Indexed OCR Text

Pages 641-660

- الجاثية -
و (نَّتْلُوها)) حالٌ. قال الزمخشري(١): ((والعاملُ ما دَلَّ عليه ((تلك)) مِنْ معنى
الإِشارةِ ونحوُه: ((وهذا بَعْلِي شَيْخً)(٢). قال الشيخ(٣): ((وليس نحوَه؛ لأنَّ في
((وهذا بَعْلِي شَيْخً) حرفَ تنبيهٍ. وقيل: العاملُ في الحالِ ما دل عليه حرفُ
التنبيهِ أي: تَنَبَّه. وأمَّا (تلك)) فليس فيها حرفُ تنبيهٍ؛ فإذا كان حرفُ التنبيهِ عاملاً
بما فيه مِنْ معنى التنبيهِ، لأنَّ الحرفَ قد يَعْمَلُ في الحال، فالمعنى: تَنَبِّه لزيدٍ
في حال شيخِه أو في حال قيامِه. وقيل: العاملُ في مثل هذا التركيبِ فعلٌ
محذوفٌ يَدُلُّ عليه المعنى، أي: انظرْ إليه في حالٍ شيخه، ولا يكون اسمُ
الإِشارةِ عاملاً ولا حرفُ التنبيهِ إنْ كان هناك.
قلت: بل الآيةُ نحوَ ((هذا بَعْلي شيخاً)) من حيثيةٍ نسبةِ العملِ لاسمِ
الإِشارةِ. غايةُ ما ثَمَّ أنَّ في الآيةِ الأخرى ما يَصْلُحُ أَنْ يكونَ عاملاً، وهذا
لا يَقْدَحُ في التنظيرِ إذا قَصَدْتَ جهةً مشتركةً. وأمَّا إضمارُ الفعلِ فهو مشتركُ في
الموضعيْن عند مَنْ يَرَى ذلك. قال ابنُ عطية(٤): ((وفي ((نتلوها)) حَذْفُ مضافٍ
أي: نَتْلُوْ شَأْنَها وشَرْحَ العِبْرَةِ فيها. ويُحتمل أَنْ يريدَ بآيات الله القرآنَ المنزَّلَ
في هذا المعنى، فلا يكونُ فيها حَذْفُ مضافٍ)) / وقرأ(٥) بعضُهم ((يَتْلوها)) بياءٍ [٧٩٨/ب]
الغَيْبةِ عائداً على الباري تعالى. و((بالحَقِّ)) حالٌ من الفاعل أي: مُلْتَبَسِينَ
بالحق، أو من المفعولِ أي: مُلْتَبسةً بالحقِّ. ويجوزُ أَنْ تكونَ للسبيَّةِ فتتعلَّقَ
بنفس ((نَتْلوها)).
قوله: ((بعدَ اللَّهِ وآياتِه)). قال الزمخشريُّ(٦): ((أي: بعد آياتِ اللَّهِ فهو
(١) الكشاف ٥٠٩/٣.
(٢) الآية ٧٢ من هود.
(٣) البحر ٤٣/٨.
(٤) المحرر ٣٠٦/١٤.
(٥) القرطبي ١٥٨/١٦، والبحر ٤٣/٨.
(٦) الكشاف ٥٠٩/٣.
٦٤١

- الجاثية -
كقولِكَ: أَعْجبني زيدٌ وكرمُه تريدُ كرمَ زيدٍ)». ورَدَّ عليه الشيخُ(١): بأنَّه ليس
مُراداً، بل المرادُ إعجابان، وبأنَّ فيه إقحامَ الأسماءِ مِنْ غِيرٍ ضرورة. قال:
(وهذا قَلْبَ لحقائقِ النحو)).
وقرأ(٢) الحرميَّان وأبو عمروٍ وعاصمٌ في روايةٍ (يُؤْمنون)) بياء الغيبة.
والباقون بتاءِ الخطاب. وقوله: ((فبأيِّ)) متعلَّقٌ به، قُدِّم لأنَّ له صدرَ الكلامِ.
آ. (٨) قوله: ﴿يَسْمَعُ﴾: يجوزُ فيه أَنْ يكونَ مستأنفاً أي: هو
يَسْمَعُ، أو دونَ إضمارٍ (هو))، وأَنْ يكونَ حالاً من الضمير في ((أثيم)) وأَنْ يكونَ
صفةً .
قوله: ((تُتْلَى عليه)) حالٌ مِنْ ((آياتِ الله)) ولا يَجيْءُ فيه الخلافُ: وهو أنّه
يجوزُ أَنْ يكونَ في محلٌّ نصبٍ مفعولاً ثانياً؛ لأنَّ شرطَ ذلك أَنْ يقعَ بعدها
ما لا يُسْمَعُ نحو: («سمعت زيداً يقرأ». أمّا إذا وقع بعدها ما يُسْمَعُ نحو:
(سمعتُ قراءةً زيدٍ يترنّم بها)) فهي متعدية لواحدٍ فقط، والآياتُ مِمَّا يُسْمَعُ.
قوله: ((ثم يُصِرُّ) قال الزمخشري(٣): ((فإنْ قلتَ: ما معنى ((ثم) في قوله:
(ثم يُصِرُّ مُسْتكبرا))؟ قلت: كمعناه في قولِ القائل(٤):
٤٠٢٩-
يرىْ غَمَراتِ الموتِ ثم يزورُها
وذلك أنَّ غمراتِ الموتِ حقيقةٌ بأَنْ ينجوَ رائيها بنفسِه ويطلبَ الفِرَارّ
(١) البحر ٤٤/٨.
(٢) السبعة ٥٩٤، والحجة ٦٥٩، والتيسير ١٩٨، والقرطبي ١٥٨/١٦، والنشر
٣٧١/٢.
(٣) الكشاف ٥٠٩/٣.
(٤) تقدم برقم ٣٦٧٤.
٦٤٢

- الجاثية -
منها، وأمَّا زَوْراَتُها والإِقدامُ على مزاوَلَتِها فأمرٌ مُسْتَبْعَدُ. فمعنى ((ثم)) الإِيذانُ بأنَّ
فِعْلَ المُقْدِمِ عليها بعدما رآها وعاينها شيءٌ يُسْتَبْعَدُ في العاداتِ والطباعِ ،
وكذلك آياتُ اللَّهِ الواضحةُ الناطقةُ بالحق. فَمَنْ تُلِيَتْ عليهِ وسَمِعها كان
مُسْتَبْعَداً في القول إصرارُه على الضلالةِ عندها واستكبارُه عن الإِيمان بها».
قوله: ((كأنْ لم يَسْمَعْها)) هذه الجملةُ يجوزُ أَنْ تكون مستأنفةٌ، وأَنْ تكونَ
حالاً.
آ. (٩) قوله: ﴿وإذا عَلِمَ﴾: العامَّةُ على فتح العينِ وكسرِ اللامِ
خفيفةً مبنياً للفاعلِ . وقتادة(١) ومطر الوراق(٢) (عُلِّم)) مبنياً للمفعول مشدّداً.
قوله: ((اتَّخَذها)) الضميرُ المؤنث فيه وجهان، أحدهما: أنه عائد على
(آياتِنا). والثاني: أنه يعودُ على ((شيئاً) وإنْ كان مذكراً؛ لأنه بمعنى الآية كقول
أبي العتاهية(٣):
٤٠٣٠- نفْسي بشيءٍ من الدنيا مُعَلَّقَةٌ
اللَّهُ والقائمُ المهدِيُّ يَقْضِيها
لأنه أراد بـ «شيء)» جاريةٌ يقال لها: عُتْبَة.
قوله: ((أولئك)) إشارةٌ إلى معنى ((كلِّ أَقَّاكِ)) حُمِل أولاً على لفظها فَأُفْرِدَ،
ثم على معناها فَجُمِعَ كقوله: ((كلُّ حِزْبٍ بما لديهم فَرِحُون))(٤).
قوله: ((ولا ما اتَّخذوا)) عطف على ((ما كَسَبوا))، و(ما)) فيهما: إمّا
(١) البحر ٤٤/٨.
(٢) مطر بن طهمان الوراق أبو رجاء الخراساني، روى عن أنس بن مالك والحسن
البصري. لا بأس به. توفي سنة ١٢٥. انظر: تهذيب الكمال ١٣٣٤/٣.
(٣) ديوانه ٦٦٨، والكشاف ٥١٠/٣.
(٤) الآية ٥٣ من المؤمنين.
٦٤٣

- الجالية -
مصدريةٌ أو بمعنى الذي أي: لا يُغْنِي كَسْبُهُمْ ولا اتِّخاذُهم، أو الذي كَسَبُوه ولا
الذي اتّخذوه.
آ. (١١) وقوله: ﴿مِنْ رِجْزِ أليمٌ﴾: قد ذُكِر في سبأ(١).
آ. (١٣) قوله: ﴿جميعاً منه﴾: ((جميعاً)) حالٌ مِنْ «ما في
السموات وما في الأرض)) أو توكيدُ. وقد عدَّها ابنُ مالكٍ(٢) في ألفاظِه. و (منه))
يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ صفةً لـ (جميعاً)، وأَنْ يتعلَّقَ بـ ((سَخَّر)) أي: هو صادرٌ
مِنْ جهته ومِنْ عندِه. وجَوَّزّ الزمخشريُّ (٣) في ((منه)) أَنْ يكونَ خبرَ ابتداءٍ مضمرٍ
أي: هي جميعاً منه، وأَنْ تكونَ ((وما في الأرض)) مبتدأً، و ((منه)) خبرَه. قال
الشيخ (٤): ((وهذان لا يجوزان إلَّ علَى رَأْيِ الأخفش مِنْ حيث إنَّ الحالَ
تَقدَّمَتْ بمعنى جميعاً، فَقُدِّمَتْ على عاملِها المعنويُّ، يعني الجارِّ، فهي نظيرُ:
(زيد قائماً في الدار)). والعامَّةُ على ((مِنْه)) جارّاً ومجروراً. [وقرأ](٥) ابن عباس
بكسرِ الميمِ وتشديدِ النونِ ونصبِ التاءِ، جعله مصدراً مِنْ: مَنَّ يَمُنُّ مِنَّةً،
فانتصابُه عنده على المصدرِ المؤكَّد: إمَّا بعاملٍ مضمٍ، وإمَّا بسَخّر؛ لأنّه
بمعناه. قال أبو حاتم: ((سَندُ هذه القراءةِ إلى ابنِ عباسٍ مظلمٌ)). قلت: قد
رُوِيَتْ أيضاً عن جماعة جِلَّةٍ غيرِ ابنِ عباس، فنقلها ابنُ خالويه(٦) عنه وعن
(١) انظر إعرابه للآية ٥ من سبأ.
(٢) انظر: عمدة الحفاظ له ٥٥٣، وشرح الكافية الشافية ١١٧١/٣، ولكنه نص على
إضافتها إلى ضمير المؤكَّد نحو: جاءت النساء جميعهن وقول الشاعر:
جميعُهم وهُمْدانْ
فِذَاك حبيُّ خولانْ
(٣) الكشاف ٥١٠/٣.
(٤) البحر ٤٥/٨.
(٥) الإِتحاف ٤٦٦/٢، والمحتسب ٢٦٢/٢، والبحر ٤٤/٨، والقرطبي ١٦٠/١٦.
وقوله «قرأ) زيادة من ش.
(٦) الشواذ ١٣٨.
٦٤٤

- الجالية -
عبيد بن عمير، ونقلها صاحبُ ((اللوامح)) وابنُ جني(١)، عن ابن عباس
وعبد الله بن عمرو والجحدري وعبد الله بن عبيد بن عمير(٢).
وقرأ مَسْلمة بن محارب كذلك، إلَّ أَنَّه رفع التاءَ جَعَلَها خبرَ ابتداءٍ مضمرٍ
أي: هي منه. وقرأ أيضاً في روايةٍ أخرى بفتحِ الميم وتشديدِ النون وهاءٍ كنايةٍ
مضمومة، جعله مصدراً مضافاً لضمير الله تعالى .
وَرَفْعُه من وجهين، أحدهما بالفاعلية بـ ((سَخَّر)) أي: سَخَّر لكم هذه
الأشياءَ مَنَّه عليكم. والثاني: أَنْ يكونَ خبرَ مبتدأ مضمرٍ أي: هو، أو ذلك مَنُّه
علیکم .
آ. (١٤) قوله: ﴿قل للذين آمنوا يَغْفِرُوا﴾: قد تقدَّم نظيرُه
في سورة إبراهيم(٣) .
قوله: ((لَيَجْزِيَ)) قرأ(٤) ابنُ عامر والأخَوان ((لنجزيَ)) بنونِ العظمةِ أي:
النجزيّ نحن. وباقي السبعة ((ليجزِيَ)) بالياء مِنْ تحتُ مبنياً للفاعلِ أي:
ليجزيّ اللَّهُ. وأبو جعفر بخلافٍ عنه وشيبةُ وعاصم في روايةٍ كذلك، إلّ أنه
مبنيٌّ للمفعولِ. هذا مع نصبِ ((قوماً). / وفي القائمِ مَقامَ الفاعلِ ثلاثةُ أوجهٍ، [١/٧٩٩]
أحدُها: ضميرُ المفعولِ الثاني عادَ الضميرُ عليه لدلالةِ السِّياقِ تقديرُهُ: لِيُجْزَى
هو أي: الخيرُ قوماً. والمفعول الثاني مِنْ بابٍ ((أَعْطَى)) يقومُ مَقامَ الفاعلِ بلا
(١) المحتسب ٢٦٢/٢.
(٢) عبد الله بن عبيد بن عمير، أبو هاشم المكي، روى عن ثابت البناني وعبد الله بن
عباس وعبد الله بن عمر. قال النسائي: ليس به بأس. توفي سنة ١١٣. انظر:
تهذيب الكمال ٧٠٨/٢.
(٣) انظر: الدر المصون ١٠٤/٧.
(٤) انظر في قراءاتها: السبعة ٥٩٥، والحجة ٦٦٠، والنشر ٣٧٢/٢، والقرطبي
١٦٢/١٦، والبحر ٤٥/٨، والتيسير ١٩٨.
٦٤٥

- الجنائية -
خلافٍ(١). ونظيرُه: ((الدرهمُ أُعْطي زيدا). الثاني: أنَّ القائم مقامَه ضميرٌ
المصدرِ المدلولِ عليه بالفعلِ أي: ليُجْزَىْ الجزاءُ. وفيه نظر؛ لأنه لا يُتْرَكُ
المفعولُ به ويُقام المصدرُ ولا سيما مع عَدَم التصريحِ به. الثالث: أنَّ القائمَ
مَقامَه الجارُّ والمجرورُ. وفيه حُجَّةٌ للأخفشِ والكوفيين (٢)، حيث يُجيزون نيابةً
غيرِ المفعولِ به مع وجودِه وأنشدوا(٣):
٤٠٣١-
لَسُبَّ بذلك الجَرْوِ الكِلابا
[وقوله](٤) :
٤٠٣٢ - لم يُعْنَ بالعلياءِ إلَّ سَيِّدا
والبصریون لایجیزونه .
آ. (١٨) قوله: ﴿على شَريعة﴾: هو المفعولُ الثاني
لـ ((جَعَلْناك)). والشريعةُ في الأصلِ: ما يَرِدُه الناسُ من المياهِ في الأنهارِ. يقال
(١) بل هناك خلاف انظره في: الارتشاف ١٨٦/٢.
(٢) انظر: الارتشاف ٢٩٤/٢.
(٣) البيت لجرير وصدره.
ولو وَلَدَتْ قَفِيْرَةُ جَرْوَ كلبٍ
وليس في ديوانه. وهو في الخزانة ١٦٣/١، والهمع ١٦٢/١، والدرر ١٤٤/١،
والخصائص ٣٩٧/١، وأمالي الشجري ٢١٥/٢ .
(٤) بعده:
وَلَا شَفَىْ ذا الغَيِّ إلَّ ذو هُدى
يُنسب البيت لرؤية وهو في ملحق ديوانه ١٧٣، ويُنْسب للعجاج، وهو في الهمع
١٦٢/١، والدرر ١٤٤/١، والعيني ٥٢١/٢.
٦٤٦

- الجاثية -
لذلك الموضع: شَرِيعة. والجمعُ شرائع قال(١):
٤٠٣٣- وفي الشَّرائِع مِنْ جَيْلانَ مُقْتَنِصٌ
رَثُّ الثيابِ خَفِيُّ الشخصِ مُنْسَرِبُ
فاسْتُغير ذلك للدين لأنَّ العبادَ يَرِدُوْن ما تَحْيا به نفوسُهم.
آ. (٢٠) قوله: ﴿هذا بَصائِرُ﴾: أي: هذا القرآنُ. جمعُ
(بَصيرة)) باعتبارٍ ما فيه. وقُرِىء(٢) ((هذه)) رُجوعاً إلى الآياتِ؛ ولأنَّ القرآنَ
بمعناها كقوله(٣):
٤٠٣٤-
سائِلْ بِنِي أَسَدٍ ما هذه الصَّوْتُ
لأنه بمعنى الصيحة .
آ. (٢١) قوله: ﴿أُم حَسِبَ﴾: ((أم)) منقطعةٌ، فَتُقَدَّر بـ بل
والهمزةٍ، أو بـ بل وحدها، أو بالهمزة وحدَها. وتقدم تحقيق هذا(٤).
آ. (٢١) قوله: ﴿كالذين أمَنوا﴾: هو المفعولُ الثاني للجَعْل
أي: أَنْ نجعلَهم كاثنين كالذين آمنوا أي: لا يَحْسَبُوْن ذلك، وقد تَقَدَّمَ في
سورة الحج(٥): أنَّ الأخَوَيْن وحفصاً(٦) قرؤُوا هنا ((سواءً)) بالنصب، والباقون
(١) تقدم برقم ١٧٣٥ .
(٢) القرطبي ١٦٥/١٦، والكشاف ٥١١/٣.
(٣) تقدم برقم ٩١٧.
(٤) انظر: الدر المصون ٤٥٥/١.
(٥) انظر: إعرابه للآية ٢٥ .
(٦) التيسير ١٩٨، والحجة ٦٦١، والنشر ٣٧٢/٢، والقرطبي ١٦٥/١٦.
٦٤٧

- الجالية -
بالرفع، ووَعَدْتُ بالكلام عليه هنا، فأقول وبالله التوفيق: أمَّا قراءةُ النصبِ ففيها
ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أَنْ تَنْتَصِبَ على الحالِ من الضميرِ المستترِ في الجبارِّ
والمجرورِ وهما: ((كالذين آمنوا))، ويكونُ المفعولُ الثاني للجَعْل ((کالذین
آمنوا)) أي: أحَسِبوا أَنْ نَجْعَلُهم مثلهم في حال استواء مَحْیاهم ومماتهم ليس
الأمرُ كذلك. الثاني: أَنْ يكونَ ((سواءً)) هو المفعولَ الثاني للجَعْل، و(( كالذين»
في محلٌّ نصبٍ على الحال أي: لن نجعلَهم حالَ كونِهم مثلَهم سواءً، وليس
معناه بذاك. الثالث: أَنْ يكونَ ((سواء)) مفعولاً ثانياً لـ ((حَسِب)).
وهذا الوجهُ نحا إليه أبو البقاء(١)، وأظنُّه غَلَطاً لِمَا سَيَظْهَرُ لك فإنَّه قال:
((ويُقْرأ بالنصب. وفيه وجهان، أحدهما: هو حالٌ من الضميرِ في الكافِ أي :
نجعلَهم مثلَ المؤمنين في هذه الحالِ. والثاني: أَنْ يكونَ مفعولاً ثانياً
لـ ((حَسِب)) والكافُ حالٌ، وقد دَخَلَ استواءُ مَحْياهم وممَاتُهم في الحُسْبان،
وعلى هذا الوجهِ مَحْياهم ومماتُهم مرفوعان بـ ((سَواء)»(٢)؛ لأنَّه قد قَوِيَ
باعتمادِه)) انتهى. فقد صَرَّح بأنه مفعولٌ ثانٍ للحُسْبان. وهذا لا يَصِحُّ البتَةً؛ لأنَّ
(حَسِبَ) وأخواتِها إذا وَقَعَ بعدها ((أنَّ) المشددةُ أو ((أَنْ)) المخففةُ أو الناصبةُ
سَدَّتْ مَسَدَّ المفعولين، وهنا قد وقع بعد الحُسْبان ((أنْ)) الناصبةُ فهي سادَّةٌ مَسَدًّ
المفعولَيْنِ، فَمِنْ أين يكونُ ((سواءً)) مفعولاً ثانياً لـ حَسِب؟.
فإن قلت: هذا الذي قُلْتُّه رأيُ الجمهورِ سيبويهِ(٣) وغيرِهِ، وأَمَّا غيرُهم
كالأخفشِ فيذَّعي أنها تَسُدُّ مَسَدَّ واحدٍ. إذا تقرَّر هذا فقد يجوزُ أنَّ أبا البقاءِ
ذَهَبَ هذا المذهبَ، فأعرب ((أَنْ نجعلَهم)) مفعولاً أولَ و((سواءً)» مفعولاً ثانياً:
(١) الإملاء ٢٣٢/٢ - ٢٣٣.
(٢) قال: ((لأنه بمعنى مستو)).
(٣) انظر: الكتاب ٦٤/١.
٦٤٨

- الجاثية -
فالجواب: أنَّ الأخفشَ صَرَّحَ بأنَّ المفعولَ الثاني حينئذٍ يكونُ محذوفاً. ولَئِنْ
سَلَّمْنَا أَنَّه لا يُحْذَفُ امتنع مِنْ وجهٍ آخرَ: وهو أنه قد رفع به «محياهم ومماتُهم)»
لأنه بمعنى مُسْتَوِكما تقدَّم، ولا ضميرَ يَرْجِعُ مِنْ مرفوعِه إلى المفعولِ الأولِ،
بل رَفَعَ أجنبياً من المفعولِ الأولِ. وهو نظيرُ: ((حَسِبْتُ قيامَك مُسْتوياً ذهابُك
وعَدَمه)).
ومَنْ قرأ بالرفع(١) فتحتمل قراءتُه وجهَيْن، أحدهما: أَنْ يكونَ ((سواءٌ)»
خبراً (٢) مقدماً. و((مَحْياهم) مبتدأً مؤخراً/ ويكون (سواء» مبتدأُ و((مَحْياهم)) [٧٩٩/ب]
خبرَه. كذا أعربوه. وفيه نظرٌ تقدَّم في سورة الحج(٣) وهو: أنَّه نكرةٌ لا مُسَوِّغ
فيها، وأنه متى اجتمع معرفةٌ ونكرةٌ جَعَلْتَ النكرةَ خبراً لا مبتدأً. ثم في هذه
الجملةِ ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنَّها استئنافية. والثاني : أنها بدلٌ من الكافِ
الواقعةِ مفعولاً ثانياً. قال الزمخشري (٤): ((لأنَّ الجملةَ تقع مفعولاً ثانياً فكانَتْ
في حكمِ المفردِ. ألا تراكَ لو قُلْتَ: أن نجعلَهم سواءٌ مَحْياهم ومماتُهم، كان
سديداً، كما تقول: ظننتُ زيداً أبوه منطلقٌ)). قال الشيخ(٥): ((وهذا - أَعْني
إبدالَ الجملة من المفرد(٦) - أجازه ابنُ جني(٧) وابنُ مالك(٨)، ومنعَه
(١) أي: رفع سواء.
(٢) الأصل ((خبر مقدم)) وهو سهو.
(٣) انظر: إعرابه للآية ٢٥ .
(٤) الكشاف ٥١٢/٣.
(٥) البحر ٤٧/٨.
(٦) انظر: المغني ٥٥٦.
(٧) واستشهد على ذلك بقول الشاعر:
وبالشام أخرى كيف يلتقيانِ
إلى الله أشكو بالمدينة حاجة
قال: ((كيف يلتقيان)) بدل من حاجة كأنه قال: إلى الله أشكو هاتين الحاجتين تعذُّرَ
التقائهما) .
(٨) انظر: شرح التسهيل له ٣٤٠/٣.
٦٤٩

- الجالية ـ
ابنُ العِلْجِ))، ثم ذكر عنه كلاماً كثيراً في تقرير ذلك ثم قال: ((والذي يَظْهَرُ أنه
لا يجوزُ»، يعني ما جَوَّزه الزمخشريُّ قال: ((لأنَّها بمعنى التصييرٍ ولا يجوزُ:
((صَيِّرْتُ زيداً أبوه قائمٌ)) لأنَّ التصييرَ انتقالٌ من ذاتٍ إلى ذاتٍ، أو من وصفٍ في
الذاتِ إلى وصفٍ فيها. وتلك الجملةُ الواقعةُ بعد مفعولِ ((صَيَّرْت)) المقدرةُ
مفعولاً ثانياً ليس فيها انتقالٌ مما ذكَرْنا فلا يجوز)). قلت: ولِقائلٍ أَنْ يقولَ: بل
فيها انتقالٌ مِنْ وصفٍ في الذاتِ إلى وصفٍ فيها؛ لأنَّ النحاة نَصُّوا على جوازٍ
وقوع الجملةِ صفةٌ وحالاً نحو: مررتُ برجلٍ أبوه قائمٌ، وجاء زيدٌ أبوه قائم.
فالذي حكموا عليه بالوصفيَّةِ والحاليةِ يجوزُ أَنْ يقعَ في حَيِّرِ التّصْيير؛ إذ لا فَرْقَ
بين صفةٍ وصفةٍ من هذه الحيثيّة.
الثالث: أن تكونَ الجملةُ حالاً، التقدير: أم حَسِبَ الكفار أَنْ نُصَيِّرهم
مثلَ المؤمنين في حالِ إستواءٍ محياهم ومماتهم، ليسوا كذلك بل هم مُفْتِرقون.
وهذا هو الظاهر عند الشيخِ . وعلى الوجهين الأخيرين تكونُ الجملةُ داخلةً في
خَيِّز الحُسْبانِ. وإلى ذلك نحا ابن عطية (١) فإنه قال: ((يَقْتضي هذا الكلامُ أنَّ
الغظّ الآية خبرٌ، ويظهر أنَّ قولَه: ((سواءٌ محياهم ومَمَاتُهم)» داخلٌ في المَحْسَبَةِ
المُنْكَرَةِ السيئةِ، وهذا احتمالٌ حسن والأولُ جيدٌ)) انتهى. ولم يبين كيفيةَ دخوله.
في الحُسْبانِ، وكيفيَّةُ أُحدِ الوجهين الأخيرَيْن: إما البدلِ وإمَّا الحاليةِ كما
عَرَفْتَه.
وقرأ(٢) الأعمشُ (سواءً)) نصباً ((مَحْياهم ومَماتَهم)) بالنصب أيضاً. فأمّا
((سواءً)) فمفعولٌ ثانٍ أو حالٌ كما تقدَّم. وأمّا نصب ((مَحْياهم ومماتَهم)) ففيه
وجهان، أحدهما: أَنْ يكونا ظَرْفَيْ زمانٍ، وانتصبا على البدلِ مِنْ مفعولٍ
(١) المحرر ٣١٤/١٤.
(٢) البحر ٤٧/٨، والقرطبي ١٦٦/١٦.
٦٥٠

- الجاثية -
(نَجْعَلَهم)) بدلِ اشتمال، ويكون ((سواءً» على هذا هو المفعولَ الثاني.
والتقدير: أن نجعلَ محياهم ومماتَهم سواءً. والثاني: أَنْ ينتصِبا على الظرفِ
الزمانيِّ. والعاملُ: إِمَّا الجَعْلُ أو سواء. والتقدير: أَنْ نجعلَهم في هذَيْن الوقتَيْن
سواءً، أو نجعلَهم مُسْتَوِين في هذين الوقتين.
قال الزمخشري(١) مقدِّراً لهذا الوجه: ((ومَنْ قرأ بالنصبِ جَعَلَ ((مَحْياهم
ومماتهم)) ظَرْفَيْنِ كمَقْدَمِ الحاجُّ وخُفوقِ النجم)). قال الشيخ(٢): ((وتمثيلُه
بخُفوق النجم ليس بجيدٍ؛ لأنَّ(خُفوقَ)) مصدرٌ ليس على مَفْعَل فهو في الحقيقةِ
على حَذْفِ مضافٍ أي: وقتَ خُفوقٍ بخلاف مَحْيا ومَمات ومَقْدَم فإنها موضوعةٌ
على الاشتراك بين ثلاثةِ معانٍ: المصدريةِ والزمانية والمكانيةِ. فإذا اسْتُعْملت(٣)
مصدراً كان ذلك بطريق الوَضْعِ لا على حَذْفِ مضافٍ كخُفوق؛ فإنه لا بُدَّ مِنْ
حَذْفٍ مضافٍ لكونه موضوعاً للمصدرية)). وهذا أمرٌ قريبٌ لأنَّه إنما أراد أنه وَقَع
هذا اللفظُ مُراداً به الزمانُ. أمّا كونُه بطريق الأصالةِ أو الفرعيةِ فلا يَضُرُّ ذلك.
والضميرُ في ((مَحْياهم ومماتُهم)) يجوزُ أَنْ يعودَ على القَبْلَيْنِ بمعنى: أنَّ
مَحْيا المؤمنين ومماتَهم سواءٌ عند الله في الكرامةِ، ومَحْيا المجترحين ومماتهم
سواءٌ في الإِهانةِ عنده، فَلَفَّ الكلامِ اتِّكالاً على ذِهْنِ السَّامع وفهمِه. ويجوزُ أَنْ
يعودَ على المُجْترحين فقط. أَخْبَرَ أنَّ حالَهم في الزمانّيْن سواءٌ.
قال أبو البقاء (٤): ((ويُقْرَأْ(مَماتَهم)) بالنصب أي: في مَحْياهم ومماتَهم.
(١) الكشاف ٥١٢/٣.
(٢) البحر ٤٨/٨.
(٣) عبارة البحر: ((فإذا اسْتُعْملت اسم مكان أو زمان لم يكن ذلك على حذف مضاف
قامت هذه مقامَه، لأنها موضوعةً للزمان والمكان كما وُضِعت للمصدر، فهي مشتركة
بين هذه المدلولات الثلاثة بخلاف: خُفوق النجم فإنه وُضع للمصدر فقط)».
(٤) الإملاء ٢٣٣/٢.
٦٥١

- الجاثية
والعاملُ ((نَجْعل)) أو سواء. وقيل: هو ظرفٌ)). قلت: قوله: ((وقيل)) هو القولُ
الأولُ بعينِهِ(١).
قوله: ((ساء ما يَحْكُمون)) قد تقدَّم إعرابُه(٢). وقال ابنُ عطيةَ(٣) هنا: ((ما
مصدريةٌ أي: ساء الحكمُ حُكْمُهم.
آ. (٢٢) قوله: ﴿بالحقِّ﴾: فيه ثلاثةُ أوجٍ: حالٌ من الفاعلِ
أو من المفعول أو الباءُ للسبيَّة .
قوله: ((ولِتُجْزَىْ)) فيه ثلاثةُ أوجهٍ: أَنْ يكونَ عطفاً على (بالحقّ)) في
[٨٠٠/ أ] المعنى؛ لأنَّ كلّ منهما سببُ/ فعطفَ العلّة على مثلها. الثاني: أنَّها معطوفةٌ
على مُعَلَّلٍ محذوفٍ تقديرُه: لِيَدُلَّ بها على الدلالةِ على قُدْرَتِه ((ولتُجْزَىْ)).
الثالث: أنْ تكونَ لامَ الصيرورةِ أي: وصار الأمرُ منها مِنْ حيث اهْتدى بها قومٌ
وضَلَّ عنها آخرون .
آ. (٢٣) قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ﴾: بمعنى: أَخْبِرْني، وتقدَّم حكمُها
مشروحاً(٤). والمفعولُ الأولُ ((مَنْ اتَّخذ))، والثاني محذوف، تقديره بعد
غشاوة: أيهتدي، ودَلَّ عليه قولُه: ((فَمَنْ يَهْديه)) وإنما قَذَّرْتَه بعد غشاوة لأجلٍ
صلاتٍ الموصول.
قوله : ((على عِلْمُ) حالٌ من الجلالةِ أي: كائناً على علمٍ منه فيه أنَّه أهلٌ
لذلك. وقيل: حالٌ من المفعول أي: أضلَّه وهو عالِمٌ، وهذا أشنعُ له .
(١) لأنَّ الظرفَ بتقدير ((في)).
(٢) انظر: الدر المصون ٣٤٨/٤.
(٣) المحرر ٣١٥/١٤.
(٤). انظر: الدر المصون ٦١٥/٤.
٦٥٢

- الجاثية -
وقرأ(١) الأعرجُ ((آلهةً)) على الجمع، وعنه كذلك مضافة لضميره: ((آلهته
هواه)) .
قوله: ((غِشاوة)) قرأ الأخَوان(٢) ((غَشْوَة)) بفتح الغين وسكون الشين.
والأعمشُ وابن مصرف كذلك إلاّ أنَّهما كسرا الغَيْنَ. وباقي السبعة («غشاوة»
بكسر الغين. وابنُ مسعود والأعمشُ أيضاً بفتحها، وهي لغةُ ربيعةً. والحسن
وعكرمة وعبد الله أيضاً بضمِّها، وهي لغةُ عُْلية. وتقدَّم الكلامُ في ذلك أولَ
البقرة(٣)، وأنَّ قُرىء هناك بالعين المهملة(٤). والعامَّةُ: ((تَذَكَّرون)) بالتشديد
والجحدريُّ(٥) بتخفيفها. والأعمش بتاءَيْن ((تَتَذَّكَّرون)).
قوله: ((مِنْ بعدِ اللَّهِ)) أي: مِنْ بعد إضلالِ الله إياه.
آ. (٢٤) قوله: ﴿وقالوا ما(٦) هي إلَّ حياتنا﴾: تقدَّم نظيرُ
هذه الآياتِ كلِّها. وقرأ(٧) زيد بن علي ((نُحْيا) بضمِّ النون.
آ. (٢٥) قوله: ﴿ما كانَ حُجَّتَهم﴾: العامَّةُ على نصب
الحجة. وزيد بن علي(٨) وعمرو بن عبيد وعبيد بن عمير بالرفع وتقدَّمَ تأويلُ
(١) البحر ٤٨/٨، والشواذ ١٣٨.
(٢) انظر في قراءاتها: السبعة ٥٩٥، والنشر ٣٧٢/٢، والتيسير ١٩٩، والقرطبي
١٦٩/١٦، والحجة ٦٦١، والبحر ٤٩/٨، والشواذ ١٣٨.
(٣) انظر: الدر المصون ١١٣/١.
(٤) وهي قراءة طاوس انظر: الشواذ ٢.
(٥) البحر ٤٩/٨، والكشاف ٥١٢/٣.
(٦) الأصل: «إن هي» وهو سهو.
القرطبي ١٧٠/١٦، والبحر ٤٩/٨.
(٧)
(٨) الإِتحاف ٤٦٧/٢، والبحر ٤٩/٨، والنشر ٣٧٢/٢.
٦٥٣

۔۔
- الجالية -
ذلك، و((ما كان)) جوابُ ((إذا)) الشرطية. وجعله الشيخُ(١) دليلاً على عدمٍ
إعمالٍ جواب ((إذا)) فيها؛ لأن ((ما)) لا يعمل ما بعدها فيما قبلها قال: ((وخالفَتْ
غيرَها مِنْ أدواتِ الشرطِ، حيث لم تقترنْ الفَاءُ بجوابِها إذا نُفِي بـ ((ما))(٢).
٢. (٢٧) قوله: ﴿ويومَ تَقُومُ﴾: في عامِله وجهان، أحدُهما:
أنه ((يَخْسَرُ)) ويومئذٍ بدلٌ مِنْ ((يومَ تَقومُ»، التنوينُ علی ھذا تنوينُ عوضٍ مِن
جملةٍ مقدرةٍ، ولم يتقدَّم من الجمل إلَّ(تقومُ الساعةُ)) فيصير التقديرُ: ويومَ تقومُ
الساعةُ يومئذٍ تقومُ الساعةُ. وهذا الذي قَدَّروه ليس فيه مزيدُ فائدةٍ، فيكونُ بدلاً
توكيدياً. والثاني: أن العاملَ فيه مقدرٌ. قالوا: لأنَّ يومَ القيامةِ حالةٌ ثالثةٌ ليسَتْ
بالسماءِ ولا بالأرض ؛ لأنهما يتبدَّلان فكأنه قيل: ولله مُلْكُ السمواتِ
والأرضِ ، والمُلْكُ يومَ تقومُ. ويكون قولُه ((يومئذ)) معمولاً لِيَخْسَرُ. والجملةُ
مستأنفةً من حيث اللفظُ، وإنْ كان لها تعلُّقٌ بما قبلَها مِنْ حيث المعنى.
آ. (٢٨) قوله: ﴿جاثيةً﴾: حالٌ؛ لأنَّ الظاهرَ أنَّ الرؤيةَ بَصَرِيَّةٍ .
والجائية أي: على الرُّكَبِ؛ لأنَّها خائفةٌ والمذنبُ مُسْتَوْفِزٌ. وقيل: مجتمعةً،
ومنه: الجُثْوَةُ للقَبْرِ لاجتماع الأحجارِ عليه. قال(٣):
٤٠٣٥- تَرَىْ جُثْوَتَيْنِ مِنْ تُرابٍ عليهما
صَفائِحُ صُمُّ مِنْ صَفِيْحٍ مُنَضَّدٍ
وقُرِىء (٤) ((جاذِيَّةً)) بالذال المعجمة، وهو أشدُّ اسْتيفازاً من الجاثي.
(١) البحر ٤٩/٨.
(٢) قال: ((بخلاف أدوات الشرط فلا بد من الفاء تقول: إن تَزُرْنا فما جَفَوْتَنَا)).
(٣) البيت لطرفة وهو في ديوانه ٣٦، وشرح القصائد للأنباري ٢٠٠. والصفائح: صخور
عراض صلاب. والصفيح: الحجارة العراض. المنضَّد: الذي نضَّد على القبر.
(٤) البحر ٥٠/٨.
٦٥٤

- الجاثية -
قوله: ((كلُّ أمةٍ) العامَّةُ على الرفعِ بالابتداءِ. و((تُدْعى)) خبرُها.
ويعقوب(١) بالنصبِ على البدلِ مِنْ ((كُلُّ أمة)) الأولى بدلِ نكرةٍ موصوفةٍ مِنْ
مِثْلها .
قوله: ((اليومَ تُجْزَوْن)) هذه الجملةُ معمولةٌ لقولٍ مضمرٍ التقديرُ: يُقال
لهم: اليومَ تُجْزَوْن. واليومَ معمولٌ لِما بعدَه ((وما كُنتم)» هو المفعولُ الثاني.
آ. (٢٩) قوله: ﴿يَنْطِقُ﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ حالاً، وأَنْ يكونَ خبراً
ثانياً، وأَنْ يكونَ ((كتابُنا)) بدلاً و ((يَنْطِقُ)) خبرٌ وحده. و «بالحق» حال.
آ. (٣١) قوله: ﴿أَفَلَمْ﴾: هو على إضمارِ القولِ أيضاً. وقدّر
الزمخشريُّ(٢) على عادتِه جملةً بين الهمزةِ والفاءِ أي: أَلَمْ تَأْتِكم رُسُلي فلم
تکنْ آیاتي .
آ. (٣٢) قوله: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾: العامَّةُ على كسرِ الهمزةِ:
لأنها مَحْكِيَّةٌ بالقولِ. والأعرج(٣) وعمرو بن فائد بفتحها. وذلك مُخَرَّجٌ على
لغة سُلَيْمِ : يُجْرُون القولَ مُجْرى الظنِّ مطلقاً. وفيه قولُه(٤):
٤٠٣٦- إذا قلتُ أَنِّي آيِبُ أهلَ بلدةٍ
(١) الشواذ ١٣٨، والإتحاف ٤٦٧/٢، والنشر ٣٧٢/٢، والمحتسب ٢٦٢/٢،
والقرطبي ١٦ /١٧٥ .
(٢)
الكشاف ٥١٣/٣.
(٣) البحر ٥١/٨.
تقدم برقم ٣٣٣ .
(٤)
٦٥٥

- الجالية -
قوله: ((والساعةُ)) قرأ حمزة (١) بنصبِها عطفاً على ((وعدَ الله)). والباقون
برفعها، وفيه ثلاثةُ أوجهٍ: الابتداءُ وما بعدها من الجملةِ المنفيَّة خبرُها. الثاني:
[٨٠٠/ب] العطفُ على محلٌّ اسمُ ((إِنَّ)) لأنّه / قبل دخولِها مرفوعٌ بالابتداءِ. الثالث (٢): أنه
عطفٌ على محلّ ((إنَّ) واسِها معاً؛ لأنَّ بعضَهم كالفارسيِّ والزمخشريِّ(٣)
يَرَوْنَ أنَّ لـ ((إِنَّ» واسمِها موضعاً، وهو الرفعُ بالابتداء.
قوله: ((إِلَّ ظَنَّ) هذه الآيةُ لا بُدَّ فيها مِنْ تأويلٍ: وذلك أنه يجوزُ تفريغُ
العاملٍ لِما بعده مِنْ جميعِ معمولاته، مرفوعاً كان أو غيرَ مرفوعٍ ، إلَّ المفعولَ
المطلقَ فإنه لا يُفَرَّغُ له. لا يجوزُ «ما ضَرَبْتَ إلَّ ضَرْباً)) كأنه لا فائدة فيه؛ وذلك
أنه بمنزلةٍ تكريرِ الفعلِ فكأنَّه في قوةِ «ما ضرَبْتُ إلَّ ضرَبْتُ)). وكانَتْ هذه العلةُ
خَطَرَتْ لي حتى رأيتُ مكِّياً(٤) وأبا البقاءِ (٥) نَحَوا إليها فللَّه الحمدُ.
وقال الزمخشري(٦): ((فإنْ قلتَ: ما معنى ((إِنْ نَظُنُّ إلَّ ظَنّا))؟ قلت:
أصلُه نَظُنُّ ظًّا. ومعناه إثباتُ الظنِّ فحسب. فَأَدْخَلَ حرفَ النفي والاستثناءَ ليُفادَ
إثباتُ الظنُّ ونفيُ ما سواه؛ وزِيْدَ نَفْيُ ما سوى الظنُّ توكيداً بقولِه: ((وما نحن
بِمُسْتَيْقِيْن)). فظاهِرُ كلامِه أنه لا يَتَأَوَّلُ الآيةَ بل حَمَلها على ظاهرِها؛ ولذلك
قال الشيخ (٧): ((وهذا كلامُ مَنْ لا شعورَ له بالقاعدةِ النحوية: مِنْ أنَّ التفريغَ
(١) السبعة ٥٩٥، والحجة ٦٦٢، والبحر ٥١/٨، والتيسير ١٩٩، والقرطبي
١٧٦/١٦.
(٢) الأصل (الثاني)» وهو سهو.
(٣)
الكشاف ٥١٣/٣.
مشكل الإعراب ٢٩٨/٢ .
(٤)
(٥)
الإملاء ٢٣٣/٢.
(٦) الكشاف ٥١٣/٣ - ٥١٤.
(٧) البحر ٥٢/٨.
٦٥٦

- الجاثية -
يكونُ في جميع المعمولاتِ مِنْ فاعلٍ ومفعولٍ وغيرِهما إلَّ المصدرَ المؤكِّدَ
فإنه لا یکونُ فیه».
وقد اختلفَ الناسُ في تأويلِها على أوجهٍ، أحدُها: ما قاله المبردُ وهو: أنَّ
الأصلَ: إِنْ نحن إلّ نظنُّ ظنّاً. قال: ((ونظيرُه ما حكاه أبو عمروٍ ((ليس الطَّيْبُ إلَّ
المِسْكُ))(١) تقديرُه: ليس إلاّ الطيبُ المسكُ)) قلتُ: يعني أن اسمَ ((ليس)) ضميرُ
الشأنِ مستترٌ فيها، وإلّ الطيبُ المسكُ في محل نصب خبرُها، وكأنه خَفِيَ عليه
أنَّ لغةَ تميمٍ إبطالُ عملِ ((ليس)) إذا انتقض نفيُها بـ ((إِلَّ)) قياساً على ((ما))
الحجازيةِ، والمسألةُ طويلةٌ مذكورةً في كتابي ((شرح التسهيل)) وعليها حكايةٌ
جَرَتْ بين أبي عمروٍ وعيسى بن عمر. الثاني: أنَّ ((ظنَّا) له صفةٌ محذوفةٌ
تقديره: إلَّ ظناً بَيِّناً، فهو مختصِّ لا مؤكِّد. الثالث: أَنْ يُضَمِّنَ ((نظنُّ)) معنى
نَعْتقد، فينتصِبَ ((ظَنَّ)) مفعولاً به لا مصدراً. الرابع: أنَّ الأصلَ: إِنْ نظنُّ إلاَّ
أنكم تظنون ظنّاً، فحذف هذا كلَّه، وهو مَعْزُوَّ للمبردِ أيضاً. وقد رَدُّوه عليه: من
حيثُ إِنَّه حَذَفَ أنَّ واسمها وخَبَرها وأبقى المصدرَ. وهذا لا يجوزُ. الخامس:
أنَّ الظنَّ يكونُ بمعنى العِلْمِ والشكِّ فاستثنى الشكَّ كأنه قيل: ما لنا اعتقادٌ إلاَّ
الشكّ. ومثلُ الآية قولُ الأعشى(٢):
٤٠٣٧ - وحَلَّ به الشَّيْبُ أثقالَه
وما اعْتَرَّ الشيبُ إِلَّ اعْتِرارا
يريد اعْتِراراً بيِّناً.
آ. (٣٤) قوله: ﴿لقاءَ يَوْمِكم هذا﴾: من التوسُّعِ في
(١) انظر: الكتاب ٧٣/١، ومجالس العلماء ٣١٤.
(٢) ديوانه ٤٥. واعتره: عرض له.
٦٥٧

- الجالية -
الظرف؛ حيث أضاف إليه ما هو واقعٌ فيه كقوله: ((بَلْ مَكْرُ الليل والنهار))(١).
وتقدَّم الخلافُ في قولِه: ((لا يُخْرَجُون)) في أولِ الأعراف(٢). وتقدَّم معنى
الاستعتاب(٣) .
آ. (٣٦) قوله: ﴿رَبِّ السموات ورَبِّ الأرض وربِّ
العالمين﴾: قرأ العامَّةُ ((ربِّ)) في الثلاثة بالجرِّ تَبَعاً للجلالة بياناً أو بدلاً
أو نعتاً. وابن محيصن (٤) برفع الثلاثة على المدح بإضمار ((هو)).
آ. (٣٧) قوله: ﴿وله الكِبْرِياء في السموات﴾: يجوزُ أَنْ
يكونَ ((في السموات)) متعلقاً بمحذوف حالاً مِنْ ((الكبرياء))، وأَنْ يتعلَّقَ بما تعلُّقَ
به الظرفُ الأولُ لوقوعِه خبراً. ويجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بنفسِ ((الكبرياء)) لأنها مصدرٌ.
وقال أبو البقاء (٥): ((وأَنْ يكونَ - يعني في السموات - ظرفاً، والعامِلُ فيه
الظرفُ الأولُ والكِبْرياء؛ لأنَّها بمعنى العظمة)» ولا حاجةً إلى تأويل الكبرياء
بمعنى العظمة فإنها ثابتةُ المصدرية.
[تَمَّت بعونه تعالى سورة الجاثية]
(١) الآية ٣٣ من سبأ.
(٢) انظر: الدر المصون ٢٨٥/٥.
(٣) انظر: إعرابه للآية ٢٤ من فصلت.
(٤) القرطبي ١٧٨/١٦، والبحر ٥٢/٨.
(٥) الإملاء ٢٣٣/٢.
٦٥٨

- الأحقاف -
سورة الأحقاف
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (٣) قوله: ﴿عَمَّا أُنْذِرُوا﴾: يجوزُ أَنْ تكونَ ((ما)» مصدریةً
أي: عن إنذارهم، أو بمعنى الذي أي: عن الذي أُنْذِرُوْه. و((عن)) متعلقةٌ
بالإِعراض و ((مُعْرِضون)) خبرُ الموصول.
آ. (٤) قوله: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾: تقدَّمَ حُكْمُها (١). ووقع بعدَها (أَرُوْنِي))
فاحتملت وجهين، أحدُهما: أَنْ تكونَ توكيداً لها لأنَّهما بمعنى أَخْبروني، وعلى
هذا يكونُ المفعولُ الثاني لـ ((أَرَأَيْتُمْ)) قوله: ((ماذا خَلَقوا)) لأنه استفهامُ،
والمفعولُ الأولُ هو قولُه: ((ما تَدْعُون)). والوجه الثاني: أنْ لا تكونَ مؤكّدةً لها،
وعلى هذا تكون المسألةُ من بابِ التنازعِ لأنَّ((أَرَأَيْتُمْ)) يطلب ثانياً، و((أرُوْنِي))
كذلك، وقولُه: ((ماذا خَلَقوا)) هو المتنازَعُ فيه، وتكون المسألةُ من إعمالِ الثاني
والحذفِ من الأولِ . وجوَّزَ ابنُ عطية(٢) في ((أَرَأَيْتم)) أنْ لا يتعدّى. وجعل
(ما تَدْعُوْن)) استفهاماً معناه التوبيخُ. قال: ((وَتَدْعُوْنَ)) معناه ((تَعْبدون)) قلت:
وهذا رأيُ الأخفشِ وقد قال بذلك في قوله: ((قال أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إلى
الصخرة)»(٣) وقد مضى ذلك.
(١) انظر: الدر ٤ /٦١٥.
(٢) المحرر ٨/١٥.
(٣) الآية ٦٣ من الكهف. وانظر: الدر المصون ٥٢١/٧، ومعاني القرآن للأخفش
١٠٠/١.
٦٥٩

- الأحقاف -
قوله: ((من الأرض)) هذا بيانُ الإِبهامِ الذي في قوله: ((ماذا خَلَقُوا)).
قوله: (أَمْ لهم)) هذه (أم)) المنقطعةُ. والشِّرْكُ: المُشاركة.
قوله: ((مِنْ قبل هذا)) صفةٌ لـ ((كتاب)) أي: بكتابٍ مُنَزَّلٍ من قبل هذا:
[٨٠١/أ] كذا قَدَّره أبو البقاء(١). والأحسنُ أَنْ يُقَدَّرَ / كونٌ(٢) مطلقٌ أي: كائِن مِنْ قبلِ
هذا(٣) .
قوله: ((أو أَثَارَةٍ)) العامة على ((أَثارة)) وهي مصدرٌ(٤) على فَعالة كالسَّماحَةِ
والغواية والضَّلالة، ومعناها البقيةُ مِنْ قولهم: سَمِنَتِ الناقةُ على أثارةٍ مِنْ لحم،
إذا كانت سَمينةً ثم هَزَلَتْ، وبقِيَتْ بقيةٌ مِنْ شَحْمِها ثم سَمِنَتْ. والأثارَةُ غَلَبَ
استعمالُها في بقيةِ الشَّرَف. يقال: لفلانٍ أثارةٌ أي: بقيةٌ أشرافٌ، ويُستعمل في
غيرِ ذلك. قال الراعي (٥) :
٤٠٣٨- وذاتٍ أَثارَةٍ أكلَتْ عليها
نباتاً في أكِمَّتِهِ قِفارا
وقيل: اشتقاقها مِنْ أَثَّرَ كذا أي: أَسْنَدَه. ومنه قول عمر(٦): ((ما حَلَفْتُ
(١) الإملاء ٢٣٣/٢.
(٢) هذه الصفحة أصابها خرم وطمس، أثبتنا معظمها من (ش).
(٣) لأن الكون المختص لا يحذف.
(٤) انظر: عمدة الحفاظ ض ٨.
(٥) ديوانه ٦٦، يصف ناقة ذات سَمِنٍ لأن الأثارة هنا البقية من الشحم العتيق. الأكمة:
ج كمام وهو العلف. والقفار أي: خال من الناس فرعَتْه وحدها. ونسب البيت في
اللسان (أثر) إلى الشماخ.
(٦) قال أبو عبيد في غريب الحديث ٥٨/٢: ((وقال أبو عبيد في حديث النبي عليه.
السلام: «أنه سمع عمر رضي الله عنه يحلف بأبيه فنهاه عن ذلك قال: ((فما حَلَفْتُ:
بها ذاكراً ولا آثراً). أما قوله: ((ذاكر) فليس من الذكر بعد النسيان إنما أراد متكلماً =
٦٦٠