Indexed OCR Text

Pages 241-260

- الحديد -
نحو: ((أين بيتُك فأزورَك)) ومثلُ ذلك: ((مَنْ يَدْعوني فأستجيب له))(١)
و ((متى تسير فأرافقك)) و((كيف تكونُ فَأَصْحَبَك)). فالاستفهام إنما وقع
عن ذاتِ الداعي وعن ظرفِ الزمان وعن الحال، لا عن الفعل. وقد
حكى ابنُ كيسانَ عن العرب: أين ذَهَبَ زيدٌ فَنَتْبَعَه، ومَنْ أبوك فنُكْرِمَه.
آ. (١٢) قوله: ﴿يومَ ترىُ﴾: فيه أوجهٌ، أحدها: أنه معمولٌ
للاستقرار العاملِ في ((لهم أجرٌ))، أي: استقرَّ لهم أجرٌ في ذلك اليوم.
الثاني: أنه مضمرٌ، أي: اذكرْ فيكون مفعولاً به. الثالث: أنه يُؤْجَرون
يومَ ترى فهو ظرفٌ على أصلِه. الرابع: أنَّ العاملَ فيه ((يَسْعىُ))، أي:
يَسْعى نورُ المؤمنين والمؤمناتِ يومَ تراهم، هذا أصلُه. الخامس: أنَّ
العاملَ فيه «فيضاعفَه)) قالهما أبو البقاء(٢).
قوله: ((يَسْعى)) حالٌ، لأنَّ الرؤيةَ بَصَرِيَّة، وهذا إذا لم يَجْعَلْه عامِلاً
في (يوم)) و(بينَ أيديهم)) ظرفٌ للسَّعْي. ويجوزُ أَنْ يكونَ حالاً مِنْ
(نورُهم».
قوله: ((وبأَيْمانهم))، أي: وفي جهةِ أيمانهم. وهذه قراءةُ العامَّةِ
أعني بفتح الهمزةِ جمع يَمين. وقيل: الباءُ بمعنى ((عن))، أي: عن جميعٍ
جهاتِهِم، وإنما خَصَّ الأيمانَ لأنها أشرفُ الجهاتِ. وقرأ(٣) أبو حيوة
وسهلُ بن شعيب بكسرِها. وهذا المصدرُ معطوفٌ على الظرفِ قبلَه.
(١) قطعة من حديث رواه البخاري ١٤٠ باب الدعاء والصلاة من آخر الليل، ١٩
كتاب التهجد، الفتح ٣٦/٣.
(٢) الإملاء ٢/ ٢٥٥.
(٣) الشواذ ١٥٢، والمحتسب ٣١١/٢، والبحر ٢٢١/٨، والقرطبي ٢٤٣/١٧.
٢٤١

- الحديد -
والباءُ سببيةٌ، أي: يسعى كائناً وكائناً بسبب إيمانهم. وقال أبو البقاء(١)
تقديرُه: وبإيمانِهِم استحقُّوه، أو بإيمانهم يُقال لهم: بُشْراكم.
قوله: ((بُشْراكِم)) مبتدأٌ، و ((اليومَ)) ظرفٌ. و((جناتٌ)) خبرهُ على
حذفٍ مضافٍ، أي: دخولُ جناتٍ. وهذه الجملةُ في محلٌ نصبٍ بقولٍ
مقدر، وهو العاملُ في الظرفِ كما تقدَّم. وقال مكي (٢): ((وأجاز الفراءُ(٣)
نصبَ ((جنات)) على الحال ويكون ((اليومَ)) خبرَ ((بُشْراكم)) قال: وكونُ
(جنات)) حيالاً لا معنى له؛ إذ ليس فيها معنى فِعْل. وأجاز أَنْ يكونَ
(بُشْراكم)) في موضع نصبٍ على: يُبَشِّرونهم بالبُشرى، وتُنْصَبُ ((جنات))
بالبُشْرى. وكلُّه بعيدٌ لأنه لا يُفْصَلُ بين الصلةِ والموصولِ باليوم)) انتهى.
وعجيبٌ من الفراء كيف يَصْدُرُ عنه ما لا يُتَعَقَّل، ولا يجوزُ صناعةً، كيف
تكون «جنات)» حالاً وماذا صاحبُ الحال؟
آ. (١٣) وقوله: ﴿يومَ يقولُ﴾: بدلٌ مِنْ ((يومَ تری)»
أو معمولٌ لـ «اذْكُر)). وقال ابن عطية(٤): ((ويظهرُ لي أنَّ العاملَ فيه «ذلك
هو الفوز العظيم)) ويجيء معنى الفوز أفخم، كأنه يقول: إن المؤمنين
يفوزون بالرحمةِ يومَ يَعْتري المنافقين كذا وكذا؛ لأنَّ ظهورَ المرءِ يومَ
خمولِ عَدُوَّه ومُضادّه أبدُ وأفخمُ)). قال الشيخ(٥): ((وظاهرُ كلامِه
وتقديرِه أنَّ ((يومَ)) معمولٌ للفوز. وهو لا يجوزُ، لأنه مصدرٌ قد وُصِفَ
(١) الإِملاء ٢٥٥/٢.
(٢) إعراب المشكل ٣٥٨/٢.
(٣) معاني القرآن ١٣٢/٣.
(٤) المحرر ٤٠٦/١٥.
(٥) البحر ٢٢١/٨.
٢٤٢

- الحديد -
قبلَ أَخْذِ متعلَّقاته فلا يجوزُ إعمالُه، فلو أُعْمِل وصفُه(١) لجاز، أي: الذي
عَظُمَ قَدْرُه يومَ)). قلت: وهذا الذي قاله ابنُ عطية صَرَّح به مكي (٢) فقال:
(ويومَ ظرفٌ العاملُ فيه ذلك الفوزُ، أو هو بدلٌ من ((اليوم)) الأول)).
قوله: ((خالدين)) (٣) نصبٌ على الحالِ العاملُ فيها المضافُ
المحذوف إذ التقديرُ: بُشْراكم دخولُكم جناتٍ خالدين فيها، فحذف
الفاعلَ وهو ضميرُ المخاطبِ، وأُضيف المصدرُ لمفعولِه فصار: دخولُ
جنات، ثم حُذِف المضافُ وقام المضافُ إليه مَقَامَه في الإِعراب،
ولا يجوزُ أَنْ يكونَ ((بُشْراكم)» هو العاملَ فيها؛ لأنه مصدرٌ قد أُخْبر عنه
قبل ذِكْرٍ متعلَّقَاتِهِ، فيلزَمُ الفصلُ بأجنبي. وظاهرُ كلام مكي(٤) أنه عاملٌ
في الحالِ فإنَّه قال: ((خالدين نصبٌ على الحالِ من الكاف والميم»
والعاملُ في الحالِ هو العاملُ في صاحِبها فَلَزِمَ أَنْ يكونَ ((بُشْراكم)) هو
العاملَ، وفيه ما تقدَّمَ من الفصلِ بينَ المصدرِ ومعموله.
قوله: ((للذين آمنوا)) اللامُ للتبليغ. و ((انْظُرونا)) قراءةُ العامَّةِ
(انظرونا) أَمْراً من النظر. وحمزة(٥) ((أَنْظِرونا)) بقطع الهمزة وكَسْر الظاء
من الإِنْظار بمعنى الانتظار، أي: انتظرونا لِنَلْحَقَ بكم فنستضيْءَ بنورِكم.
والقراءةُ الأولى يجوزُ أَنْ تكونَ بمعنى هذه إذ يقال: نَظَرَه بمعنى انتظره،
وذلك أنه يُسْرَعُ بالخُلَّصِ إلى الجنَّة على نُجُبٍ (٦)، فيقول المنافقون:
(١) وهو العظيم.
(٢) إعراب المشكل ٣٥٩/٢.
(٣) عاد إلى الآية ١٢.
(٤) إعراب المشكل ٣٥٨/٢.
(٥) السبعة ٦٢٥، والحجة ٦٩٩، والنشر ٣٨٤/٢، والبحر ٢٢١/٨،
والتيسير ٢٠٨، والقرطبي ٢٤٥/١٧.
(٦) النجيبة من الإبل: خيارها.
٢٤٣

- الحديد -
انتظرونا لأنَّا مُشاة لا نَسْتطيع لُحوقَكم. ويجوزُ أَنْ يكونَ مِنْ النظر وهو
الإبصارُ لأنَّهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوهِهم فيضيُ لهم المكانُ،
وهذا أليقُ بقوله ((نَقْتِسْ مِنْ نورِكم)) قال معناه الزمخشري(١). إلاَّ أنَّ
الشيخ(٢) قال: إنَّ النظرَ بمعنى الإِنْصار لا يتعذَّى بنفسِه إلاّ في الشعر،
[٨٤٣/أ] إنما يتعذَّى بـ ((إلى))/(٣).
قوله: ((وراءَكم)) فيه وجهان، أظهرُهما: أنه منصوبٌ بـ ارْجِعوا على
معنى (٤): ارْجِعوا إلى الموقفِ، إلى حيث أُعْطِينا هذا النورَ فِالتِمِسوه
هناك ممَّنْ نقتبس(٥)، أو ارْجِعوا إلى الدنيا فالتمِسوا نوراً بتحصيلِ سببِه
وهو الإِيمانُ، أو فارْجِعوا خائبين وتَنَخَّوْا عنا فالتمسُوا نوراً آخِرَ،
فلا سبيلَ لكم إلى هذا النورِ. والثاني: أنَّ ((وراءكم)) اسمٌ للفعلِ فيه
ضميرُ فاعلٍ، أي: ارْجِعوا ارْجعوا، قاله أبو البقاء(٦)، ومنع أَنْ يكونَ
ظَرْفاً لـ ارْجِعوا قال: لقلةٍ قائدتِه لأنَّ الرجوعَ لا يكونُ إلَّ إلى وراء.
وهذا فاسدٌ؛ لأنَّ الفائدةَ جليلةٌ كما تقدَّم شَرْحُها.
قوله: ((فضُرِب بينَهم بسورٍ)) العامَّةُ على بنائِه للمفعول .. والقائمُ
مَقامَ الفاعلِ يجوزُ أَنْ يكونَ ((بسورِ)) وهو الظاهرُ، وأَنْ يكونَ الظرفَ.
وقال مكي(٧): ((الباءُ مزيدةٌ، أي: ضُرِب سورٌ» ثم قال: ((والباءُ متعلّقةٌ
(١) الكشاف ٤ / ٦٣.
(٢) البحر ٢٢١/٨.
(٣) سقطت هذه الورقة من الأصل، وأثبتناها من (ش).
(٤) انظر: الكشاف ٦٣/٤.
(٥) الكشاف: ((فمن ثم يقتبس)).
(٦) الإملاء ٢ /٢٥٥.
(٧) إعراب المشكل ٣٥٩/٢.
٢٤٤

- الحديد -
بالمصدر، أي: ضرباً بسُور)) وهذا متناقضٌ، إلَّ أَنْ يكونَ قد غُلِط عليه
من التُّسَّاخِ، والأصل ((أو الباءُ متعلقةٌ بالمصدر))، والقائمُ مقامَ الفاعلِ
الظرفُ. وعلى الجملةِ هو ضعيفٌ.
والشُّور: البناءُ المحيطُ. وتقدَّمَ اشتقاقُه أولَ البقرةِ(١).
قوله: ((له بابٌ)) مبتدأ وخبرٌ في موضع جرِّ صفةً لـ سُؤْر.
قوله: ((باطنُهُ فيه الرحمةُ)) هذه الجملةُ يجوزُ أَنْ تكونَ في موضعِ
جرِّ صفةً ثانيةً لـ ((سُوْر))، ويجوز أن تكونَ في موضع رفعٍ صفةً
لـ «بابٌ))، وهو أَوْلَى لقُرْبِهِ. والضميرُ إنما يعود على الأَقْرِب إلَّ بقرينةٍ.
وقرأ(٢) زيد بن علي وعبيد بن عمير ((فَضَرَبَ)) مبنياً للفاعل وهو اللهُ
أو المَلَكَ.
آ. (١٤) قوله: ﴿يُنادُونهم﴾: يجوزُ أن يكونَ حالاً من
الضميرِ في ((بَيْنهم)) قاله أبو البقاء(٣)، وهو ضعيفٌ لمجيءِ الحالِ من
المضافِ إليه في غيرِ المواضع المستثناةِ، وأَنْ تكونَ مستأنفةً، وهو
الظاهرُ.
قوله: ((ألم نكُنْ)) يجوزُ أَنْ يكونَ تفسيراً للنداءِ، وأَنْ يكونَ منصوباً
بقولٍ مقدرٍ .
قوله: ((الغَرور)) قراءةُ العامَّة بفتح الغَيْن، وهو صفةٌ على فَعول،
(١) انظر: الدر المصون ٢٠٠/١.
(٢) البحر ٢٢١/٨.
(٣) الإملاء ٢٥٦/٢ ومن المعروف أن أبا البقاء يتوسّع في الحال من المضاف إليه.
٢٤٥

الحديد -
والمرادُ به الشيطانُ. وقرأ(١) سماك بن حرب ((الغُرور)) بالضم، وهو
مصدرٌ، وتقدَّم نظيرُه(٢).
١
۔۔
آ. (١٥) قوله: ﴿فاليومَ﴾: منصوبٌ بـ ((يُؤْخَذُ)). ولا يُبالَی
بـ ((لا)) النافيةِ، وهو قولُ الجمهورِ. وقد تقدَّم أولَ هذا الموضوع آخرَ
الفاتحةِ أنَّ فيها ثلاثةَ أقوالٍ (٣). وقرأ(٤) ابن عامر (تُؤْخَذُ)) بالتأنيثِ للفظِ
الفِذْية. والباقون بالياء مِنْ تحت؛ لأنَّ التأنيثَ مجازيٍّ وللفَصْلِ.
قوله: ((هي مَوْلاكم)) يجوزُ أَنْ يكونَ مصدراً، أي: ولايتكم، أي:
ذاتُ وِلا يتكم. وأَنْ يكونَ مكاناً، أي: مكانَ ولايتكم، وأَنْ يكونَ بمعنى
أَوْلَى بكم، كقولك: هو مَوْلاه. وبئس المصيرُ، أي: هي.
آ. (١٦) قوله: ﴿أَنْ تَخْشَعَ﴾: فاعلُ ((يَأْنِ))، أي: ألم يَقْرُبْ
خشوعُ قلوبِهِم. واللامُ قال أبو البقاء(٥): ((للتبيين)) فعلى هذا تتعلَّق
بمحذوفٍ، أي: أَعْني الذينَ، ولا حاجةً إليه. والعامة ((أَلَمْ)). والحسن(٦)
وأبو السَّمَّال ((أَلَمَّا)) وقد عَرَفْتَ الفرقَ بين الحرفين ممَّا تقدَّم. والعامَّةُ
أيضاً ((يَأْنِ)) مضارعَ أنَّى، أي: حان وقَرُبَ مثل: رمىُ يَرْمي. والحسن(٧)
(يَئِنْ)) مضارع آن بمعنى حانَ أيضاً مثل: باع يبيع.
(١) المحتسب ٣١١/٢، والبحر ٢٢٢/٨، والقرطبي ٢٤٧/١٧ .
(٢) انظر إعرابه للآية ٣٣ من لقمان.
(٣) انظر: الدر ٧٢/١:
(٤) السبعة ٦٢٦، والتيسير ٢٠٨، والقرطبي ٢٤٧/١٧، والحجة ٧٠٠،
والبحر ٢٢٢/٨، والنشر ٣٨٤/٢.
(٥) الإملاء ٢٥٦/٢.
(٦) المحتسب ٣١٢/٢، والبحر ٢٢٢/٨، والقرطبي ٢٤٨/١٧.
(٧) البحر ٢٢٢/٨.
٢٤٦

- الحديد -
قوله: ((وما نَزَل)) قرأ نافع وحفص ((نَزَل)) مخففاً مبنياً للفاعلِ.
وباقي السبعةِ (١) كذلك إلاّ أنه مشدَّدٌ. والجحدري وأبو جعفر والأعمش
وأبو عمروٍ في روايةٍ ((نُزِّلَ)) مشدّداً مبنياً للمفعولِ. وعبد الله ((أَنْزَل)) مبنياً
للفاعلِ هو الله تعالى. و ((ما)) في ((ما نَزَلَ)) مخففاً يتعيَّنُ أَنْ تكونَ اسميةً.
ولا يجوزُ أَنْ تكونَ مصدريةً؛ لئلا يَخْلُو الفعلُ من الفاعل، وما عداها
يجوزُ أَنْ تكونَ مصدريةً، وأَنْ تكونَ بمعنى الذي. فإنْ قلتَ: وقراءةُ
الجحدريِّ ومَنْ معه ينبغي أَنْ تكونَ فيها اسميةً، لئلا يخلوَ الفعلُ مِنْ
مرفوعٍ. فالجواب: أنَّ الجارّ وهو قولُه ((من الحق)) يقوم مَقامَ الفاعل.
والعاقَةُ على الغيبة في ((ولا يكونوا)). جَرْياً على ما تقدَّم.
وأبو حيوة(٢) وابنُ أبي عبلة بالتاء مِنْ فوقُ على سبيل الالتفات. ثم هذا
يُخْتملِ أَنْ يكونَ منصوباً عطفاً على ((تَخْشَعَ)) كما في قراءةِ الغَيْية وأَنْ
يكونَ نهياً، فتكونَ ((لا)) ناهيةً والفعلُ مجزومٌ بها. ويجوزُ أَنْ يكونَ نهياً
في قراءة الغَيْبة أيضاً، ويكونُ ذلك انتقالاً إلى نهي أولئك المؤمنين عن
كونِهِم مُشْبِهِين لمَنْ تَقَدَّمهم نحو: لا يَقُمْ زيدٌ.
قوله: ((الأمَدُ» العامَّةُ على تخفيف الدال بمعنى العامَّة كقولك: أَمَدُ
فلانٍ، أي: غايتُه. وابن كثير (٣) في روايةٍ بتشديدِها وهو الزمنُ الطويلُ.
آ. (١٨) قوله: ﴿المُصَّدِّقين والمُصَّدِّقات): خَفَّفَ الصاد
(١) انظر في قراءاتها: السبعة ٦٢٦، والبحر ٢٢٣/٨، والتيسير ٢٠٨،
والنشر ٣٨٤/٢، والحجة ٧٠٠.
(٢) النشر ٣٨٤/٢، الإتحاف ٥٢٢/٢، والبحر ٢٢٣/٨، والقرطبي ٢٤٩/١٧.
(٣) البحر ٢٢٣/٨.
٢٤٧

- الحديد -
منها ابنُ كثير(١) وأبو بكر، وثَقَّلها باقي السبعة. فقراءةُ ابنِ كثيرٍ من
التصديق، أي: صَدَّقُوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فيما جاء به كقوله
تعالى: ((والذي جاء بالصِّدْقِ وصَدَّق(٢) به))، وقراءةُ الباقين من الصدقة
وهو مناسِبٌ لقولِهِ ((وَأَقْرَضوا)) والأصل: المُتَصَدِّقين والمُتصدِّقَاتِ فَأَدْغَمَّ،
وبها قرأ أُبَيِّ . وقد يُرَجَّحُ الأولُ. بأنَّ الإِقراضَ مُغْنٍ عن ذِكْرِ الصدقة.
قوله ((وأَفْرضو)» فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنه معطوفٌ على اسم
الفاعلِ في ((المُصَّدِّقين)) لأنَّه لمَّا وقع صلةً لأل حَلَّ مَحَلَّ الفعلِ، فَكَأنَّه
قيل: إن الذين صَدَّقوا وأَقْرضوا، وعليه جمهورُ المُعربين. وإليه ذهب
الفارِسيُّ والزمخشري(٣) وأبو البقاء(٤). وهو فاسدٌ لأنه يَلْزَمُ الفصلُ بين
أَبْعاضِ الصلة بأجنبي. ألا ترى أنَّ ((المُصَّدِّقات)) عطفٌ على ((المصَّدِّقين))
قبل تمام الصلةِ، ولا يجوز أن يكونَ عطفاً على المُصَّدِّقاتِ لتغايُرِ الضمائرِ
تذكيراً وتأنيئاً.
الثاني: أنه معترضٌ بين اسم ((إنَّ)) وخبرها وهو ((يُضاعَفُ)). قال
أبو البقاء(٥): ((وإنما قيل ذلك لئلاّ يُعْطِفَ الماضي على اسم الفاعل))
ولا أَذْري ما هذا المانعُ؟ لأنَّ اسمَ الفاعلِ متى وقع صلةً لأل صَلَحَ للأزمنةِ
الثلاثة، ولوِ مَنَع بما ذكَرْتُهُ من الفصلِ بالأجنبي لأصابَ، ولكن خَفي
عليه كما خَفي على مُنْ هو أكبرُ منه: الفارسيُّ والزمخشريُّ .
(١) انظر في قراءاتها السبعة ٦٢٦، والحجة ٧٠١، والنشر ٣٨٤/٢،
والبحر ٢٢٣/٨، والتيسير ٢٠٨، والقرطبي ٢٥٢٠/١٧.
(٢) الآية ٣٣ من الزمر.
(٣) الكشاف ٤/ ٦٥.
(٤) الإملاء ٢٥٦/٢.
(٥) الإملاء ٢٥٦/٢.
٢٤٨

- الحديد -
الثالث: أنه صلةٌ لموصولٍ محذوفٍ لدلالةِ الأول عليه كأنه قيل:
والذين أَقْرضوا كقولِه(١):
٤٢٣٤- أَمَنْ يَهْجُو رسولَ اللَّهِ مِنْكُمْ
ويَمْدَحُه ويَنْصُرُهُ سَواءُ
أي: ومَنْ ينصُرُه واختاره الشيخ(٢): وهذا قد عَرَفْتَ ما فيه في
أوائلِ هذا التصنيفِ (٣).
قوله ((يُضاعَفُ لهم)) القائم مقامَ الفاعلِ فيه وجهان، أحدهما: وهو
الظاهرُ أنَّه الجارُّ بعده. والثاني: أنَّه ضميرُ التصديقِ، ولا بُدَّ مِنْ حَذْفِ
مضافٍ، أي: ثوابُ التصديق.
آ. (١٩) قوله: ﴿والذين آمنوا﴾: [مبتدأ] و((أولئك)) مبتدأ
ثان و((هم)) يجوز أَنْ يكونَ مبتدأ ثالثاً و ((الصِّدِّيقون)) خبرُه، وهو مع
خبرِه خبرُ الثاني، والثاني وخبرُهُ خبر الأول. ويجوزُ أَنْ يكون ((هم)) فصلاً
فأولئك وخبرُه خبرُ الأول.
قوله ((والشهداءُ» يجوز فيه وجهان: أنه معطوفٌ على ما قبلَه،
ويكون الوقفُ على الشهداء تاماً. أخبر عن الذين آمنوا أنهم صِدِّيقون
شهداءُ. فإن قيل: الشهداءُ مخصوصون بأوصافٍ أُخَرَ زائدةٍ على ذلك
كالسبعَةِ المذكورين. أجيب(٤): بأنَّ تَخْصِيصَهم بالذِّكْر لِشَرَفِهِم على
غيرِهم لا للحَصْر.
(١) تقدم برقم ٧٩٠.
(٢) البحر ٢٢٣/٨.
(٣) انظر: الدر المصون ٢٠٣/٢.
(٤) انظر: المحرر ٤١٩/١٥، والبحر ٢٢٣/٨.
٢٤٩

=
- الحديد -
والثاني: أنه مبتدأٌ، وفي خبرِه وجهان، أحدهما: أنه الظرفُ بعده.
والثاني: أنه قولهُ ((لهم أَجْرهُم)) إمَّا الجملةُ، وإمَّا الجازُّ وحدَه، والمرفوع
فاعلٌ به. والوقفُ لا يَخْفَىُ على ما ذكَرْتُه من الإِعراب.
والصِّدِّيقُ: مثالُ مبالغةٍ، ولا يجيءُ إلَّ من ثلاثي غالباً. قال
بعضُهم: وقد جاء ((مِسِّيك)) مِنْ أمَسْك. وهو غَلَطْ لأنه يقال: مَسَك ثلاثياً
فمِسِیك منه.
آ. (٢٠) قوله: ﴿وتَفاخُرٌ بينكم﴾: العامَّةُ على تنوين
(تَفَاخُرٌ)) موصوفٌ بالظرفِ أو عاملٌ فيه، والسُّلميُّ (١) أضافه إليه،
قوله ((كمَثَل غَيْثٍ)) يجوزُ أنَّ يكونَ في موضع نصبٍ حالاً من
الضمير في ((لَعِبٌ)) لأنه بمعنى الوصفِ، وأَنْ يكونَ خبراً لمبتدأ محذوف،
أي: ذلك كمثَل. وجَوَّزَ ابن عطية (٢) أَنْ يكونَ في موضع رفع صفةً لِما
تقدَّم. ولم يُبَيِّنْه مكي(٣) فقال: ((نعت لـ تَفاخُر)). وفيه نظَرٌ لتخصيصه له
مِنْ بين ما تقدَّم. وجَوَّزَ أَنْ يكون خبراً بعد خبر للحياة الدنيا.
وقُرِىءٍ(٤) (((مُصْفَارًّا) مِنْ اصفارَّ وهي أبلغُ مِنْ اصْفَرَّ.
قوله: ((وفي الآخرةِ)) خبرٌ مقدمٌ وما بعده مبتدأ. أخبر أنَّ في الآخرةِ
عذاباً شديداً، ومغفرةً منه ورضواناً، وهذا معنىّ حسنٌ، وهو أنه قابل
(١) البحر ٢٢٤/٨.
(٢) المحرر ٤٢٢/١٥.
(٣) إعراب المشكل ٢/ ٣٦٠.
(٤) البحر ٢٢٤/٨.
٢٥٠

- الحديد -
العذابَ بشيئين: بالمغفرة والرضوان فهو من باب ((لن يَغْلِبَ عُشْرٌ
يُسْرَين))(١).
آ. (٢١) قوله: ﴿عَرْضُها كَعَرْضٍ﴾: مبتدأ وخبرٌ.
والجملةُ صفةٌ لجنة وكذلك ((أُعِدَّتْ)). ويجوزُ أَنْ يكونَ ((أُعِدَّثْ)) مستأنفةٌ.
آ. (٢٢) قوله: ﴿مِنْ مُصيبةٍ﴾: فاعلُ ((أصاب)). و((مِنْ)
مزيدةٌ لوجودِ / الشرطين(٢). وذَكَّر فعلَها لأنَّ التأنيث مجازيٌّ.
[١/٨٤٤]
قوله ((في الأرض)) يجوزُ أَنْ يتعلَّق بـ أصاب، وأَنْ يتَعلَّقَ بنفس
(مصيبةٍ))، وأَنْ يَتَعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه صفةٌ لمصيبة وعلى هذا فيَصْلُح
أَنْ يُحْكَمَ على موضِعه بالجرِّ نظراً إلى لفظِ موصوفِه وبالرفع نظراً إلى
مَحَلِّه، إذ هو فاعلٌ. والمُصيبة غَلَبَتْ في الشر. وقيل: المرادُ بها جميعُ
الحوادثِ مِنْ خيرٍ وشرٍ، وعلى الأول يُقال: لِمَ ذُكِرَتْ دون الخير؟
وأجيب: بأنه إنَّما خَصَّصها بالذِّكْرِ لأنها أهمُّ على البشر.
قوله ((إلاَّ في كتاب)) حال مِنْ ((مصيبة))، وجاز ذلك وإنْ كانت نكرةٌ
لتخصُّصِها: إمَّا بالعملِ أو بالصفةِ، أي: إلَّ مكتوبةً.
قوله ((مِنْ قَبْلِ)) نعتٌ لـ كتاب، ويجوزُ أَنْ يتعلَّقَ به قاله
أبو البقاء(٣)؛ لأنه هنا اسمٌ للمكتوبِ، وليس بمصدرٍ. والضمير في
(نَبْرَأَها)» الظاهرُ عَوْدُه على المصيبة. وقيل: على الأنفس. وقيل: على
الأرض أو على جميع ذلك، قاله المهدويُّ، وهو حسنٌ.
(١) رواه مالك في الموطأ: باب الترغيب في الجهاد ٤٤٦/٢. وانظر: الدر
المنثور٦ / ٣٦٤.
(٢) وهما: سَبْقُها بنفي، ودخولها على نكرة.
(٣) الإملاء ٢٥٦/٢.
٢٥١

- الحديد -
آ. (٢٣) قوله: ﴿لكيلا﴾: هذه اللامُ متعلقةٌ بقولِه
((ما أصابَ))، أي: أَخبْرَناكم بذلك لكيلاَ يَحْصُلَ لكم الحزنُ المُقْنِط
أو الفرحُ المُطْغِي، فأمَّا دون ذلك فالإِنسانُ غيرُ مؤاخذٍ به. و «کي» هنا
ناصبةٌ بنفسِها فهي مصدريةٌ فقط لدخولِ لام الجرِّ عليها، وقرأ(١)
أبو عمرو ((بما أتاكم)) مقصوراً من الإِثْيان، أي: بما جاءكم. وباقي
السبعة ((آتاكم)) ممدوداً من الإِيتاء أي: بما أعطاكم اللَّهُ إياه. وقرأ عبد الله
(أُوْتیتم)).
آ. (٢٤) قوله: ﴿الذين يَبْخَلون﴾: قد تقدَّم مثلُ هذا في
سورة النساء (٢)، وتكلمتُ عليه بما يَكْفي، فلا معنى لإعادته.
قوله ((فإنَّ الله هو الغنيُّ)) قرأ (٣) نافع وابن عامر ((فإن الله الغنيُّ))
بإسقاطِ ((هو)) وهو ساقطٌ في مصاحف المدينةِ والشام. والباقون بإثباتِه
وهو ثابتٌ في مصاحفِهم، فقد وافق كلٌّ مصحَفه. قال أبو علي (٤): ((مَنْ
أثبت ((هو)) يَحْسُنْ أَنْ يكونَ فصلاً، ولا يَحْسُنُ أن يكونَ ابتداءً؛ لأنَّ
الابتداءَ لا يَسُوغ حَذْفُه)) يعني أنه تُرَجَّحُ فصليَتُه بحذفه في القراءةِ
الأخرى، إذ لو كان مبتدأَ لضَعُف حَذْفُه، لا سيما إذا صَلَحَ ما بعده أَنْ
يكونَ خبراً لِما قبله، ألا تراك لو قلت: ((إِنَّ زيداً هو القائمُ)) لم يَحْسُنْ
(١) السبعة ٦٢٦، والنشر ٣٨٤/٢، والبحر ٢٢٥/٨، والقرطبي ٢٥٨/١٧،
والحجة ٧٠١، والتيسير ٢٠٨.
(٢) انظر الدر المصون ٦٧٦/٣.
(٣) السبعة ٦٢٧، والنشر ٣٨٤/٢، والبحر ٢٢٦/٨، والقرطبي ٢٦٠/١٧،
والحجة ٧٠٢، والتيسير ٢٠٨.
(٤) الحجة (خ) ٤/ ٣٧٤.
٢٥٢

- الحديد -
حَذْفُ ((هو)) لصلاحيةِ ((القائمُ)) خبراً لـ ((إنَّ) وهذا كما قالوا في الصلة: إنه
يُحْذَفُ العائدُ المرفوعُ بالابتداء بشروطٍ منها: أن لا يكونَ ما بعدَه صالحاً
للصلة نحو: (جاء الذي هو في الدار)) أو ((هو قائم أبوه)) لعدم الدلالة.
إلاَّ أنَّ للمنازِعِ أن ينازعَ أبا علي ويقول: لا ألتزم تركيب إحدى القراءتين
على الأخرى، وكم مِنْ قراءتَيْنِ تغاير معناهما كقراءتَيْ: ((والله أعلَمُ بما
وضعتُ))(١) و ((وضَعَتْ))، إلاَّ أنَّ توافُقَ القراءتَيْن في معنىّ واحدٍ أَوْلِىُ،
هذا ما لا نزاعَ فیه.
آ. (٢٥) قوله: ﴿فيه بأسٌ شديدٌ﴾: جملةٌ حاليةٌ من
((الحدید)) .
قوله: ((معهم)) حالٌ مقدرة، أي: صائراً معهم، وإنَّما احتَجْنا إلى
ذلك لأنَّ الرسلَ لم يُتْزَلوا، ومقتضى الكلام أن يَصْحبوا الكتابَ في النزولِ.
وأمَّا الزمخشريُّ (٢) فإنه فَشَرَ الرسلَ بالملائكةِ الذين يَجيئون بالوحىٍ إلى
الأنبياءِ فالمعيَّةُ متحققةٌ.
قوله: ((وليعلَمَ)) عطفٌ على قولِه («ليقومَ الناسُ))، أي: لقد أَرْسَلْنا
رُسُلَنا وفَعَلْنا كيتَ وكيتَ ليقومَ الناسُ وليعلَمَ اللَّهُ. وقال الشيخ(٣): ((علةٌ
لإنزالِ الكتابِ والميزانِ والحديدِ))، والأول أظهرُ لأنَّ نصرةَ اللَّهِ ورسلِه
مناسبة للإرسال.
قوله ((ورُسُلَه)) عطفٌ على مفعولِ ((يَنْصُرُه))، أي: وينصُرُ رسُلَه. قال
(١) الآية ٣٦ من آل عمران. قرأ أبو بكر وابن عامر: وضعتُ، والباقون بالإسكان.
السبعة ٢٠٤.
(٢) الكشاف ٦٦/٤.
(٣) البحر ٨/ ٢٢٧.
٢٥٣

بـ الحديد -
أبو البقاء(١): ((ولا يجوزُ أَنْ يكونَ معطوفاً على ((مَنْ)) لئلا يُفْصَلَ به بين
الجارِّ وهو ((بالغَيْب)) وبينَ ما يتعلَّق به وهو ((يَنْصُرُ)). قلت: وجَعْلُه العلةَ
ما ذكرَه مِنْ الفصلِ بين الجارِّ وما يتعلَّق به مَنْ يُؤْهِمُ أَنَّ معناه صحِيحٌ لولا
هذا المانعُ، وليسَ كذلك إذ يصيرُ التقديرُ: وليعلمَ اللَّهُ مَنْ ينصرُه
بالغيبٍ. وَلِيَعْلَمَ رَسُلَه. وهذا معنىٌ لا يَصِحُ البتة فلا حاجةَ إلى ذِكْرٍ
ذلك. و ((بالغيب)) حالٌ وقد تقدم مثلُه أولَ البقرة(٢) .
آ. (٢٦) قوله: ﴿فمنهم مُهْتَدٍ﴾: الضميرُ يجوزُ عَوْدُه على
الذُّرِّيَّة، وهو أَوْلَى لتقدُّم ذِكْرِه لفظاً. وقيل: يعودُ على المُرْسَل إليهم
لدلالة ((أَرْسَلْنا)) والمرسلين عليهم.
آ. (٢٧) قوله: ﴿الإنجيلَ﴾: قد تقدَّم(٣) أنَّ الحسنَ قرأه
[٨٤٤/ ب] بفتح الهمزة في أول آل عمران. قال الزمخشري(٤): «أَمْرُه أهونُ/ مِنْ أَمْرِ
البِرْطيل(٥) والسّكِّينَ(٦) فيمن رَواهما بفتح الفاء لأنَّ الكلمةَ أعجمية
لا يلزَمُ فيها حِفْظُ أبنية العرب)). وقال أبو الفتح(٧): «هو مثالٌ لا نظيرَ
له)».
قوله: ((ورَهْبانيَّةً ابْتَدعوها)) في انتصابِها وجهان، أحدهما: أنها
(١) الإملاء ٢٥٦/٢ - ٢٥٧.
(٢) انظر: الدر المصون ١/ ٩٢.
(٣) انظر: الدر ٢٠/٣.
(٤) الكشاف ٤/ ٦٧ .
(٥) البرطيل: الرشوة أو حجر الرحى.
(٦) في مطبوعة الكشّاف: ((السُّكُّينة)) وهي لغة في ((السِّكُين)).
(٧) المحتسب ٣١٣/٢.
٢٥٤

- الحدید -
معطوفةٌ على ((رأْفَةً ورحمةً)). و(جَعَلَ)) إمَّا بمعنى خَلق أو بمعنى صيَّر،
و((ابْتدعوها)) على هذا صفةٌ لـ ((رَهْبانية)) وإنما خُصَّتْ بذِكر الابتداع لأنَّ
الرأفةَ والرحمةَ في القلب أمرُ غريزةٍ لا تَكَتُّبَ للإِنسانِ فيها بخلافٍ
الرهبانية فإنها أفعالُ البدن، وللإِنسانِ فيها تكشُّبٌ. إلاَّ أنَّ أبا البقاء(١) منعَ
هذا الوجهَ بأنَّ ما جعله اللَّهُ لا يَبْتدعونه. وجوابُه ما تَقَدَّم: مِنْ أنَّه لَمَّا
كانت مكتسبةً صَحَّ ذلك فيها. وقال أيضاً: ((وقيل: هو معطوفٌ عليها،
وابتدعوها نعتٌ له. والمعنى: فَرَضَ عليهم لزومَ رهبانيةٍ ابتدعوها، ولهذا
قال: ((ما كَتَبْناها عليهم إلَّ ابتغاءَ رضوانِ الله)).
والوجه الثاني: أنه منصوبةٌ بفعلٍ مقدرٍ يُفَسِّره الظاهرُ وتكون المسألةُ
من الاشتغالِ. وإليه نحا الفارسيُّ والزمخشريُّ (٢) وأبو البقاء(٣) وجماعةٌ
إلاَّ أنَّ هذا يقولون إنه إعرابُ المعتزلة؛ وذلك أنَّهم يقولون: ما كانَ مِنْ
فِعْلِ الإِنسانِ فهو مخلوقٌ له، فالرحمةُ والرأفة لَمَّا كانتْ من فِعْلِ اللَّهِ
تعالى نَسَبَ خَلْقَهما إليه. والرَّهْبَانِيَّة لَمَّا لم تكنْ من فِعْلِ اللَّهِ تعالى بل
مِنْ فعل العبدِ يَسْتَقِلُّ بفعلِها نَسَب ابتداعَها إليه، وللردِّ عليهم موضعٌ آخرُ
هو أليقُ به من هذا الموضعِ، وسأبِّينُهُ إنْ شاء الله في ((الأحكام)).
ورَدَّ الشيخُ(٤) عليهم هذا الإعرابَ من حيث الصناعةُ وذلك أنَّه مِنْ
حَقِّ اسمِ المُشْتَغَلِ عنه أن يَصْلُح للرفع بالابتداءِ و ((رهبانيةً)) نكرةٌ لا مُسَوِّغ
للابتداء بها، فلا يصلُحُ نصبُها على الاشتغال. وفيه نظرً؛ لأنَّا لا نُسَلِّمُ
(١) الإملاء ٢٥٧/٢.
(٢) الكشاف ٦٧/٤ تقديره: وابتدعوا.
(٣) الإملاء ٢٥٧/٢.
(٤) البحر ٢٢٨/٨.
٢٥٥

بـ الحديد -
أولاً اشتراطَ ذلك، ويَدُلُّ عليه قراءةُ مَنْ قرأ (١) ((سورةً أَنزَلْناها)) بالنصب
على الاشتغالِ كما قَدَّمْتُ تحقيقه في موضعه. ولئِنْ سَلَّمْنا ذلك فثَمَّ مُسَوٌِّ
وهو العطفُ. ومِنْ ذلك قولُه(٢):
٤٢٣٥_ عندي اصْطِبارٌ وشكْوى عند قاتلتي
فهل بأعجبَ مِنْ هذا امرؤٌ سَمِعًا
وقوله(٣):
٤٢٣٦- تَعَشَىُ ونجمٌ قد أضاء فَمُذْ بدا
مُحَيَّاكَ أَخْفَىُ ضوْءُه كلَّ شَارِقٍ
ذكر ذلك الشيخُ جمال الدين بن مالك(٤). وقرأ (٥) الحسن ((رَآفة))
بزنة فَعالة. والرَّهْبانيةُ منسوبةٌ إلى الرَهْبان فهو فَعْلان مِنْ رَهِب كقولهم:
((الخَشْيان)) مِنْ خَشِي. وقد تقدَّم معنى هذه المادةِ في المائدة مستوفى(٦).
وقُرِىء(٧) بضمُّ الراء. قال الزمخشري (٨): ((كأنَّها نِسْبةٌ إلى الرُّهْبان وهو
جمعُ راهبٍ كراكبٍ ورُكْبان)). قال الشيخ(٩): ((والأَوْلَى أَنْ يكونَ منسوباً
(١) الآية ١ من النور. وهي قراءة مجاهد وعيسى وآخرين. البحر ٤٢٧/٦ .
(٢) تقدم برقم ١٦٧٧
(٣) تقدم برقم ١٤٧٣ وقوله ((تعشَّ)) كذا في الأصل ومعناه قصد، والمشهور (سَرَيْنا))
والواو فيه ليست للعطف بل هي للحال.
(٤) انظر: شرح التسهيل له ٢٩١/١ واستشهد بالبيت الأول فحسب.
(٥) الإتحاف ٠٥٢٣/٢ والنشر ٢٣٠/٢، والبحر ٢٢٨/٨،.
(٦) انظر: الدر المصون ٣٩١/٤.
(٧) البحر ٢٢٨/٨، والقرطبي ٢٦٣/١٧.
(٨) الكشاف ٤/ ٦٧.
(٩) البحر ٢٢٨/٨.
٢٥٦

- الحديد -
إلى رَهْبان يعني بالفتح وغُيِر؛ لأنَّ النسبَ بابُ تغيير، ولو كان منسوباً
لرُهبان الجمع لرُدَّ إلى مفردِه(١)، إلَّ إنْ كان قد صار كالعَلَم فإنه يُنْسَبُ
إليه كالأنصار)).
قوله: ((مَا كَتَبْناها)) صفةٌ لـ «رَهْبانيةً))، ويجوزُ أَنْ يكونَ استئناف
إخبارٍ بذلك.
قوله: ((إلَّ ابتغاءَ رضوانِ الله)) فيه أوجه، أحدها: أنه استثناء متصلٌ
ممَّا هو مفعولٌ من أجلِهِ. والمعنى: ما كَتَبْناها عليهم لشيءٍ من الأشياءِ
إلَّ لابتغاءِ مَرْضاتِ اللَّهِ، ويكون ((كتب)) بمعنى قضىُ، فصار: كَتَبْناها
عليهم ابتغاءَ مرضاةِ اللَّهِ، وهذا قولُ مجاهد. والثاني: أنه منقطعٌ. قال
الزمخشري(٢) : - ولم يذكُرْ غيرَه-، أي: ولكنهم ابْتَدعوها. وإلى هذا
ذهبَ قتادةُ وجماعةٌ، قالوا: معناه لم يَفْرِضْها عليهم ولكنهم ابتدعوها.
الثالث: أنه بدلٌ من الضميرِ المنصوبِ في (كَتَبْنَاها)) قاله مكيُّ(٣) وهو
مُشْكِلٌ: كيف يكونُ بدلاً، وليس هو الأولَ ولا بعضَه ولا مشتملاً عليه؟
وقد يُقال: إنه بدلُ اشتمالٍ، لأن الرهبانيةَ الخالصةَ المَرْعِيَّةَ حَقَّ الرِّعاية
قد يكون فيها ابتغاء رضوانِ اللَّهِ، ويصير نظيرَ قولك ((الجاريةُ ما أحببتها
إلَّ أدبَها)) فإلَّ أدبَها بدلٌ من الضمير في ((أَحْبَيْتُها)) بدلُ اشتمالٍ. وهذا
نهايةُ التمثُلِ لصحةِ هذا القولِ واللهُ أعلمُ.
والضميرُ المرفوعُ في ((رَعَوْها)) عائدٌ على مَنْ تَقَدَّمَ. والمعنى: أنهم
لم يَدُوموا كلُّهم على رعايتها، وإنْ كان وُجِدَ هذا في بعضِهم. وقيل:
(١) فيقال: راهبية.
(٢) الكشاف ٦٧/٤.
(٣) إعراب المشكل ٣٦١/٢.
٢٥٧

- الحديد -
يعودُ على الملوكِ الذين حاربوهم، وقيل: على أحلافِهم. و((حَقَّ)) نصبٌ
على المصدر.
آ. (٢٩) قوله: ﴿لئلا يَعْلَمَ﴾: هذه اللامُ متعلقةٌ بمعنى
الجملة الطلبية المتضمنةِ لمعنى الشرطِ، إذ التقدير: إنْ تتقوا اللَّهَ وآمنتم
[٨٤٥/أ] برسلِه يُؤْتِكم كذا وكذا، لئلا يعلمَ. وفي (( لا)) هذه وجهان، أحدهما: /
وهو المشهورُ عندِ النحاةِ والمفسّرين والمُعْرِبين أنها مزيدةٌ كهي في
(ما مَنَعَكَ أَنْ لا تَسْجُدَ))(١)، و((أنهم إليهم لا يرجعون))(٢) على خِلافٍ في
هاتين الآيتين. والتقدير: أَعْلَمَكم اللَّهُ بذلك، ليعلمَ أهلُ الكتابِ عدمَ
قدرتِهِم على شيءٍ مِنْ فضلِ اللَّهِ وثبوتَ أنَّ الفَضْل بيدِ الله، وهذا واضح
بَيِّنٌ، وليس فيه إلاَّ زيادةُ ما ثبتَتْ زيادتُه شائِعاً ذائعاً.
والثاني: أنها غيرُ مزيدةٍ. والمعنى لئلا يعلمَ أهلُ الكتابِ عَجْزَ
المؤمنين، نقل ذلك أبو البقاء(٣) وهذا لفظُهُ، وكان قد قال قبلَ ذلك:
(( لا )) زائدة والمعنى: ليعلَم أهلُ الكتابِ عَجْزَهم)) وهذا غيرُ مستقيم؛
لأنَّ المؤمنين عاجزون أيضاً عن شيءٍ مِنْ فضل اللَّهِ وكيف يعملُ هذا
القائلُ بقولِه ((وأنَّ الفضلَ بيدِ الله))؛ فإنه معطوفٌ على مفعولِ العِلْمِ المنفيِّ
فيصيرُ التقدير: ولئلا يعلمَ أهلُ الكتاب أنَّ الفضلَ بيد الله؟ هذا لا يستقيمُ
نَفْيُ العِلْمِ به البتة، فلا جرم كان قولاً مُطَّرِحاً ذكَرْتُه تنبيهاً على فسادِهِ.
وقراءةُ العامَّةِ ((لئلا)) بكسر لام كي وبعدها همزةٌ مفتوحةٌ مخففةٌ.
(١) الآية ١٢ من الأعراف.
(٢) الآية ٣١ من يس.
(٣) الإملاء ٢/ ٢٥٧.
٢٥٨
--

- الحديد -
وورش(١) يُبْدِلها ياءً مَحْضَةٍ (٢) وهو تخفيفٌ قياسيّ نحو: مِيّة وفِيّة، في:
مئة وفئة. ويدلُّ على زيادتِها قراءةُ عبد الله وابن عباس وعكرمةً
والجحدري وعبد الله بن سلمة ((لِيَعْلَم)) بإسقاطِها، وقراءةُ حطان ابن
عبد الله(٣) (لأَنْ يعلمَ)) بإظهار ((أَنْ)). والجحدري أيضاً والحسن ((لِيَنَّعْلَمَ))
وأصلُها كالتي قبلها لأَنْ يعلم، فأبدل الهمزةَ ياءً لانفتاحِها بعد كسرة،
وقد تقدم أنه قياسٌ كقراءة ورش ((لِيَلَّ)) ثم أَدْغَمَ النون في الياء. قال
الشيخ (٤): ((بغير غُنَّهَ كقراءة خلف ((أَنْ يَضْرِبَ))(٥) بغيرِ غُنَّة)) انتهى. فصار
اللفظ لِيَنَّعْلَمَ. وقوله: ((بغير غنَّة)) ليس عَدَمُ الغنَّةِ شرطاً في صحة هذه
المسألةِ، بل جاء على سبيل الاتفاقِ ولو أذْغَمَ بُغنَّةٍ لجاز ذلك فسقوطُها
في هذه القراءاتِ يؤيِّد زيادتها في المشهورةِ.
وقرأ الحسن أيضاً فيما رَوَىُ عنه أبو بكر ابن مجاهد ((لَيْلا يَعْلَمَ)) بلام
مفتوحةٍ وباءٍ ساكنةٍ كاسم المرأة ورفع الفعلِ بعدها. وتخريجُها: على أنَّ
أصلَها: لَأَنْ لا ، على أنها لامُ الجرّ ولكنْ فُتِحَتْ على لغةٍ معروفة،
وأنشدوا(٦):
٤٢٣٧ - أُريدُ لَأَنْسَى ذِكْرَها ...
(١) انظر في قراءاتها: الإتحاف ٥٢٤/٢، والبحر ٢٢٩/٨، والقرطبي ٢٦٨/١٧،
والمحتسب ٣١٣/٢، والشواذ ١٥٣.
(٢) لِيلاً.
(٣) حطان بن عبد الله الرقاشي قرأ على أبي موسى الأشعري، وقرأ عليه الحسن
البصري توفي سنة نيف وسبعين. طبقات القراء ١/ ٢٥٤.
(٤) البحر ٢٢٩/٨.
(٥) الآية ٢٦ من البقرة.
(٦) تقدم برقم ٨٥٠.
٢٥٩

- الحديد -
بفتح اللام، وحُذِفَتَ الهمزةُ اعتباطاً، وأُدْغمت النونُ في اللام
فاجتمع ثلاثة أمثالٍ فَتَقُلَ النطقُ به فأبدلَ الوسطَ ياءً تخفيفاً، فصار اللفظُ
(لَيْلا)» - كما ترى - ورُفِع الفعل؛ لأنَّ ((أَنْ)) هي المخففةُ لا الناصبةُ،
واسمُها على ما تقرَّر ضميرُ الشأنِ، وفُصِل بينها وبين الفعلِ الذي هو
خبرُها بحرفِ النفي
وقرأ الحسن أيضاً - فيما روى عنه قطرب ـ (لِيْلا)) بلام مكسورة
وياءِ ساكنةٍ ورفع الفعل، وهي كالتي قبلها في التخريج. غايةُ ما في الباب :
أنه جاء بلام مكسورةٍ كما في اللغة الشهيرة. ورُوي عن ابن عباس ((لكي
يعلَمَ))، و((كي يعلم)) وعن عبد الله ((لكيلا)) وهذه كلُّها مخالفةٌ للسوادِ
الأعظم ولسوادِ المصحف.
وقرأ العامَّةُ ((أَنْ لا يَقْدِرُون)) بثبوت النون على أنَّ ((أَنْ)) هي المخففة
وعبد الله (١) بحَذْفِها على أَنَّ ((أَنْ)) هي الناصبة وهذا شاطٌ جداً؛ لأنَّ العِلْمَ
لا تقع بعده الناصبةُ:
وقوله: ((يُؤْتيه مَنْ يشاء)) الظاهرُ أنه مستأنف. وقيل: هو خبرٌ ثانٍ
عن الفضل. وقيل: هو الخبرُ وحدَه، والجارُّ قبله حالٌ وهي حالٌ لازِمَةٌ؛
لأنَّ كونَه بيدِ الله تعالى لا ينتقِلُ البتة.
[تمَّت بعونه تعالى سورة الحديد]
(١) البحر ٢٢٩/٨.
٢٦٠