Indexed OCR Text

Pages 81-100

- السجدة -
عالمٌ)) مبتدأً وخبراً، والعزيزِ الرحيمِ بدلان من الهاء في ((إليه)) أيضاً. وتكون
الجملةُ بينهما اعتراضاً.
آ. (٧) قوله: ﴿الذي أَحْسَنَ﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ تابعاً لِما قبله
في قراءتَيْ الرفع والخفض، وأن يكونَ خبراً آخرَ، وأَنْ يكونَ خبرَ مبتدأ مضمرٍ،
وأن يكون منصوباً على المدح.
قوله: ((خَلَقَه)) قرأ(١) ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بسكونِ اللام.
والباقون بفتحها. فأمَّا الأولى ففيها أوجهٌ، أحدُها: أن يكونَ (خَلْقَه)) بدلاً مِنْ
((كلَّ شيء)) بدلَ اشتمالٍ مِنْ ((كلَّ شيءٍ))، والضميرُ عائدٌ على كل شيء. وهذا
هو المشهورُ المتداوَلُ. الثاني: أنه بدلُ كلٍ مِنْ كل، والضميرُ على هذا عائدٌ
على الباري تعالى. ومعنى ((أحسن)): / حَسَّن؛ لأنه ما مِنْ شيءٍ خَلَقَّه إلاّ وهو [٧١٦/ب]
مُرَتَّبٌ على ما تَقْتضيه الحكمةُ، فالمخلوقاتُ كلُّها حسنةٌ. الثالث: أن يكونَ
(كلَّ شيءٍ) مفعولاً أول، و((خَلْقَه)) مفعولاً ثانياً على أَنْ يُضَمَّن ((أحسَنَ)) معنى
أَعْطَى وَأَلْهَمَ. قال مجاهد(٢): ((أعطى كلِّ جنسٍ شكله)). والمعنى: خَلَقَ كلَّ
شيءٍ على شكلِه الذي خصَّه به. الرابع: أن يكون ((كلَّ شيء)) مفعولاً ثانياً
قُدِّم، و((خَلْقَه)) مفعولاً أول أُخِّر، على أَنْ يُضَمَّنَ ((أَحْسَنَ)) معنى أَلْهَمَ وعَرَّف.
قال الفراء (٣): ((ألهم كلَّ شيءٍ خَلْقَه فيما يحتاجون إليه فيكونُ أَعْلَمهم ذلك)).
قلت: وأبو البقاء(٤) ضَمِّن أحسنَ معنى عَرَّف. وأَعْرَبَ على نحوٍ ما تقدَّم، إلّ
أنه لا بُدَّ أن يُجْعَلَ الضميرُ لله تعالى، ويُجعلَ الخَلْقُ بمعنى المَخْلوق أي :
(١) السبعة ١٥٦، والنشر ٣٤٧/٢، والبحر ١٩٩/٧، والحجة ٥٦٧، والتيسير ١٧٧،
والقرطبي ٩٠/١٤.
(٢) انظر: البحر ١٩٩/٧.
(٣) معاني القرآن له ٣٣٠/٢، ٣٣١.
(٤) الإملاء ١٨٩/٢.
٨١

- السجدة ـ
عَرَّف مخلوقاتِه كلَّ شيءٍ يحتاجون إليه، فيؤول المعنى إلى معنى قوله: ((أَعْطى
كلَّ شيءٍ خَلْقَه ثم هَدَى))(١).
الخامس: أن تعودَ الهاء [على الله تعالى](٢) وأَنْ يكون (خَلْقَه)) منصوباً
على المصدرِ المؤكَّدِ لمضمون الجملةِ كقولِه: ((صُنْعَ الله))(٣)، وهو مذهبُ
سيبويه (٤) أي: خَلَقَه خَلْقاً. ورُجِّحَ على بدلِ الاشتمال: بأنَّ فيه إضافةً المصدرِ
إلى فاعِله، وهو أكثرُ مِنْ إضافته إلى المفعول، وبأنه أبلغُ في الامتنانِ لأنه إذا
قال: ((أحسنَ كل شيءٍ) كان أبلغَ مِنْ (أَحْسَنَ خَلْقَ كلِّ شيءٍ))؛ لأنه قد يَحْسُنُ
الخلقُ .. وهو المحاولةُ ـ ولا يكون الشيء في نفسِه حَسَناً. وإذا قال: أحسنَ
كلَّ شَيْءٍ اقتضى أنَّ كلَّ شيءٍ خَلَقَه حَسَنٌّ، بمعنى أنه وَضَعَ كلَّ شيءٍ في
موضعه .
وأمَّا القراءةُ الثانية (٥) فـ ((خَلَقَ)) فيها فعلٌ ماضٍ ، والجملةُ صفةٌ للمضافِ
أو المضافٍ إليه، فتكونُ منصوبةَ المحلِّ أو مجرورته.
قوله: ((وَبَدَأ)) العامَّةُ على الهمزِ. وقرأ(٦) الزهريُّ ((بدا)) بألفٍ خالصةٍ،
وهو خارجٌ عن قياسٍ تخفيفِها(٧)، إذ قياسُه بينَ بينَ. على أن الأخفش(٨) حكى
(١) الآية ٥٠ من طه.
(٢) ما بين معقوفين لم يظهر في مصورة الأصل، وأثبتناه من (ش).
(٣) الآية ٨٨ من النمل.
(٤) الكتاب ٩٠/١ - ١٩١
(٥) ((أحسن كلَّ شيءٍ خَلَقَّه)).
(٦) المحتسب ١٧٣/٢، والبحر ١٩٩/٧.
(٧) قال ابن جني في المجتسب: ومثله بيت الكتاب:
فارْعَيْ فزارةُ لَا هَناكِ المَرْتَعُ
(٨) حكى في معاني القرآن ٣٠٨: أرجَيْت وأخطَّيْت وتوضَّيْت.
٨٢

- السجدة -
((قَرَيْتُ)) وجوَّز الشيخ(١) أن يكونَ مِنْ لغةِ الأنصار. يقولون في بدأ: («بَدِي)»
يكسِرون الدالَ وبعدها ياءً، كقولٍ عبدِ الله بن رواحة الأنصاري(٢):
٣٦٦٩ - بسمِ الإِلهِ وبه بَدِيْنا
ولو عَبَدْنا غيرَه شَقِيْنا
قال: ((وطيِّي ءٌ تقول في بَقِي: بَقًا)). قال: ((فاحتمل أَنْ تكونَ قراءةُ
الزهري من هذه اللغةِ، أصلُّه بَدِي، ثم صار بدا)). قلت: فتكون القراءةُ مركبةٌ
مِنْ لغَتَيْن.
آ. (٩) قوله: ﴿وجَعَلَ لكم﴾: هذا التفاتٌ مِنْ ضميرٍ غائبٍ
مفردٍ في قوله: ((نَسْلَه)) إلى آخره، إلى خطاب جماعة .
آ. (١٠) قوله: ﴿أإذا ضَلَّلْنا﴾: تقدَّم اختلافُ القراء في
الاستفهامين في سورة الرعد(٣). والعاملُ في ((إذا)) محذوفٌ تقديرُه: نُبْعَثُ
أو نُخْرَجُ، لدلالةِ ((خَلْقٍ جديد)» عليه. ولا يَعْمَلُ فيه ((خَلْق جديد)» لأنَّ ما بعد
((إنَّ)) والاستفهامَ لا يعملُ فيما قبلهما. وجوابُ ((إذا)) محذوفٌ إذا جعلتها
شرطيةً .
وقرأ العامَّةُ ((ضَلَلْنا)) بضادٍ معجمٍ ولامٍ مفتوحةٍ بمعنى: ذَهَبْنا وضِعْنا،
مِنْ قولهم: ضَلَّ اللبنُ في الماء. وقيل: غُيِّنا. قال النابغة (٤):
٣٦٧٠ - فآبَ مُضِلُوه بعينٍ جَلِيَّة
وغُوْدِر بِالجَوْلانِ حَزْمٌ ونَائِلُ
(١) البحر ١٩٩/٧.
(٢) ديوانه ١٤٢، والبحر ١٩٩/٧، والدرر ١١٥/٢.
(٣) انظر: الدر المصون ١٧/٧ .
(٤) ديوانه ١١٩. والبحر ٢٠٠/٧، ومُضِلُّوه هنا: دافِنوه. وجليَّة: واضحة.
٨٣

- السجدة بـ
والمضارعُ مِنْ هذا: يَضِلُّ بكسر العين وهو كثيرٌ. وقرأ(١) يحيى
ابن يعمر وابن محيصن وأبو رجاء بكسرِ اللام ، وهي لغةُ العالية. والمضارِعُ من
هذا يَضَلُّ بالفتح. وقرأ عليٍّ وأبو حيوة ((ضُلِّلْنا)) بضم الضاد وكسر اللام المشددة
مِنْ ضَلَّلَه بالتشديد.
وقرأ عليَّ أيضاً وابن عباس والحسن والأعمش وأبان بن سعيد ((صَلَّلْنا))
بصادٍ مهملةٍ ولامٍ مفتوحة. وعن الحسن أيضاً (صَلِلْنا)) بكسرِ الصادِ، وهما
لغتان. يقال: صَلَّ اللحمُ يَصِلُّ، وَيَصَلُّ بفتح الصادِ وكُسرِها لمجيء الماضي
مفتوحَ العين ومكسورَها. ومعنى صَلَّ اللحمُ: أنتنَ وَتَغَيَّرتْ رائحتُه. ويُقال
أيضاً: أَصَلَّ بالألف قال(٢):
٣٦٧١- تُلَجْلِجُ مُضْغَةً فيها أَنِيْضُ
أَصَلَّتْ، فَهْيَ تحت الكَشْحِ داءُ
وقال النحاس(٣): ((لا نعرفُ في اللغة ((صَلِلْنا))(٤) ولكن يُقال: صَلَّ
اللحمُ، وأصلَّ، وخَمَّ وأَخَمْ))(٥) وقد عَرَفها غيرُ أبي جعفر.
آ. (١١) قوله: ﴿تُرْجَعُوْنَ﴾: العامَّةُ على بنائِه للمفعول.
وزيد بن علي (٦) على بنائه للفاعل.
(١) انظر: في قراءاتها: الإتحاف ٣٦٧/٢، والقرطبي ٩٢/١٤، والمحتسب ١٧٤/٢،
والبحر ٢٠٠/٧.
(٢) البيت لزهير وهو في ديوانه ٨٢، واللسان صلل، والبحر ٢٠٠/٧. والأنْيض: اللحم
الذي لم ينضج. وأصلَّت: أنتَنَتْ. والكشح: الجنب.
(٣) إعراب القرآن ٦:١١/٢.
(٤) وقال: ((ولكن يُعرف صَلَلْنا)).
(٥) خمَّ : أنتنَ.
(٦) الإِتحاف ٣٦٧/٢، ونسبها ليعقوب. والبحر ٢٠٠/٧.
٨٤

- السجدة -
آ. (١٢) قوله: ﴿ولو تَرَىْ﴾: في ((لو)) هذه وجهان، أحدهما:
أنها لِما كان سيقع لوقوع غيره. وعَبَّر عنها الزمخشريُّ (١) بامتناعٍ لامتناعٍ .
وناقشه الشيخ(٢) في ذلك. وقد تقدَّم في أول البقرة تحقيقُه(٣). وعلى هذا
جوابُها محذوفٌ أي: لَرَأَيْتَ أمراً فظيعاً. الثاني: أنَّها للتمني. قال
الزمخشري (٤): كأنه قيل: وَلَيْتَكَ ترى. وفيها إذا كانت للتمني خلافٌ: هل
تقتضي جواباً أم لا؟ وظاهرُ تقديرِ الزمخشري هنا أنه لا جوابَ لها. قال
الشيخ (٥): ((والصحيحُ / أنَّ لها جواباً)). وأنشدَ قولَ الشاعر(٦):
[Ů/VIV]
٣٦٧٢- فلو نُبِشَ المقابرُ عن كُلّيْبٍ
فَيُخبِرَ بَالذَّنائبِ أَيُّ زِيْرٍ
بيومِ الشِّعْثَمَيْنٍ لَقَرَّ عيناً
وكيف لِقَاءُ مَنْ تحتَ القُبورِ
قال الزمخشري (٧): ((و ((لو)) تجيءُ في معنى التمني كقولك: لو تأتيني
فتحدثَني كما تقول: ليتك تأتيني فتحدثني). قال ابن مالك: ((إن أراد به
الحذفَ أي: وَدِدْتُ لو تأتيني فتحدثَنِي فصحيحٌ، وإن أراد أنها موضوعةً له
فليس بصحيح؛ إذ لو كانت موضوعةً له لم يُجْمَعْ بينها وبينه كما لم يُجْمَعْ بين
(١) الكشاف ٢٤٢/٣.
(٢) البحر ٢٠٠/٧، قال: ((وتسميته ((لو)) امتناعية ليس بجيد، بل العبارة الصحيحة: لما
كان سيقع لوقوع غيره)).
(٣) الدر المصون ١٨٢/١.
(٤) الكشاف ٢٤٢/٣ .
(٥) البحر ٢٠١/٧. وعبارته ((والصحيح أنها إذا أشربت معنى التمني يكون لها جواب
كحالها إذا لم تشربه)).
(٦) تقدم برقم ٨٠٦.
(٧) شرح المفصل ١١/٩.
٨٥

- السجدة -
(ليت)) وأتمنى، ولا (لعلَّ)) وأترجَّى، ولا (إلَّ) وأَسْتَخْنِي. ويجوز أن يُجْمَعَ بين
لو وأتمنى تقول: تمنَّيْتُ لو فعلتُ كذا)). وهل المخاطبُ النبيُّ صلَّى الله عليه
وسلَّم أو غيرُه؟ خلاف. و ((إذ)) على بابها من المضيِّ لأنَّ ((لو)) تَصْرِفُ المضارِعَ
للمضيِّ. وإنما جيءَ هنا ماضياً لتحقَّقِ وقوعِه نحو: (أَتَىْ أَمْرُ الله))(١) وجعله
أبو البقاء(٢) ممَّا وَقَع فيه ((إذ)) موقعَ ((إذا)) ولا حاجةً إليه.
قوله: ((ناكِسُو)) العامَّةُ على أنه اسمُ فاعلٍ مضافٌ لمفعوله تخفيفاً.
وزيدُ بن علي(٣) ((نَكَسُوا)) فعلًا ماضياً، ((رؤوسَهم))، مفعولٌ به.
قوله: ((ربَّنا)) على إضمارِ القول وهو حالٌ. أي قائلين ذلك. وقدَّره
الزمخشريُّ (٤) ((يَسْتغيثون بقولهم)) وإضمارُ القول أكثُرُ.
قوله: ((أَبْصَرْنا وسَمِعْنا)) يجوزُ أَنْ يكونَ المفعولُ مقدراً أي: أَبْصَرْنا ما كُنَّا
نُكَذِّبُ، وسَمِعْنا ما كنا نُنْكِرُ. ويجوزُ أَنْ لا يُقَدَّرَ أي: صِرْنا بُصَراءَ سميعين .:.
قوله: ((صالحاً) يجوزُ أَنْ يكونَ مفعولاً به، وأَنْ يكونَ نعتّ مصدرٍ.
آ. (١٤) قوله: ﴿لقاءَ يَوْمِكم﴾: يجوزُ في هذه الآيةِ أوجهٌ،
أحدها: أنها مِن التنازع؛ لأنَّ((ذُوقوا)) يطلبُ ((لقاءَ يومِكم)) و ((نَسِيْتُمْ)) يطلبه
أيضاً. أي: ذوقوا عذابَ لقاءِ يومِكم هذا بما نَسِيْتُمْ عذابَ لقاءٍ يَوْمِكم هذا،
ويكونُ من إعمالٍ الثاني عند البصريين، ومن إعمال الأول عند الکوفیین،
والأولُ أصَحُّ للحَذْفِ من الأول؛ إذ لو أعمل الأولَ لُأَضْمَرَ في الثاني. الثاني :
أن مفعولَ ((ذُوْقوا)» محذوفٌ أي: ذُوْقوا العذابَ بسببٍ نسيانِكم لقاءَ يومكم.
(١) الآية ١ من النحل.
(٢) الإملاء ١٨٩/٢ وعيارته ((يُراد بها المستقبل).
(٣) البحر ٢٠١/٧ .
(٤) الكشاف ٢٤٢/٣.
٨٦

- السجدة -
و ((هذا)) على هذين الإِعرابين صفةٌ لـ (يومِكم)). الثالث: أن يكونَ مفعولُ
((ذوقوا)) ((هذا)) والإِشارةُ به إلى العذاب، والباءُ سببيةً أيضاً أي: فذوقوا هذا
العذابَ بسببٍ نِسيانِكم لقاءَ يومكم. وهذا يَنْبُو عنه الظاهرُ.
آ. (١٦) قوله: ﴿تَتَجافَىْ﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ مستأنفاً، وأن يكونَ
حالاً، وكذلك ((يَدْعُون)) وإذا جَعَلَ ((يَدْعُون)) حالاً احْتَمَل أن يكون حَالاً ثانياً،
وأن يكونَ حالاً مِن الضمير في ((جُنوبُهم)) لأنَّ المضافَ جزءً. والتجافي:
الارتفاعُ، وعَّر به عن تَرْكِ النومِ قال ابنُ رَواحة(١):
٣٦٧٣- نبيِّ يُجافي جَنْبُه عن فراشِه
إذا اسْتَثْقَلَتْ بالمشركين المضاجعُ
و ((خَوْفاً وطَمَعاً)): إِمَّا مفعولٌ مِنْ أجله، وإمَّا حالان، وإمَّا مصدران
لعامل مقدر.
قوله: ((أُخْفِيَ)) قرأه حمزةُ(٢) (أُخْفِيْ)) فعلاً مضارعاً مُسْنداً لضمير
المتكلم، فلذلك سَكْنَتْ ياؤُه لأنه مرفوعٌ. وتؤيدها قراءةُ ابنٍ مسعود (ما نُخْفي)»
بنون العظمة. والباقون ((أُخْفِيَ)) ماضياً مبنياً للمفعول، فمِنْ ثَمَّ فُتحت ياؤه. وقرأ
محمد بن كعب ((أَخْفى)) ماضياً مبنياً للفاعل وهو اللَّهُ تعالى، ويؤيّده قراءةُ
الأعمش (ما أَخْفَيْتُ)) مسنداً للمتكلم. وقرأ عبد الله(٣) وأبو الدرداء وأبو هريرةً
(مِنْ قُرَّاتِ أَعْيُنٍ)) جمعاً بالألف والتاء. و((ما)) يجوزُ أَنْ تكونَ موصولةً أي:
لا نَعْلَمُ الذي أخفاه اللَّهُ. وفي الحديث: ((ما لا عينٌ رَأَتْ، ولا أُذُن سَمِعَت،
(١) ديوانه ١٦٢، والمحرر ٣٦/١٣، والقرطبي ١٠٠/١٤.
(٢) انظر في قراءاتها: السبعة ٥١٦، والنشر ٣٤٧/٢، والبحر ٢٠٢/٧، والتيسير ١٧٧،
والقرطبي ١٠٣/١٤، والحجة ٥٦٩، والشواذ ١١٨.
(٣) المحتسب ١٧٤/٢، والإتحاف ٣٦٧/٢، والبحر ٢٠٢/٧، والقرطبي ١٠٣/١٤.
٨٧

- السجدة -
ولا خَطَر على قَلْب بشر)). وأَنْ تكونَ استفهاميةً معلِّقَةً لـ ((تَعْلَمُ)). فإن كانَتْ
متعديةً لاثنين سَدَّت مَسَدَّهما، أو لواحدٍ سَدَّتْ مَسَدَّه. و((جزاءً)) مفعول له،
أو مصدرٌ مؤكِّدٌ لمعنى الجملةِ قبلَه. وإذا كانَتْ استفهاميةً فعلى قراءةٍ مَنْ قرأ
ما بعدها فعلًا ماضياً تكون في محلٌّ رفعٍ بالابتداء، والفعلُ بعدها الخبرُ. وعلى
:
قراءةٍ مَنْ قرأه مضارعاً(١) تكونُ مفعولاً مقدَّماً، و((مِنْ قُرَّة)) حالٌ مِنْ ((ما)).
آ. (١٨) قوله: ﴿لا يَسْتَوُوْن): مستأنف(٢) ورُوي عن
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنه كان يعتمد الوقفَ على قوله: ((فاسقاً) ثم
يَبْتَدىء ((لا يَسْتوون)).
[٧١٧/ب]
آ. (١٩) وقرأ(٣) طلحة ((جَنَّةُ المَأْوى)) بالإِفراد. والعامَّةُ بالجمع. /
وأبو حيوة(٤) ((نُزْلاً) بضمٍ وسكون. وتقدَّم تحقيقُه في آخر آل عمران(٥).
آ. (٢٠) قوله: ﴿الذي كُنْتُم بِه﴾: صفةٌ لـ ((عذابَ)). وجَوَّز
أبو البقاء(٦) أَنْ يكونَ صفةً للنار قال: وذُكِّرَ على معنى الجحيم والحريق .
آ. (٢٢) قوله: ﴿ثم أَعْرَضَ﴾: هذه لبُعْدِ ما بين الرتبثَّيْن
معنىَّ. وشبَّهها الزمخشريُّ (٧) بقوله(٨):
(١) الأصل «مضارع)» وهو سهو.
(٢) انظر: القطع والائتناف ٥٧١ .
(٣) الشواذ ١١٨، والبحر ٢٠٣/٧.
(٤) البحر ٢٠٣/٧.
(٥) انظر: الدر المصون ٥٤٧/٣.
(٦) الإِملاء ٢ /١٩٠.
(٧) الكشاف ٢٤٦/٢. قال: ((والمعنى أن الإعراض عن مثل آيات الله في وضوحها
وإنارتها وإرشادها إلى سواء السبيل والفوز بالسعادة العظمى بعد التذكير بها مستبعد
في العقل والعدل».
(٨) البيت لجعفر بن علبة الحارثي، وهو في الحماسة ٦٤، وسمط اللآلىء ٩٠٥/٢.
٨٨

- السجدة -
٣٦٧٤- وما يَكْشِفُ الغَمَّاءَ إِلَّ ابنُ حُرَّةٍ
يَرَىُ غَمَراتِ الموتِ ثم يَزورُها
قال: ((استبعدَ أن يزورَ غَمَراتِ الموتِ بعد أَنْ رآها وعَرفها واطّلع على
شئَّتِها)» .
آ. (٢٣) قوله: ﴿في مِرْيَةٍ﴾: قرأ(١) الحسنُ بالضمّ وهي لغةٌ.
قوله: ((مِنْ لقائِه)) في الهاءِ أقوالٌ، أحدُها: أنها عائدةٌ على موسى.
والمصدرُ مضافٌ لمفعولِه أي: مِنْ لقائِك موسى ليلةَ الإِسراء. وامتحن المبردُ
الزجَّاج في هذه المسألةِ فأجابه(٢) بما ذُكر. الثاني: أنَّ الضميرَ يعودُ على
الكتاب. وحينئذٍ يجوزُ أن تكونَ الإِضافةُ للفاعلِ أي: من لقاءِ الكتاب
لموسى، أو المفعولِ أي: مِنْ لقاءِ موسى الكتاب؛ لأنَّ اللقاءَ تَصِحُّ نسبتُه إلى
كلٍ منهما. الثالث: أنه يعودُ على الكتاب، على حَذْفِ مضاف أي: من لقاءٍ
مثل كتابٍ موسى. الرابع: أنه عائدٌ على مَلَكَ الموتِ لتقدُّم ذِكْره(٣).
الخامس: عَوْدُه على الرجوع (٤) المفهومِ مِن الرجوع في قوله: ((إلى رَبِّكم
تُرْجَعُون)) أي: لا تَكُ فِي مِرْيةٍ مِنْ لقاء الرجوع. السادس: أنه يعودُ على
ما يُفهَمُ مِنْ سياقِ الكلامِ ممَّا ابْتُلِي به موسى مِن البلاء والامتحان. قاله
الحسن (٥) أي: لا بُدَّ أن تَلْقَى ما لَقِيَ موسى من قومه. وهذه أقوالٌ بعيدة ذكرْتُها
للتنبيه على ضَعْفها. وأظهرُها: أنَّ الضميرَ: إمَّا لموسى، وإما للكتاب. أي:
لا تَرْتَبْ في أنَّ موسى لقي الكتابَ وأُنْزِلَ عليه .
(١) البحر ٢٠٥/٧.
(٢) الأصل ((فاجه)) والتصحيح من ش. وانظر معاني القرآن للزجاج ٢٠٩/٤.
(٣) في الآية ١١. والفاصل بعيد.
(٤) في الآية ١١. والفاصل بعيد.
(٥) انظر: البحر ٢٠٥/٧.
٨٩

- الجدة -
آ. (٢٤) قوله: ﴿لمّا (صَبَرَوا]﴾: قرأ(١) الأخوان بكسر اللام
وتخفيفِ الميم على أنها لامُ الجرِّ، و((ما)) مصدريةٌ. والجارُّ متعلُّقٌ بالجَعْلِ
أي: جَعَلْناهم كذلك لصَبْرهم ولإِيقانِهِم. والباقون بفتحِها وتشديدِ الميم. وهي
(لمَّا)) التي تَقْتضي جواباً. وتقدم(٢) فيها قولا سيبويه والفارسيِّ.
آ. (٢٧) قوله: ﴿يُبْصِرون﴾: العامَّةُ على الغَيْبة،
وابن مسعود(٣) على الخطاب التفاتاً.
وقرىء (٤) (الجُرْز)) بسكون الراء. وقد تقدَّم أولُ الكهف(٥).
آ. (٢٩) قوله: ﴿يومَ الفتح﴾: منصوبٌ بـ((لا يُنْفَعُ)) و ((لا)» غیرُ
مانعةٍ من ذلك. وقد تقدَّم فيها مذاهبٌ.
آ. (٣٠) قوله: ﴿مُنْتَظِرُون﴾: العامَّةُ على كسرِ الِظَاءِ اسمٌ
فاعل. والمفعولُ من انتظِرْ، ومِنْ منتظرون، محذوفٌ أي: انتظرْ ما يَجُلُّ بهم،
إنهم منتظرون على زَعْمِهِمِ ما يَحُلُّ بك. وقرأ(٦) اليمانيُّ (٧) ((مُنْتَظَرُوْن)) اسْمَ
مفعول .
٠ ..
[تمّت بعونه تعالى سورة السجدة]
(١) السبعة ٥١٦، والبحر ٢٠٥/٧، والتيسير ١٧٧، والقرطبي ١٠٩/١٤، والحجة
٥٦٩، والنشر ٣٤٧/٢.
(٢) انظر: الدر المصون ١٥٩/١. وذهب سيبويه إلى أنها حرف وجاب لوجوب (الكتاب
٣١٢/٢) وذهب الفارسي إلى أنها ظرف بمعنى حين والعامل فيها جوابها (الإِيضاح
(٤) البحر ٢٠٥/٧.
(٣) البحر ٢٠٥/٧ .
العضدي ٣١٩).
(٥) لم يشر إلى القراءات في إعرابه للآية ٨. انظر: الدر ٧ /٤٤٥.
(٦) المحتسب ١٧٥/٢، والبحر ٢٠٦/٧، والقرطبي ١١٢/١٤.
(٧) وهو ابن السميفع.
٩٠

- الأحزاب -
سورة الأحزاب
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (٢) قوله: ﴿بما تَعْملون خَبيرا﴾ وبعده بقليلٍ: ((بما تَعْملون
بصيرا)(١) قرأهما أبو عمروٍ (٢) بياءِ الغَيْبة. والباقون بتاءِ الخطاب، وهما
واضحتان: أمَّ الغَيْبَةُ في الأولِ فلقولِه ((الكافرين)) و((المنافقين))، وأمَّا الخطابُ
فلقولِه: ((يا أيُّها النبيُّ)) لأنَّ المرادَ هو وأمتُه، أو خوطب بالجمع تعظيماً،
کقوله(٣):
٣٦٧٥ - فإنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النساءَ سِواكُمُ
وجَوَّز الشيخُ (٤) أَنْ يكونَ التفاتاً، يعني عن الغائبين الكافرين والمنافقين.
وهو بعيدٌ. وأمَّا الغَيْبَةُ في الثاني فلقولِه: ((إذ جاءَتْكم))(٥). وأمَّا الخطابُ
فلقوله: ((يا أيُّها الذين آمنوا))(٦).
(١) الآية ٩.
(٢) السبعة ٥١٨، ٥١٩، والتيسير ١٧٧، والنشر ٣٤٧/٢، والبحر ٢١٠/٧، والقرطبي
١١٥/١٤، ٠١٤٤
(٣) تقدم برقم ١٠٢٤.
(٤) البحر ٢١٠/٧ - ٢١١ .
(٥) الآية ٩.
(٦) الآية ٩.
٩١

- الأحزاب -
آ. (٤) قوله: ﴿اللائي): قرأ(١) الكوفيون وابن عامر بيناءٍ ساكنةٍ
بعد همزةٍ مكسورةٍ. وهذا هو الأصلُ في هذه اللفظةِ لأنه جمعُ ((التي)» معنَّى.
وأبو عمروٍ والبزيُّ ((اللَّيْ)) بياءٍ ساكنةٍ وصلاً بعد ألفٍ مَحْضَةٍ في أحدٍ وجهَيْهما.
ولهما وجه آخرُ سیاتي .
ووجهُ هذه القراءةِ أنهما حَذّفا الياءً بعد الهمزة تخفيفاً، ثم أبدلا الهمزةَ
ياءً، وسَكْناها لصيرورتها ياءً مكسوراً ما قبلها كياءِ القاضي والغازِي، إلَّ أنَّ هذا
ليس بقياس، وإنما القياسُ جَعْلُ الهمزةِ بينَ بينَ. قال أبو علي (٢): ((لا يُقْدَمُ
على مثلِ هذا البدلِ إلَّ أَنْ يُسْمَعَ))(٣). قلت: قال أبو عمروٍ ابن العلاء: ((إنها
لغةُ قريشٍ التي أُمِر الناسُ أَنْ يَقْرَؤوا بها)). وقال بعضهم: لم يُبْدِلوا وإنما كتبوا
فعبِّر عنهم القُرّاءُ بالإِبدال. وليس بشيء.
وقال أبو علي وغيره: ((إظهارُ أبي عمرو ((اللايْ يَئِسْنَ)) يدلُّ على أنه
يُسَهِّلُ ولم يُبْدِلْ)) وهذا غيرُ لازم؛ لأنَّ البدلَ عارضٌ. فلذلك لم يُدْعِمْ. وقرآ
- هما أيضاً - وورشٌ بهمزةٍ مُسَهَّلة بينَ بينَ. وهذا الذي زعم بعضُهم أنه
لم يَصِحَّ عنهم غيرُه وهو (٤) تخفيفٌ قياسيٍّ، وإذا وقفوا سكَّنوا الهمزةَ، ومتى
[٧١٨/ أ] سَكَّنِوها استحالَ تسهيلُها بينَ بينَ لزوالٍ حركتِها/ فتُقْلَبُ ياءً لوقوعِها ساكنةً بعد
كسرةٍ، وليس مِنْ مذهبهم تخفيفُها فتُقَرَّ همزةً.
وقرأ قنبل وورشٌ بهمزةٍ مكسورةٍ دونَ ياءٍ، حَذَفا الياءَ واجتّزَآً عنها
(١) السبعة ٥١٨، والنشر ٤٠٤/١، والتيسير ١٧٧، والحجة ٥٧١ والبحر ٢١١/٧.
(٢) الحجة (خ) ٤ /١٤٨.
(٣) الحجة (خ) ((إلاَّ بِسَمْعٍ)).
(٤) لعل هذه الواو زائدة.
٩٢

- الأحزاب -
بالكسرة. وهذا الخلافُ بعينه جارٍ في المجادلة (١) أيضاً والطلاق(٢).
قوله: ((تُظاهِرون)) قرأ(٣) عاصمُ ((تُظاهِرون)) بضم التاء وكسر الهاءِ بعد
ألفٍ، مضارعَ ظاهَرَ. وابنُ عامرٍ ((تَظَاهرون)) بفتح التاء والهاء وتشديد الظاء
مضارعَ تَظاهر. والأصل ((تتظاهرون)) بتاءَيْن فأدغم(٤). والأخوان كذلك، إلّ
أنهما خَفَّفا الظاءَ. والأصل أيضاً بتاءَيْن، إلاّ أنهما حَذَفا إحداهما، وهما
طريقان في تخفيف هذا النحو: إمَّا الإِدغامُ، وإمَّا الحَذْفُ. وقد تقدَّم تحقيقُه
في نحو: ((يَذَّكَّرْ))(٥) و ((تَذَكَّرون))(٦) مثقلا ومخففاً. وتقدَّم نحوُه في البقرة
أيضاً.
والباقون ((تَظَّهَّرون)) بفتح التاءِ والهاءِ وتشديدِ الظاء والهاء دونَ ألفٍ.
والأصل: تَتَظَهَّرُوْن بتاءَيْن فأدغَم نحو: ((تَذَكَّرون)). وقرأ الجميع(٧) في
المجادلة كقراءتِهِم هنا في قوله: (يُظاهرون من نسائهم))(٨) إلَّ الأخَوَيْنِ، فإِنَّهما
خالَفا أصلهما هنا فقراً في المجادلة بتشديدِ الظاءِ كقراءةٍ ابنٍ عامر. والظُّهارُ
مشتقٌّ من الظّهْرِ. وأصلُه أن يقولَ الرجلُ لامرأتِه: ((أنتِ علي كظهرِ أمي))،
وإنما لم يَقْرأ الأخَوان بالتخفيفِ في المجادلة لعدم المسوِّغِ له وهو الحذفُ؛
لأنَّ الحذفَ إنما كان لاجتماع مِثْلَيْن وهما التاءان، وفي المجادلة ياءٌ من تحتُ
(١) الآيتان ٢ - ٣. انظر: السبعة ٦٢٨.
(٢) ليس في سورة الطلاق آية تتضمن هذا الحرف.
(٣) انظر في قراءاتها: السبعة ٥١٩، والبحر ٢١١/٧، والتيسير ١٧٨، الحجة ٥٧٢،
والنشر ٣٤٧/٢، والشواذ ١١٨، والإتحاف ٣٧٠/٢.
(٤) أي: قلب التاء ظاء وأدغم الظاء في الظاء.
(٥) الآية ٢٦٩ من البقرة. وانظر: الدر المصون ٦٠٦/٢.
(٦) الآية ١٥٢ من الأنعام. وانظر: الدر المصون ٢٢٣/٥.
(٧) انظر: السبعة ٦٢٨.
(٨) الآية ٣ من المجادلة.
٩٣

- الأحزاب -
وتاءٌ من فوقُ، فلم يجتمعْ مِثْلان فلا حَذْفَ، فاضْطُرِّ إلى الإِدغام. هذا ما قُرِىء
به متواتراً.
وقرأ ابنُ وثَّاب ((تُظْهِرُون)) بضم التاء وسكون الظاء وكسرِ الهاء مضارعَ
أَظْهَرَ. وعنه أيضاً((تَظَهَّرُون)) بفتح التاء والظاءِ مخففةً، وتشديدِ الهاء، والأصل:
تَتَظَهَّرون، مضارعَ تَظَهِّر مشدداً فحذف إحدى التاءين. وقرأ الحسن ((تُظَهِّرون))
بضمِّ التاء وفتح الظاءِ مخففةً وتشديد الهاء مكسورةٌ مضارعَ ظَهَّر مشدداً. وعن
أبي عمروِ (تَظْهَرُون)) بفتحِ التاء والهاء وسكونِ الظاءِ مضارعَ ((ظهر)) مخففاً.
وقرأ أُبَي - وهي في مصحفِه كذلك - تَتَظَهَّرون بتاءَيْن. فهذه تسعُ قراءات:
أربعٌ متواترةً(١)، وخمسٌ شاذةً(٢). وأَخْذُ هذه الأفعالِ مِنْ لفظِ الظَّهْر كأَخْذِ لَبِّى
من التَّلْبِية، وتأَقَّفَ مِنْ أُفٍّ. وإنما عُدِّي بـ ((مِنْ)) لأنه ضُمِّن معنى التباعد. كأنه
قيل: يتباعَدُون مِنْ نسائِهم بسببِ الظُّهار كما تقدَّم في تعديةِ الإِيلاء بـ ((مِنْ)) في
البقرة(٣).
قوله: ((ذلكمْ قولُكم)) مبتدأ وخبرٌ أي: دعاؤُكُم الأدعياءَ أبناءً مجردُ قول
لسانٍ مِنْ غيرِ حقيقةٍ. والأُدْعياءُ: جمعُ دَعِيّ بمعنى مَدْعُوّ فَعيل بمعنى مُفْعول
وأصلُه دَعِيْوٌ فَأُدْغم(٤) ولكن جَمْعَه على أَدْعِياءِ غيرُ مَقيس؛ لأنَّ أَفْعِلاء إنما يكونُ
جمعاً لِفَعيل المعتلِّ اللامِ إذا كان بمعنى فاعِل نحو: تقِيّ وَأَتْقِياءُ، وغَنِيّ
(١) تُظاهِرُون (عاصم)، تَظَّاهرون (ابن عامر)، تَظاهرون (الأخوان)، والباقون:
تَظَّهُرون.
(٢) تُظْهِرُون (ابن وثاب)، تَظَهَّرون (ابن وثاب)، تُظَهِّرُون (الحسن)، تَظْهَرُون (أبو عمرو
في رواية)، تَتَظَهِّرون (أُبَيّ).
(٣) ((للذين يُؤْلُون مِنْ نسائهم ... )) البقرة، الآية ٢٢٦.
(٤) اجتمعت الياء والواو في كلمة وسبقت الأولى بالسكون، فقلبت الواو ياءً وأدغمت
الياء في الياء.
٩٤

- الأحزاب -
وأغنياء، وهذا وإنْ كان فَعيلاً معتلَّ اللام إلاّ أنه بمعنى مَفْعول، فكان قياسُ
جمعِه على فَعْلَىْ كقتيل وقَتْلَى وجريح وجَرْحِى. ونظيرُ هذا في الشذوذِ قولُهم:
أَسير وأُسَراء، والقياس أَسْرَى، وقد سُمِع فيه الأصلُ.
آ. (٥) قوله: ﴿هو أَقْسَطُ﴾: أي: دعاؤهم لآبائهم، فأضمرٌ
المصدرَ لدلالةِ فعلِه عليه كقوله: ((اعْدِلُوا هو أقربُ))(١).
قوله: ((ولكنْ ما تَعَمَّدَتْ)) يجوزُ في ((ما)) وجهان، أحدُهما: أنها مجرورةٌ
المحلِّ عطفاً على ((ما)) قبلها المجرورةِ بـ ((في))، والتقديرُ: ولكنَّ الجُناحَ فيما
تعمّدت. والثاني : أنها مرفوعةُ المحلِّ بالابتداءِ، والخبرُ محذوفٌ. تقديرُه:
تُؤَاخَذُون به، أو عليكم فيه الجُناحُ. ونحوُه.
آ. (٦) قوله: ﴿وَأَزْ واجُه أمَّهاتُهم﴾: أي: مثلُ أَمِّهاتهم في
الحكمِ . ويجوزُ أن يُتناسى التشبيهُ، ويُجْعلون أمَّهاتِهم مبالغةً .
قوله: ((بعضُهم) يجوز فيه وجهان، أحدُهما: أَنْ يكونَ بدلاً من ((أُوْلُو).
والثاني: أنه مبتدأٌ وما بعده خبرُه، والجملةُ خبرُ الأولِ .
قوله: ((في كتابِ اللَّهِ) يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بـ ((أَوْلَى))؛ لأنَّ أَفْعَلَ التفضيلِ
يعملُ في الظرفِ. ويجوزُ أَنْ تتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنها حالٌ من الضمير في
(أَوْلَىْ)) والعاملُ فيها ((أَوْلَى)) لأنها شبيهةٌ بالظرفِ. / ولا جائزٌ أَنْ يكونَ حالاً مِنْ [٧١٨/ب]
(أُوْلُوُ)) للفَصْلِ بالخبرِ، ولأنَّه لا عامِلَ فيها.
قوله: ((من المؤمنين)) يجوز فيه وجهان، أحدهما: أنها ((مِنْ)) الجارَّةُ
للمفضولِ كهي في ((زيدٌ أفضلُ من عمرٍ» المعنى: وأُولو الأرحامِ أَوْلَى
بالإِدثِ من المؤمنين والمهاجرين الأجانب. والثاني: أنَّها للبيانِ جيْءَ بها بياناً
(١) الآية ٨ من المائدة.
٩٥

- الأحزاب -
الأولي الأرحامِ ، فتتعلَّق بمحذوف أي: أعني. والمعنى: وأَولو الأرحام من
المؤمنين أَوْلَى بالإِرث مِن الأجانب.
قوله: ((إلَّ أَنْ تَفْعَلوا)) هذا استثناءٌ مِنْ غيرِ الجنس، وهو مستثَنَّى مِنْ معنى
الكلامِ وفحواه، إذ التقديرُ: أُولو الأرحامِ بعضُهم أَوْلَى ببعض في الإِرث
وغيرِهِ، لكن إذا فَعَلْتُمْ مع غيرِهم مِنْ أوليائِكم خيراً كان لكم ذلك. وعُدِّي
(تَفْعَلوا)) بـ ((إلى)) لتضمُّنِه معنى تَدْخُلوا.
آ. (٧) قوله: ﴿وإذْ أَخَذْنا﴾: يجوزُ فيه وجهان، أحدهما: أَنْ
يكونَ منصوباً بـ اذكر. أي: واذْكُرْ إِذْ أَخَذْنا. والثاني: أَنْ يكونَ معطوفاً على
محلّ ((في الكتاب)) فيعملَ فيه ((مَسْطُوْراً)) أي: كان هذا الحكمُ مَسْطوراً في
الكتاب ووقتٍ أَخْذِنا.
قوله : ((ميثاقاً غليظاً)) هو الأولُ، وإنما كُرِّر لزيادةٍ صفتِه وإيذاناً بتوكيده.
آ. (٨) قوله: ﴿لَيَسْأَل﴾: فيها وجهان، أحدُهما: أنها لامُ كي
أي: أَخَذْنا ميثاقُهم ليَسْأل المؤمنين عن صدقهم، والكافرين عن تكذیبھم،
فاستغنى عن الثانِي بذِكْر مُسَيِّبه وهو قولُه: ((وأَعدَّ)). والثاني(١): أنها للعافية
أي: أَخَذَ الميثاقَ على الأنبياء ليصيرَ الأمرُ إلى كذا. ومفعولُ ((صدقِهم)»
محذوفٌ أي: صِدْقِهم عهدهم. ويجوز أن یکون «صِدْقھم)» في معنى
((تَصْديقهم))، ومفعولُه محذوفٌ أيضاً أي: عن تصديقهم الأنبياء.
قوله: ((وأَعَدَّ) يجوزُ فيه وجهان، أحدهما: أَنْ يكونَ معطوفاً على ما دَلَّ
عليه ((لَيَسْأَلَ الصادقين))؛ إذ التقديرُ: فأثاب الصادقين وأعَدَّ للكافرين. والثاني:
أنه معطوفٌ على ((أَخَذْنا)) لأنَّ المعنى: أنَّ اللَّهَ تعالى أكَّدَ على الأنبياءِ الدعوةَ
(١) انظر: البحر ٢١٣/٧.
٩٦

- الأحزاب -
إلى دينه لإِثابة المؤمنين وأعَدَّ للكافرين. وقيل: إنه قد حَذَفَ من الثاني ما أثبت
مقابلَه في الأول، ومن الأولِ ما أثبتَ مقابلَه في الثاني. والتقدير: ليسألَ
الصادقينِ عن صِدْقِهم فأثابهم، ويَسْأَلَ الكافرين عَمَّا أجابوا به رُسُلَهم، وأَعَدَّ
لهم عذاباً أليماً.
آ. (٩) قوله: ﴿إِذ جاءَتْكُمْ﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ منصوباً بـ ((نعمةً))
أي: النعمة الواقعة في ذلك الوقتِ. ويجوز أَنْ يكونَ منصوباً بـ اذكروا على أَنْ
يكونَ بدلاً مِنْ ((نعمة)» بدلَ اشتمال.
آ. (١٠) قوله: ﴿إِذ جاؤوكم﴾: بدلٌ من ((إذ)) الأولى. وقرأ(١)
الحسنُ ((الجنود)) بفتح الجيم. والعامَّةُ بضمِّها. و((جنودا) عطفٌ على ((ريحاً).
و ((لم تَرَوْها)) صفةٌ لهم. ورُوِي(٢) عن أبي عمرو وأبي بكرة(٣) ((لم يَرَوْها)) بياءِ
الغَيْبة.
قوله: ((الحَناجرَ)) جمع حَنْجَرة وهي رأسُ الغَلْصَمَة، والغَلْصَمَةُ مُنتهى
الحُلْقوم، والحُلْقُوْمُ مَجْرى الطعامِ والشرابِ. وقيل: الحُلْقُومِ مَجْرِى النَّفَس،
والمَرِي: مَجْرى الطعام والشراب وهو تحت الحُلْقوم. وقال الراغب(٤): ((رأسُ
الغَلْصَمة من خارج)).
(١) البحر ٢١٦/٧.
(٢) رواية نصر عن أبيه، عن أبي عمرو. انظر: الشواذ ١١٨، والبحر ٢١٦/٧،
والقرطبي ١٤/ ١٤٤.
(٣) الأصل ((بكر)) وهو تحريف. والتصحيح من البحر. وأبو بكرة هو نفيع بن الحارث
الثقفي صحابي نزل البصرة ومات بها سنة ٥١. انظر: تقريب التهذيب ٥٦٥ .
(٤) المفردات ١٣٣ .
٩٧

- الأحزاب -
وقوله: (الظنونا) قرأ(١) نافع وابنُ عنامر وأبو بكر بإثبات ألفٍ بعد نون
((الظُّنونا) ولام ((الرسول)) في قوله: ((وأَطَعْنا الرسولا))(٢) ولام ((السَّبيل)) في
قوله: ((فَأَضَلُونا السَّبيلا))(٣) وَصْلاً ووَقْفاً موافقةً للرسمِ؛ لأنهنَّ رُسِمْنَ فِي
المصحف كذلك. وأيضاً فإنَّ هذه الألفَ تُشْبه هاءَ السكتِ لبيانٍ الحركة، وهَاءُ
السكتِ تَثْبُتُ وقفاً، للحاجة إليها. وقد ثَبَتَتْ وصلا إجراءً للوصل مُجْرَى الوقف
كما تقدَّم في البقرة والأنعام. فكذلك هذه الألفُ. وقرأ أبو عمروٍ وحمزةُ بحَذْفِها
في الحالَّيْن؛ لأنها لا أصلَ لها. وقولُهم: ((أُجْرِيَتْ الفواصلُ مُجْرى القوافي))
غيرُ مُعْتَدٍّ به؛ لأنَّ القوافيِ يَلزَمُ الوقفُ عليها غالباً، والفواصلُ لا يَلْزَمُ ذلك فيها
فلا تُشَبَّهُ بها. والباقون بإثباتِها وَقْفاً وحَذْفِها وَصْلا إجراءً للفواصلُ مُجْرِى
القوافي في ثبوتِ ألفِ الإِطلاق كقوله(٤):
٣٦٧٦- اسْتأثَرَ اللَّهُ بالوفاءِ وبالـ
سعَدْلِ وَوَلَّى المَلامَةَ الرَّجُلا
وقوله(٥) :
٣٦٧٧ - أَقِلِّي السلومَ عاذلَ والعِتابَا
وقُولي إن أَصَبْتُ لقد أصابا
.ولأنها كهاءِ السكت، وهي تُثْبُتُ وقفاً وتُخَفَّفُ وصلاً. قلت: كذا يقولون
(١) انظر في قراءاتها: السبعة ٥١٩، ٥٢٠، والبحر ٢١٧/٧، والقرطبي ١٤٥/١٤،
والحجة ٥٧٣، والنشر ٣٤٧/٢، والتيسير ١٧٨ .
(٢) الآية ٦٦ من الأحزاب.
(٣) الآية ٦٧ من الأحزاب.
(٤) البيت للأعشى من المسرح، وهو في ديوانه ٢٣٣ .
(٥) البيت لجرير، وهو في ديوانه ٦٤، والكتاب ٢٩٨/٢، والمقتضب ٢٤٠/١،
والخصائص ١٧١/١، وابن يعيش ١١٥/٤.
٩٨

- الأحزاب -
تشبيهاً للفواصلِ بالقوافي، وأنا لا أحب هذه العبارةَ فإنها مُنْكَرَة لفظاً ولا خلافَ
في قوله: ((وهو يَهْدي السبيل))(١) أنه بغيرِ ألفٍ في الحالين.
قوله: ((هنالك)) منصوبٌ بـ ((ابْتُلِيَ)) وقيل: بـ ((تَظُنُّون)). واسْتَضْعَفَه
ابنُ عطية(٢). وفيه وجهان، أظهرهما: أنه ظرفُ مكانٍ / بعيدٍ أي: في ذلك [٧١٩/أ]
المكان الدَّحْضِ (٣) وهو الخندقُ. الثاني: أنه ظرفُ زمانٍ، وأنشد بعضُهُم على
ذلك (٤):
٣٦٧٨- وإذا الأمورُ تَعاظَمَتْ وتشاكَلَتْ
فهناك يَعْتَرفون أين المَفْزَعُ
قوله: ((وزُلْزِلُوا)) قرأ العامَّةُ بضمِّ الزاي الأولى وكسرِ الثانية على أصل
ما لم يُسَمّ فاعلُه. ورَوَى غيرُ واحدٍ عن أبي عمروٍ(٥) كَسْرَ الأولى. وروى
الزمخشريُّ (٦) عنه إشمامَها كسراً. ووجهُ هذه القراءةِ أَنْ يكونَ أتبعَ الزايَ الأولى
للثانيةِ في الكسرِ، ولم يَعْتَدَّ بالساكنِ لكونه غيرَ حصينٍ، كقولهم: ((مِنْن))(٧)
بكسرِ الميم، والأصل ضمُّها.
قوله: ((زِلْزالاً)) مصدر مُبَيِّنٌ للنوعِ بالوصف. والعامَّةُ على كسر الزاي.
(١) الآية ٤ من الأحزاب.
(٢) المحرر ٥٥/١٣.
(٣) مكان دحض: زَلِق.
(٤) تقدم برقم ١٢٥٢ .
(٥) البحر ٢١٧/٧ وهي رواية أحمد بن موسى اللؤلؤي عنه.
(٦) الكشاف ٢٥٤/٣ .
(٧) قال سيبويه: ((وأما الذين قالوا: مِغِيْرَة ومِعِين فأتبعوا الكسرةَ الكسرةَ كما قالوا («مِنْنِ))
و ((أُنْبُك)) يريد أُنْبِتُك)) الكتاب ٢٥٥/٢.
٩٩

- الأحزاب -
:
وعيسى(١) والجحدري فتحاها. وهما لغتان في مصدرِ الفعل المضعَّفِ إذا جاء
على فِعْلال نحو: زِّلْزال وقِلْقال وصِلْصال. وقد يُراد بالمفتوح اسمُ الفاعل
نحو: صَلْصال بمعنی مُصَلْصِلِ، وَزَلزال بمعنى مُزَلْزِل.
آ. (١٣) قوله: ﴿يا أهلَ يَثْرِبَ﴾: يثرب اسمُ المدينةِ. وامتناعُ
صَرْفها إِمَّا: للعلميةِ والوزنٍ، أو العلميَّةِ والتأنيثِ، وأمَّا (يَتْرَب)) بالتاء المثناة
وفتح الراء فموضعٌ آخرُ قال(٢):
٣٦٧٩-
مواعيدَ عُرْقوبٍ أخاه بَتْرَبِ
قوله: ((لا مُقامَ لكم)) قرأ(٣) حفصٌ بضم الميم، ونافع وابن عامر بضم
ميمِه أيضاً في الدخان في قوله: ((إنَّ المتقين في مَقام))(٤) ولم يُخْتَلَفْ في الأول
أنه بالفتح وهو ((ومَقامٍ كريمٍ))(٥) والباقون بفتح الميم في الموضعين. والضمُّ
والفتح مفهومان من سورة مريم عند قوله: ((خيرٌ مقاما))(٦).
(١) القرطبي ١٤٧/١٤، والبحر ٢١٧/٧.
(٢) البيت لابن عبيد الأشجعي. وصدره:
وَعَدْتَ وكان الخُلْفُ منكَ سجيَّةٌ.
وهو في الكتاب ١٣٧/١، والخصائص ٣٠٧/٢، وابن يعيش ١١٣/١، ومعجم
البلدان (يترب) واللسان (ترب) وينسب أيضاً للشماخ وليس في ديوانه. وعرقوب:
رجلٌ يُضرب به المثل في خلف الوعد.
(٣) السبعة ٥٢٠، والبحر ٢١٨/٧، والتيسير ١٧٨، والقرطبي ١٤٨/١٤، والحجة
٥٧٤، والنشر ٣٤٨/٢.
(٤) الآية ٥١. وانظر: السبعة ٥٩٣ .
(٥) الآية ٢٦ من الدخان.
(٦) الآية ٧٣.
١٠٠