Indexed OCR Text

Pages 681-700

- الأحقاف -
قوله: ((بقادرٍ) الباءُ زائدةٌ. وحَسَّنَ زيادتَها كونُ الكلامِ في قوةِ «أليسَ اللَّهُ
بقادٍ)) وقاس الزجَّاجُ(١) «ما ظَنَّنْتُ أنَّ أحداً بقائمٍ) عليها، والصحيحُ التوقُّفُ.
وقرأ(٢) عيسى وزيد بن علي والجحدريُ ((يَقْدِرُ)) مضارعَ قَدَرَ، والرسمُ يَحْتملُه.
وقوله: ((بلى)) إيجابٌ لِما تضمَّنَه الكلامُ مِن النفي في قوله: ((أو لم يَرَوْا)).
آ. (٣٤) قوله: ﴿أليسَ هذا﴾: معمولٌ لقولٍ مضمرٍ هو حالٌ،
كما تقدَّمَ في نظيرِه.
آ. (٣٥) قوله: ﴿فاصْبِرْ﴾: الفاءُ عاطفةٌ هذه الجملةَ على
ما تقدَّمَ، والسبيَّةُ فيها ظاهرةٌ .
قوله: ((من الرسُل)) يجوزُ أَنْ تكونَ تبعيضيّةً، وعلى هذا فالرسلُ أولو عَزْمٍ
وغيرُ أُولِي عَزْمٍ . ويجوز أَنْ تكونَ للبيانِ، فكلُّهم على هذا أُوْلُو عَزْمِ.
قوله: ((بلاغٌ) العامَّةُ على رَفْعِه. وفيه وجهان، أحدهما: أنَّه خبرُ مبتدأ
محذوفٍ، فقدَّره بعضُهم: تلك الساعةُ بلاغٌ، لدلالةِ قولِه: ((إلاَّ ساعةً من نهار))
وقيل: تقديرُه هذا أي: القرآن والشرعُ بلاغٌ. والثاني: أنَّه مبتدأٌ، والخبرُ قولُه:
((لهم)) الواقعُ بعد قولِه: ((ولا تَسْتَعْجِلْ)) أي: لهم بلاغٌ، فُوْقَفُ علِى
((فلا تَسْتعجل)). وهو ضعيفٌ جداً للفصلِ بالجملةِ التشبيهية، لأنَّ الظاهرْ تَعَلُّقُ
((لهم)) بالاستعجال، فهو يُشْبِه التهيئةَ والقطعَ. وقرأ(٣) زيد بن علي والحسن
وعيسى («بلاغاً)) نصباً على المصدرِ أي: بَلَغَ بلاغاً، ويؤِّده قراءة أبي مجلز
(بلِّغْ)) أمراً. وقرأ أيضاً (بَلَغَ)) فعلًا ماضياً.
....
(١) معاني القرآن له ٤٤٧/٤.
(٢) الإتحاف ٤٧٣/٢، والقرطبي ٢١٩/١٦، والنشر ٣٥٥/٢.
(٣) انظر في قراءاتها: الإتحاف ٤٧٣/٢، والمحتسب ٢٦٨/٢، والبحر ٦٩/٨،
والقرطبي ٢٢٢/١٦.
٦٨١

- الأحقاف بـ
ويُؤْخَذُ مِنْ كلامِ مكيّ (١) أنه يجوزُ نصبُه نعتاً لـ ((ساعةً)) فإنه قال:
((ولو قُرِىء ((بلاغاً» بالنصبِ على المصدر أو على النعتِ لـ («ساعةً)) جاز)).
قلت: قد قُرِىء به وكأنه لم يَطّلِعْ على ذلك.
وقرأ ((الحسن)) أيضاً (بلاغ)) بالجرِّ. وخُرِّجَ على الوصف لـ ((نهار)) على
حَذْفِ مضافٍ أي: مِنْ نَهارٍ ذي بلاغ، أو وُصِف الزمانُ بالبلاغ مبالغةً ..
قوله: ((يُهْلَكُ)) العامَّةُ على بنائِه للمفعولِ. وابن محيصن(٢) ((يَهْلِك)).
بفتح الياء وكسرِ اللام مبنياً للفاعل. وعنه أيضاً فتحُ اللامِ وهي لغةً. والماضي
هَلِكَ بالكسر. قال ابن جِني (٣): ((كلّ مرغوبٌ عنها)). وزيد بن ثابت بضمِّ الياءِ
[٨٠٤/أ] وكسرٍ اللام / والفاعلُ اللَّهُ تعالى. ((القومَ الفاسقين)) نصباً على المفعول به.
و ((نُهْلك)) بالنون ونصب ((القوم)).
[تمّت بعونه تعالى سورة الأحقاف]
(١) مشكل الإعراب ٣٠٤/٢.
(٢) الشواذ ١٤٠، والإتحاف ٤٧٤/٢، والبحر ٦٩/٨، والقرطبي ٢٢٢/١٦،
والمحتسب ٢٦٨/٢ .
(٣) عبارته في المحتسب ٢٦٨/٢ ((وأمَّا يَهْلَك بفتح الياء واللام جميعاً فشاذة ومرغوب
عنها؛ لأن الماضي هَلَكَ فَعَل مفتوحة العين ولا يأتي يَفْعَلُ بفتح العين فيهما جميعاً
إلا الشاذ».
٦٨٢

- محمد -
سورة محمد
صَلىالله
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (١) قوله: ﴿الذين كفروا﴾: يجوزُ فيه الرفعُ على الابتداءِ.
والخبرُ الجملةُ مِنْ قوله: ((أَضَلَّ أعمالَهم))، ويجوزُ نصبُه على الاشتغالِ بفعلٍ
مقدرٍ يُفَسِّرُه ((أَضَلَّ)) من حيثُ المعنى أي: خَيَّبَ الذين كفروا.
آ. (٢) قوله: ﴿والذين آمنوا﴾: يجوز فيه الوجهان المتقدمان.
وتقديرُ الفعلِ: ((رَحِمَ الذين آمنوا)).
قوله: ((بما نُزِّل على محمدٍ)) العامَّةُ على بنائه للمفعول مشدَّداً. وزيد ابن
علي(١) وابن مقسم ((نَزَّل)) مبنياً للفاعل، وهو اللَّهُ تعالى. والأعمش ((أُنْزِل))
بهمزة التعدية مبنياً للمفعول. وقُرِىء ((نَزَلَ)) ثلاثياً مبنياً للفاعل.
قوله: ((وهو الحقُّ)) جملةٌ معترضةٌ بين المبتدأ والخبرٍ، أو بين المفسَّر
والمفسِّر. وتقدَّم تفسيرُ البال في طه(٢) .
آ. (٣) قوله: ﴿ذلك): فيه وجهان، أظهرهما: أنه مبتدأ.
(١) انظر في قراءاتها: البحر ٧٣/٨، والمحرر ٤٩/١٥.
(٢) في الآية ٥١.
٦٨٣

- محمد
والخبرُ الجارُّ بعدَه. والثاني: قاله الزمخشري(١) أنَّه خبرُ مبتدأ مضمرٍ أي: الأمرُ.
ذلك بسببٍ كذا. فالجارُّ في محلّ نصبٍ. قال الشيخ (٢): ((ولا حاجةً إليه)).
قوله: ((كذلك يَضْرِبُ)) خرَّجَه الزمخشريُّ (٣) على: مِثْلَ ذلك الضربِ
يَضْرِبُ اللَّهُ للناسِ أمثالَهم. والضميرُ راجعٌ إلى الفريقين أو إلى الناسِ ، على
معنى: أنه يَضْرِبُ أمثالَهم لأجلِ الناس ليَعْتَبِروا.
آ. (٤) قوله: ﴿فإذا لَقِيْتُمْ﴾: العاملُ في هذا الظرفِ فعلٌ مقدر
هو العاملُ في ((ضَرْبَ الزِّقاب)) تقديرُه: فاضربوا الرقابَ وقتَ ملاقاتِكم العدوّ.
ومنع أبو البقاء (٤) أَنْ يكونَ المصدر نفسُه عاملاً قال: ((لأنه مؤكّدٌ)). وهذا أحدٌ
القولَيْن في المصدرِ النائبِ عن الفعل نحو: ((ضَرْباً زيداً)) هل العملُ منسوبٌ
إليه أم إلى عامِله؟ ومنه(٥):
٤٠٥٠- على حينَ أَلْهىْ الناسَ جُلُّ أمورِهمْ
فنّدْلاَ زُرَيْقُ المالَ نَدْلَ الثَّعالبِ
فالمالَ منصوبٌ: إِمَّا بـ ((انْدُلْ)) أو بـ ((نَذْلا))، والمصدر هنا أُضيف إلى
معمولِه. وبه اسْتُدِلَّ على أنَّ العملَ للمصدرِ لإِضافتِه إلى ما بعدَه، ولو لم يكنْ
عامِلًا لما أُضِيْفَ إلى ما بعده.
(١) الكشاف ٥٣٠/٣.
(٢) البحر ٧٣/٨.
(٣) الكشاف ٣/ ٥٣٠.
(٤) الإملاء ٢٣٦/٢.
(٥) تقدم برقم ٢ .
٦٨٤

- محمد -
قوله: ((حتى إذا)) هذه غايةٌ للأمرِ بضَرْبٍ الرقاب. وقرأ(١) السُّلَمِيُّ
(فَشِدُّوا)) بكسر الشين. وهي ضعيفةٌ جداً. والوثاق بالفتح ــ وفيه الكسر - اسمُ
ما يُؤْتَقُ به.
قوله: ((فإما مَنَّاً بَعْدُ وإمَّا فداءً)) فيهما وجهان، أشهرهما: أنهما منصوبان
على المصدر بفعلٍ لا يجوزُ إظهارُه؛ لأنَّ المصدرَ متى سِيْقَ تفصيلا لعاقبةٍ
جملةٍ وَجَبَ نصبُهُ بإضمارٍ فِعْلٍ لا يجوزُ إظهارُه والتقديرُ: فإمَّا أَنْ تَمُنُّوا مَنَّا،
وإمَّا تُفادُوا فداءً. ومثله(٢):
٤٠٥١- لَأَجْهَدَنَّ فإمَّا دَرْءُ واقِعَةٍ
تُخْشَىْ وإِمَّا بلوغُ السُّؤْلِ والأَمَلِ
والثاني : - قاله أبو البقاء (٣) ـ أنهما مفعولان بهما لعاملٍ مقدرٍ تقديره:
((أَوْلُوْهُمْ مَنَّاً، واقْبَلوا منهم فداءً)). قال الشيخ (٤): ((وليس بإعرابٍ نحوي)).
وقرأ(٥) ابن كثير ((فِدَى)) بالقصر. قال أبو حاتم: ((لا يجوزُ؛ لأنه مصدرُ فادَيْتُه)»
ولا يُلْتَفت إليه؛ لأنَّ الفراءَ (٦) حكى فيه أربعَ لغاتٍ: المشهورةُ المدُّ والإعرابُ:
فداء لك، وفداءٍ بالمد أيضاً والبناء على الكسر والتنوين، وهو غريبٌ جداً.
وهذا يُشْبه قولَ بعضِهم ((هؤلاءٍ)) بالتنوين، وفِدى بالكسر مع القصر، وفَدَى
بالفتح مع القصرِ أيضاً.
(١) البحر ٧٤/٨.
(٢) لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر ٧٥/٨، والهمع ١٩٢/١، والدرر ١٦٥/١.
(٣) الإملاء ٢٣٦/٢.
(٤) البحر ٨/ ٧٥.
(٥) انظر في قراءاتها: الإتحاف ٤٧٥/٢، والبحر ٧٥/٨، والقرطبي ٢٢٦/١٦.
(٦) لم ترد في ((معاني القرآن)).
٦٨٥

- محمد -
والأَوْزارُ هنا: الأثقال، وهو مجازٌ. قيل: هو مِنْ مجاز الحَذْف أي: أهل
الحرب. والأَوْزار عبارةٌ عن آلاتِ الحرب. قال الشاعر (١):
٤٠٥٢- وأَعْدَدْتُ
رِماحاً طِوالاً وخَيْلاً ذُكوراً
-.
للحَرْبِ أوزارَها
و ((حتى)) الأولى غايةٌ لضَرْبِ الرِّقاب، والثانيةُ لـ ((شُدُّوا)). ويجوزُ أَنْ
يكونا غايتين لضَرْبِ الرِّقَابِ، على أنَّ الثانيةَ توكيدٌ أو بدلٌ.
قوله: ((ذلك)) يجوزُ أَنْ يكونَ خبرَ مبتدأ مضمرٍ أي: الأمرُ ذلك، وأَنْ
ينتصِبَ بإضمارِ افْعَلوا.
قوله : ((لَبْلُوْ بَعْضَكم)) أي: ولكنْ أَمْرَكم بالقتال ليبْلُوَ.
قوله: ((قُتِلُوا)) قرأ العامَّةُ ((قاتلوا)) وأبو عمروٍ(٢) وحفص ((قُتِلوا)) مبنياً
للمفعولِ على معنى: أنَّهم قُتِلوا وماتوا، أصاب القتلُ بعضَهم كقوله: ((قُتْل معه
رِبُيُون))(٣). وقرأ الجحدري ((قَتَلوا)) بفتح القاف والتاءِ خفيفةً، ومفعولُه
[٨٠٤/ب] محذوفٌ. وزيد بن ثابت والحسن وعيسى ((قُتِّلوا)) بتشديد التاء مبنياً للمفعول. /
وقرأ(٤) أمير المؤمنين علي ((تُضَلَّ)) مبنياً للمفعولِ ((أعمالُهم)) بالرفع لقيامِهِ
مَقامَ الفاعلِ. وَقُرِىءَ (تَضِلَّ)) بفتح التاء، ((أعمالُهم)) بالرفع فاعلاً.
آ. (٦) قوله: ﴿عَرَّفَها﴾: يجوزُ فيها وجهان، أحدهما: أَنْ تكونَ
مستأنفةً. والثاني: أَنْ تكونَ حالاً فيجوزَ أَنْ تُضْمِرَ ((قد)) وأن لا تُضْمِرَ.
(١) تقدم برقم ١٨٩٩.
(٢) انظر في قراءاتها: السبعة ٦٠٠، والنشر ٣٧٤/٢، والحجة ٦٦٦، والتيسير ٢٠٠،
والبحر ٧٥/٨، والقرطبي ٢٣٠/١٦.
(٣) الآية ١٤٦ من آل عمران. وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو. الدر ٤٢٨/٣.
(٤) البحر ٧٥/٨، والكشاف ٥٣١/٣، حيث ذكر الأول بالياء والثاني بالتاء.
٦٨٦

- محمد -
و((عَرَّفها)): من التعريف الذي هو ضدُّ الجهل. وقيل: من الرَّفْع. وقيل: من
العَرْف وهو الطِّيب. وقرأ(١) أبو عمروٍ في رواية ((ويُدْخِلْهم)) بسكون اللامِ.
وكذا ميُ ((نُطْعِمْكم)(٢) وعين ((يَجْمَعْكم))(٣) كأنه يَسْتَثْقِلُ الحركاتِ. وقد قرأتُ
له بذلك في ((يُشْعِرْكم)»(٤) و «ینْصُرْکم)»(٥) وبابه.
آ. (٧) قوله: ﴿ويُثَبِّتْ﴾: قرأه العامَّةُ مُشَدَّداً. ورُوي(٦) عن
عاصم تخفيفُهُ مِنْ أَثْبَتَ.
آ. (٨) قوله: ﴿والذين كفروا﴾: يجوز أنْ يكونَ مبتدأً،
والخبرُ محذوفٌ. تقديره: فَتَعِسُوا وأُتْعِسُوا، يَدُلُّ عليه ((فَتَعْساً)) فتعساً منصوبٌ
بالخبرِ. ودَخَلَتِ الفاءُ تشبيهاً للمبتدأ بالشرط. وقدَّرَ الزمخشري (٧) الفعلَ
الناصبَ لـ (تَعْساً)) فقال: ((لأنَّ المعنى: فقال تعساً أي(٨): فقضىْ تَعْساً لهم)).
قال الشيخ(٩): ((وإضمارُ ما هو من لفظِ المصدر أَوْلَى)). والثاني: أنه منصوبٌ
بفعلٍ مقدر يُفَسِّره ((فَتَعْساً لهم)) كما تقول: زيداً جَدْعاً له، كذا قال الشيخ(١٠)
تابِعاً للزمخشريِّ(١١). وهذا لا يجوزُ لأنَّ ((لهم)) لا يتعلَّقُ بـ ((تْساً))، إنما هو
(١) وهي رواية العباس بن الفضل عنه، كما في المحرر ٥٤/١٥.
(٢) الآية ٩ من الإِنسان.
(٣) الآية ٩ من التغابن.
(٤) الآية ١٠٩ من الأنعام.
(٥) الآية ٢٠ من الملك.
(٦) في رواية المفضل عنه كما في البحر ٧٦/٧.
(٧) الكشاف ٥٣٢/٣.
(٨) الكشاف: أو.
(٩) البحر ٧٦/٨.
(١٠) البحر ٧٦/٨.
(١١) الكشاف ٥٢٣/٣.
٦٨٧

- محمد
متعلقٌ بمحذوفٍ لأنَّه بيانٌ أي: أعني لهم: وقد تقدَّم تحقيقُ هذا والاستدلالُ
عليه. فإِنْ عَنّيا إضماراً مِنْ حيث مطلقُ الدلالةِ لا من جهةِ الاشتغالِ فَمُسَلَّمٌ،
ولكنْ تَأْباه عبارتُهما وهي قولُهما: منصوبٌ بفعلٍ مضمرٍ يُفَسره ((فَتَعْساً لهم))،
و ((أَضَلَّ)) عطفٌ على ذلك الفعل المقدرِ أي: أتعسَهُم وأضلُّ أعمالهم.
والتَّعْسُ: ضدُّ السَّعْدِ يقال: تَعَسَ الرجلُ بالفتحِ تَعْساً وأَنْعَسَهَ اللَّهُ. قال
مجمِّع(١):
...
٤٠٥٣- تقولُ وقد أَفْرَدْتُها مِنْ حَليلِها
تَعِسْتَ كما أَتْعَسْتَني يا مُجَمِّعُ
وقيل: تعِس بالكسرِ، عن أبي الهيثم وشَمِر وغيرِهما. وعن أبي
عبيدة(٢): تَعَسَه وأَنْعَسَهُ متعدِّيان فهما مما اتَّفَق فيهما فَعَل وَأَفْعَل وقيل: التَّعْسُ
ضدُّ الانتعاش. قال الزمخشري (٣): ((وتَعْساً له نقيض لَعًا لَه)) يعني أنَّ كلمةً
((لَعا)) بمعنى انتعش. قال الأعشى (٤):
٤٠٥٤- بذاتِ لَوْثٍ عَفَرْناةٍ، إذا عَثَرَتْ
فالتَّعْسُ أَدْنِىْ لها مِنْ أَنْ أقولَ لَعَا
وقيل: التَّعْسُ الهَلاك. وقيل: التَّعْسُ الجَرُّ على الوجهِ، والنَّكْسُ الجرّ
على الرأس.
آ. (٩) قوله: ﴿ذلك بأنَّهم﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ ((ذلك)) مبتدأً)،
والخبرُ الجارُّ بعدَهِ، أو خبرُ مبتدأ مضمرٍ. أي: الأمرُ ذلك بسبب أنهم كرهوا،
(١) البيت لمجمِّع بن هلال وهو في اللسان (تعس)، والبحر ٧٠/٨.
(٢) لم يرد في ((المجاز)).
(٣) الكشاف ٥٣٢/٣.
(٤) ديوانه ١٣. اللّوْث: القوة. العفرناة: الغول شبّه ناقته بها.
٦٨٨

- محمد -
أو منصوبٌ بإضمارٍ فعلٍ أي: فَعَل بهم ذلك بسببٍ أنَّهم كَرِهوا، فالجارُّ في
الوجهَيْن الأخيرَيْن منصوبُ المحلِّ.
آ. (١٠) قوله: ﴿دَمَّر اللَّهُ عليهم﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ حَذَفَ
مفعولَه أي: أهلك اللَّهُ بيوتَهم وخَرَّ بها عليهم، أو يُضَمَّنَ ((دَمَّ)) معنى: سَخِط
اللهُ علیهم بالتدمير.
قوله: ((أمثالُها)) أي: أمثال العاقبةِ المتقدِّمة. وقيل: أمثال العقوبة.
وقيل: التَّدْميرة. وقيل: الهَلَكة. والأولُ أَوْلَى لتقدُّم ما يعودُ عليه الضميرُ
صريحاً مع صحةٍ معناه.
آ. (١١) قوله: ﴿ذلك بأنَّ﴾: كقولِه فيما تقدَّم(١). والوّلِيُّ هنا:
الناصِرُ.
آ. (١٢) قوله: ﴿كما تأكلُ الأنعامُ﴾: إمّا حالٌ مِنْ ضميرٍ
المصدرِ أي: يأكلوا(٢) الأكلَ مُشِْهاً أَكْلَ الأنعامِ، وإمَّا نعتٌ لمصدرٍ أي: أكلاً
مثلَ أكلِ الأنعامِ .
قوله: ((والنارُ مَثْوى لهم)) يجوزُ أَنْ تكونَ هذه الجملةُ استئنافاً. ويجوزُ أَنْ
تكونَ حالاً، ولكنَّها مقدرةٌ أي: يأكلون مُقَدَّراً ثَوُِّّهم في النار.
آ. (١٣) قوله: ﴿وكأَيِّنْ مِنْ قريةٍ﴾ يريد أهلَ قريةٍ، ولذلك
راعى هذا المقدَّرَ في ((أَهْلَكْناهم)) ((فلا ناصر لهم)) بعد ما راعى المضافَ في
قوله: ((هي أشدُّ) والجملةُ مِنْ («هي أشدُّ)) صفةٌ لقرية. وقال ابنُ عطية(٣):
(١) الآية ٩.
(٢) لا وجه لحذف النون.
(٣) المحرر ٥٨/١٥.
٦٨٩

- محمد -
((نَسَبَ الإِخراجَ للقرية، حَمْلاً على اللفظِ، وقال: ((أهلكناهم)) حَمْلاً على
المعنى)). قال الشيخ(١): ((وظاهرُ هذا الكلامِ لا يَصِحُّ؛ لأن الضميرَ في
((أهلكناهم)) ليس عائداً على المضافِ إلى القرية التي أَسْنَدَ إليها الإِخراجَ، بل
على أهلِ القرية، في قوله: ((وكأيُّنْ مِنْ قريةٍ)) [فإنْ كان أرادَ بقولِه: ((حَمْلاً على
المعنى)) أي: معنى القرية مِنْ قوله: ((وكأيُّنْ مِنْ قرية))](٢) فهو صحيحٌ، لكنَّ
[٨٠٥/أ] ظاهرَ / قولِه: ((حَمْلاً على اللفظِ)) و((حَمْلًا على المعنى)) أَنْ يكونَ في مدلولٍ
واحدٍ، وكان على هذا يَبْقَى ((كَأَيِّنْ)» مُفْلَتاً غيرَ مُحَدَّثٍ عنه بشيء، إلَّ أَنْ يُتْخَيَّلَ
أنَّ ((هي أشدُّ) خبرٌ عنه، والظاهرُ أَنَّه صفةٌ لـ قرية)). قلت: وابن عطيةً إنما أراد
لفظَ القريةِ مِنْ حيث الجملةُ لا من حيث التعيينُ.
آ. (١٤) قوله: ﴿أَفَمَنْ كان﴾: مبتدأٌ، والخبر ((كَمَنْ زُيِّنَ))،
وحُمِل على لفظ ((مَنْ)) فأُفْرِدَ في قوله: ((له سُوْءٌ عَمَلِه)) وعلى المعنى فجُمِعَ في
قوله: ((واتَّبَعُوا أهواءَهم))، والجملةُ مِنْ ((اتّبعوا)) عطفٌ على ((زُيِّنَ)) فهو صلةٌ.
آ. (١٥) قوله: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾: فيه أوجهٌ، أحدها: أنه مبتدأٌ،
وخبرُه مقدرٌ. فقدَّره النضر بن شميل: مثلُ الجنةِ ما تَسْمعون، فـ ((ما تَسْمِعون)»
خبرُه، و((فيها أنهارٌ)» مُفَسَّرُ لِه. وقَدَّره سيبويه(٣): ((فيما يُتْلَى عليكم مَثَلُ:
الجنة))، والجملةُ بعدَها أيضاً مُفَسِّرةٌ للمَثل. الثاني: أن ((مَثَل» زائدةٌ تقديرُه : :
الجنة التي وُعِدَ المتقون فيها أنهارٌ. ونظيرُ زيادةِ ((مَثَل)) هنا زيادةُ ((اسم)» في
قوله(٤) :
(١) البحر ٧٨/٨.
(٢) ما بين معقوفين سقط من مطبوعة البحر.
(٣) الكتاب ٧١/١.
(٤) تقدم برقم ١٨.
٦٩٠

- محمد -
٤٠٥٥- إلى الحَوْلِ ثم اسْمُ السَّلامِ عليكما
الثالث: أنَّ (مَثَل الجنة)) مبتدأٌ، والخبر قولُه: ((فيها أنهارٌ))، وهذا ينبغي
أَنْ يمتنعَ؛ إذ لا عائدَ من الجملةِ إلى المبتدأ، ولا يَنْفَعُ كونُ الضميرِ عائداً على
ما أُضيف إليه المبتدأ. الرابع: أنَّ ((مَثَل الجنة) مبتدأٌ، خبرُه ((كمَنْ هو خالدٌ في
النار))، فقَدَّره ابنُ عطية(١): ((أمَثَلُ أهلِ الجنة كمَنْ هو خالدٌ))، فقدَّر حرفَ
الإِنكارِ ومضافاً ليصِحَّ. وقدَّره الزمخشري (٢): ((أَمَثَلُ الجنةِ كمَثَلٍ جزاءٍ مَنْ هو
خالدٌ)). والجملةُ مِنْ قوله: ((فيها أنهارٌ)) على هذا فيها ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: هي
حالٌ من الجنة أي: مستقرّةٌ فيها أنهارٌ. الثاني: أنها خبرٌ لمبتدأ مضمرٍ أي: هي
فيها أنهارٌ، كأنَّ قائلاً قال: ما مَثَلُها؟ فقيل: فيها أنهار. الثالث: أَنْ تكونَ تكريراً
للصلة؛ لأنَّها في حكمِها ألا ترى إلى أنَّه يَصِحُّ قولُك: التي فيها أنهار، وإنما
عَرِيَ قولُه: ((مَثَلُ الجنةِ)) من حرفِ الإِنكار تصويراً لمكابرةٍ مَنْ يُسَوِّي بين
المُسْتَمْسِكِ بالبِّنَةِ وبين التابع هواه كمَنْ يُسَوِّي بين الجنة التي صفتُها كيتَ
وكيتَ، وبين النارِ التي صفتُها أَنْ يُسْقَى أهلُها الحميمَ. ونظيرُه قولُ القائلِ (٣):
٤٠٥٦- أَفْرَعُ أَنْ أُرْزَأَ الكرامَ وأَنْ
أُوْرَثَ ذَوْداً شَصائِصاً نَبْلا
هو كلامٌ مُنْكِرٌ للفرحِ برُزْئِه الكرامَ ووراثةِ الذَّوْدِ، مع تَعَرِّيه من حرف
الإِنكارِ، ذكر ذلك كلَّه الزمخشريُّ (٤) بأطولَ مِنْ هذه العبارةِ.
(١) المحرر ٦٠/١٥.
(٢) الكشاف ٥٣٣/٣.
(٣) تقدم برقم ٣٤٠.
(٤) الكشاف ٥٣٣/٣.
٦٩١

- محمد-
وقرأ(١) عليّ بن أبي طالب ((مثالَ الجنةِ)). وعنه أيضاً وعن ابن عباس
وابن مسعود «أمثال)) بالجمع .
قوله: ((آسِنٍ)) قرأ(٢) ابنُ كثير ((أَسِنٍ)» بزنة حَذِرٍ وهو اسمُ فاعلٍ مِنْ أَسِنَ
بالكسرِ يَأْسَنُ (٣)، فهو أَسِنْ ك حَذِرَ يَحْذَر فهو حَذِرٌ. والباقون ((آسِينٍ)) بزنةٍ.
ضارِب مِنْ أَسَنَ بالفتح يَأْسِنُ، يقال: أَسَن الماءُ بالفتحِ يَأْسِن ويَأْسُن بالكسرِ.
والضمِّ أُسُوْناً، كذا ذكره ثعلب في ((فصيحه)). وقال اليزيدي: ((يقال: أَسِنَ.
بالكسرٍ يَأْسَنُ بالفتحِ أَسَناً أي: تَغَيَّر طعمُه. وأمَّا أسِن الرجلُ - إذا دَخَل بئراً.
فأصابه مِنْ ريحِها ما جعل في رأسِه دُواراً - فَأَسِن بالكسرِ فقط. قال الشاعر (٤):
٤٠٥٧ - قد أترُكُ القِرْن مُصْفَرَاً أنامِلُه
يَميد في الرُّمْحِ مَيْدَ المائِح الأسِنِّ
وقُرِىءَ (يَسِنٍ)) بالياءِ بدلَ الهمزةِ. قال أبو علي(٥): ((هو تَخفيفُ أَسِنٍ)
وهو تخفيفٌ غريبٌ.
قوله: ((لَم يَتَغَيِّرْ طَعْمُه)) صفةٌ لـ((لبنٍ)). قوله: ((لذة)) يجوز أَنْ يكونَ تأنيثَ
(١) انظر في قراءاتها: القرطبي: ٢٣٦/١٦، والمحتسب ٢٧٠/٢، والشواذ ١٤٠.
(٢) السبعة ٦٠٠، والنشر ٣٧٤/٢، والتيسير ٢٠٠، والقرطبي ٢٣٦/١٦، والحجة
٦٦٧، والبحر ٧٩/٨.
(٣) اللازم، لأن المتعدي يأتي على فاعِل نحو عَلِم فهو عالم. انظر: الارتشاف
٠٢٣٣/١
(٤) البيت لزهير وهو في ديوانه ١٢١، وروايته:
يُغادر القِرْنَ مصغرًّا أنامله يميل في الرمح مَّيْلَ المائحِ الأُسِنِ
وهو في اللسان (أُسنَ). ومصفراً أنامله: أي دنا موته. والمائح: الذي يمدُّ من
فوق.
(٥) الحجة (خ) ٣١٢/٤
٦٩٢

- محمد-
لَذّ، ولَدُّ بمعنى لذيذ، ولا تأويلَ على هذا، ويجوزُ أَنْ يكونَ مصدراً وُصِفَ به.
وفيه التأويلاتُ المشهورةُ. والعامَّةُ على جرِّ(لَذَّةٍ) صفةً لـ ((خَمْرٍ)) وقُرِىءٍ(١)
بالنصب على المفعولِ له، وهي تؤيِّدُ المصدريةَ في قراءةِ العامَّةِ، وبالرفع صفةٌ
لـ «أنهارٌ))، ولم تُجْمَعْ لأنها مصدرٌ إنْ قيلَ به، وإنْ لا فلأنَّها صفةٌ لجمعٍ غيرٍ
عاقلٍ، وهو يُعامَلُ معاملةَ المؤنثةِ الواحدةِ.
قوله: ((مِنْ عَسَلٍ)) نقلوا في ((عَسَل)) التذكيرَ والتأنيثُ(٢)، وجاء القرآنُ
على التذكيرِ في قوله: ((مُصَفَّى)). والعَسَلان: العَدْوُ. وأكثرُ استعمالِه في
الذئبِ، يقال: عَسَل الذئبُ والثعلبُ، وأصلُه مِنْ عَسَلانِ الرُّمح وهو اهتزازُه،
فكأنَّ العادِيَ یهزُّ أعضاءه ويُحَرِّکها قال الشاعر(٣): /
٤٠٥٨- لَدْنَ بِهَزّ الكفِّ يَعْسِلُ مَتْنُه
فيه كما عَسَل الطريقَ الثعلبُ
[٨٠٥/ب]
وكُنِي بالعُسَيْلة عن الجماعِ لِما بينهما. قال عليه السلام: ((حتى تَذوقي
عُسَيْلَتَه ويذوقَ عُسَيْلَتَك))(٤).
قوله: ((مِنْ كلُّ الثمرات)) فيها وجهان، أحدهما: أن هذا الجارَّ صفةً
المقدرٍ، ذلك المقدَّرُ مبتدأ، وخبرُه الجارُّ قبلَه وهو ((لهم)). و((فيها)) متعلّقٌ بما
تعلَّقَ به. والتقديرُ: ولهم فيها زوجان مِنْ كلِّ الثمراتِ، كأنه انتَزَعَه مِنْ قولِه
(١) البحر ٧٩/٨.
(٢) ممن نقل تأنيثه ابن فارس في كتابه: المذكر والمؤنث ص ٥٣، ونقل في اللسان
اللغتين (عسل).
(٣) تقدم برقم ٢١٥٣ .
(٤) رواه البخاري. انظر: الفتح ٢٨٤/٩، وكتاب الطلاق، ٧، باب من قال لامرأته:
أنت عليَّ حرام.
٦٩٣

- محمد-
تعالى: ((فيهما مِنْ كلِّ فاكهةٍ زوجان))(١) وقَدَّره بعضُهم: صِنْفٌ، والأولُ أليقُ.
والثاني: أن: ((مِنْ)) مزيدةً في المبتدأ(٢).
قوله: ((ومَغْفِرَةٌ)) فيه وجهان، أحدُهما: أنه عطفٌ على ذلك المقدر
لا بقَيْدِ كونِه في الجنة أي: ولهم مغفرةٌ، لأن المغفرةَ تكون قبلَ دخول الجنة
أو بُعَيْدَ ذلك. ولا بُدَّ مِنْ حَذْفِ مضافٍ حينئذٍ أي: ونعيمُ مغفرةٍ؛ لأنه ناشِى ءُ
عن المغفرةٍ، وهو في الجنة.
والثاني: أن يُجْعَلَ خبرُها مقدَّراً أي: ولهم مغفرةً. والجملةُ مستأنفةٌ.
والفرقُ بين الوجهَيْنِ: أنَّ الوجه الذي قبل هذا فيه الإِخبارُ بـ ((لهم)) الملفوظِ به
عن سَنَّنِ ذلك المحذوف، و ((مغفرةُ))، وفي الوجه الآخر الخبر جارٍّ آخرُ، حُذِفُ
للدلالة عليه .
قوله: ((كمَنْ هو)) قد تقدَّم أنَّه يجوزُ أَنْ يكونَ خبراً عن «مَثَلُ الجنةِ»
بالتأويلَيْن المذكورَيْن عن ابنِ عطيةً والزمخشريِّ. وأمَّا إذا لم نجعَلْه خبراً عن
((مَثَلُ)) ففيه أربعةُ أوجهٍ، أحدها: أنَّه خبرُ مبتدأ محذوفٍ تقدیرُه: أحال هؤلاء
المتَّقين كحالٍ مَنْ هو خالدٌ. وهذا تأويلٌ صحيحٌ. وذكر فيه أبو البقاء(٣) الأوجه
الباقيةَ وقال: ((وهو في موضعِ رفعٍ أي: حالُهم كحالٍ مَنْ هو خالدٌ في النارِ.
وقيل: هو استهزاء بهم. وقيل: هو على معنى الاستفهامٍ ، أي: أكمَنْ هو
خالدٌ. وقيل: في موضعٍ نصبٍ أي: يُشْبِهون حالَ مَنْ هو خالدٌ في النار)»
انتهى. معنى قوله: ((وقيل هو استهزاءً)) أي: إن الإِخبار بقولك: حالُهم كحالٍ
مَنْ، على سبيلِ الاستهزاءِ والتهكُمِ.
(١) الآية ٥٢ من الرحمن.
(٢) وهذا مذهب مَنْ لا يشترط دخولَها على نكرة وهو الأخفش.
(٣) الإملاء ٢٣٧/٢ .
٦٩٤

- محمد -
قوله: ((وسُقُوا)) عطفٌ على الصلةِ، عَطَفَ فعليةً على اسمية، لكنه
راعى في الأولِ لفظ ((مَنْ)) فَأَفْرَدَ، وفي الثانيةِ معناها فجَمَعَ .
والأُمْعاءُ: جمع مِعِىَّ بالقصرِ، وهو المُصْرانُ الذي في البطن وقد
وُصِفَ بالجمع في قوله(١):
٤٠٥٩-
ومِعَیُّ جياعا
على إرادةِ الجنسِ . وألفُه عن ياءٍ بدليلِ قولهم: مِعَيان.
آ. (١٦) قوله: ﴿آنِفاً﴾: فيه وجهان، أحدهما: أنه منصوبٌ على
الحالِ، فقدَّره أبو البقاء(٢): ((ماذا قال مُؤْتَنِفا)). وقَدَّره غيرُه: مُبْتَدِئاً أي:
ما القولُ الذي ائْتَنَفه الآن قبلَ انفصالِه عنه. والثاني: أنه منصوبٌ على الظرفِ
أي: ماذا قال الساعةَ، قاله الزمخشري(٣). وأنكره الشيخ(٤) قال: ((لأنَّا لم نعلَمْ
أحداً عَدَّه من الظروف)). واختلفَتْ عبارتُهم في معناه: فظاهرُ عبارةٍ الزمخشري
أنه ظرفٌ حاليُّ كـ الآن، ولذلك فَسَّره بالساعة. وقال ابن عطية(٥):
((والمفسِّرون يقولون: آنِفاً معناه الساعةُ الماضيةُ القريبةُ منَّا وهذا تفسيرٌ
بالمعنی)).
وقرأ(٦) البزيُّ بخلافٍ عنه ((أَنِفاً)) بالقصرِ. والباقون بالمدِّ، وهما لغتان
(١) تقدم برقم ٣٣٠٧، والأصل: ((جياعُ)) ورواية البيت بالنصب.
(٢) الإملاء ٢٣٧/٢.
(٣) الكشاف ٣/ ٥٣٤.
(٤) البحر ٧٩/٨.
(٥) المحرر ٦٢/١٥.
(٦) السبعة ٦٠٠، والتيسير ٢٠٠، والبحر ٧٩/٨، والنشر ٣٧٤/٢.
٦٩٥

- محمد -
بمعنى واحدٍ، وهما اسما فاعِل كـ حاذِر وحَذِر، وآسِن وأَسِن، إلاّ أنّه
لم يُسْتعمل لهما فِعْلٌ مجردٌ، بل المستعملُ اثْتَنَفَ يَأْتَنِفُ، واسْتَأْنف يَسْتأنف.
والاثْتِنافُ والاسْتِثْناف: الابتداء. قال الزجَّاجِ(١): ((هو مِنْ اسْتَأْنَفْتُ الشيءَ إذا
ابتدَأْتَه أي: ماذا قال(٢) في أولِ وقتٍ يَقْرُب مِنَّا)).
آ. (١٧) قوله: ﴿والذين اهْتَدَوْا﴾: يجوزُ فيه الرفعُ بالابتداءِ،
والنصبُ على الاشتغالِ. و((تَقْواهم)» مصدرٌ مضافٌ لفاعلِه. والضمير في
(آتاهم)» يعودُ على اللَّهِ أو على قولِ المنافقين؛ لأنَّ قولهم ذلك مِمَّا يزيدُ
المؤمنينَ تقوى، أو على الرسول.
آ. (١٨) قوله: ﴿أَنْ تَأْتِيَهم﴾: بدلٌ من الساعة بدلُ اشتمالٍ.
وقرأ(٣) أبو جعفر الرؤاسي: ((إِنْ تَأْتِهم)) بـ إنْ الشرطيةِ، وجزمٍ ما بعدها. وفي
جوابِها وجهان، أحدهما: أنَّه قولُه: ((فَأَنَّى لهم)) قاله الزمخشريُّ (٤). ثم قال:
((فإنْ قلت: بِمَ يتصلُ قولُه: ((فقد جاء أَشْراطها)) على القراءَتَيْن؟ قلت: بإتيان
السَّاعةِ، اتصالَ العلةِ بالمعلولِ كقولك: إنْ أكرَمَني زيدٌ فأنا حقيقٌ بِالإِكرامِ.
أُكْرِمْه)). والثاني: أنَّ الجوابَ قولُه: ((فقد جاء أَشْراطُها))، وإتيانُ الساعَةِ، وإِنْ
كان متحققاً، إلاّ أنهم عُوْمِلوا مُعاملةَ الشاكُ، وحالُهم كانت كذا.
والأَشْراط: جمع شَرْط بسكونِ / الراءِ وفتحِها. قال أبو الأسود(٥):
[٨٠٦/أ]
٤٠٦٠ - فإن كنتِ قَد أَزْمَعْتِ بالصَّرْمِ بَيْنَا
فقد جّعَلَتْ أَشْراطُ أَوَّلِهْ تَبْدو
(١) معاني القرآن له ١٠/٥.
(٢) المطبوعة: ((مِنْ)).
(٣) المحتسب ٢٧٠/٢، والقرطبي ٢٤١/١٦، والبحر ٧٩/٨.
(٤) الكشاف ٥٣٤/٣.
(٥) ديوانه ٦٦، والقرطبي ٢٤٠/١٦.
٦٩٦

- محمد -
والأشراطُ: العلاماتُ، ومنه أَشْراط الساعةِ. وأَشْرَطَ الرجلُ نفسَه أي:
ألزمها أموراً. قال أوس(١):
٤٠٦١- فأَشْرَطَ فيها نَفْسَه وهو مُعْصِمٌ
فأَلْقَى بأسبابٍ له وتَوَكَّلا
والشَّرْطُ: القَطْعُ أيضاً، مصدرُ شَرَطَ الجلدَ يَشْرُطُه شَرْطاً.
قوله: ((فَأَنَّى لهم)) (أنّى)) خبرٌ مقدمٌ و((ذِكْراهم) مبتدأٌ مؤخرً أي: أنَّى لهم
التذكيرُ. وإذا وما بعدها معترضٌ وجوابُها محذوفٌ أي: كيف لهم التذكيرُ إذا
جاءتْهم الساعةُ؟ فكيف يتذكَّرون؟ ويجوز أن يكونَ المبتدأُ محذوفاً أي: أنَّى
لهم الخَلاصُ، ويكون ((ذِكْراهم)) فاعلًا بـ ((جاءَتْهم)).
وقرأ(٢) أبو عمروٍ في رواية ((بَغْتَةٌ)) بفتح الغينِ وتشديدِ التاء، وهي صفةٌ،
فنصبُها على الحال، ولا نظير لها في الصفات ولا في المصادر، وإنما هي في
الأسماء نحو: الجَرَبَّ للجماعةِ، والشَّرَبَّة للمكان. قال الزمخشري(٣): ((ما
أَخْوَفني أن تكونَ غُلْطَةٌ من الراوي عن أبي عمرو، وأَنْ يكونَ الصوابُ ((بَغْتَةً))
بالفتح دون تشديد)».
آ. (٢٠) قوله: ﴿لولا نُزِّلَتْ﴾: هذه بمعنى: هَلَّ، ولا التفات
إلى قول بعضِهم: إنَّ((لا)) زائدةٌ والأصلُ: لو نُزِّلَتْ. والعامَّةُ على رفع ((سورةٌ
مُحْكَمَةٌ)) لقيامِها مقامَ الفاعل. وزيد بن علي (٤) بالنصبِ فيهما على الحالِ
(١) ديوانه ٨٧، واللسان (شرط). والمعصم: المتعلق بحبل.
(٢) المحتسب ٢٧٠/٢، البحر ٨٠/٨، والقرطبي ٢٤١/١٦.
(٣) الكشاف ٥٣٥/٣.
(٤) البحر ٨١/٨.
٦٩٧

- محمد:ـ
والقائمُ مَقامَ الفاعلِ ضميرُ السورة المتقدمةِ، وسوَّغ وقوع الحال كذا وَصْفُها
كقولك: الرجل جاءني رجلاً صالحاً. وقُرىء (١): ((فإذا نَزَلَتْ سورةً)). وقرأ(٢)
زيدُ بن علي وابن عميرِ ((وذَكَرَ)) مبنياً للفاعل أي: اللَّه تعالى. ((القتالَ)) نصباً.
قوله: ((نَظَرَ المَغْشِيِّ)) الأصلُ: نَظَراً مِثْلَ نَظَرَ المَغْشِيِّ.
قوله: ((فأَوْلَى لهم طاعةٌ)) اختلف اللغويون والمُعْربون في هذه اللفظةِ،
فقال الأصمعي (٣): إنها فعلٌ ماضٍ بمعنى: قارَبَ ما يُهْلِكه وأنشد(٤):
٤٠٦٢- فعادَى بينَ هادِيَتَيْنِ مِنْها
وَأَوْلَىْ أَنْ يزيدَ على الثلاثِ
أي: قارَبَ أن يزيدَ. قال ثعلب: ((لم يَقُلْ أحدٌ في ((أَوْلَىْ)) أحسنَ مِنْ
قولِ الأصمعيِّ))، ولكنْ الأكثرون على أنه اسمٌ. ثم اختلف هؤلاء فقيل: هو
مشتقٌّ من الوَلْيِ وهو القُرْبُ كقوله(٥):
٤٠٦٣ - يُكَلِّفُني لَيْلَى وقد شَطَّ وَلْيُها
وعادَتْ عَوادٍ بيننا وخُطُوْبُ
وقيل: هو مشتقُّ مِن الوَيْلِ. والأصلُ: فيه أَوْيَل فقُلبت العين إلى ما بعدَ
اللام فصارَ وزنُه أَفْلَع. وإلى هذا نحا الجرجانيُّ. والأصلُ عدم القَلْبِ. وأمّا
معناها فقيل: هي تهديدٌ ووعيدٌ كقولِه(٦):
(١) البحر ٨١/٨، والكشاف ٥٣٥/٣، ذكر الأول قراءة ((نُزِّلَتْ))، وذكر الثاني ((نَزَّلَتْ)).
(٢) القرطبي ٢٤٣/١٦، والبحر ٨١/٨.
(٣) انظر: اللسان (ثلث).
لم أهتد إلى قائله، وهو في اللسان (ولي).
(٤)
(٥) البيت لعلقمة بن عبدة. وهو في ديوانه ١٣١، والمفضليات ٣٩١. والعوادي هنا:
العوائق.
(٦) لم أهتد إلى قائله، وهو في الصحاح واللسان (ولي).
٦٩٨

- محمد -
٤٠٦٤- فأَوْلَىْ ثم أَوْلَىْ ثم أَوْلَّى
وهَلْ للدَرِّ يُحْلَبُ مِنْ مَرَدِّ
وقال المبرد: يُقال لمَنْ هَمَّ بالغضبِ: أَوْلَى لك، كقولٍ أعرابي كان
يُوالِي رَمْيَ الصيدِ فَيَفْلَتُ منه فيقول: أَوْلِى لك، ثم رمى صيداً فقارَبَه فأفلتَ
منه ، فقال(١):
٤٠٦٥- فلو كان أَوْلَىْ يُطْعِمُ القومَ صِدْتُهم
ولكنَّ أَوْلى يَتْرُكُ القومَ جُوَّعا
هذا ما يتعلَّقُ باشتقاقِه ومعناه. أمَّا الإِعرابُ: فإن قلنا بقول الجمهور ففيه
أوجهٌ، أحدُها: أنَّ ((أَوْلَى)) مبتدأٌ، و((لهم)) خبرُه، تقديرُهُ: فالهلاكُ لهم. وسَوَّغَ
الابتداءَ بالنكرة كونُه دعاءً نحو: ((وَيْلٌ لكل هُمَزَةٍ))(٢). الثاني: أنه خبرُ مبتدأ
مضمرٍ تقديرُه العقابُ أو الهلاكُ أَوْلَى لهم، أي : أقربُ وأَدْنى. ويجوز أن تكونَ
اللامُ بمعنى الباءِ أي: أَوْلَى وَأَحَقُّ بهم. الثالث: أنه مبتدأُ، و((لهم)) متعلُّقٌ به،
واللامُ بمعنى الباء. و(طاعةٌ)) خبره، والتقدير: أولَىْ بهم طاعةٌ دونَ غيرِها. وإنْ
قلنا بقول الأصمعيَّ فيكون فعلاً ماضياً وفاعلُه مضمر، يَدُلُّ عليه السِّياقُ كأنه
قيل: فَأَوْلَى هو أي: الهلاكُ، وهذا ظاهرُ عبارةِ الزمخشري حيث قال(٣):
((ومعناه الدعاءُ عليهم بأَنْ يَلِيَهم المكروهُ)). وقال ابن عطية (٤): / ((المشهورُ من [٨٠٦/ب]
استعمالِ العرب أنك تقول: هذا أَوْلَى بك مِنْ هذا أي: أحقُّ. وقد تَسْتعملُ
العربُ ((أَوْلَى)) فقط على جهةِ الحذفِ والاختصارِ لِما معها من القول فتقول:
(١) لم أهتد إلى قائله وهو في اللسان (ولي) والبحر ٧١/٨.
(٢) الآية ١ من الهمزة.
(٣) الكشاف ٥٣٦/٣.
(٤) المحرر ٦٧/١٥.
٦٩٩

- محمد -
أَوْلَى لك يا فلانُ على جهةِ الزَّجْرِ والوعيد)) انتهى. وقال أبو البقاء (١): ((أَوْلَى
مؤنثة أَوْلات)) وفيه نظر لأن ذلك إنما يكون في التذكير والتأنيث الحقيقيّيْن، أمّا
التأنيثُ اللفظيُّ فلا يُقال فيه ذلك. وسيأتي له مزيدُ بيانٍ في سورة القيامة إن
شاء الله .
آ. (٢١) قوله: ﴿طاعةٌ﴾: فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه خبرُ ((أَوْلَى
لهم)) على ما تقدَّم. الثاني: أنها صفةٌ لـ ((سورةً)) أي: فإذا أُنْزِلَتْ سورةٌ مُحْكَمَةٌ
طاعةٌ أي: ذاتُ طاعةٍ أو مُطاعةٌ. ذكره مكيٍّ(٢) وأبو البقاء(٣) وفيه بُعْدٌ لكثرةِ
الفواصلِ. الثالث: أنها مبتدأً و((قولٌ)) عطف عليها، والخبرُ محذوفٌ تقديرُه:
أَمْثَلُ بكم مِنْ غيرِهما. وقَدَّره مكي(٤): مِنَّا طاعةٌ، فقدَّره مقدَّماً. الرابع: أن
يكونَ خبرَ مبتدأ محذوفٍ أي: أَمْرُنا طاعةٌ. الخامس: أنَّ (لهم)) خبرٌ مقدمٌ،
و ((طاعةٌ)) مبتدأ مؤخرٌ، والوقف والابتداء يُعْرَفان مِمَّا قدَّمْتُه فتأمَّلْه.
قوله: ((فإذا عَزَمَ)) في جوابِها ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: قولُه: ((فلو صَدَقُوا))
نحو: «إذا جاءني طعامٌ فلو جِئْتَني أطعمتُك)). الثاني: أنه محذوفٌ تقديره:
فاصْلُقْ، كذا قَدَّره أبو البقاء(٥). الثالث: أن تقديره: فاقْضُوا(٦). وقيل:
تقديره: كَرِهوا ذلك و ((عَزَمَ الأمرُ)) على سبيل الإِسنادِ المجازيِّ كقولِهِ(٧):
(١) الإملاء ٢٣٧/٢.
(٢) مشكل الإعراب ٣٠٨/٢.
(٣) الإِملاء ٢٣٧/٢.
(٤) المشكل ٣٠٧/٢.
(٥) الإملاء ٢٣٧/٢.
(٦) وهو تقدير ابن عطية في المحرر ٦٨/١٥ .:
(٧) البيت الرويشد بن رميض العنبري، وقد تمثل به الحجاج في خطبته على أهل
الكوفة. وهو في الكامل ٢٦٣/١، والمحرر ٦٨/١٥. وقبله :.
قد شَمِّرَتْ عن ساقِها فَشُدُّوا
٧٠٠