Indexed OCR Text
Pages 181-200
- سبا- الرابع: أنه ما فُهِم مِنْ سياقِ الكلامِ. قال الزمخشري(١): ((فإنْ قلتَ: بأيِّ شيءٍ أَتَّصل قولُه: ((حتى إذا فُزِّع)) ولأيُّ شيءٍ وقعت ((حتى)) غايةً؟ قلت: بما فُهِم من هذا الكلامِ مِنْ أَنَّ ثَمَّ انتظاراً للإِذْنِ وتوقُّفاً(٢) وتمهُّلا وفَزَعاً مِن الراجين للشفاعةِ والشفعاءِ هل يُؤْذَنُ لهم، أو لا يُؤْذَن؟ وأنه لا يُطْلَقُ الإِذنُ إلاّ بَعْد مَلِيٍّ من الزمان وطولٍ من التربُّصِ. وَلَّ على هذه الحالِ قولُه: [تعالى (رَبِّ السمواتِ)) إلى قوله: ((إلاَّ مَنْ أذن له الرحمن وقال صواباً](٣) فكأنه قيل: يَتَرَبَّصون ويتوقَّفون مَلِيَّاً فَزِعِينَ وَهِلين، حتى إذا فُرِّعَ عن قلوبِهم أي : كُشِفَ الفَزَعُ عن قلوبِ الشافعين والمشفوعِ لهم بكلمةٍ يتكلم بها ربُّ العزةِ في إطلاقِ الإِذن، تباشروا بذلك، وسأل بعضُهم بعضاً: ماذا قال ربُّكم قالوا: الحق. أي: القولَ الحقَّ وهو الإِذنُ بالشفاعةِ لِمَنْ ارْتَضَىْ)). وقرأ ابنُ عامر(٤) ((فَزَّعَ)) مبنياً للفاعل. فإنْ كان الضميرُ في ((قلوبهم)) للملائكةِ فالفاعلُ في ((فَزَّع)) ضميرُ اسمِ الله تعالى لتقدُّم ذِكْرِه. وإن كان للكفارِ فالفاعلُ ضميرُ مُغْوِيْهم. كذا قال الشيخ(٥). والظاهر أنه يعودُ على الله مطلقاً. وقرأ الباقون مبنيًّ للمفعول. والقائمُ مقامَ الفاعلِ الجارُّ بعده. وفَعَّل بالتشديد معناها السَّلْبُ(٦) هنا نحو: قَرَّدْتُ البعيرَ أي: أَزَلْتُ قُراده، كذا هنا أي: أزالَ الفَزّعَ عنها. (١) الكشاف ٢٨٧/٣. (٢) الكشاف: وتوقعاً. (٣) لم يظهر في مصورة الأصل أثبتناه من (ش) والكشاف. والآيتان ٣٧ - ٣٨ من النبأ. (٤) انظر في أوجه هذه القراءات: السبعة ٥٣٠، والنشر ٣٥١/٢، والحجة ٥٨٩، والتيسير ١٨١، والقرطبي ٢٩٨/١٤، والبحر ٢٧٨/٧، والمحتسب ١٩١/٢. (٥) البحر ٢٧٨/٧. (٦) قال أبو عبيدة في المجاز ١٤٧/٢: ((مجازُهُ نُفِّس الفَزَعُ عن قلوبهم وطُيِّر عنها الفَزْعُ)». ١٨١ - سبأ - وقرأ الحسن ((فُزِعَ)) مبنياً للمفعول مخففاً كقولك: ذُهِب بزيدٍ. والحسن أيضاً وقتادة ومجاهد ((فَرَّغَ)) مبنياً للفاعل من الفراغ. وعن الحسين أيضاً تخفيفُ الراء. وعنه أيضاً وعن ابنٍ عُمَر وقتادة مشددَ(١) الراءِ مبنياً للمفعول .. والفَرَاغُ: الفَناءِ والمعنى: حتى إذا أَفْنى اللَّهُ الوَجَلَ أو انتفى بنفسِهِ، أو نُفِي الوَجَلُ والخوفُ عن قلوبهم فلمَّا بُني للمفعولِ قام الجارُّ مَقامَه. وقرأ ابن مسعود وابن عمر ((افْرُنْقِعَ)) من الأفْرِنْقاعِ. وهو التفرُّقُ. قال الزمخشري (٢): ((والكلمةُ مركبةٌ مِنْ حروف المفارقة مع زيادة العين، كما رُكِّب ((اقْمَطَرَ)) من حروفِ القَمْطِ مع زيادة الراء)). قال الشيخ (٣): ((فإنْ عَنَى أَنَّ العينَ من حروفِ الزيادة، وكذا الراء، وهو ظاهرُ كلامِه فليس بصحيحٍ ؛ لأنَّ العين والراءَ ليسا مِنْ حروف الزيادةِ. وإنْ عنى أنَّ الكلمة فيها حروفُ مَا ذُكِرِ، وزائداً إلى ذلك العينُ والراءُ، والمادةُ فَرْقَعَ وَقَمْطَرِ(٤) فهو صحيحٌ)) انتهى. وهذه قراءةٌ مخالِفَةٌ للسَّواد، ومع ذلك هي لفظةٌ غريبةٌ ثقيلةُ اللفظِ، نَصَّ أهلُ البيانِ عليها وَمَثَّلوا بها. وحَكَوْا عن عيسى بنِ عمر أنه غُشِيَ عليه ذاتَ يومٍ فاجتمع عليه النَّظَّارَةُ فلمَّا أفاق قال: ((أراكم تَكَأْكَأْتُمْ عليَّ تَكَأْكُوكم على ذي جِنَّةٍ افرَنْقِعوا عني)) أي: اجتمعتُمْ عليّ اجتماعَكم على المجنونِ تَفَرَّقُوا عني، فعابَها الناسُ عليه، حيث استعمل مثلَ هذه الألفاظِ الثقيلةِ المستغربةِ . وقرأ(٥) ابن أبي عبلة ((الحقُّ)) بالرفع على أنه خبرُ مبتدأ مضمرٍ أي: قالوا قولُه الحقُّ. (١) ((فُرِّغ)). (٢) الكشاف ٢٨٨/٣. (٣) البحر ٢٧٨/٧. (٤) اقمطُّر يومنا: اشتدَّ. (٥) البحر ٢٧٩/٧، والكشاف ٢٨٨/٣. ١٨٢ - سبا- آ. (٢٤) قوله: ﴿أو إيَّاكم﴾: عطفُ على اسم إنَّ. وفي الخبرٍ أوجهٌ، أحدها: أنَّ الملفوظَ به الأولُ وحُذِفَ خبرُ الثاني للدلالة عليه. أي: وإنّا لَعَلَىْ هُدىً أو في ضلال، أو إنكم لعلى هدىٍّ أو في ضلالٍ. والثاني: العكسُ أي: حُذِف الأولُ، والمَلْفوظُ به خبرُ الثاني. وهو خلافٌ مشهورٌ تقدَّم تحقيقُه عند قولِه: ((فاللَّهُ ورسولُه أحَقُّ أَنْ يُرْضُوه))(١). وهذان الوجهان لا يَنْبغي أَنْ يُحْمَلا على ظاهر هِما قطعاً؛ لأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم لم يَشُكُّ أنه على هدىٌّ ويقينٍ، وأنَّ الكفارَ على ضلالٍ، وإنما هذا الكلامُ جارٍ على ما يَتَخاطَبُ به العربُ من استعمالِ الإِنصاف في محاوراتِهم على سبيل الفَرَضِ والتقدير ويُسَمِّيه أهلُ البيانِ الاستدراجَ وهو: أَنْ يَذْكُرَ لمخاطبهِ أمراً يُسَلِّمه، وإنْ كان بخلافِ ما يَذْكر حتى يُصْغَيَ إلى ما يُلْقيه إليه، / إذ لو بدأه بما يَكْرَهُ لم يُصْغِ. [٧٣١/أ] ونظيرُه قولُهم: أَخْزَى اللَّهُ الكاذبَ مني ومنك. ومثلُه قولُ الشاعر(٢): ٣٧٣٩- فَأَيِّي ما وأيُسك كان شَرَّاً فَقِيْدَ إِلى المَقامةِ لا يَرَاها وقولُ حسان(٣): ٣٧٤٠- أَتَهْجُوهِ وَلَسْتَ له بكفٍْ فَشَرُّكُما لخيرِكما الفِداءُ مع العلم لكلِّ أحدٍ أنه صلَّى الله عليه وسلَّم خيرُ خَلْقِ اللَّهِ كلُّهم. الثالث: أنه من بابِ اللفِّ والنَّشْرِ. والتقدير: وإنَّا لعلى هُدَىّ وإنكم لفي ضلال مبين. ولكن لَفَّ الكلامين وأخرجَهما كذلك لعدمَ اللَّبْسِ، وهذا لا يتأَتَّى (١) الآية ٦٢ من التوبة. وانظر: الدر المصون ٧٥/٦. (٢) تقدم برقم ١٨٧٧ . (٣) تقدم برقم ٢٦٦. ١٨٣ - سبا- إِلَّ أَنْ تكونَ ((أو)) بمعنى الواوِ وهي مسألةُ خلافٍ. ومِنْ مجيءٍ ((أو)) بمعنى الواو قولُه(١) : ٣٧٤١ - قَوْمٌ إذا سَمِعوا الصَّرِيْخَ رَأَيْتَهُمْ ما بين مُلْجِم مُهْرِه أو سافِعِ وتقدَّم تقريرُ هذا وهذا الذي ذكرْتُه منقولٌ عن أبي عبيدة(٢). الرابع: قال الشيخ (٣): ((وأوهنا على موضوعِها لكونها لأحدِ الشيئَيْن وخبرُ ((إِنَّا أو إياكم)) هو (على هدى أو في ضلالٍ مُبِين)) ولا يُحتاج إلى تقديرٍ حذفٍ؛ إذ المعنى: أنَّ أَحَدنا لَفي أحدِ هذَيْنِ كقولِك: زيدٌ أو عمروٌ في القصر أو في المسجدِ لا يُحتاج إلى تقديرٍ حَذْفٍ إذ معناه: أحدُ هذَيْن في أحدِ هذين. وقيل: الخبرُ محذوفٌ، ثم ذَكَرَ ما قَدَّمْتُ إلى آخره. وهذا الذي ذكره هو تفسيرُ معنَى لا تفسيرُ إعرابِ، والناسُ نظروا إلى تفسيرِ الإِعراب فاحتاجوا إلى ما ذكرْتُ. آ. (٢٦) قوله: ﴿الفَتّاحُ العليمُ﴾: صِفتا مبالغةٍ .. وقرأ(٤) عيسى بن عمر ((الفاتحُ)) اسمَ فاعلٍ. آ. (٢٧) قوله: ﴿أُرُوْني﴾: فيها وجهان، أحدهما: أنها عِلْميةٌ متعديةٌ قبل النِّقْلِ إلى اثنين فلمّا جيْءَ بهمزةِ النقلِ تَعَدَّتْ لثلاثةٍ أوَّلُها: يَاءُ المتكلم، ثانيها: الموصولُ، ثالثها: ((شركاء)) وعائدُ الموصول محذوفٌ أي: أَلْحَقْتموهم به. الثاني: أنها بَصَرِيَّةٌ متعديةٌ قبل النقل لواحدٍ وبعده لاثنين، أوَّلُهما ياءُ المتكلم، ثانيهما الموصولُ، و((شركاءَ)) نصبٌ على الحالِ مِنْ عائد الموصول أي : بَصِّرُوْني المُلحقین به حالَ کونھم شركائي. (١) تقدم برقم ٦٣٥. (٢) مجاز القرآن ١٤٨/٢. (٣) البحر ٢٨٠/٧. .(٤) البحر ٢٨٠/٧. ١٨٤ - سبأ - قال ابن عطية(١) في هذا الثاني: ((ولا غناء له)) أي لا مَنْفعةً فيه يعني : أنَّ معناه ضعيفٌ. قال الشيخ(٢): ((وقوله: لا غناء له ليس بجيدٍ، بل في ذلك تبكيْتُ لهم وتوبيخٌ، ولا يريد حقيقةً الأمرِ بل المعنى: الذين هم شركائي على زَعْمِكم هم مِمِّنْ إِنْ أَرَيْتُموهم افْتَضَحْتُمْ؛ لأنهم خشبٌ وحجرٌ وغيرُ ذلك». قوله: ((بل هو)) في هذا الضميرِ قولان، أحدُهما: أنه ضميرٌ عائدٌ على الله تعالى أي: ذلك الذي أَلْحَقْتُمْ به شركاءَ هو اللّهُ. والعزيز الحكيم صفتان. والثاني: أنه ضميرُ الأمرِ والشأنِ. واللَّهُ مبتدأ، والعزيزُ الحكيمُ خبران. والجملةُ خبر ((هو)) . آ. (٢٨) قوله: ﴿كافّةٌ﴾: فيه أوجه، أحدها: أنه حالٌ من كاف ((أَرْسَلْناك)) والمعنى: إلاّ جامعاً للناس في الإِبلاغ. والكافّةُ بمعنى الجامع، والهاءُ فيه للمبالغة كهي في: عَلَّمة وراوِية. قاله الزجاج(٣). وهذا بناءً منه على أنه اسمُ فاعلٍ مِنْ كَفَّ يَكُفُّ. وقال الشيخ (٤): ((أمَّا قولُ الزجَّاج: إن كافَّة بمعنى جامعاً، والهاءُ فيه للمبالغة؛ فإِنَّ اللغَةَ لا تُساعِدُه على ذلك؛ لأنَّ كَفَّ ليس معناه محفوظاً بمعنى جَمَعَ)) يعني: أن المحفوظَ في معناه مَنَع. يقال: كَفَّ يَكُفُّ أي: مَنَع. والمعنى: إلَّ مانعاً لهم من الكفرِ، وأن يَشُذُّوا مِنْ تَبْليِك، ومنه الكفُّ لأنها تمنع خروج ما فيه. الثاني: أنَّ((كافَّة)) مصدرٌ جاء على الفاعِلة كالعافية والعاقِبَة. وعلى هذا فوقوعُها حالاً: إمَّا على المبالغةِ، وإمَّا على حذف مضافٍ أي: ذا كافَّةٍ للناس. (١) المحرر ١٣٨/١٣، وعبارته: ((لأن استدعاء رؤية العين في هذا لا غناء له)). (٢) البحر ٢٨٠/٧. (٣) معاني القرآن له ٢٥٤/٤، ولم يَرِدْ في إعرابه: أنَّ الهاء فيه للمبالغة . (٤) البحر ٢٨١/٧. ١٨٥ تأسبات الثالث: أنَّ ((كافَّة)) صفةٌ لمصدرٍ محذوفٍ تقديره: إلَّا إرسالةً كافَّةٌ. قال الزمخشري(١): ((إلاَّ إرسالةً عامةً لهم محيطةً بهم؛ لأنها إذا شَمِلَتْهُم فقد كَفَتْهُمْ أَنْ يَخْرُجَ منها أحدٌ منهم)). قال الشيخ(٢): ((أمَّا كافَّة بمعنى عامَّة، فالمنقولُ عن النحويين أنها لا تكونُ إلَّ حالاً، ولم يُتَصَرَّفْ فيها بغير ذلك، فَجَعْلُها صفةً المصدرٍ محذوفٍ خروجٌ عَمّ نقلوا، ولا يُحْفَظُ أيضاً استعمالُها صفةً لموصوفٍ [٧٣١/ب] محذوفٍ)). / الرابع: أنَّ قوله: ((كافَّةً)) حالٌ من ((للناس)) أي: للناس كافَّة. إلاّ أن هذا قد رَدَّه الزمخشريُّ (٣) فقال: ((ومَن جَعَلَه حالاً من المجرور متقدِّماً عليه فقد أخطأ؛ لأنَّ تَقَدُّمَ حالِ المجرورِ عليه في الإِحالةِ بمنزلةٍ تقدُّمِ المجرورِ على الجارِّ. وكم تَرَى مِمِّنْ يَرْتكبُ مثلَ هذا الخطأ، ثم لا يَقْنَعُ به حتى يَضُمَّ إليه أن يَجْعَلَ اللامَ بمعنى إلى، لأنه لا يَسْتوي له الخطأُ الأولُ إلَّ بالخطأ الثاني، فلا بُدَّ له أَنْ يرتكبَ الخطأَيْن معاً). قال الشيخ (٤): ((أمَّا قوله كذا فهو مختلفٌ فيه: ذهب الجمهورُ إلى أنه لا يجوزُ، وذهب أبو عليّ وابن كَيْسانَ وابنُ بُرْهانَ وأبن ملكون(٥) إلى جوازه)). قال: ((وهو الصحيحُ)). قال: ((ومِنْ أمثلةٍ أبي عليّ: ((زيدٌ خيرَ ما يكونُ خيرٌ منك)). التقدير: زيدٌ خيرٌ منك خيرٌ ما يكونُ، فجعل ((خيرَ ما يُكون)) حالاً من الكاف في ((مِنْكَ)) وقَدَّمها عليها وأنشد (٦): (١) الكشاف ٢٩٠/٣. (٢) البحر ٢٨١/٧. (٣) الكشاف ٢٩٠/٣. (٤) البحر ٢٨١/٧. (٥) وهو مذهب ابن مالك في ((شرح الكافية الشافية)) ٧٤٥/٢ - ٧٤٦. (٦) البيت للمعلوط بن بدل القريعي أو سويد بن حذاق الشني، وهو في الحماسة لرجل . من بني قُريع ٥٧٥، والخزانة ٥٣٦/١، وشرح الكافية الشافية ٧٤٦/٢. ١٨٦ - - سبأ- ٣٧٤٢- إذا المَرْءُ أَعْيَتْه المروءةُ ناشِئاً فمطلبُها كَهْلاً عليه شديدُ أي: فمطلّبُها عليه كَهْلاً. وأنشد أيضاً(١): ٣٧٤٣- تَسَلَّيْتُ طُرّاً عنكُمُ بَعْدَ بَيْنِكُمْ بِذِكْراكمُ حتى كأنَّكُمُ عندي أي: عنكم ◌ُرّاً. وقد جاء تقديمُ الحالِ على صاحبها المجرور وعلى ما يتعلق به قال(٢): ٣٧٤٤- مَشْغُوْفَةً بكِ قد شُخِفْتُ وإنَّما حَتّمَ الفراقُ فما إليك سبيلُ أي: قد شُغِفَتْ بك مَشْغوفةٌ. وقال آخر (٣): ٣٧٤٥- غافِلَا تَعْرِضُ المنيَّةُ للمَرْ ءِ فَيُدْعَىْ ولات حِينَ إِياءُ أي: تَعْرِضُ المنيّةُ للمَرْءِ غافِلاً)). قال: ((وإذا جازَ تقديمُها على صاحبها(٤) وعلى العاملِ فيه، فتقديمُها على صاحبِها(٥) وحدَه أجوزُ)). قال: ((ومِمِّنْ حمله على الحال ابنُ عطيةً فإنه قال(٦): ((قُدِّمَتْ للاهتمام)) والمنقولُ (١) لم أهتدِ إلى قائله، وهو في العيني ١٦٠/٣، وشرح التصريح ٣٧٩/١. وطراً: جميعاً. (٢) لم أهتدٍ إلى قائله، وهو في العيني ١٦٢/٣، والأشموني ١٧٧/٢. (٣) تقدم برقم ١٩٤٤. (٤) البحر: المجرور. (٥) البحر: دون العامل. (٦) المحرر ٣٤٩/١٣. ١٨٧ - سبا- عن ابن عباس قولُه: إلى العرب والعجم وسائر الأمم، وتقديره إلى الناس كافة. قال: (وقولُ الزمخشريِّ: لا يَسْتوي له الخطأ الأول إِلخ فشَنيعٌ؛ لأنَّ القائلَ بذلك لا يحتاجُ إلى جَعْلِ اللامِ بمعنى إلى لأنَّ أَرْسَلَ يتعدَّى باللام قال تعالى(١): ((وَأَرْسلناك للناس رسولاً)) و ((أرسلَ)) ممَّا يتعدّى باللامِ، وبـ((إلى)) أيضاً. وقد جاءتِ اللامُ بمعنى ((إلى)) و ((إلى)) بمعناها)). قلت: أمَّا ((أَرْسَلْناكَ للناسِ)) فلا دَلالةَ فيه؛ لاحتمالٍ أَنْ تكونَ اللامُ لامَ العلةِ المجازيَّةِ. وأمَّا كُونُها بمعنى ((إلى)) والعكسُ فالبصريُّون لا يَتْجوَّزُون في الحروف. و((بشيراً ونذيراً)) حالان أيضاً. آ. (٣٠) قوله: ﴿لكم مِيْعادُ﴾: مبتدأ وخبرٌ. والميعادُ يجوز فيه أوجهٌ، أحدها: أنه مصدرٌ مضافٌ لظرفِهِ، والميعادُ يُطْلق على الوعدِ والوعيدِ. وقد تقدَّم أنَّ الوعدَ في الخيرِ، والوعيدَ في الشرِّ غالباً. الثاني: اسمٌ أُقيم مُقَامَ المصدرِ. والظاهرُ الأولُ. قال أبو عبيدة(٢): ((الوَعْدُ والوعيدُ والميعاد بمعنىً)). الثالث: أنه هنا ظرفُ زمانٍ. قال الزمخشري(٣): ((الميعادُ ظرفُ الوعدِ، من مكانٍ أو زمانٍ، وهو هنا ظرفُ زمانٍ. والدليلُ عليه قراءةُ مَنْ قرأ (ميعادٌ يومٌ))(٤) يعني برفعِهما منوَّنَيْنِ، فأبدل منه اليوم. وأمَّا الإِضافةُ فإضافةٌ تبيينٍ، كقولك: سَحْقُ ثوبٍ وبعيرُ سانِيَةٍ)) (٥). قال الشيخ (٦): ((ولا يتعيَّنُ ما قال؛ لاحتمالٍ أَنْ يكونَ التقديرُ: لكم میعادُ (١) الآية ٧٩ من النساء. (٢) مجاز القرآن ١٤٩/٢. (٣) الكشاف ٢٩٠/٣. (٤) البحر ٢٨٢/٧. (٥) السحق من الثياب: البالي ويعيرُ سانيةٍ: الإِبل يُسْتقى عليها الماء. (٦) البحر ٢٨٢/٧. ١٨٨ - سبا- ميعادٍ يومٍ، فلمَّا حُذِفَ المضافُ أُعْرِب المضافُ إليه بإعرابه)». قلت: الزمخشريُّ لُو فَعَلَ مثلَه لسَمَّع به. وجَوَّزَ الزمخشريُّ(١) في الرفع وجهاً آخرَ: وهو الرفعُ على التعظيمِ ، يعني على إضمارٍ مبتدأ، وهو الذي يُسَمَّى القطعَ. وسيأتي هذا قريباً. وقرأ(٢) ابنُ أبي عبلةَ واليزيديُّ (ميعادٌ يوماً)) بتنوين الأولِ، ونصبٍ (يوماً) منوّناً. وفيه وجهان، أحدُهما: أنه منصوبٌ على الظرفِ. والعاملُ فيه مضافٌ مقدرٌ، تقديرُه: لكم إنجازُ وعدٍ في يومٍ صفته كيت وكيتَ. الثاني: أن ينتصِبَ بإضمارٍ فعلٍ. قال الزمخشريُّ(٣): ((وأمَّا نصبُ اليوم فعلى التعظيم بإضمارٍ فعلٍ، تقديرُه: أعني يوماً. ويجوز أَنْ يكونَ الرفعُ على هذا، أعني التعظيم)) . وقرأ عيسى بتنوين الأول، ونصبٍ ((يوم)) مضافاً للجملة بعده. / وفيه [٧٣٢/أ] الوجهانِ المتقدِّمان: النصبُ على التعظيم، أو الظرفُ. قوله: (لا يَسْتَأْخِرون عنه)) يجوزُ في هذه الجملةِ أَنْ تكونَ صفةً لـ ((مِيْعاد)» إنْ عاد الضميرُ في ((عنه)) عليه، أو لـ ((يوم)» إنْ عاد الضميرُ في ((عنه)) عليه، فيجوزُ أَنْ يُحْكّمَ على موضعِها بالرفع أو الجرِّ. وأمَّا على قراءةٍ عيسى فينبغي أَنْ يعودَ الضميرُ في ((عنه)) على ((ميعاد)) ليس إلَّ؛ لأنهم نَصُوا على أنَّ الظرفَ إذا أُضيفَ إلى جملةٍ لم يَعُدْ منها إليه ضميرٌ إلَّ في ضرورةٍ كقوله(٤) : (١) الكشاف ٢٩٠/٣. (٢) انظر في قراءاتها: البحر ٢٨٢/٧، والكشاف ٢٩٠/٣، والشواذ ١٢٢. (٣) الكشاف ٢٩٠/٣. (٤) تقدم برقم ٤٣٧ . ١٨٩ - سبأ- ٣٧٤٦- مَضَتْ سَنَةٌ لِعامَ وُلِدْتُ فِيهِ وعَشْرٌ بعد ذاكَ وحِجَّتَانِ آ. (٣١) قوله: ﴿ولو تَرَى﴾: مفعولُ ((ترى)) وجوابُ ((لو)) محذوفان للفهم. أي: لو ترىْ حالَ الظالمين وقتَ وقوفهم راجعاً بعضُهم إلى بعض القولَ لرَأَيْتَ حالاً فظيعة وأمراً مُنْكراً. و((يَرْجِعُ)) حالٌ مِنْ ضميرٍ (مَوْقوفون))، والقولُ منصوبٌ بـ ((يَرْجِعُ)) لأنه يَتْعَدَّى. قال تعالى: ((فإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ))(١). وقولُه: ((يقولُ الذين اسْتُضْعِفوا)) إلى آخره تفسيرٌ لقوله: (يَرْجِعُ)) فلا مَحَلَّ له. و((أنتم)) بعد ((لولا)) مبتدأٌ على أصَحِّ المذاهبِ(٢). وهذا هو الأفصحُ، أعني وقوعٌ ضمائرِ الرفعِ بعد ((لولا)) خلافاً للمبرد(٣)؛ حيث جَعَلَ خلافَ هذا لَحْناً، وأنه لم يَرِدْ إلَّ في قولِ يزيدَ(٤): ٣٧٤٧- وكم مَوطّنٍ لَوْلاي البيت. وقد تقدَّم تحقيقُ هذا(٥). والأخفشُ جَعَلَ أنه ضميرُ نصبٍ أو جٍ قامَ مقامَ ضميرِ الرفع. وسيبويهِ(٦) جعلَه ضمیرَ جَرّ. آ. (٣٣) قوله: ﴿بل مَكْرُ الليلِ﴾: يجوز رفعُه مِنْ ثلاثةٍ أوجه، أحدها: الفاعليةُ تقديره: بل صَدَّنا مَكْرُكُمْ في هذين الوقتين. الثاني : (١) الآية ٨٣ من التوبة. (٢) انظر المسألة في الكتاب ٣٨٨/١، وابن يعيش ١١٨/٣، وأمالي الشجري ١٨٠/١، والإنصاف ٦٨٧. (٣) الكامل ١٠٩٧، والمقتضب ٧٣/٣. (٤) تقدم برقم ٢٤٧٩. والأصل: ((في قول زياد)) وهو يزيد بن أم الحكم. (٥) لم يسبق له ذلك. (٦) الكتاب ٣٨٨/١. ١٩٠ - سبا- أَنْ يكونَ مبتدأً خبرُه محذوفٌ، أي: مَكْرُ الليلِ صَدَّنا. الثالث: العكسُ أي: سببُ كفرِنا مَكْرُكم. وإضافةُ المَكْرِ إلى الليلِ والنهار: إمَّا على الإِسنادِ المجازيِّ كقولهم: ليلٌ ماكرٌ، فيكونُ مصدراً مضافاً لمرفوعِه، وإمّا على الاتساعِ في الظرف فجُعِل كالمفعولِ به، فيكونُ مضافاً لمنصوبِه. وهذان أحسنُ مِنْ قول مَنْ قال: إنَّ الإِضافةَ بمعنى ((في)) أي: في الليل؛ لأنَّ ذلك لم يَثْبَتْ في غيرِ مَحَلَّ النَّزَاعِ . وقرأ العامّةُ ((مَكْرُ)) خفيفَ الراءِ ساكنَ الكاف مضافاً لِما بعده. وابن يعمر(١) وقتادةُ بتنوين (مكرٌ)) وانتصابِ الليل والنهار ظرفّيْن. وقرأ(٢) أيضاً وسعيد بن جبير وأبو رُزَيْن بفتحِ الكافِ وتشديدِ الراءِ مضافاً لِما بعده. أي: كُرورُ الليل والنهار واختلافُهما، مِنْ كَرَّ يَكُرُّ، إذا جاء وذهب. وقرأ ابن جُبير أيضاً وطلحة وراشد القارئ(٣) _ وهو الذي كان يصحِّحُ المصاحفَ أيامَ الحَجَّاجِ بأمرِه - كذلك إلَّ أنه بنصبِ الراء. وفيها أوجهُ، أظهرُها: ما قاله الزمخشري (٤)، وهو الانتصابُ على المصدرِ قال: ((بل تَكُرُّون الإِغواءَ مَكَرّاً دائماً لا تَفْتَرُون عنه)). الثاني: النصبُ على الظرفِ بإضمارٍ فِعْلٍ أي: بل صَدَدْتُمونا مَكَرَّ الليلِ والنهارِ أي: دائماً. الثالث: أنه منصوبٌ بتَأْمُرُوننا، قاله أبو الفَضل الرازي، وهو غلطُ؛ لأنَّ ما بعد المضافٍ لا يَعْمل فيما قبلَه إلاّ في مسألةٍ واحدةٍ: وهي ((غير)) إذا كانَتْ بمعنى ((لا)) كقوله(٥) : (١) انظر في قراءاتها: المحتسب ١٩٣/٢، والبحر ٢٨٣/٧، والقرطبي ٣٠٣/١٤، والشواذ ١٢٢ . (٢) أي ابن يعمر. (٣) لم أقف على ترجمته. (٤) الكشاف ٢٩١/٣. (٥) تقدم برقم ٨١. ١٩١ - ٣٧٤٨- إنَّ امْرَأْ خَصَّنِي عَمْداً مَوَدَّتْه على الثَّنائي لَعِندي غيرُ مَكْفُورٍ وتقريرُ هذا تقدَّمَ أواخرَ الفاتحة(١) . وجاء قولُه: ((قال الذين استكبروا)» بغيرٍ عاطفٍ؛ لأنَّه جوابٌ لقولٍ الضَّعَفَةِ، فاسْتُونِفَ، بخلافٍ قولِه: ((وقال الذين اسْتُضْعِفُوا)) فإنه لَمَّا لم يكنْ جواباً ◌ُطِف. والضميرُ في ((وأَسَرُّوا الندامةَ)) للجميع: للأتباع والمتبوعين. آ. (٣٤) قوله: ﴿إِلَّ قال مُتْرَفُوْها﴾: جملةٌ حاليةُ مِنْ ((قرية)» وإن كانَتْ نكرةً؛ لأنَّها في سياقِ النفي . قوله: (بما أُرْسِلْتُمْ)) متعلقٌ بخبر ((إِنَّ) و((به)) متعلَّقٌ بـ((أُرْسِلْتُمْ)) والتقدير: إنَّا كافرون بالذي أُرْسِلْتم به، وإنما قُدِّم للاهتمامٍ. وحَسَّنه تواخي الفواصل . آ. (٣٦) قوله: ﴿ويَقْدِرُ﴾: أي: يُضَيِّق بدليل مقابلتِه [٧٣٢/ب] لـ ((يَبْسُطُ)). وهذا هو الطباقُ البديعيُّ. وقرأ(٢) الأعمش ((وبُقَدِّر)) بالتشديد/ في الموضعين. آ. (٣٧) قوله: ﴿بالتي تُقَرِّبكم﴾: صفةٌ للأموالِ والأولادِ؛ لأنَّ جمعَ التكسيرِ غيرَ العاقلِ يُعامَلُ معاملةَ المؤنثةِ الواحدة. وقال الفراء(٣) والزجَّاجِ(٤): إنَّه حذفَ من الأولِ لدلالةِ الثاني عليه. قالا: والتقدير (١) انظر: الدر المصون:٧١/١. (٢) الإتحاف ٣٨٨/٢، والبحر ٢٨٥/٧ . (٣) معاني القرآن له ٣٦٣/٢. (٤) معاني القرآن له ٢٥٥/٤. ١٩٢ - سبأ - وما أموالُكم بالتي تُقَرِّبُكم عندنا زُلْفَى، ولا أولادُكم بالتي تُقَرِّبُكم. وهذا لا حاجة إليه أيضاً. ونُقِل عن الفراء(١) ما تقدَّمَ: مِنْ أنَّ((التي)» صفةٌ للأموالِ والأولادِ معاً. وهو الصحيح. وجعل الزمخشري(٢) ((التي)) صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ. قال: ((ويجوزُ أَنْ تكون هي (٣) التقوى وهي المقرّبةُ عند الله زُلْغَى وحدها أي: ليسَتْ أموالكم وأولادُكم بتلك الموصوفةِ(٤) عند الله بالتقريب)). وقال الشيخ(٥): ((ولا حاجةَ إلى هذا الموصوفٍ)» قلت: والحاجةُ إليه بالنسبة إلى المعنى الذي ذكره داعيةٌ . قوله: ((زُلْفَى)) مصدرٌ مِنْ معنى الأول؛ إذ التقدير: تُقَرِّبكم قُرْبی. وقرأ(٦) الضحَّاك ((زُلَفاً) بفتح اللام وتنوين الكلمة على أنها جمعُ زُلْفَى نحو: قُرْبَة وَقُرَب. جُمِع المصدرُ لاختلافِ أنواعِه. قوله: ((إِلَّ مَنْ آمَنَ)) فيه أوجهٌ، أحدها: أنه استثناءٌ منقطعٌ فهو منصوبٌ المحلِّ. الثاني: أنه في محلِّ جَرّ بدلاً من الضمير في ((أموالكم)). قاله الزجاج (٧). وغَلَّطه النحاس (٨): بأنه بدلٌ من ضمير المخاطب. قال: ((ولو جاز هذا لجازَ ((رَأَيْتُك زيداً)). وقولُ أبي إسحاقَ هذا هو قولُ الفراءِ))(٩). انتهى. (١) معاني القرآن ٣٦٣/٢. (٢) الكشاف ٢٩٢/٣. (٣) الكشاف: ((التي هي)). (٤) الكشاف: ((الموضوعة للتقريب)). (٥) البحر ٢٨٥/٧ . (٦) البحر ٢٨٥/٧. (٧) معاني القرآن ٢٥٥/٤. (٨) إعراب القرآن ٦٧٧/٢. (٩) معاني القرآن ٣٦٣/٢ قال: ((وإنْ شئْتَ أوقعت عليها التقريب أي: لا تُقَرِّب الأموالُ إِلَّ مَنْ كان مُطيعاً». ١٩٣ - سبأ- قال الشيخُ(١): ((ومذهبُ الأخفش والكوفيين(٢) أنه يجوزُ البدلُ مِنْ ضميرٍ المخاطبةِ والمتكلم؛ إِلَّ أنَّ البدلَ في الآيةِ لا يَصِحُّ؛ ألا ترى أنه لا يَضِحُ تفريغُ الفعلِ الواقعِ صلةً لما بعد (إلَّ)) لو قلتَ: ((ما زيدٌ بالذي يَضْرِب إلَّ خالداً) لم يَجُزْ. وَتَخَيَّلَ الزجَّاجُ أنَّ الصلةَ - وإن كانَتْ مِنْ حيث المعنى منفيَّةً - أنه يجوزُ البدلُ، وليس بجائزٍ، إِلَّ أَنْ يَصِحَّ التفريغُ له)). قلت: ومَنْعُهُ قولَكِ: ((ما زيدٌ بالذي يَضْرَب إلَّ خالداً)) فيه نظرٌ، لأنَّ النفيَ إذا كان مُنْسَحباً على الجملة أُعْطي حُكْمَ ما لو باشَرَ ذلك الشيءَ. ألا ترى أنَّ النفيَ في قولك ((ما ظننتُ أحداً يَفْعِلُ ذلك إلَّ زِيدٌ)) سَوَّغَ البدلَ في ((زيد)) مِنْ ضميرٍ ((يَفْعَل)) وإنْ لم يكنِ النفيُ مُتَسَلِّطاً عليه. قالوا: ولكنه لمَّا كان في حَيِّزِ النفي صَحَّ فيه ذلك، فهذا مثلُه. والزمخشريُّ أيضاً تَبع الزجَّاجَ والفراءَ في ذلك من حيث المعنى، إلاّ أنَّه لم يَجْعَلْه بدلًا بل منصوباً على أصل الاستثناء، فقال (٣): ((إلَّ مَنْ آمنَ استثناءٌ من ((كم)) في تُقَرِّبُكم. والمعنى: أنَّ الأموالَ لا تُقَرِّبُ أحداً إلَّ المؤمِنَ الذي يُنْفقها في سبيلِ الله. والأولاد لا تُقَرِّبُ أحداً إِلَّ مَنْ عَلَّمهم الخيرَ، وفَقَّهَهم في الدين، ورَشَّحهم للصلاح)». ورَدَّ عليه الشيخُ (٤) بنحوٍ ما تقدَّم فقال: ((لا يجوزُ: ما زيدٌ بالذي يَخْرُج إِلَّ أخوه، وما زيدٌ بالذي يَضْرب إلَّ عَمْراً»(٥). والجوابُ عنه ما تقدم، وأيضاً فالزمخشريُّ لم يجعَلْه بدلاً بل استثناءً صريحاً، ولا يُشْتَرَطُ في الاستثناء التفريغُ اللفظيُّ بل الإِسنادُ المعنويُّ، ألا ترى أنك تقول: ((قام (١) البحر ٢٨٦/٧. (٢) انظر: الارتشاف ٦٢٢/٢. (٣) الكشاف ٢٩٢/٣. (٤) البحر ٢٨٦/٧. (٥) قال: ((ولا ما زيد بالذي يمر إلَّ ببكر)). ١٩٤ - سبأ- القومُ إلَّ زِيدً) ولو فَرَّغْتَه لفظاً لامتنع؛ لأنه مُثْبَتْ. وهذا الذي ذكره الزمخشريُّ هو الوجهُ الثالثُ في المسألة. الرابع: أنَّ ((مَنْ آمَنَ)) في محلٌّ رفع على الابتداء. والخبرُ قولُه: ((فأولئك لهم جَزاءُ الضُّعْفِ)). وقال الفراء (١): ((هو في موضعٍ رفعٍ تقديرُه: ما هو المقرَّب إلَّ مَنْ آمن)) وهذا لا طائل تحته. وعَجِبْتُ من الفَرَّاءِ كيف يقوله؟ وقرأ العامَّةُ: ((جزاءُ الضِّعْفِ)) مضافاً على أنه مصدرٌ مضافٌ لمفعولِه، أي: أَنْ يُجازِيَهم الضُّعْفَ. وقَدَّره الزمخشريُّ(٢) مبنيًّاً للمفعول أي: يُجْزَوْن الضُّعْفَ. وَرَدَّه الشيخ(٣): بأنَّ الصحيحَ مَنْعُه. وقرأ(٤) قتادة برفعهما على إبدالِ الضِّعْف مِنْ «جزاء)). وعنه أيضاً وعن يعقوب بنصبِ ((جزاءً)) على الحال. والعاملُ فيها الاستقرار، وهذه كقولِه: ((فله جزاءً الحسنى))(٥) فيمَنْ قرأ بنصبٍ (جزاء)) في الكهف. قوله: ((في الغُرُفاتِ)) قرأ(٦) حمزةُ ((الغُرْفَة)) بالتوحيد على إرادةِ الجنس ولعدمِ اللَّبْسِ؛ لأنه مَعْلومٌ أَنَّ لكلِّ أحدٍ غرفةٌ تَخُصُّه. وقد أُجْمِعَ على التوحيدِ في قوله: ((يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ)) (٧) ولأنَّ لفظَ الواحدِ أخفُّ فُوُضِعَ مَوْضِعَ الجمعِ مع (١) معاني القرآن ٣٦٣/٢. (٢) الكشاف ٢٩٢/٣. (٣) البحر ٢٨٦/٧ قال: ((والمصدر في كونه يُبنى للمفعول الذي لم يُسَمَّ فاعله فيه خلاف والصحيح المنع)). (٤) انظر في قراءاتها: الإتحاف ٣٨٧/٢، والقرطبي ٣٠٦/١٤، والنشر ٣٥١/٢، والبحر ٢٨٦/٧. (٥) الآية ٨٨ من الكهف. وهي قراءة حفص والأخوين، والباقون بالرفع والإِضافة. السبعة ٣٩٨. (٦) انظر في قراءاتها: السبعة ٥٣٠، والنشر ٣٥١/٢، والبحر ٢٨٦/٧، والتيسير ١٨١، والقرطبي ٣٠٦/١٤، والشواذ ١٢٢، والإتحاف ٣٨٨/٢. (٧) الآية ٧٥ من الفرقان. ١٩٥ ب سبا- أَمْنِ اللَّبْسِ. والباقون ((الغُرُفات)) جمعَ سَلامة. وقد أُجْمِعَ على الجمع في قوله: ((لُبُوَّثَنَّهُمْ مِن الجنَّةِ غُرَفً)(١) والرسمُ مُحْتَمِلٌ للقراءتَيْن. وقرأ الحسن(٢) بضمّ راء (غُرُفات)) على الإِتباع. وبعضُهم يفتحها. وقد تقدَّم تحقیقُ ذلك أول البقرة(٣). وقرأ ابنُ وثَّاب ((الغُرُفَة)) بضمِّ الراء والتوحيد. [٧٣٣/أ] آ. (٣٩) قوله: ﴿وَما أَنْفَقْتُمْ﴾: يجوزُ أَنْ تكونَ / ((ما)) موصولةٌ في محلَّ رَفْعٍ بالابتداء. والخبرُ قولُه: ((فهو يُخْلِفُه)) ودخلتِ الفاءُ لشَبَهِه بالشرطِ. و((مِنْ شَيْءٍ) بيانٌ، كذا قيلَ. وفيه نظرُ لإِبهامِ ((شيء)) فأيُّ تَبِينٍ فيه؟ الثاني: أَنْ تكونَ شرطيةً فتكونَ في محلِّ نصبٍ مفعولاً مقدَّماً، و((فهو يُخْلِفُه)» جواب الشرطِ. قوله: ((الرازِقين)) إنما جُمِع من حيث الصورةُ؛ لأنَّ الإِنسانَ يرزِقُ عيالَه مِنْ رزقِ اللَّهِ، والرازقُ في الحقيقة للكلِّ إنما هو الله تعالى. آ. (٤٠) قوله: ﴿ويومَ يَحْفُرُهُمْ ثم يقولُ﴾: قد تقدَّم أنه يُقْرأ بالنونِ والياءِ في الأنعام (٤). قوله: ((أهؤلاءِ إيَّاكم كانوا يَعْبُدون)) ((إيَّاكم)) منصوبٌ بخبر كان، قُدِّمَ لأجلِ الفواصلِ والاهتمامِ. واسْتُدِلَّ به على جوازٍ تقديم خبر ((كان)) عليها إذا كان خبرُها جملةً فإنَّ فيه خلافاً: جَوَّزه ابن السَّراج(٥)، ومنعَه غيرُه. وكذلك (١) الآية ٥٨ من العنكبوت. (٢) قراءة الحسن بإسكان الراء، كما في البحر والإتحاف. وقراءة العامَّة بضم الراء على الإتباع. (٣) لم تتقدَّم هذه اللفظة في سورة البقرة. (٤) انظر: الدر المصون ١٤٨/٥. (٥) الأصول ٨٨/١ قال: ((والتقديم والتأخير في الأخبار المجملة بمنزلتها في الأخيار المفردة ما لم تفرقها تقول: ((أبوه منطلق كان زيد)) تريد كان زيد أبوه منطلق)). ١٩٦ - سبأ- اختلفوا في: توسُّطه إذا كان جملةً، قال ابن السَّراج(١): ((القياسُ جوازُه، ولكنْ لم يُسْمَعْ)). قلت: قد تقدَّم في قوله: ((ما كان يَصنَعُ فرعونُ))(٢) ونحوه أنه يجوزُ أَنْ يكونَ مِنْ تقديمِ الخبرِ وأَنْ لا يكون. ووجهُ الدلالةِ هنا: أنَّ تقديمَ المعمولِ يُؤْذِنُ بتقديمِ العاملِ . وقد تقدَّم تحقيقُ هذا في هود عند قولِه: ((ألا يَوْمَ يَأْتيهم ليسَ مَصْروفاً))(٣) ومَنْعُ هذه القاعدةِ. آ. (٤٢) قوله: ﴿التي كُنْتُمْ بها﴾: صفةُ النارِ، وفي السجدة (٤) وَصْفُ العذاب. قيل: لأنَّ ثَمَّ كانوا مُلْتَبسين بالعذابِ متردِّدِين فيه فَوُصِفَ لهم ما لابَسُوه، وهنا لم يُلابِسُوه بَعْدُ؛ لأنه عَقيبُ حَشْرِهم . آ. (٤٤) قوله: ﴿يَدْرُسُوْنها﴾: العامَّةُ على التخفيفِ مضارعٌ درس مخففاً أي: حَفِظَ. وأبو حيوةً(٥) ((يَدَّرِسُوْنَها)) بفتح الدال مشددةٌ وكسرٍ الراء. والأصلُ يَدْتَرِسُوْنها من الادِّراس على الافتعالِ فأدْغم. وعنه أيضاً بضمِّ الياءِ وفتحِ الدالِ وشَدِّ الراءِ(٦) من التدريس. قوله: ((وما أَرْسَلْنا إليهمْ قبلَكَ)) أي: إلى هؤلاء المعاصرين لك لم نُرْسِلْ إليهم نذيراً يُشافِهُهم بالنِّذارةِ غيرَك، فلا تَعارُضَ بينَه وبينَ قولِه: ((وإنْ مِنْ أُمَّةٍ (١) الأصول ٨٩/١ قال: ((وما جاز أن يكون خيراً فالقياس لا يمنعُ مِنْ تقديمه إذ كانت الأخبار تُقَدَّم إلَّ أني لا أعلمه مسموعاً من العرب)). (٢) الآية ١٣٧ من الأعراف. وانظر: الدر المصون ٤٣٩/٥. (٣) الآية ٨ من هود. وانظر: الدر ٢٩٢/٦. (٤) ((وقيل لهم ذُوْقوا عذابَ النار الذي كنتم به تكذّبون)). الآية ٢٠. (٥) البحر ٢٨٩/٧، والمحتسب ٢٩٥/٢. (٦) ((يُدَرِّسونها)). ١٩٧ - سباب إِلَّ خَلا فيها نذيرٌ))(١) إذِ المرادُ هناك آثارُ النَّيرِ، ولا شَكَّ أنَّ هذا كان موجوداً، يَذْهَبُ النبيُّ، وتبقى شریعتُه. آ. (٤٥) قوله: ﴿وما بَلَغُوا﴾ الظاهرُ أن الضميرَ في ((بَلَغُوا)) وفي ((آتيناهم)) للذين مِنْ قبلهم ليناسِقَ قوله: ((فكذَّبُوا رُسُلي)) بمعنى: أنهم لم يَبْلُغوا في شُكْر النِّعْمَة وجزاءٍ المِنَّةِ مِعْشارَ ما آتيناهم من النعمِ والإِحسانِ إليهم. وقيل (٢): بل ضميرُ الرفع لقريشٍ والنصبِ للذين مِنْ قبلهم، وهو قولُ ابنِ عباس على معنى أنهم كانوا أكثرَ أموالاً. وقيل: بالعكس على معنى: إنَّا أَعْطَيْنا قريشاً من الآياتِ والبراهينِ ما لم نُعْطِ مَنْ قَبلَهم. واخْتُلِفَ في المِعْشار فقيل: هو بمعنى العُشْرِ، بنىْ مِفْعال مِنْ لفظِ العُشْرِ كالمِرْباع، ولا ثالثَ لهما من ألفاظِ العدد لا يقال: مِسْدَاسَ ولا مِخْماس. وقيل: هو عُشْرُ العُشْرِ. إِلَّ أنَّ ابنَ عطيّة(٣) أنكره وقال: ((ليس بشيء)). وقال الماوردي (٤): ((المِعْشارُ هنا: هو عُشْرُ العُثَيْرِ، والعُشَيْرُ هو عُشْرُ العُشْرِ، فيكون جزءاً من ألفٍ))(٥). قال: ((وهو الأظهرُ؛ لأنَّ المرادَ به المبالغةُ في التقليل)). قوله: ((فَكَذَّبوا)) فيه وجهان، أحدُهما: أنه معطوف على ((كَذَّب الذين مِنْ قبلهم)). والثاني: أنه معطوف على ((وما بَلَغُوا)) وأوضحَهما الزمخشريُّ (٦) فقال: (١) الآية ٢٤ من فاطر. (٢). انظر في هذه الأقوال: المحرر ١٤٧/١٣. (٣) المحرر ١٤٨/١٣. (٤) تفسير الماوردي ٣٦٤/٣. (٥) عبارته: ((في المعشار ثلاثة أوجه أحدها: أنه العشر. والثاني: أنه عشر العشر، وهو. العشير. والثالث: هو عشير العشير، والعشير عشر العشر، فيكون جزءاً من ألف جزء». . (٦) الكشاف ٢٩٤/٣. ١٩٨ - سبا - («فإِنْ قُلْتَ: ما معنى ((فكذَّبُوا رُسُلي)) وهو مستغنى عنه بقوله: ((وكَذَّبَ الذين مِنْ قبلهم))؟ قلت: لمّا كان معنى قوله: ((وكَذَّبَ الذين مِنْ قَبْلِهِم)»: وفَعَلَ الذين مِنْ قبلِهم التكذيبَ، وأَقْدَمُوا عليه جُعِلَ تكذيبُ الرسلِ مُسَيَّباً عنه. ونظيرُه أَنْ يقولَ القائلُ: أقدمَ فلانٌ على الكفر فَكَفَرَ بمحمدٍ صلَّى الله عليه وسلّم. ويجوزُ أَنْ يُعْطَفَ على قَولِه: ((وما بَلَغوا)) كقولك: ما بلغ زيدٌ مِعْشارَ فضل عمروٍ فَتَفَضَّلَ علیه». و («نَكير)» مصدرٌ مضافٌ لفاعِله أي: إنكاري. وتقدَّمَ حَذْفُ يائِه وإثباتُها(١). آ. (٤٦) قوله: ﴿أَنْ تقومُوا﴾: فيه أوجهٌ، أحدها: أنها مجرورةٌ المحلِّ بدلاً مِنْ ((واحدة)) على سبيلِ البيان. قاله الفارسيُّ. الثاني: أنها عطفُ بيانٍ لـ «واحدة)»/ قاله الزمخشريُّ (٢). وهو مردودٌ لتخالفِهِما تعريفاً وتنكيراً. وقد [٧٣٣/ب] تقدَّم هذا عند قوله: ((فيه آياتٌ بَيِّاتٌ مقامُ إبراهيم))(٣). الثالث: أنها منصوبةٌ بإضمارِ أعني. الرابع: أنها مرفوعةٌ على خبر ابتداءٍ مضمرٍ أي: هي أَنْ تقومُوا. ومَثْنى وفُرادى: حال. ومضى تحقيقُ القولِ في ((مَثْنى)) وبابِه في سورة النساء(٤)، وتقدَّم القولُ في ((فُرادى)) في سورة الأنعام(٥). قوله: ((ثم تتفَكَّروا)) عَطْفٌ على ((أَنْ تَقُوموا)) أي: قيامِكم ثم تَفَكَّرِكم. (١) قرأ ((نكيري)) وصلًا ورش، و((نكيري)) وصلاً ووقفاً يعقوب. انظر: الإتحاف ٣٨٨/٢، والتيسير ١٨٢، والنشر ٣٥١/٢. (٢) الكشاف ٢٩٤/٣. (٣) الآية ٩٧ من آل عمران. وانظر: الدر المصون ٣١٧/٣. (٤) انظر: الدر المصون ٥٦٢/٣. (٥) انظر: الدر المصون ٤٤/٥. ١٩٩ - سبأ- والوقفُ عند أبي حاتم (١) على هذه الآية، ثم يَبْتَدِىءُ ((ما بصاحبكم)). وفي ((ما) هذه قولان، أحدُهما: أنها نافيةٌ. والثاني: أنها استفهاميةٌ، لكن لا يُراد به حقيقةُ الاستفهامِ ، فيعودُ إلى النفي. وإذا كانت نافيةً فهل هي مُعَلِّقَةٌ، أو مستأنفةٌ، أو جوابُ القسمِ الذي تضمَّنه معنى ((تَتَفَكَّروا)) لأنه فعلُ تحقيقٍ كتبيّن وبابِه؟ ثلاثةُ أوجه. نقل الثالثَ ابنُ عطية(٢)، وربما نْسَبه لسيبويه(٣). وإذا كانَتْ استفهاميةً جاز فيها الوجهان الأوَّلان، دونَ الثالث. و ((مِنْ جِنَّةٍ)) يجوزُ أَنْ يكون فاعلاً بالجارِّ لاعتمادِه، وأَنْ يكونَ مبتدأٌ. ويجوز في ((ما)) إذا كانَتْ نافيةٌ أَنْ تكونَ الحجازيَّةَ، أو التميميَّةَ. آ. (٤٧) قوله: ﴿مَا سَأَلْتُّكم﴾: في ((ما) وجهان، أحدُهما: أنّها شرطيةٌ فتكونُ مفعولاً مقدماً، و((فهو لكم)) جوابُها. الثاني: أنها موصولَةً فِي محلِّ رفع بالابتداءِ، والعائدُ محذوفٌ أي: سَأَلْتُكموه. والخبر ((فهو لكم)). ودخَلَتِ [الفاءُ](٤) لِشَبَهِ الموصولِ بالشرط. والمعنى يحتمل أنَّه لم يُسْأَلْهم أجراً البتةَ، كقولك: ((إِنْ أَعْطَيْتَنِي شيئاً فَخُذْه)) مع عِلْمِك أنه لم يُعْطِك شيئاً. ويُؤَيِّدُه ((إِنْ أَجْرِيَ إلَّ على اللَّهِ) ويُحْتمل أنه سألهم شيئاً نَفْعُه عائدٌ عليهم، وهو المرادُ بقوله: ((إلَّ المودَّةَ في القُرْبَىْ))(٥). آ. (٤٨) قوله: ﴿يَقْذِفُ بالحقِّ﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ مفعولُه محذوفاً؛ لأنَّ القَذْفَ في الأصلِ الرَّمْيُ. وعَبَّر به هنا عن الإِلقاءِ أي: يُلْقِي (١) انظر: القطع والائتناف للنحاس ٥٨٥. (٢) المحرر ١٤٨/١٣. (٣) الكتاب ٤١٩/١، ١٤٧/٢، حيث إن أفعال التحقيق عند سيبوبه تُنَزَّل منزلة القسم. قال: ((يَعْلَمُ الله لأفعلنَّه هو بمعنى والله لأفعلَنَّ)). (٤) زيادة من (ش). (٥) ((قل لا أسألكم عليه أجراً إلَّ المودة في القربى)) الآية ٢٣ من الشورى .. ٢٠٠