Indexed OCR Text

Pages 321-340

- الصافات -
وقرأ مجاهد وعبد الله بن يزيد والضحاك وابن أبي عبلة ((يَزِفُون)) مِنْ
وَزَفَ يَزِفُ أي: أَسْرَعَ. إِلَّ أنَّ الكسائيَّ والفراءِ(١) قالا: لا نعرفُها بمعنى زَنَّ،
وقد عَرَفَها غيرُهما. قال مجاهد - وهو بعضُ مَنْ قرأ بها - : ((الوزيف:
النَّسْلان)).
وقُرِىء ((يُزَقُّون)) مبنيًّ للمفعول و ((يَزْفُوْن)» كـ يَرْمُون مِنْ زَفاه بمعنی حَداه،
كأنَّ بعضَهم يَزْفو بعضاً لتسارُعِهم إليه. وبين قولِهِ: ((فأَقْبَلُوا)» وقولِه: ((فراغ
عليهم)) جُمَلٌ محذوفةٌ يَدُلُّ عليها الفَحْوَىْ أي: فبلغَهم الخبرُ فرَجَعوا مِنْ
عیدهم، ونحو هذا.
آ. (٩٦) قوله: ﴿وما تَعْملون﴾: في ((ما)» هذه أربعةُ أوجه،
أجودُها: أنها بمعنى الذي أي: وخَلَق الذي تَصْنَعونه، فالعملُ هنا التصويرُ
والنحتُ نحو: عَمِل الصائغُ السِّوارَ أي: صاغه. ويُرَجِّح كونَها بمعنى الذي
تَقَدُّمُ ما قبلَها فإنَّها بمعنى الذي أي: أتعبُدُوْنَ الذي تَنْحِتُون، واللَّهُ خلقكم
وخَلَقَ ذلك الذي تَعْملونه بالنَّحْتِ.
والثاني: أنها مصدريةٌ أي: خَلَقْكم وأعمالَكم. وجعلها الأشعريَّةُ دليلاً
على خَلْقِ أفعال العباد لله تعالى، وهو الحقُّ. إلَّ أَنَّ دليلَ ذلك مِنْ هنا غيرُ قويّ
لِما تقدَّم مِنْ ظهورِ كَوْنِها بمعنى الذي. وقال مكي(٢): ((يجبُ أَنْ تكونَ ((ما)»
والفعلُ مصدراً جيْءَ به لِيُفيدَ أنَّ اللَّهَ خالقُ الأشياءِ كلِّها)). وقال أيضاً: ((وهذا
أَلْيَقُ لقولِه تعالى: ((من شرِّ ما خَلَقَ))(٣) أجمع القراءُ على الإِضافةِ، فدَلَّ على
أنه خالقُ الشَّرِّ. وقد فارق عمرو بن عبيد الناسَ فقرأ ((مِنْ شرِّ)(٤) بالتنوين ليُثْبِتَ
(١) معاني القرآن ٣٨٩/٢.
(٢) المشكل له ٢٣٩/٢.
(٣) الآية ٢ من الفلق.
(٤) البحر ٥٣٠/٨.
٣٢١

۔ الصافات -
مع الله تعالى خالقاً)). وقد استفرضَ الزمخشري(١) هذه المقالةَ هنا بكونها
مصدريةً، وشَنَّع على قَائِلِها.
والثالث: أنها استفهاميةٌ، وهو استفهامُ توبيخٍ وتحقيٍ لشأنها أي: وأيّ
شيءٍ تَعْمِلونَ؟ والرابع: أنَّها نافيةٌ أي: إنَّ العملَ في الحقيقة ليس لكم فأنتم
لا تعملون شيئاً. والجملةُ مِنْ قولِه: ((والله خَلَقكم)) حالٌ ومعناها حينئذٍ:
أتعبدون الأصنام على حالةٍ تُنافي ذلك، وهي أنَّ اللَّهَ خالِقُكم وخالِقُهم جميعاً.
ويجوزُ أَنْ تكونَ مستأنفةٌ .
آ. (١٠٢) قوله: ﴿فَلَّا بَلَغَ معه): ((معه)) متعلَّقُ بمحذوفٍ
على سبيل البيان كأنَّ قَائِلاً قال: مع مَنْ بلغ السَّعْيَ؟ فقيل: مع أبيه. ولا يجوزُ
تعلُّقُه بـ ((بَلَغَ)) لأنّه يَقْتضي بلوغَهما معاً حَدَّ السَّعْيِ . ولا يجوز تعلَّقُه بالسَّعْيِ ؛
لأنَّ صلةَ المصدرِ لا تتقدَّمُ عليه فتعيَّن ما تقدَّم. قال معناه الزمخشريُّ (٢). ومَنْ
يَتَسِعْ فِي الظرفِ يُجَوِّزْ تَعَلُّقَه بالسّعْي.
قوله: ((ماذا ترى)) يجوزُ أَنْ تكونَ («ماذا)» مركبةً مغلَّباً فيها الاستفهامُ فتكونَ
منصوبةٌ بـ ((تَرَى))، وهي وما بعدها في محلّ نصب بـ((انْظُر)) لأنها مُعَلِّقةٌ له،
وأنْ تكونَ ((ما)) استفهاميةً، و ((ذا)) موصولةً، فتكون مبتدأً وخبراً، والجملةُ معلّقَةٌ
أيضاً، وأَنْ تكونَ ((ماذا)) بمعنى الذي فتكونَ معمولاً لـ ((انْظُرْ)). وقرأ(٣) الأخَوان
(تُري)) بالضم والكسرِ. والمفعولان محذوفان، أي: تُريني إياه مِنْ صبرك
واحتمالك .
(١) الكشاف ٣٤٦/٣.
(٢) الكشاف ٣٤٧/٣.
(٣) انظر في قراءاتها: السبعة ٥٤٨، والحجة ٦٠٩، والبحر ٧/ ٣٧٠، والقرطبي
١٠٣/١٥، والنشر ٣٥٧/٢، والتيسير ١٨٦، المحتسب ٢٢٢/٢.
٣٢٢

- الصافات -
وباقي السبعة / (تَرَى)) بفتحتين مِن الرأي. وقرأ الأعمش والضحَّاك [٧٥١/أ]
((تُرَى)) بالضمّ والفتح بمعنى: ما يُخَيِّلُ إليك ويَسْنَحُ بخاطرك؟
وقوله: ((ما تُؤْمَرُ)) يجوزُ أَنْ تكونَ ((ما)) بمعنى الذي، والعائدُ مقدرٌ أي :
تُؤْمَرُه، والأصلُ: تُؤْمَرُ به، ولكنَّ حَذْفَ الجارِّ مُطَّرِدٌ، فلم يُحْذَفْ العائدُ إلَّ
وهو منصوبُ المحلِّ، فليس حَذْفُه هنا كحذفِه في قولك: ((جاء الذي مَرَرْتُ)).
وأَنْ تكونَ مصدريةً. قال الزمخشري(١): ((أو أَمْرَك، على إضافةِ المصدرِ
للمفعول وتسميةِ المأمورِ به أمراً)) يعني بقولِه المفعول أي: الذي لم يُسَمَّ
فاعلُه، إلاّ أنَّ في تقدير المصدرِ بفعل مبنيّ للمفعولِ خلافاً مَشْهوراً.
آ. (١٠٣) قوله: ﴿فَلَّا أَسْلَمَا﴾: في جوابِها ثلاثةُ أُوجٍ،
أحدها - وهو الظاهرُ - أَنَّه محذوفٌ، أي: نادَتْه الملائكةُ، أو ظهرَ صَبْرُهما
أو أَجْزَلْنا لهما أَجْرَهما. وقدَّره بعضُهم: بعد الرؤيا أي: كان ما كان مِمَّا يُنْطِقُ به
الحالُ والوصفُ ممَّا لا يُدْرَكُ كُنْهُه. ونقل ابن عطية(٢) أنَّ التقديرَ: فلمّا أَسْلَما
أَسْلَما وَتِلَّه، قال: كقوله(٣):
٣٨١٨- فلمَّا أَجَزْنا ساحةَ الحَيِّ
أي: فلمَّا أَجَزْنا أَجَزْنا وانتحى، ويُعْزَى هذا لسيبويه(٤) وشيخِه الخليلِ.
وفيه نظرً: من حيثُ اتّحادُ الفعلَيْنِ الجارِبَيْنِ مَجْرى الشرط والجواب. إلاّ أَنْ
(١) الكشاف ٣٤٨/٣.
(٢) المحرر ١٣ /٢٤٨ - ٢٤٩.
(٣) تقدم برقم ٤٥٠.
(٤) لم أقف على نص في ((الكتاب)) يفيد ذلك.
٣٢٣

- الصافات -
يُقال: جَعَلَ التغايُرَ في الآية بالعطفِ على الفعل، وفي البيت يعمل الثاني في
((ساحة)) وبالعطف عليه أيضاً. والظاهر أنَّ مثلَ هذا لا يكفي في التغاير.
الثاني: أنه ((وَثَلَّه للجبين)) والواوُ زائدةٌ وهو قولُ الكوفيينَ(١)
والأخفشِ (٢). والثالث: أنه ((وناديناه)) والواوُ زائدةٌ أيضاً.
وقرأ(٣) علي وعبد الله وابن عباس (سَلَّما)). وقُرىء (اسْتَسْلَمَا)).
و ((تَلْه)) أي: صَرَعَه وأسقطه على شِقٌّه. وقيل: هو الرميُّ بقوةٍ، وأصله:
مِنْ رَمَىْ به على التلِّ وهو المكانُ المرتفعُ، أو من التليل وهو العنُقُّ أي: رماه
على عُنُقِه، ثم قيل لكل إسقاطٍ، وإن لم يكنْ على تَلّ ولا على عُنُقَ. والمِثَلُّ:
الرُّمْحُ الذي يُتَلَّ به(٤). والجبينُ: ما اكْتَنَفَ الجبهةَ مِنْ هنا، ومِنْ هِنا وَشَدُّ
جمعُه على أَجْبُن. وقياسُه في القَلَّةِ أَجِْنَة كأَرِْفَة، وفي الكثرة: جُبُل وجُبْنان
كرَغيف ورُغْفان ورُغُفِبٌ.
آ. (١١٢) قوله: ﴿نبيًَّ من الصالحين﴾: نصبٌ على الحال،
وهي حال مقدرة. قال الشيخ (٥): ((إن كان الذَّبيحُ إسحاقَ فيظهر كونُها حالاً
مقدرةً، وإنْ كان إسماعيلُ هو الذبيحَ، وكانت هذه البشارةُ بِشارةً بولادة
إسحاقَ، فقد جَعَل الزمخشريُّ(٦) ذلك مَحَلَّ سؤالٍ قال: ((فَإِنْ قلتَ: فرقٌ بَيْن
(١) انظر: الإنصاف ٤٥٦/٢.
(٢) لم يشر الأخفش إلى زيادة الواو في هذا الموضع في كتابه ((معاني القرآن)). وانظر
أمثلة على ذلك في كتابه ١٢٥، ٤٥٧ .
(٣) انظر في قراءاتها: الإتحاف ٤١٣/٢، والمحتسب ٢٢٢/٢، والقرطبي ١٠٤/١٥،
والبحر ٧/ ٣٧٠.
(٤) يتل به: أي يُصرع بُه.
(٥) البحر ٣٧٢/٧.
(٦) الكشاف ٣٥١/٣.
٣٢٤

- الصافات -
هذا وبين قوله: ((فادْخُلوها خالدين))(١): وذلك أنَّ المَدْخولَ موجودٌ مع وجودٍ
الدخول، والخلودُ غيرُ موجودٍ معهما فقدَّرْت: مُقَدِّرين الخلودَ فكان مستقيماً،
وليس كذلك المبشَّرُ به، فإِنه معدومُ وقتَ وجودِ البشارةِ، وعَدَمُ المبشِّرُ به
أوجَبَ عدمَ حالِه؛ لأن الحالَ حِلْيَةٌ لا تقومُ إلَّ بالمُحَلَّى، وهذا المبشِّرُ به الذي
هو إسحاقُ حين وُجد لم تُوْجَدْ النبوّةُ أيضاً بوجودِه بل تراخَتْ عنه مدةً طويلةً،
فكيف يُجْعل ((نبيًّاً)) حالاً مقدرةٌ، والحالُ صفةٌ للفاعلِ والمفعولِ (٣) عند وجودٍ
الفعل منه أو به؟ فالخلودُ وإنْ لم يكنْ صفتَهم عند دخولِ الجنة فَتَقدِّرُها
صفتَهم؛ لأنَّ المعنى: مقدِّرين الخلودَ وليس كذلك النبوةُ، فإنَّه لا سبيلَ إلى أَنْ
تكون موجودةً أو مقدرةً وقتَ وجودِ البِشارة بإسحاقَ لعدم إسحاق؟ قلت: هذا
سؤالٌ دقيقُ المَسْلَكِ. والذي يَحِلُّ الإِشكالَ: أنه لا بُدَّ مِنْ تقديرٍ مُضافٍ
محذوف وذلك قولُه: وبَشَّرْناه بوجودِ إسحاقَ نبياً أي: بأَنْ يُوْجِد مَقْدرةَ نبوَّتِه،
فالعاملُ في الحال الوجودُ/ لا فعلُ البشارة وبذلك يَرْجِعُ نظيرَ قولِه تعالى: [٧٥١/ب]
((فادْخُلوها خالدين))(٣). انتهى. وهو كلامٌ حَسَنٌ.
قوله: ((من الصالحين)) يجوز أَنْ يكونَ صفةً لـ (نَبِيّا))، وأَنْ يكونَ حالاً من
الضمير في ((نبيَّا)» فتكونَ حالاً متداخلةً. ويجوزُ أَنْ تكونَ حالاً ثانية. قال
الزمخشري (٤): ((وُرُوْدُها على سبيلِ الثناءِ والتقريظ؛ لأنَّ كلَّ نبيّ لا بُدَّ أَنْ
يكونَ من الصالحين».
آ. (١١٦) قوله: ﴿ونَصَرْناهم﴾: الضميرُ عائدٌ على موسى
(١) الآية ٧٣ من الزمر.
(٢) الكشاف: أو المفعول.
(٣) الآية ٧٣ من الزمر.
(٤) الكشاف ٣٥١/٣.
٣٢٥

۔ الصافات -
وهارونَ وقومِهما. وقيل: عائدٌ على الاثنين بلفظِ الجمع تعظيماً كقوله(١):
٣٨١٩- فإنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النساءَ سِواكمُ
(يا أيُّها النبيُّ إذا طَلَّقْتُمُ))(٢).
قوله: ((فكانوا هم)) يجوز في ((هم)) أَنْ يكون تأكيداً، وأن يكونَ بدلاً، وأَنْ
یکونَ فَضْلاً. وهو الأظھرُ.
آ. (١٢٣) قوله: ﴿وإنَّ إلياسَ﴾: العامَّةُ على همزةٍ مكسورةٍ،
همزةٍ قطع. وابنُ ذكوان(٣) بوَصْلِها، ولم يَنْقُلْها عنه الشيخُ(٤) بل نقلها عن
جماعةٍ (٥) غيرِه. ووجهُ القراءتَيْن أنه اسمٌ (٦) أعجميٌّ تلاعَبَتْ به العربُ فَقطعَتْ
همزتَه تارةً، ووَصَلْها أخرى وقالوا فيه: إِلْياسين كجِبْرائين. وقيل: تحتمل قراءةُ
الوصلِ أَنْ يكون اسمُه ياسين(٧) ثم دَخَلَتْ عليه أل المعرِّفَةُ، كما دَخَلَتْ على
ليَسَع وقد تقدَّم(٨). وإلياس هذا قيل: هو ابنُ إِلْياسين المذكورِ بعدُ(٩)، مِنْ وَلَدِ
(١) تقدم برقم ١٠٢٤.
(٢) الآية ١ من الطلاق.
(٣) انظر في قراءاتها: السبعة ٥٤٨، والنشر ٣٥٩/٢ - ٣٦٠، والحجة ٦٠٩، والتيسير.
١٨٧، والبحر ٣٧٣/٧، والمحتسب ٢٢٣/٢.
(٤) عبارة أبي حيان: ((وابن عامر بوصل الألف فاحتمل أن يكون وصل همزة القطع
واحتمل أن يكون اسمه ياسا ودخلت عليه أل)) انظر: البحر ٣٧٣/٧.
(٥) عكرمة والحسن بخلافٍ عنهما والأعرج وأبو رجاء وابن عامر وابن محيصن.
(٦) الأصل ((اسمي)).
(٧) كذا في الأصل لعلها یاسا.
(٨) الآية ٨٦ من الأنعام.
(٩) الآية ١٣٠.
٣٢٦

- الصافات -
هارونَ أخي موسى. وقيل: بل إلياس إدريسُ. ويَدُلُّ له قراءةُ عبد الله والأعمش
وابن وثاب ((وإنَّ إِدْريس)). وقُرِىء ((إدراس)) كإِبْرَاهيمَ. وإبراهام. وفي مصحف
أُبَيّ وقراءتِه: قوله: ((وإن إِيْليسَ)) بهمزة مكسورة ثم ياءٍ ساكنةٍ بنقطتين مِنْ
تحتُ ثم لامٍ مكسورةٍ، ثم ياءٍ بنقطتين مِنْ تحتٌ ساكنةٌ، ثم سينٍ مفتوحةٍ.
آ. (١٢٤) قوله: ﴿إِذ قال﴾: ظرفُ لقوله ((لمن المرسلين)).
آ. (١٢٥) قوله: ﴿بَعْلًا﴾: القرَّاءُ على تنوينه منصوباً، وهو
الرِّبُّ بلغة اليمن(١). سمع ابنُ عباس رجلاً منهم يَنْشُدُ ضالةً فقال آخر: أنا
بَعْلُها فقال: اللَّهُ أكبرُ، وتلا الآيةَ. وقيل: هو عَلَمُ لصنم بعينه، وله قصةً في
التفسير. وقيل: هو عَلَمٌ لامرأةٍ بعينها أَتْهم بضلال فاتَّبعوها، كذا جاء في
التفسير. وتأيَّد صاحبُ هذه المقالة بقراءةٍ مَنْ قرأ(٢) ((بَعْلاءَ)) بزنة حَمْراء.
قوله: ((وَتَذَرُوْنَ)) يجوزُ أَنْ يكونَ حالاً على إضمار مبتدأ، وأَنْ يكونَ عطفاً
على ((تَدْعُون)) فيكون داخلاً في حيّز الإنكار.
آ. (١٢٦) قوله: ﴿اللَّهَ ربَّكم ورَبَّ﴾: قرأ(٣) الأخَوان
وحفص بنصْبِ الثلاثةِ مِنْ ثلاثةِ أوجهٍ: النصبِ على المدحِ أو البدلِ أو البيانِ
إنْ قلنا: إنَّ إضافةً أَفْعَلَ إضافةٌ مَحْضَةٌ. والباقون بالرفع: إِمَّا على خبرِ ابتداءٍ
مضمرٍ أي: هو اللّهُ، أو على أنَّ الجلالةَ مبتدأً وما بعدَه الخبرُ. رُوِيَ عن
(١) انظر: لغات القبائل ٢٣٧.
(٢) البحر ٣٧٣/٧.
(٣) السبعة ٥٤٩، والنشر ٣٦٠/٢، والتيسير ١٨٧، والقرطبي ١١٧/١٥، والبحر
٣٧٣/٧، والحجة ٦١٠.
٣٢٧

- الصافات -
حمزةَ(١) أَنَّه كان إذا وَصْلَ نَصَبَ، وإذا وَقَفَ رَفَع. وهو حسنٌ جداً، وفيهِ جَمْعٌ
بین الرِّوایتیْن.
آ. (١٢٨) قوله: ﴿إِلَّ عبادَ اللهِ﴾: استثناءٌ متصلٌ مِنْ فاعل.
((فكذَّبوه)) وفيه دلالةٌ على أنَّ في قومِه مَنْ لم يُكَذِّبْه، فلذلك اسْتُثْنُوا. ولا يجوزُ
أَنْ يكونوا مُسْتَثْنَيْنِ مِنْ ضمير ((لَمُحْضَرون)) لأنه يَلْزَمُ أَنْ يكونوا مُنْدَرجين فيمَنْ
كَذَّبَ، لكنهم لم يُحْضَّروا لكونِهِم عبادَ اللَّهِ المُخْلِصِين. وهو بَيِّنُ الفسادِ.
لا يُقال: هو مستثنى منه استثناءً منقطعاً؛ لأنه يَصيرُ المعنى: لكنَّ عبادَ اللَّهِ
المخلصين من غير هؤلاء لم يُحْضَروا. ولا حاجةً إلى هذا بوجهٍ، إذ بهِ يَفْسُدُ
نَظْمُ الكلامِ.
آ. (١٣٠) قوله: ﴿على إِلْياسِينَ﴾: قرأ(٢) نافعٌ وابن عامر
((على آلٍ ياسينَ)) بإضافةِ ((آل)) بمعنى أهل إلى ((ياسينَ)). والباقون بكسرِ الهمزةِ
وسكون اللامِ موصولةٌ بـ ((ياسين)) كأنه جَمَعَ ((إلياس)» جَمْعَ سلامةٍ. فَأَمَّا
الأَوْلى: فإنَّه أراد بالآل إلياسَ وَلَدَ ياسين كما تقدَّم وأصحابَه. وقيل المرادُ
بياسين هذا إلياسُ المتقدمُ، فيكونُ له اسمان. وآله: رَهْطُه وقومُه المؤمنون.
وقيل: المرادُ بياسينَ محمدُ بن عبد الله صلَّى الله عليه وسلّم.
وأمَّا القراءةُ الثانيةُ(٣) فقيل: هي جمعُ إلياس المتقدم .. وجُمِعَ باعتبارٍ
أصحابِهِ كالمَهالبةِ والأَشاعثةِ في المُهَلَّبِ وبنيه، والأشعثِ وقومِه، وهو في
الأصلِ جمعُ المنسوبين إلى إلياس، والأصلُ إلياسيّ كأشعَريّ. ثم أَسْتْقِل
(١) البحر ٣٧٣/٧.
(٢) انظر في قراءاتها: السبعة ٥٤٩، والنشر ٣٦٠/٢، والحجة ٦١٠، والتيسير ١٨٧،
والقرطبي ١١٨/١٥، والبحر ٣٧٣/٧، والمحتسب ٢٢٣/٢٪
(٣) إلّ ياسين.
٣٢٨

- الصافات -
تضعيفُهما فحُذِفَتْ إحدىْ ياءَي النَسَب / فلمَّا جُمِعَ جَمْعَ سَلامةٍ التقى ساكنان: [٧٥٢/أ]
إحدى الياءَيْن وياءُ الجمعِ، فَحُذِفَتْ أولاهما لالتقاءِ السَّاكنين، فصار إلياسين
كما ترى. ومثلُه: الأُشْعَرُون والخُبْبُون. قال(١):
٣٨٢٠- قَدْنِيَ مِنْ نَصْرِ الخُبَيْبَيْنِ قَدِيْ
وقد تقدَّم طَرَفٌ من هذا آخر الشعراء(٢) عند ((الأَعْجَمِيْن)). إلاَّ أنَّ
الزمخشريُّ(٣) قد رَدَّ هذا: بأنَّه لو كان على ما ذُكِر لَوَجَب تعريفُه بأل فكان
يُقال: على الإِلياسين. قلت: لأنه متى جُمِعَ العَلَمُ جَمْعَ سَلامةٍ أو ثُنِّي لَزِمَتْه
الألفُ واللامُ؛ لأنه تَزُوْلُ عَلَمِيَّتُه فيقال: الزيدان، الزيدون، الزينبات ولا يُلْتَفَتُ
إلى قولهم: جُمادَيان وعَمايتان عَلَمَيْ شهرَيْن وجبلَيْن لندورِهما.
وقرأ الحسن وأبو رجاء ((على إلياسينَ)) بوصلِ الهمزةِ على أنه جَمْعُ
إلياس وقومِه المنسوبين إليه بالطريق المذكورة. وهذه واضحةٌ لوجودِ أل المعرفةِ
فيه كالزيدِيْن. وقرأ عبد الله ((على إذْراسين)) لأنّه قرأ في الأول ((وإنَّ
إدْريَس»(٤). وقرأ أُبَيُّ ((على إيليسِيْنَ) لأنه قرأ في الأول ((وإنَّ إيليسَ)) كما
حَرِّرْتُه عنه. وهاتان تَدُلَأَن على أن إلیاسینَ جَمْعُ إلیاس.
آ. (١٣٧) قوله: ﴿مُصْبِحِينَ﴾: حالٌ. وهو مِنْ أَصْبح التائَّة
بمعنى داخلين في الصباح. ومنه ((إذا سَمِعْتَ بسُرى القَيْنِ فاعِلَمْ أنه مُصْبِح)»(٥)
(١) تقدم برقم ٥٢٦.
(٢) انظر إعرابه للآية ١٩٨ .
(٣) الكشاف ٣٥٢/٣.
(٤) في الآية ١٢٣ .
(٥) مجمع الأمثال ٤١/١، والمستقصى ١٢٤/١.
٣٢٩

- الصافات -
أي: مُقيم في الصباح. وقد تقدَّم ذلك في سورة الروم(١).
آ. (١٣٨) قوله: ﴿وبالليل﴾: عطفُ على الحالِ قبلها أي:
ومُلْتبِسِيْنَ بالليل.
آ. (١٤٠) قوله: ﴿إِذْ أَبَقَ﴾: ظرفٌ للمرسَلين، أي: هو من
المرسلين حتى في هذه الحالة. وأَبَقَ أي: هَرَبَ. يُقال: أَبَقَ العبدُ يَأْبِقُ إباقا
فهو آبِقٌ، والجمع أُبَّاق كضُرَّابٍ. وفيه لغةٌ ثانية: أَبِقَ بالكسر يَأْبَق بالفتح . ويَأْبِقُ
الرجل يُشَبَّه به في الاستتار. وقولُ الشاعر(٢):
٣٨٢١-
قد أُحْكِمَتْ حَكَمَاتِ القِدِّ وَالْأَبَقَا
قيل: هو القِّبُ.
آ. (١٤١) قوله: ﴿فساهَمَ﴾: أي: فغالَبَهم في المساهمة،
وهي الاقتراعُ. وأصلُه أَنْ يَخْرُجَ السَّهْمُ على مَنْ غلب.
آ. (١٤٢) قوله: ﴿وهو مُلِيْمٌ﴾: حالٌ. والمليمُ: الذي أتى بما
يُلامُ عليه. قال(٣):
٣٨٢٢- وكم مِنْ مُلْمٍ لم يُصَبْ بمَلامَةٍ
ومُتَّبَعٍ بالذُّنْبِ ليس له ذَنْبٌ
(١) الآية ١٧. وانظر إعرابه للآية ٦٦ من الحجر.
(٢) البيت لزهير وصدره:
القائدَ الخيلِ مَنْكوباً دوابِرُها
وهو في ديوانه ٤٩، واللسان أبق، وعمدة الحفاظ ٥. ومنكوباً دوابرها: أكلتها.
الأرض.
(٣) لم أهتدٍ إلى قائله. وهو في البحر ٣٦٨/٧، والمحرر ٢٥٦/١٣.
٣٣٠

- الصافات -
يقال: ألام فلانٌ أي: فَعَلَ ما يُلامُ عليه. وقُرِىءٍ(١) ((مَليم)) بفتح الميم
مِنْ لامَ يَلُوْمُ، وهي شاذّةٌ جداً إذ كان قياسها ((مَلُوْم)) لأنَّها مِنْ ذوات الواوِ كمَقُول
ومَصُون. قيل: ولكنْ أُخِذَتْ من لِيْم على كذا مبنياً للمفعول. ومثلُه في ذلك:
شُبْتُ الشيءَ فهو مَشِيْب، ودُعِيَ فهو مَدْعِيّ، والقياسُ: مَشُوْبٍ ومَدْعُوّ(٢)،
لأَنَّهما مِنْ يَشُوْبُ ويَدْعُو.
آ. (١٤٤) قوله: ﴿في بَطْنِه﴾: الظاهرُ أنه متعلِّقٌ بـ ((لَبِثَ))
وقيل : حالٌ أي: مستقراً.
آ. (١٤٥) قوله: ﴿بالعَراءِ﴾: أي: في العَراء نحو: زيد بمكة.
والعَراءُ: الأرضُ الواسعةُ التي لا نباتَ بها ولا مَعْلَمَ، اشتقاقاً من العُري وهو
عَدَمُ السُّتْرَةِ، سُمِّيَتِ الأرضُ الجَرْداء لعدم اسْتِتارها بشيء. والعُرا بالقصر:
الناحيةُ. ومنه اعتراه أي: قَصَدَ عُراه. وأما الممدودُ فهو - كما تقدَّم ــ الأرضُ
الفيحاء. قال(٣) :
٣٨٢٣- ورَفَعْتُ رِجْلاً لا أخافُ عِثارَها
وتَبَذْتُ بالمَتْنِ العَراء ثيابي
آ. (١٤٦) قوله: ﴿مِنْ يَقْطِين﴾: هو يَفْعيل مِنْ قَطَنَ بالمكانِ
إذا أقام فيه لا يَبْرَحِ(٤). قيل: واليَقْطِيْنُ: كلُّ ما لم يكُنْ له ساقٌ مِنْ عُوْدٍ كالقِّاءِ
(١) البحر ٣٧٥/٧، والكشاف ٣٥٣/٣.
(٢) لأن عينه واو في مَشُوب، ولامه واو في مَدْعُوّ.
(٣) البيت لرجل من خُزاعة. وهو في مجاز القرآن ١٧٥/٢، واللسان (عرا)، والبحر
٣٦٨/٧، والقرطبي ١٢٩/١٥.
(٤) يقطُن قُطوناً.
٣٣١

۔ الصافات -
والقَرْعِ والبِطِّيخ. وفي قوله: ((شجرةٌ)) ما يَرُدُّ قولَ بعضِهم إن الشجرةَ في
كلامهم ما كان لها ساقٌّ مِنْ عُوْدٍ، بل الصحيحُ أنها أَعَمُّ. ولذلك بُيِّنَتْ بقولِه:
(مِنْ يَقْطِين)). وأمَّا قولُه: ((والنجمُ والشَّجَر))(١) فلا دليلَ فيه لأنه استعمالُ اللفظِ
العامٌّ في أحدٍ مَدْلولاته. وقيل: بل أَنْبَتَ اللّهُ اليَقْطِيْنَ الخاصَّ على ساقٍ معجزةً
[٧٥٢/ب] له فجاء على أصلِه / ولو بَيْتَ من الوَعْدِ مثلَ: يَقْطين لقلت: يَوْعِيْد لا يُقال:
تُحذف الواوُ لوقوعِها بين ياءٍ وكسرٍ كـ ((يَعِدُ)) مضارعَ وَعَد؛ لأنَّ شَرْطَ تلك الياءِ
أنْ تكونَ للمضارعةِ. وهذه مِمَّا يَمْتَحِنُ بها أهلُ التصريفِ بعضهم بعضاً .
آ. (١٤٧) قوله: ﴿أُو يَزِيْدون﴾: في ((أو)) هذه سبعةُ أوجهٍ قَد
تقدُّمَتْ بتحقيقها ودلائلها في أولِ البقرةِ عند قولِه (أو كصَيِّبٍ))(٢) فعليكٌ
بالالتفاتِ إليها ثَمَّةَ: فالشَّكَّ بالنسبةِ إلى المخاطبين، أي: إن الرائَي يَشُكُّ عند
رؤيتهم، والإِبهامُ بالنسبةِ إلى أن الله تعالىْ أَبْهَمَ أمْرَهم، والإباحةُ أي: إنّ
الناظر إليهم يُباح له أن يَحْزِرَهم بهذا القَدْرِ، أو بهذا القَدْرِ، وكذلك التخييرُ
أي: هو مُخَيٌِّ بين أَنْ يَجْزِرَهم كذا أو كذا، والإضرابُ ومعنى الواوِ واضحان.
آ. (١٤٩) قوله: ﴿فَاسْتَفْتِهِم﴾: قال الزمخشريُّ(٣): ((معطوفٌ
على مثلِه(٤) في أولِ السورة، وإنْ تباعَدَتْ)). قال الشيخ(٥): ((وإذا كانوا قد
عَدُّوا الفصلَ بجملةٍ نحوُ: ((كُلْ لحماً واضْرِب زيداً وخبزاً)) من أقبح التركيبِ،
فكيف بجملٍ كثيرةٍ وقِصَصٍ متباينةٍ؟)» قلت: ولقائلٍ أن يقول: إنَّ الفَصْلَ
(١) الآية ٦ من الرحمن.
(٢) الآية ١٩ من البقرة، وانظر: الدر المصون ١ / ١٦٧.
(٣) الكشاف ٣٥٤/٣.
(٤) الآية ١١.
(٥) البحر ٣٧٦/٧.
٣٣٢

- الصافات -
- وإنْ كَثُرَ بين الجملِ المتعاطفةِ - مغتفرٌ. وأمَّا المثالُ الذي ذكره فمِنْ قبیلِ
المفرداتِ. ألا ترى كيف عطف ((خبزاً» على لَحْماً؟
آ. (١٥٠) قوله: ﴿وهم شاهدون﴾: جملةٌ حاليةٌ من
الملائكة. والرابطُ: الواوُ، وهي هنا واجبةٌ لَعدم رابِطٍ غيرِها.
آ. (١٥٢) والعامَّةُ على ((وَلَدَ اللَّهُ)) فعلاً ماضياً مسنداً للجلالةِ أي:
أتى بالولد، تعالى اللَّهُ عَمَّا يقولون عَلُوْاً كبيراً. وقُرِىء(١) ((وَلَدُ اللَّهِ) بإضافة
الولد إليه أي: يقولون: الملائكةُ وَلَدُه. فحُذِف المبتدأُ العِلْمِ به، وأُبْقِيَ خبرُه.
والوَلَدُ: فَعَل بمعنى مَفْعُول كالقَّبَض؛ فلذلك يقع خبراً عن المفرد والمثنى
والمجموع تذكيراً وتأنيئاً. تقول: هذي وَلّدي، وهم وَلَدي.
آ. (١٥٣) قوله: ﴿أَصْطَفَى﴾: العامَّةُ على فتحِ الهمزة على
أنها همزةُ استفهامٍ بمعنى الإِنكارِ والتقريع، وقد حُذِفَ معها همزةُ الوَصْلِ
استغناء عنها .
وقرأ(٢) نافعٌ في روايةٍ وأبو جعفر وشيبةُ والأعمش بهمزةٍ وَصْلٍ تَثْبُتُ
ابتداءً وتَسْقُطُ دَرْجاً. وفيه وجهان، أحدُهما: أنَّه على نيةِ الاستفهامِ ، وإنما
حُذِفَ للعِلْمِ به. ومنه قولُ عُمَرَ بن أبي ربيعة(٣):
٣٨٢٤- ثم قالُوا: تُحِبُّها قلتُ بَهْراً
عددَ الرَّمْلِ والحَصَىُ والترابِ
(١) البحر ٣٧٦/٧.
(٢) من رواية ابن جمّاز وإسماعيل عنه. انظر: السبعة ٥٤٩، والنشر ٣٦٠/٢،
والقرطبي ١٣٤/١٥، والبحر ٣٧٧/٧، والحجة ٦١٢.
(٣) ديوانه ٤٢٣، والكتاب ١٥٧/١، والخصائص ٢٨١/٢، والدرر ١٦٢/١، وبهراً:
كثيراً .
٣٣٣

- الصافات -
أي: أتُحبها. والثاني: أن هذه الجملةَ بَدَلٌ من الجملة المحكيَّةِ بالقول،
وهي ((وَلَدَ اللَّهُ)) أي: يقولون كذا، ويقولون: اصطفى هذا الجنسَ على هذا
الجنس. قال الزمخشري(١): «وقد قرأ بها حمزةُ والأعمشُ. وهذه القراءة وإنْ
كان هذا مَحْمَلَها فهي ضعيفةٌ. والذي أَضْعَفَها أنَّ الإِنكارَ قد اكتنف هذه الجملةَ
مِنْ جانبيها، وذلك قولُه: ((وإنهم لَكاذبون))، ((ما لكم كيف تحكمون)» فمَنْ
جَعَلَها للإِثباتِ فقد أَوْقَعها دخِيلةٌ بين نَسِيبَيْنِ)). قال الشيخ(٢): ((وليسَتْ دخيلةً
بين نَسِيْبَيْن؛ لأنَّ لها مناسَبَةً ظاهرةً مع قولهم: ((وَلَدَ اللَّهُ)). وأَمَّا قولُه: ((وإنهم
لَكاذبون)) فهي جملةُ اعتراضٍ بين مقالتَيْ الكفرة جاءَتْ للتنديدِ(٣) والتأكيد في
گوْنِ مقالتهم تلك هي مِنْ إِفْکِھم».
ونَقَلَ أبو البقاء(٤) أنه قُرِىء ((أَصْطفى)) بالمدِّ. قال: ((وهو بعيدٌ جداً)).
آ. (١٥٤) قوله: ﴿ما لكم كيف تَحْكُمون﴾: جملتان
استفهاميتان ليس لإِحداهما تَعَلَّقَّ بالأخْرى من حيث الإِعرابُ، استفهم أولاً عَمًّا
استقرَّ لهم وثَبَتَ، استفهامَ إنكار، وثانياً استفهامَ تعجيب مِنْ حُكْمِهِم بهذا
الحكم الجائرِ، وهو أنهم نَسَبوا أَخَسِّ الجنسَيْن وما يَتْطَيَّرون منه، ويَتّوارى
أحدُهم مِنْ قومِه عند بِشارَتِه به، إلى ربِّهم، وأحسنَ(٥) الجنسيْنِ إليهم
آ. (١٦٠) قوله: ﴿إِلَّ عبادَ اللهِ﴾: مُسْتشى منقطعٌ.
والمستثنى منه: إمَّا فاعلُ ((جَعَلُوا)) أي: جعلوا بينه وبين الجِنَّةِ نّسَباً إلاّ
(١) الكشاف ٣٥٤/٣.
(٢) البحر ٣٧٧/٧.
(٣) البحر: للتشديد.
(٤) الإملاء ١١٢/٢.
(٥) أي: نسبوا أحسن.
.=
٣٣٤

- الصافات -
عبادَ الله. الثاني: أنه فاعُل ((يَصِفُوْن)) أي: لكن عباد/ الله يَصِفُونه بما يَليق به [٧٥٣/أ]
تعالى. الثالث: أنه ضمير ((مُحْضَرون)) أي: لكنَّ عبادَ الله ناجُوْن. وعلى هذا
فتكون جملةُ التسبيحِ معترضةٌ. وظاهرُ كلامِ أبي البقاء أنه يجوزُ أَنْ يكونَ
استثناءً متصلاً لأنه قال(١): ((مستثنى مِنْ ((جَعَلُوا)) أو (مُحْضَرون)). ويجوزُ أَنْ
يكونَ منفصلً)» فظاهرُ هذه العبارةِ أنَّ الوجهين الأوَّلين هو فيهما متصلٌ
لا منفصلٌ. وليس ببعيدٍ كأنه قيل: وجَعَل الناسَ. ثم استثنى منهم هؤلاء وكلَّ
مَنْ لم يجعل بين الله تعالى وبينَ الجِنَّةِ نَسَباً فهو عند الله مُخْلصٌ من الشِّرْك.
آ. (١٦١) قوله: ﴿وما تَعْبُدُون﴾: فيه وجهان، أحدُهما: أنه
معطوفٌ على اسم ((إنَّ). و((ما))(٢) نافيةٌ، و((أنتم)) اسمُها أو مبتدأُ، و((أنتم)) فيه
تغليبُ المخاطبِ على الغائبِ؛ إذ الأصلُ: فإنكمُ ومعبودكم ما أنتم وهو،
فغُلِّب الخطابُ. و((عليه)) متعلقُ بقوله: ((بفاتِنين)). والضميرُ عائدٌ على
((ما تعبدون)) بتقديرٍ حَذْفِ مضافٍ وضُمِّنَ فاتنين معنى حاملين بالفتنة والتقدير:
فإنكم وآلهتكم، ما أنتم وهم حاملين على عبادته إلّ الذين سَبَقَ في عِلْمه أنَّه
من أهل صَلَّيِ الجحيم. فَمَنْ مفعولٌ بـ ((فاتِنِين)) والاستثناءُ مفرغٌ. والثاني: أنه
مفعولٌ معه، وعلى هذا فَيَحْسُنُ السكوتُ على ((تعبدون)) كما يَحْسُن في قولك:
(إنَّ كلَّ رجلٍ وضَيْعَتَّه))، وحكى الكسائيُّ أن كلَّ ثوبٍ وثمنه(٣) والمعنى:
أنكم مع معبودِيْكم مُقْتَرنون. كما يُقَدَّر ذلك في ((كلُ رجلٍ وضَيْعَتُه مقترنان)».
وقولُه: ((ما أنتم عليه بفاتِنين» مستأنفٌ أي: ما أنتم على ما تعبدون بفاتنين،
أو بحاملين على الفتنة، إلَّ مَنْ هو صالٍ منكم. قالها الزمخشريُّ (٤). إلّ أنَّ
(١) الإملاء ٢٠٨/٢.
(٢) في قوله تعالى: ((ما أنتم)).
(٣) رُسمت الواو ((لو)، وفي ((الارتشاف)): ((كل ثوب وقيمته)). الارتشاف ٣٢/٢.
(٤) الكشاف ٣٥٥/٣، والوجهان هما: العطف والمعية.
٣٣٥

---
- الصافات -
أبا البقاء (١) ضَعَّفَ الثاني، وكذا الشيخُ(٢) تابعاً له في تضعيفِه بعَدَم تَبَادُرِهِ إِلى
الفهم .
قلت: الظاهر أنه معطوفٌ، واستئنافُ «ما أنتم علیه بفاتنین» غیرُ واضحٍ،
والحقُّ أَحَقُّ أَنْ يُتْبَعَ. وَجَوَّزَ الزمخشريُّ (٣) أَنْ يعودَ الضمير في ((عليه)) على اللَّهِ
تعالى قال: ((فإنْ قِلتَ: كيف يَفْتِنُونهم على الله؟ قلت: يُفْسِدونهم عليه
بإغوائهم، مِنْ قولِك: فتن فلانٌ على فلانٍ امرأته، كما تقول: أَفْسَدها عليه
وخَيَّبها علیه)).
آ. (١٦٣) و ((مَنْ هو)) يجوزُ أَنْ تكونَ موصولةً أو موصوفةً .
وقرأ العامَّةُ ((صالِ الجحيم)) بكسرِ اللامِ ؛ لأنه منقوصٌ مضافٌ حُذِفَتْ
لامُه لالتقاءِ الساكنين، وحُمِلَ على لفظ ((مَنْ)) فأَفْرَدَ كما أَفْرد هو. وقرأ (٤)
الحسنُ وابن أبي عبلةُ بضمَّ اللامِ مع واوٍ بعدَها، فيما نقله الهذلي(٥) عنهما،
وابن عطية (٦) عن الحسن. وقراً بضمِّها مع عَدَمِ واوٍ فيما نقل ابنُ خالويه(٧)
عنهما وعن الحسن فقط، فيما نقله الزمخشريُّ (٨) وأبو الفضل(٩). فأمَّا مع الواو
(١) الإملاء ٢٠٨/٢، قال: ((ويضعف أن يكون بمعنى مع إذ لا فعلَ هنا)).
(٢) البحر ٣٧٨/٧.
(٣) الكشاف ٣٥٥/٣.
(٤) انظر في قراءاتها: المحتسب ٢٢٨/٢، والبحر ٣٧٩/٧، والقرطبي ١٣٦/١٥،
والنشر ١٨٣/٢.
(٥)
الكامل له (خ) ٢٣٣.
(٦) المحرر ٢٦١/١٣، وعبارته ((بضم اللام)).
(٧) الشواذ له ١٢٨ .
(٨) الكشاف ٣٥٦/٣.
(٩) وهو الرازي صاحب اللوامح.
٣٣٦

- الصافات -
فإنَّه جَمْعُ سَلامةٍ بالواو والنون، ويكون قد حُمِلَ على لفظ ((مَنْ)) أولاً فأفرد في
قوله ((هو)، وعلى معناها ثانياً فَجُمِعَ في قوله: ((صالُو)) وحُذِفَتْ النونُ للإضافة.
وممَّا حُمِل فيه على اللفظ والمعنى في جملةٍ واحدةٍ وهي صلةٌ للموصولِ قولُه
تعالى: ((إِلاَّ مَنْ كان هُوْداً أو نصارى))(١) فأفرد في ((كان)) وجُمِعَ في هوداً. ومثله
قولُه(٢):
وأَيْقَظَ مَنْ كان مِنْكُمْ نِياما
٣٨٢٥-
وأمَّا مع عَدَمِ الواو فُيُحْتَمَلُ أَنْ يكونَ جمعاً أيضاً، وإنما حُذِفَتْ الواوُ خطأً
كما حُذِفَتْ لفظاً. وكثيراً ما يَفْعلون هذا: يُسْقِطون في الخطِّ ما يَسْقط في
اللفظِ. ومنه ((يَقْض الحقِّ))(٣) في قراءةِ مَنْ قرأ بالضاد المعجمة، ورُسِمَ بغير
ياءٍ، وكذلك «واخْشَوْنِ، اليومَ)»(٤). ويُحْتمل أَنْ يكونَ مفرداً، وحقّه على هذا
كسرُ اللامِ فقط لأنه عينُ منقوصٍ ، وعينُ المنقوصِ مكسورةٌ أبداً وحُذِفَتٍ
اللامُ وهي الياءُ لالتقاء الساكنين نحو: هذا قاض البلد.
وقد ذكروا فيه(٥) توجيهَيْن، أحدهما: أنه مقلوبٌ؛ إذا الأصلُ: صالي ثم
صايل، قَدَّموا اللامَ إلى موضع العينِ، فوقعَ الإِعرابُ على العين، ثم حُذِفَتْ
لامُ الكلمة بعد / القلب فصار اللفظ كما ترى، ووزنُه على هذا فاعُ فيُقال على [٧٥٣/ب]
هذا: جاء صالُ، ورأيتُ صالاً، ومررت بصالٍ، فيصيرُ في اللفظِ كقولك: هذا
(١) الآية ١١١ من البقرة.
(٢) تقدم برقم ٦٧٨.
(٣) الآية ٥٧ من الأنعام، وهي قراءة الكسائي وحمزة وابن عامر وأبي عمرو. الدر
٦٥٧/٤.
(٤) الآية ٣ من المائدة.
(٥) في (صالُ)).
٣٣٧

- الصافات -
بابٌ ورأيتُ باباً، ومررتُ ببابٍ. ونظيرُه في مجردِ القلبِ: شاكٍ(١) ولاتٍ(٢) في
شائك ولائث، ولكنْ شائِك ولائِث قبل القلب صحيحان، فصارا به معتلَيْن
منقوصَيْنِ بخلافِ ((صال)) فإنَّه قبلَ القلبِ معتلٍّ منقوصٌ فصار به صحيحاً.
والثاني: أنَّ اللامَ حُذِفَتْ استثقالاً مِنْ غيرٍ قُلْبٍ. وهذا عندي أسهلُ مِمَّا قبلَه
وقد رَأَيْناهم يتناسَوْن اللامَ المحذوفةَ، ويجعلون الإِعرابَ على العين. وقد
قُرِىءَ (وله الجوارُ)(٣) برفع الراءِ، ((وجَنَّى الجنتَيْن دانٌ))(٤) برفعِ النونِ تشبيهاً
بـ جناح وجانّ. وقالوا: ما بالَيْت به بالة والأصل بالِية كعافِيَة. وقد تقدَّمَ طَرَفِ
مِنْ هذا عند قولِه تعالى: ((ومِنْ فوقِهِم غَواشٌ))(٥) فيمَنْ قرأه برفع الشين.
آ. (١٦٤) قوله: ﴿وما مِنَّا إِلَّ له مَقَامٌ﴾: فيه وجهانِ،
أحدهما: أنَّ ((منَّا)) صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ هو مبتدأً، والخبرُ الجملةُ مِنْ قولِهِ.
(إلّ له مقامٌ مَعْلومٌ)) تقديرُه: ما أحدٌ منا إِلَّ له مقامٌ، وحَذْفُ المبتدأ مع ((مِنْ))
جيدٌ فصيحٌ. والثاني: أنَّ المبتدأ محذوفٌ أيضاً، و((إلاّ له مقامٌ)) صفتُهِ حُذِفَ
موصوفُها، والخبرُ على هذا هو الجارُّ المتقدمُ. والتقدير: وما منَّا أحدٌ إلَّ له
مقامٌ. قال الزمخشري (٦): حَذَّفَ الموصوفَ، وأقامَ الصفةَ مُقَامَه كقولِه(٧):
٣٨٢٦- أنا ابنُ جَلا وطلَّعُ الثَّنايا
(١) الشائك: ذو الشوكة ثم صار شايك ثم شاكي. وقد يقال شاكُ. انظر: اللسان شوك.
(٢) نبات لائث: ما قد التبس بعضه على بعض يقولون: لائث ولاث على القلب كما.
سبق. انظر: اللسان لوث.
(٣) الآية ٢٤ من الرحمن، وهي قراءة الحسن. الإتحاف ٥١٠/٢.
(٤) الآية ٥٤ من الرحمن، ولم أقف على القراءة المذكورة.
(٥) الآية ٤١ من الأعراف وهي قراءة أبي رجاء. الشواذ ٤٣. وانظر: الدر ٣٢٢/٥.
(٦) الكشاف ٣٥٦/٣.
(٧) تقدَّم برقم ٢٥٣٨ .
٣٣٨

۔ الصافات -
[وقوله](١):
٣٨٢٧- تَرْمي بكفِّيْ كان مِنْ أَرْمِىُ البَشَرْ
ورَدَّه الشيخُ(٢) فقال: ((ليس هذا مِنْ حَذْفِ الموصوفِ وإقامةِ الصفةِ
مُقامَه؛ لأنَّ المحذوفَ مبتدأُ، و ((إلّ له مقامٌ)) خَبَرُه؛ ولأنه لا ينعقِدُ كلامٌ مِنْ
قوله: ((وما منَّا أحدٌ))، وقوله: ((إلّ له مقامٌ)) مَحَطُّ الفائدةِ، وإنْ تُخُيّل أن ((إِلَّ له
مقامٌ معلومٌ)) في موضع الصفةِ فقد نَصُّوا على أنَّ (إلّ) لا تكونُ صفةً إذا حُذِف
موصوفُها، وأنها فارقتْ ((غير)) إذا كانتْ صفةً في ذلك لتمكّنٍ ((غير)) في الوصف
وَعَدَمِ (٣) تمكُّنِ (إلَّ)) فيه، وجَعَل ذلك كقولِه: ((أنا ابنُ جَلا)» أي: أنا ابنُ رجلٍ
جَلا، و((بكفَّيْ كان) أي: رجل كان، وقد عَدَّه النَّحْويون مِنْ أقبحِ الضَّرائِر
[حيث حَذَفَ الموصوفَ والصفةُ جملةٌ لم تتقدَّمْها ((مِنْ)) بخلافٍ قولِه «مِنَّا ظَعَنَ
ومِنَّا أقام)) يريدون: مِنَّا فريقٌ ظَعَن، ومنَّا فريقٌ أقام](٤) وقد تقدَّم نحوٌ من هذا
في النساء عند قوله: ((وإنْ مِنْ أهلِ الكتاب إلّ لَيُؤْمِنَنَّ به))(٥). وهذا الكلامُ
وما بعده ظاهرُه أنه من كلامِ الملائكةِ. وقيل: مِنْ كلامِ رسول الله صلَّى الله
عليه وسلّم. ومفعول (الصافُون)) و((المُسَبِّحون)) يجوزُ أنْ يكونَ مُراداً أي:
الصافُّون أقدامنا أو أجنحتنا، والمسبّحون اللَّهَ تعالى وأنْ لا يُرادَ البتةً أي:
نحن مِنْ أهلِ هذا الفعلِ .
(١) تقدم برقم ٢١٠٩.
(٢) البحر ٣٧٩/٧.
(٣) البحر: وقلة تمكن.
(٤) ما بين معقوفين سقط من مطبوعة البحر.
(٥) الآية ١٥٩ من النساء. وانظر: الدر المصون ١٤٨/٤.
٣٣٩

۔ الصافات -
آ. (١٧٢) قوله: ﴿إِنَّهم لَهُمُ المنصورون﴾: تفسيرٌ للكلمة
فيجوز أن لا يكونَ لها محلٌّ من الإِعراب، ويجوزُ أَنْ تكونَ خبرَ مبتدأ مضمر
أو منصوبةٌ بإضمارٍ فعل أي: هي أنَّهم لهم المنصورون، أو أعني بالكلمة هذا
اللفظَ، ويكون ذلك على سبيلِ الحكاية؛ لأنَّك لو صَرَّحْتَ بالفعل قبلَها حاكياً
للجملة بعده كان صحيحاً، كأنَّك قلت: عَنَيْتُ هذا اللفظ كما تقول: ((كتبتُ
زيدٌ قائمٌ)) و ((إِنَّ زيداً لَقائمٌ)). وقرأ(١) الضحَّاك ((كلماتنا)) جمعاً.
آ. (١٧٧) قوله: ﴿نَزَلَ بساحتهم﴾: العامَّةُ على ((نَزَلَ)) مبنياً
للفاعلِ ، وعبد الله(٢) ببنائه للمفعولِ، والجارُّ قائمٌ مقامَ فاعِله. والسَّاحةُ:
الفِناءُ الخالي مِن الأبنية، وجَمْعُها سُوْحُ فألفُها عن واوٍ، فَتُصَغَّرُ على سُوَيْحَةٍ.
قال الشاعر(٣):
٣٨٢٨- فكان سِيَّانِ أَنْ لا يَسْرَحُوا نَعَماً
أو يَسْرَحُوه بها واغْبَرَّت السُّوحُ
[٧٥٤/أ]
وبهذا يتبيَّنُ / ضَعْفُ قولِ الراغب (٤): إنها مِنْ ذواتِ الياءِ؛ حيث عَدَّها
في مادة ((سيح)) ثم قال: ((السَّاحة: المكانُ الواسعُ. ومنه ساحةُ الدار.
والسَّائحُ: الماءُ الجاري في الساحة. وساحَ فلانٌ في الأرضِ: مَرَّ مَرَّ السَّائح،
(١) في الآية ١٧١. انظر: البحر ٣٨٠/٧.
(٢) المحتسب ٢٢٩/٢، والبحر ٣٨٠/٧.
(٣) البيت لأبي ذؤيب الهذلي، وهو في ديوان الهذليين ١٩٧/١، والخصائص.
٣٤٨/١، وابن يعيش ٨٦/٢، والخزانة ٣٤٢/٢. والسوح: جمع ساحة يصف سنة
ذات جدب فرعي الغنم وترکه سواء.
(٤) لم ينص على أنها يائية ومنهجه الجمع بين ذوات الياء وذوات الواو تحت حرف
واحد، وذكر بعدها ((سود)» وبدأ المادة بقوله ساح. المفردات ٢٤٦.
٣٤٠