٧٠. (٣) تقدم برقم ١٧٠ . (٤) البيت للمتنخل الهذلي، وهو في ديوان الهذليين ٢٩/٢، والهمع ١٢٧/١، والدرر ١/ ١٠٠. (٥) المشكل: ((وقولاً زوراً)). (٦) إعراب المشكل ٣٦٣/٢. ٢٦٣ - المجادلة - التقدير: ليقولون قولاً منكراً من القول، فيصير قولُه ((من القول)) لا فائدةَ فيه .. والأَوْلَى أَنْ يُقال: نعتان لمفعولٍ محذوفٍ لفهم المعنى أي: ليقولُونَ شيئاً مُنْكراً من القولِ لتفيدَ الصفةُ غيرَ ما أفاده الموصوفُ. آ. (٣) قوله: ﴿والذين يُظاهِرُون﴾: مبتدأ. وقولُه: (فتحريرُ رقبةٍ)) مبتدأٌ، وخبرُه مقدرٌ أي: فعليهم. أو فاعلٌ بفعلٍ مقدرٍ أي: فيلزَمُهم تحريرُ، أو خبرُ مبتدأ مضمرٍ أي: فالواجبُ علیھم تحریرُ. وعلى التقادير الثلاثةِ فالجملةُ خبرُ المبتدأ، ودخلَتِ الفاءُ لِما تضَمَّنه المبتدأُ مِنْ معنى الشرط . قوله: ((لِمَا قالوا)) في هذه اللام أوجهٌ، أحدُها: أنَّها متعلقةٌ بـ ((يعودون)). وفيه معانٍ، أحدُها: والذين مِنْ عادتِهم أنهم كانوا يقولون هذا القولَ في الجاهليةِ، ثم يعودُون لمثلِه في الإسلام. الثاني: ثم يتداركون ما قالوا؛ لأن المتدارِكَ للأمرِ عائدٌ إليه ومنه: ((عادَ غِيثٌ على ما أفسَد))(١) أي: تداركه بالإصلاح. والمعنى: أنَّ تدارُّكَ هذا القولِ: وتلافيَه، بأَنْ يكفِّر حتى ترجعَ حالُهما كما كانت قبل الظُّهار. الثالث: أَنْ يُرادَ بما قالوا ما حَرَّموه على أنفسِهِم بلفظِ الظُّهار، تنزيلاً للقولِ منزلةً المقولِ فيه نحو ما ذُكِر في قولِه تعالى: ((ونَرِثُه ما يُقول))(٢) والمعنى: ثم يريدون العَوْدَ للَّمَاسِّ، قال ذلك الزمخشريُّ(٣). قلت: وهذا الثالثُ هو معنى ما رُوِي عن مالك والحسن والزهري: ثم يعودون الوَطْء أي: يعودون لِما قالوا إنهم لا يعودون إليه، فإذا ظاهَرَ ثم وَطِىء لَزِمَتْه الكفارةُ: (١) مثل عربي. انظر: مجمع الأمثال ١٨/٢. (٢) الآية ٨٠ من مريم . : (٣) الكشاف ٤/ ٧٠ - ٧١. ٢٦٤ - المجادلة - عند هؤلاء. الرابع: «لما قالوا)) أي: يقولونه ثانياً فلو قال: «أنتِ عليَّ كظهر أمِّي)» مرةً واحدةً لم يَلْزَمْه كفَّارةٌ؛ لأنه لم يَعُدْ لِما قال. وهذا منقولٌ عن بُكَيْرِ بنِ عبد الله الأشجِّ(١) وأبي حنيفةً وأبي العالية والفراء(٢) في آخرين، وهو مذهبُ الفقهاءِ الظاهريين. الخامس: أن المعنى: أَنْ يَعْزِمَ على إمساكِها فلا يُطَلِّقَها بعد الظُّهار، حتى يمضيَ زمنٌ يمكنُ أَنْ يطلِّقَها فيه، فهذا هو العوْدَ لِما قال، وهو مذهبُ الشافعيِّ ومالك وأبي حنيفةً أيضاً. وقال: / العَوْدُ هنا ليس تكريرَ القولِ، بل بمعنى العَزْمِ على [١/٨٤٦] الوَطْءِ. وقال مكي (٣): ((اللامُ متعلقةٌ بـ ((يعودون)) أي: يعودون لوَطْءٍ المقولِ فيه الظهارُ، وهُنَّ الأزواجُ، فـ ((ما)) والفعلُ مصدرٌ أي: لمقولهم، والمصدرُ في موضع المفعولِ به نحو: ((هذا دِرْهَمٌ ضَرْبُ الأمير)» أي: مَضْرُوبُه، فيصير معنى ((لقولهم) للمقولِ فيه الظُّهارُ أي: لَوَطْئِه)). قلت: وهذا معنى قولِ الزمخشريِّ في الوجه الثالث الذي تَقَدَّم تقريرُه عن الحسنِ والزهري ومالك، إلاَّ أنَّ مكيّاً قَيَّد ذلك بكونِ ((ما) مصدريةً حتى يقعَ المصدرُ الموؤلُ موضعَ اسمٍ مفعول. وفيه نظرٌ؛ إذ يجوز ذلك، وإنْ كانت ((ما)) غيرَ مصدرية، لكونها بمعنى الذي أو نكرةً موصوفةً، بل جَعْلُها غيرَ مصدريةٍ أَوْلَىُ؛ لأن المصدرَ المؤولَ فرعُ المصدرِ الصريحِ، إذ الصريحُ أصلٌ للمؤول به (١) بكير بن عبد الله بن الأشج، أبو عبد الله القرشي، من صغار التابعين. روى عنه يزيد بن أبي حبيب. قال عنه أحمد بن حنبل: ثقة صالح. توفي سنة ١٢٧ . انظر: سير الأعلام ٦/ ١٧٠. (٢) معاني القرآن له ١٣٩/٣. (٣) إعراب المشكل ٣٦٣/٢. ٢٦٥ - المجادلة - ووَضْعُ المصدرِ موضعَ اسم المفعولِ خلافُ الأصلِ، فيلزمُ الخروجُ عن الأصل بشيئين: بالمصدرِ المؤولِ ثم وقوعِه موقعَ اسم المفعول، والمحفوظُ من لسانِهِم إنما هو وَضْعُ المصدرِ الصريح موضعَ المفعولِ لا المصدرِ المؤولِ فاعرِفْه. لا يُقال: إنَّ جَعْلَها غيرَ مصدريةٍ يُخْوِجُ إلى تقديرِ حذفِ مضافٍ ليصِحَّ المعنى به أي: يعودون لوَطْءِ التي ظاهَرَ منها، أو امرأةٍ ظاهَرَ منها، أو يعودون لإِمساكِها، والأصلُ عدمُ الحذفِ؛ لأن هذا مشتركُ الإِلزامِ لنا ولكم، فإنكم تقولون أيضاً: لا بُدَّ مِنْ تقديرِ مضافٍ أي: يعودون لوَطْءٍ أو لإِمساكِ المقولِ فيه الظُّهارُ. ويدل على جوازِ کَوْنِ ((ما)) في هذا الوجهِ غيرَ مصدريةٍ ما أشار إليه أبو البقاء(١)، فإنه قال: (يتعلَّقُ بـ ((يعودون) بمعنى: يعودون للمقول فيه. هذا إنْ جَعَلْتَ ((ما)) مصدريةً، ويجوز أَنْ تجعلَها بمعنى الذي ونكرةً موصوفةً». .. الثاني: أنَّ اللامَ تتعلَّقُ بـ ((تحرير)). وفي الكلامَ تقديمٌ وتأخيرٌ. والتقدير: والذين يُظاهرون مِنْ نِسائِهم فعليهم تحريرُ رقبةٍ؛ لِما نَطقوا به من الظُّهار ثم يعودُون للوَطْءِ بعد ذلك. وهذا ما نقله مكيّ (٢) وغيرُه عن أبي الحسن الأخفش(٣). قال الشيخ(٤): ((وليس بشيءٍ لأنه يُفْسِدُ نَظْمَ الآية)). وفيه نظرٌ. لا نُسَلِّم فسادَ النظم مع دلالةِ المعنى على التقديم والتأخير، ولكنْ نُسَلِّم أنَّ ادعاءَ التقديم والتأخيرِ لا حاجةً إليه؛ لأنه خلافُ الأصل. (١) الإملاء ٢٥٧/٢. (٢) إعراب المشكل ٣٦٣/٢. (٣) مذهبه في ((معاني القرآن)» غير ذلك فقد علقها بـ يعودون قال: «ثم يعودون لما قالوا أن لا نفعله فيفعلونه، هذا الظهار)). معاني القرآن ٢/ ٤٩٦. (٤) البحر ٨/ ٢٣٣. ٢٦٦ - المجادلة - الثالث: أن اللامَ بمعنى ((إلى)). الرابع: أنها بمعنى ((في)) نَقَلهما أبو البقاء(١)، وهما ضعيفان جداً، ومع ذلك فهي متعلِّقَةٌ بـ ((يَعُودون)). الخامس: أنها متعلُّقةٌ بـ ((يقولون)). قال مكي(٢): ((وقال قتادةُ: ثم يعودون لِما قالوا من التحريم فيُحِلُّونه، فاللامُ على هذا تتعلَّقُ بـ يقولون))(٣). قلتُ: ولا أدري ما هذا الذي قاله مكي، وكيف فَهم تعلُّقَها بـ (يقولون)) على تفسيرٍ قتادةَ، بل تفسيرُ قتادةَ نصٌّ في تعلُّقِها بـ (ایعودون)»، ولیس لتعلُّقها بـ ((يقولون)» وجهُ. آ. (٤) قوله: ﴿فصيامُ﴾ و ((فإطعامُ)) كقولِه: ((فتحريرُ))(٤) في ثلاثة الأوجهِ المتقدمةِ. و((مِنْ قبلِ)) متعلُّقُ بالفعل أو الاستقرارِ المتقدِّم أي: فيلزَمُّه تحريرُ أو صيام، أو فعليه كذا مِنْ قبلِ تَماسِّهما. والضميرُ في (يتماسًا)) للمُظاهِرِ والمُظاهَرِ منها لدلالةِ ما تقدَّم عليهما. آ. (٦) قوله: ﴿يومَ يَبْعَثُهم﴾: فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه منصوبٌ بـ ((عذابٌ مُّهينٌ)). الثاني: أنه منصوبٌ بفعلٍ مقدرٍ. فقدَّره أبو البقاء(٥) ((يُهانون أو يُعَذَّبون(٦)، أو استقرَّ لهم ذلك يومَ يَبْعَثهم)). وقَدَّره الزمخشري(٧) بـ اذْكُرْ قال: ((تعظيماً لليوم)). الثالث: أنه منصوبٌ (١) الإملاء ٢٥٧/٢. (٢) إعراب المشكل ٣٦٤/٢. (٣) في مطبوعة مكي: ((متعلقة بـ يعودون)) وعلى هذا فلا محلَّ لإشكال المؤلف. (٤) الآية ٣ قبلها. (٥) الإملاء ٢/ ٢٥٧. (٦) الإملاء: ((واستقر). (٧) الكشاف ٤/ ٧٣. ٢٦٧ - المجادلة - بـ ((لهم))، قاله الزمخشري(١). أي: بالاستقرار الذي تَضَمَّنه لوقوعِه خبراً. الرابع: أنه منصوبٌ بـ ((أَحْصاه)) قاله أبو البقاء(٢). وفيه قَلَقٌ؛ لأنَّ الضميرَ في ((أحْصاه) يعود على ما عَمِلوا. آ. (٧) قوله: ﴿ما يَكُون مِنْ نَجْوى﴾: ((يكونُ)» تامةٌ و أمن نَجْوى)) فاعلُها. و((مِنْ)) مزيدةٌ فيه. ونجوى في الأصل مصدرٌ فيجوزُ أَنْ يكونَ باقياً على أصلِهِ، ويكون مضافاً لفاعِله، أي: ما يوجَدُ مِنْ تناجي ثلاثةٍ. ويجوز أَنْ يَكونَ على حَذْفِ مضافٍ أي: مِنْ ذوي نَجْوى. ويجوزُ أَنْ يكونَ أطلق على الأشخاصِ المتناجينِ مبالغةً، فعلى هذَيْنَ الوجهَيْنِ: ينخفضُ ((ثلاثة)) على أحدٍ وجْهَين: إِمَّا البدلِ مِنْ ذوي المحذوفة، وإمَّا الوصفِ لها على التقدير الثاني، وإمَّ البدلِ أو الصفةِ لـ «نَجْوَى)) على التقدير الثالث. وقرأ(٣) ابن أبي عبلة ((ثلاثةً)) و((خمسةً)) نصباً على الحال. وفي صاحبها وجهان، أحدهما: أنه محذوفٌ مع رافعِه، تقديرُه: يتناجون [٨٤٦/ ب] ثلاثةً، وحُذف لدلالةِ («نجوى)) عليه. والثاني: أنه الضميرُ المستكِنُّ / في: (نجوى)) إذا جَعَلْناها بمعنى المتناجِين، قاله الزمخشريُّ (٤). قال مكي (٥): (يجوز في الكلام رَفْعُ ((ثلاثة)) على البدل مِنْ موضع ((نَجْوِى))، لأنَّ موضعَها رفعٌ و((مِنْ)) زائدةٌ، ولو نصَبْتَ ((ثلاثة)) على الحال من الضمير (١) الكشاف ٤/ ٧٣ (٢) الإملاء ٢٥٧/٢. (٣) القرطبي ٢٨٩/١٧، والبحر ٢٣٥/٨. (٤) الكشاف ٤/ ٧٣. (٥) إعراب المشكل ٣٦٤/٢. ٢٦٨ - المجادلة - المرفوع (١) إذا جَعَلْتَ ((نجوى)) بمعنى المتناجين جازَ في الكلام». قلت: أمَّا الرفعُ فلم يُقْرَأْ به فيما عَلِمْتُ، وهو جائزٌ في غير القرآن كما قال. وأمَّا النصبُ فقد عَرَفْتَ مَنْ قرأ به فكأنَّه لم يَطَّلِعْ علیه. قوله: ((إلَّ هو رابِعُهم)) ((إلاَّ هو خامسُهم)) ((إلَّ هو معهم)) كلُّ هذه الجملِ بعد ((إلَّ) في موضعٍ نصبٍ على الحالِ أي: ما يوجَدُ شَيْءٌ من هذه الأشياءِ إلَّ في حالٍ مِنْ هذه الأحوالِ، فالاستثناءُ مفرٌَّ من الأحوال العامة(٢). وقرأ أبو جعفر: ((ما تكونُ)) بتاء التأنيث لتأنيث النجوى. قال أبو الفضل: إلاَّ أنَّ الأكثرَ في هذا البابِ التذكيرُ على ما في العامة؛ لأنه مُسْنَدٌ إلى ((مِنْ نجوى))، وهو اسمُ جنسٍ مذكرٌ. قوله: ((ولا أكثرَ)) العامَّةُ على الجرِّ عطفاً على لفظ ((نجوى)). وقرأ(٣) الحسن والأعمش وابن أبي إسحاق وأبو حيوة ويعقوبُ ((ولا أكثرُ)) بالرفع. وفيه وجهان، أحدُهما: أنه معطوفٌ على موضع ((نَجْوى)) لأنه مرفوعٌ، و((مِنْ)) مزيدةٌ فيه. فإن كان مصدراً كان على حَذْفِ مضافٍ كما تقدَّم أي: مِنْ ذوي نجوى، وإن كان بمعنى المتناجِين فلا حاجةً إلى ذلك. والثاني: أن يكونَ ((أَدْنى)) مبتدأ، و((إلاَّ هو معهم)) خبرُه، فيكون ((ولا أكثرُ)) عطفاً على المبتدأ، وحينئذ يكون ((ولا أَدْنَى)) من باب عطفٍ الجملِ لا المفرداتِ. (١) قال: ((في نجوى». (٢) الإتحاف ٥٢٦/٢، والنشر ٣٨٥/٢، والبحر ٢٣٤/٨، والقرطبي ٢٧٩/١٧، والمحتسب ٣١٥/٢. (٣) انظر في قراءاتها: الإتحاف ٥٢٦/٢، والنشر ٣٨٥/٢، والبحر ٢٣٥/٨، والقرطبي ١٧/ ٢٩٠. ٢٦٩ - المجادلة - وقرأ الحسن ويعقوب أيضاً ومجاهد والخليل ((ولا أكبرُ)) بالباء الموحدة والرفع على ما تقدَّم. وزيد بن علي (١) ((يُنْبِهِمْ)) مِنْ أَنْبأ؛ إلاّ أنه حذف الهمزةَ وَكسرَ الهاءَ، وقُرِىء كذلك، إلاَّ أنَّه بإثباتِ الهمزةِ وضمُّ الهاءِ. والعامَّةُ بالتشديد مِنْ نَبَّأ. آ. (٨) قوله: ﴿ويتناجَوْن﴾: قرأ(٢) حمزة ((يَنْتَجُوْنَ)) من الانتجاء من النجوى. والباقون ((يتناجَوْن)) من التناجي مِن النجوى أيضاً. قال أبو علي (٣): ((والافتعال والتفاعُلُ يجريان مَجْرىّ واحداً، ومِنْ ثَمَّ صَخَّحوا: ازدَوَجُوا واعْتَوَرَوا لَمَّا كانا في معنى: تزاوَجُوا وتعاوَنوا (٤). وجاء ((حتى إذا اذَّاركوا)) و ((اذَّركوا))(٥) قلت: ويؤيِّد قراءةَ العامة الإِجماعُ على (تناجَيْتُمْ)) و((فلا تَتَناجوا))، ((وتناجَوْا))(٦)، فهذه مِن التفاعُل لا غيرُ، إلَّ ما روي عن عبد الله أنه قرأ ((إذا انْتَجَيْتُم فلا تَنْتَجُوا)). ونقل الشيخُ(٧) عن الكوفيين والأعمش ((فلا تَنْتَجُوا)) كقراءةِ عبدِ الله. وأصل تَّنْتَجُون: تَنْتَجِيُوْن)». ويتَنَاجَوْن يتناجَيُون فاسْتُفْقِلَتِ الضمةُ على الياء فحُذِفَت، فالتقى ساكنان فحذفت الياءُ لالتقائِهما. أو نقول: تحرَّك حرفُ العلةِ وانفتح ما قبله فَقُلِبَ ألفاً، فالتقى ساكنان فحذِف أوَّلهما وبقيت الفتحةُ دالةً على الألف. (١) البحر ٢٣٥/٨. (٢) السبعة ٦٢٨، والنشر ٣٨٥/٢، والحجة ٧٠٤، والبحر ٢٣٦/٨، والتيسير ٢٠٩، والقرطبي ٢٩١/١٧. (٣) لم أجدْ هذا النصَّ في ((الحجة)) في النسخة المخطوطة. (٤) انظر: الممتع ٤٧٣. (٥) الآية ٣٨ من الأعراف. وادَّرَكوا قراءة حميد. انظر: الدرر ٣١٤/٥. (٦) الآية ٩. (٧) البحر ٢٣٦/٨. ٢٧٠ - المجادلة - [وقرأ](١) أبو حيوة ((بالعِذْوان)) بكسر العين(٢). آ. (١٠) وقد تقدَّم قراءتا ((ليحزنَ)) بالضم والفتح في آل عمران(٣). وقُرِىء(٤) بفتح الياءِ والزاي على أنه مسندٌ إلى الموصولِ بعده فيكونُ فاعلاً. وقوله: ((ليس بضارُهم)) يجوزُ أَنْ يكونَ اسمُ ((ليس)) ضميراً عائداً على الشيطان، وأَنْ يكونَ عائداً على الحزنِ المفهوم مِنْ «ليحزنَ)) قاله الزمخشري(٥). والأولُ أَوْلَى للتصريح بما يعود عليه. [وقرأ] الضحاك(٦) ((ومعصيات)) جمعاً. قوله: ((لولا يُعَذِّبُنَا))(٧) هذه الجملةُ التحضيضيةُ في موضع نصبٍ بالقول. آ. (١١) وقرأ نافع وابن عامر وحفص وأبو بكرٍ (٨) بخلافٍ عنه بضم شين ((انشُزوا)) في الحرفَيْن، والباقون بكسرِها، وهما لغتان بمعنىّ واحد. يُقال: نَشَزَ أي ارتفع يَنْشِز ويَنْشُزُ كَعَرَش يَعْرِش ويَعْرُش(٩)، (١) زيادة من (ش). (٢) البحر ٢٣٦/٨. (٣) انظر: الدر المصون ٤٩٤/٣. (٤) البحر ٢٣٦/٨. (٥) الكشاف ٤/ ٧٥. (٦) القرطبي ١٧/ ٢٩١، والبحر ٢٣٦/٨. (٧) عاد إلى الآية ٨. (٨) السبعة ٦٢٩، والحجة ٧٠٥، والتيسير ٢٠٩، والبحر ٢٣٧/٨، والنشر ٣٨٥/٢، والقرطبي ٢٩٩/١٧. (٩) عرش الكرم: عمل له عَرْشاً. ٢٧١ - المجادلة - وعَكَفَ يَعْكِف ويَعْكُف. وقد تقدَّم الكلامُ على هذه المادة في البقرة(١) قوله: ((في المجالس)) قرأ (٢) عاصم ((المجالس)) جمعاً اعتباراً بأنَّ لكلِّ واحدٍ منهم مجلساً. والباقون بالإِفراد، إذ المرادُ مجلسُ الرسولِ وَّ، وهو أحسنُ مِنْ كونِه واحداً أريد به الجمعُ. وقُرِىء (في المجلس» بفتح اللام وهو المصدرُ أي: تَفَسَّحوا في جلوسِكم ولا تتضايقوا. وقرأ(٣) الحسن وداود بن أبي هند وعيسى وقتادة (تَفَاسَحُوا)) والفُسْحَةُ: السَّعَةُ. وفَسَح له أي: وسَّعَ له .. قوله: ((والذين أُوْتُوا)) يجوز أَنْ يكونَ معطوفاً على ((الذين آمنوا)) فهو مِنْ عطفِ الخاصِّ على العامِّ؛ لأن الذين أُوْتوا العلمَ بعضُ المؤمنين منهم. ويجوزُ أَنْ يكونَ ((والذين أُوْتُوا)) مِنْ عطفِ الصفاتِ أي: تكونُ الصفاتُ لذاتٍ واحدةٍ، كأنه قيل: يرفعُ الله المؤمنين العلماءَ. و ((دَرَجَاتٍ)) مفعولٌ ثانٍ، وقد تقدَّمَ الكلامُ على نحوٍ ذلك في الأنعام. وقال ابنُ عباس: تمَّ الكلامُ عند قولِه ((منكم) وينتصِبُ ((الذين أُوْتُوا)) بفعلٍ [٨٤٧/ أ] مضمرٍ أي: ويَخُصُّ الذين أوتوا العلمَ بدرجات /، أو ويرفعُهم درجاتٍ. آ. (١٣) قوله: ﴿فإذْ لم تَفْعَلُوا﴾ في ((إذْ)) هذه ثلاثة أقوالٍ، أحدها: أنها على بابها من المُضِيِّ. والمعنى: أنكم تركتم ذلك فيما مضى فتداركوه بإقامةِ الصلاةِ، قاله أبو البقاء(٤). الثاني: أنَّها بمعنى ((إذا)) (١) انظر: الدر المصون ٢/ ٥٦٧. (٢) انظر في قراءاتها: السبعة ٦٢٩، والنشر ٣٨٥/٢، والبحر ٢٣٦/٨، والتيسير ٢٠٩، والقرطبي ٢٩٧/١٧، والحجة ٧٠٤. (٣) الإتحاف ٥٢٧/٢، والقرطبي ٢٩٧/١٧، والمحتسب ٣١٥/٢، (٤) الإملاء ٢٥٨/٢ والبحر ٢٣٦/٨. ٢٧٢ - المجادلة - كقوله: ((إذ الأغلال))(١) وقد تقدَّم الكلامُ فيه. الثالث: أنها بمعنى ((إنْ)) الشرطيةِ وهو قريبٌ مِمَّا قبلَه، إلَّ أنَّ الفرقَ بين ((إنْ)) و((إذا)) معروفٌ. ورُوي عن أبي عمرو (٢) ((خبيرٌ بما يَعملون)) بالياءِ مِنْ تحتُ. والمشهورُ عنه بتاءِ الخطاب كالجماعة. آ. (١٤) قوله: ﴿ما هم منكم ولا منهم﴾: يجوزُ في هذه الجملةِ ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنها مستأنفةٌ لا موضعَ لها من الإعراب. أخبر عنهم بأنهم ليسوا من المؤمنين الخُلَّصِ، ولا من الكافرين الخلَّصِ، بل كقوله: ((مُذَبْذَبِين بين ذلك، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء))(٣). فالضميرُ في ((ما هم)) عائدٌ على الذين تَوَلَّوا، وهم المنافقون. وفي (منهم)) عائدٌ على اليهود أي: الكافرين الخُلَّص. والثاني: أنها حالٌ مِنْ فاعل («تَوَلَّوا)) والمعنى: على ما تقدَّم أيضاً. والثالث: أنها صفةٌ ثانيةٌ لـ «قوماً)»، فعلى هذا يكون الضميرُ في ((ماهم)) عائداً على ((قوماً»، وهم اليهودُ. والضميرُ في ((منهم)) عائدٌ على الذين تَوَلَّوا يعني: اليهودُ ليسوا منكم أيها المؤمنون، ولا من المنافقين، ومع ذلك تولَّهم المنافقون، قاله ابن عطية (٤). إلاَّ أنَّ فيه تنافُرَ الضمائرِ؛ فإن الضميرَ في ((ويَحْلِفون)) عائدٌ على الذين تَوَلَّوْا، فعلى الوجهين الأوَّلَيْن تتحد الضمائرُ لعَوْدِها على الذين تَوَلَّوا، وعلى الثالث تختلفُ كما عَرَفْتَ تحقيقَه . قوله: ((وهم يَعْلمون)) جملةٌ حاليةٌ أي: يعلمون أنه كذِبٌ فيَمينُهم يمينٌ غموسٌ لا عُذْرَ لهم فيها. (١) الآية ٧١ من غافر. (٢) الشواذ ١٥٤. وهي رواية عباس عنه. (٣) الآية ١٤٣ من النساء. (٤) المحرر ٤٥٤/١٥. ٢٧٣ - المجادلة - آ. (١٦) قوله: ﴿أَيْمانَهم جُنَّةً﴾: مفعولان لـ ((انَّخذوا)). وقرأ العامَّةُ (أَيْمانَهم)) بفتح الهمزةِ جمع يمين. والحسن(١) بكسرِها مصدراً. وقوله: ((لن تغني عنهم)) قد تقدَّمَ في آل عمران(٢). آ. (١٩) قوله: ﴿اسْتَحْوَذَ﴾: جاءَ به على الأصلِ، وهو فصيحٌ استعمالاً، وإنْ شَذَّ قياساً(٣). وقد أَخْرجه عمرُ رضيَ اللَّهُ عنه على القياس فقرأ ((استحاذِ))(٤) كاستقام، وتقدَّمَتْ هذه المادةُ في سورةِ النساءِ عند قوله: ((ألم نَسْتَجْوِذْ))(٥). آ. (٢١) قوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ﴾: يجوز أنْ يكونَ ((كَتَبَ)) جرى مجْرَىُ القَسَم فأُجيبَ بما يُجاب به. وقال أبو البقاء (٦): ((وقيل: هي جوابُ كَتَبَ)) لأنَّه بمعنى قال)). وهذا ليس بشيءٍ لأنَّ ((قال)) لا يَقْتضِي جواباً فصوابُه ما قَدَّمْتُه. ويجوزُ أَن يَكون («لأَغْلِبَنَّ» جوابَ قسم مقدرٍ، وليس بظاهر. آ. (٢٢) قوله: ﴿يُوادُّون﴾: هو المفعولُ الثاني لـ «تَجِدُ)). ويجُوز: أَنْ تكونَ المتعديةَ لواحدٍ بمعنى صادَفَ ولقي، فيكون (يوادُّونَ)» حالاً أو صفةً لـ ((قوماً)). والواوُ في ((ولو كانوا)) حاليةٌ وتقدم تحرِيرُهُ غيرَ (١) القرطبي ٣٠٤/١٧، والبحر ٢٣٨/٨، والمحتسب ٣١٥/٢. (٢) انظر: الدر المصون ٣٤/٣. (٣) انظر: الممتع ٢ /٤٨٢. (٤) البحر ٢٣٨/٨. (٥) الآية ١٤١ من النساء. وانظر: الدر ٤/ ١٢٤. (٦) الإملاء ٢٥٨/٢. ٢٧٤ - المجادلة - مرة (١). وقدَّم أولاً الآباءَ لأنهم تجبُ طاعتُهم على أبنائِهم، ثم ثَنَّى بالأبناءِ لأنهم أَعْلَقُ بالقلوب وهم حَبَّاتُها(٢): ٤٢٤١- فإنما أَوْلادُنا بَيْنَنا أكبادُنا تَمْشِي على الأرضِ الأبياتُ المشهورة في الحماسةِ، ثَلَّثَ بالإِخوان لأنهم هم الناصرُون بمنزلة العَضُدِ من الذُّراع. قال(٣) : ٤٢٤٢- أخاك أخاك إنَّ مِنْ لا أخا له كساعِ إلى الهَيْجا بغيرِ سلاحٍ وإنَّ ابنَ عمِّ المَرْءِ فاعْلَمْ جَناحُه وهل ينهَضُ البازي بغير جَناح؟ ثم رَبَّع بالعشيرةِ، لأنَّ بها يسْتغاثُ، وعليها يُعْتمد. قال (٤): ٤٢٤٣- لا يَسْألون أخاهم حين يَنْدُبُهُم في النائباتِ على ما قال بُرْهانا وقرأ (٥) أبو رجاء ((عشيراتهم)) بالجمع، كما قرأها أبو بكر في التوبة(٦) كذلك. وقرأ العامَّةُ ((كَتَبَ)) مبنياً للفاعل وهو اللَّهُ تعالى، (١) انظر: الدر ٤١٧/٢، ٣٠٧/٣. (٢) البيت لحِطَّان بن المُعَلَّى، وهو في الحماسة ١٦٦/١. (٣) البيتان لمسكين الدارمي، وهما في ديوانه ٢٩، والكتاب ١٢٩/١، والخصائص ٢/ ٤٨٠، والخزانة ٤٦٥/١، ويُنسبان لإبراهيم بن هرمة. (٤) البيت لقريط بن أنيف وهو في الحماسة ٥٨. (٥) البحر ٢٣٩/٨، والقرطبي ٣٠٨/١٧. (٦) انظر: الدر ٣٤/٦. ٢٧٥ - المجادلة - ((الإِيمانَ)) نصباً وأبو حيوةً (١) وعاصمٌ في رواية المفضل (كُتِبَ)) مبنياً للمفعول، ((الإِيمانُ)) رفعٌ به. والضميرُ في ((منه)» للَّهِ تعالى. وقيل: يعودُ على الإِيمان؛ لأنه رُوحٌ يَحْيا به المؤمنون في الدارَيْنِ. [تمَّت بعونه تعالى سورة المجادلة] : (١) البحر ٢٣٩/٨، والسبعة ٦٣٠، والقرطبي ٣٠٨/١٧. ٢٧٦ سورة الحشر بسم الله الرحمن الرحيم آ. (٢) قوله: ﴿مِن أهل الكتاب﴾: ((مِنْ) يجوزُ أَنْ تكونَ للبيانِ، فتتعلَّق بمحذوفٍ، أي: أعني من أهل الكتاب. والثاني: أنها حالٌ من ((الذين كفروا». قوله: ((مِنْ ديارِهم)) متعلق بـ ((أَخْرَجَ)) ومعناها ابتداءُ الغايةِ. وصَحَّتْ إضافةُ الديارِ إليهم لأنهم أَنْشَؤُوها. قوله: (لأولِ الحَشْرِ)) هذه / اللامُ تتعلقُ بـ ((أَخْرَجَ)» وهي لامُ التوقيتِ [٨٤٧/ب] كقوله: (لِدُلُوكِ الشمس))(١)، أي: عند أول الحشر. قال الزمخشري (٢): ((وهي اللامُ في قولِه تعالى: ((يا ليتني قَدَّمْتُ لحياتي))(٣) وقولِك ((جئتُ الوَقْتِ كذا)». قلت: سيأتي الكلامُ على هذه اللام في الفجرِ، إنْ شاءَ الله تعالی. قوله: ((مانِعَتُهم حُصونُهم)) فيه وجهان، أحدهما: أَنْ يكونَ ((حصونُهم)) مبتدأً، و ((مانِعَتُهم)) خبرٌ مقدمٌ. والجملةُ خبر ((أنهم)) لا يُقال: لم لا يُقال: ((مانِعَتُهم)» مبتدأٌ؛ لأنه معرفةٌ و ((حصونُهم) خبرُه. ولا حاجةَ (١) الآية ٧٨ من الأسراء. (٢) الكشاف ٤/ ٨٠. (٣) الآية ٢٤ من الفجر. ٢٧٧ - الحشر - لتقديم ولا تأخيرٍ؛ لأنَّ القصدَ الإِخبارُ عن الحصون، ولأنَّ الإِضافةَ غيرُ مَحْضَةٍ(١)، فهي نكرةٌ. والثاني: أَنْ يكونَ ((مانِعَتُهم)) خبرَ ((أنهم)» و (حصونُهم)) فاعلٌ به. نحو: إنَّ زيداً قائمٌ أبوه، وإنَّ عَمْراً قائمةٌ جاريتُه. وجعله الشيخ(٢) أَوْلِىُ؛ لأنَّ في نحو: قائمٌ زيد - على أَنْ يكونَ خبراً مقدماً ومبتدأً مؤخراً - خلافاً والكوفيون يمنعونَه فمحلُّ الوفاق أَوْلى. وقال الزمخشري(٣): ((فإنْ قلتَ: أَيُّ فَرْقٍ بين قولِك ((وظنُوا أنَّ حصونَهم تمنعُهم، أو مانِعَتُهم، وبين النظم الذي جاء عليه؟ قلت: [في](٤) تقديمِ الخبرِ على المبتدأ دليلٌ على فَرْطِ وُثوقِهم بحَصانِتِها ومَنْعِها إياهم، وفي تصييرِ ضميرِهم اسماً لـ ((أنَّ)) وإسناد الجملةِ إليه دليلٌ على اعتقادِهم في أنفسِهِمْ أنَّهم في عِزَّةٍ ومَنَعَة لا يُبالىُ معها بأحد يَتَعرَّضُ لَهم، وليس ذلك في قولك ((حُصُونهم تَمْنعهم)) انتهى. وهذا الذي ذكره إنما يَتَأنَّى على الإِعرابِ الأولِ، وقد تقدَّم أنه مَرْجوحٌ، وتَسَلَّطَ الظنُّ هنا على ((أنَّ) المشددةِ، والقاعدةُ أنه لا يعملُ فيها ولا في المخففةِ منها إلاَّ فعلُ عِلْمٍ ويقينٍ، إجراءً له مُجْرى اليقين لشدَّتِه وقوتِه وأنَّه بمنزلةِ العلم .. قوله: ((يُخْرِبُونَ)) يجوزُ أَنْ يكونَ مستأنفاً للإِخبار به، وأن يكونَ حالاً مِنْ ضميرٍ ((قلوبِهِم)) وليس بذاك. وقرأ (٥) أبو عمرو (يُخَرِّبون)) (١) في «مانعتهم». (٢) البحر ٢٤٣/٨. (٣) الكشاف ٤/ ٨٠. (٤) من الكشاف. (٥) السبعة ٦٣٢، والتيسير ٢٠٩، والقرطبي ٤/١٨، والحجة ٧٠٥، والنشر ٣٨٦/٢، والبحر ٢٤٣/٨. ٢٧٨ - الحشر - بالتشديد وباقيهم بالتخفيفِ وهما بمعنى واحدٍ؛ لأن خرَّب عَدَّاه أبو عمروٍ بالتضعيف، وهم بالهمزة. وعن أبي عمروٍ أنه فَرَّق بمعنىّ آخرَ فقال: (خرَّب بالتشديد: هَدَم وأَفْسد، وأَخْرَبَ بالهمزة: تَرَكَ الموضحَ خراباً وذهَب عنه. واختار الهذليُّ(١) قراءةَ أبي عمروٍ لأجل التكثير. ويجوزُ أَنْ يكونَ ((يُخْرِبون)) تفسيراً للرعب فلا مَحَلَّ له أيضاً. آ. (٣) قوله: ﴿الجَلاءَ﴾: العامَّةُ على مَذَّه وهو الإِخراجُ. أَجْلَيْتُ القومَ إجلاءً، وجلا هو جلاءً. وقال الماوردي (٢): ((الجَلاءُ أخصُّ من الخروجِ؛ لأنه لا يُقال إلَّ لجماعةٍ، والإِخراجُ يكون للجماعةِ والواحد)) وقال غيرُه: الفرقُ بينهما أنَّ الجلاءَ ما كان مع الأهلِ والولدِ بخلاف الإِخراجِ فإنه لا يَسْتلزِمُ ذلك. وقرأ(٣) الحسن وعلي ابنا صالح ((الجَلا)) بألفٍ فقط. وطلحة مهموزاً من غيرِ ألفٍ كالنبأ. وقرأ طلحة (٤) ((ومَنْ يُشاقِقْ)) بالفكِّ كالمتفق عليه في الأنفال(٥) . آ. (٥) قوله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ﴾: ((ما)) شرطيةٌ في موضع نصب بـ ((قَطَعْتم)) و((مِنْ لينةٍ)) بيانٌ له. و((فبإذنِ اللهِ)) جزاء الشرطِ. ولا بُدَّ مِنْ (١) الكامل له (خ) ٢٤٢. (٢) تفسيره ٢٠٨/٤، والقول التالي للماوردي أيضاً. (٣) انظر في قراءاته: الإتحاف ٥٣٠/٢، والبحر ٢٤٤/٨. والحسن بن صالح أبو محمد الواسطي. عرض على أبي عون والجَمَّال وروى عنه عبد الله بن الحسين. طبقات القراء ٢١٦/١. (٤) البحر ٢٤٤/٨، والقرطبي ٦/١٨. (٥) الآية ١٣ ((ومَنْ يشاققِ اللهَ ... )). ٢٧٩ - الجشرب حذفٍ، أي: فقَطْعُها بإذنِ الله، فيكون ((بإذن الله)) الخبرَ لذلك المبتدأ. واللينةُ فيها خلافٌ كثير، قيل: هي النخلةُ مطلقاً، وأُنْشِد (١): ٤٢٤٤- كأن قُتودي فوقها عُشُّ طائرٍ على لِيْنَةٍ سَوْقَاءَ تَهْفو جُنُوبِهَا وقال آخر (٢): ٤٢٤٥- طِراقُ الخُوافِي واقعٌ فوقَ لِينة نَدَى لَيْلهِ في ريشه يَتَّرَقْرَقُ وقيل: هي النخلة ما لم تكن عجوةً. وقيل: ما لم تكن عَجْوةً ولا بَرْنِيّة (٣). وقيل: هي النخلةُ الكريمة. وقيل: ما تَمْرُها لُوْنٌ(٤)، وهو نوعٌ من التمر، قال سفيان: هو شديدُ الصُّفْرةِ يَشِفُّ عن نواةٍ. وقيل: هي العَجْوة. وقيل: هي الفُسْلان(٥) وأنشد (٦): ٤٢٤٦ - غَرَسوا لينةٌ بِمَجرى مَعِيْنِ ثم حُفَّ النخيلُ بالآجامِ (١) البيت لذي الرمة وهو في ديوانه ٦٩٩. القتود: عيدان الرحل، أي: إن الناقة طويلة يصغر الرَّحْل عليها وسوقاء: طويلة الساق. تهفو: تميل. جنوبها: جوانبها . (٢) البيت لذي الرمة وهو في ديوانه ٤٨٨ برواية ((رِيْعَة)) بدل ((لينة)). وطراق: بعضه على بعض. والخوافي: ما دون القوادم من جناح الطائر. يترفرق: يجيء ويذهب. (٣) البَرْني: ضرب من التمر أحمر مشرب بصفرة. (٤) الُّلون: مفرُده لِيْنة، وهو ضَربٌ من النخل ليس بعجوة. (٥) الفسلان: ج فسيلة . (٦) البيت في القرطبي ٩/١٨، والماوردي ٢٠٩/٤. ٢٨٠