Indexed OCR Text

Pages 41-60

- الروم -
هاتين الجهتين، ويجوز أَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنَّه حالٌ مِن الأعلى، أو مِن
المَثَل، أو مِن الضمير في ((الأَعْلَى)) فإنه يعودُ على المَثَل.
قوله: ((مِنْ أَنْفُسكم)) ((مِنْ)) لابتداء الغاية في موضع الصفةِ لـ مَثَلًا أي:
أَخَذّ مثلاً، وانتزعه مِنْ أقربٍ شيءٍ منكم هو أنفسكم .
آ. (٢٨) قوله: ﴿هل لكم يُمَّا مَلَكَتْ أيمانُكُم مِنْ
شركاء﴾: ((مِنْ شركاء)) مبتدأٌ، و ((مِنْ)) مزيدةٌ فيه لوجودِ شرطَيْ الزيادة(١).
وفي خبره وجهان، أحدهما: الجارُّ الأولُ وهو ((لكم)) و ((مِنْ ما مَلَكَتْ)): يجوزُ
أَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ مِنْ ((شركاءَ» لأنه في الأصل نعتُ نكرةٍ، قُدَّم
عليها. والعاملُ فيه العاملُ في هذا الجارِّ الواقع خبراً. والخبرُ مقدرُ بعد
المبتدأ، و((في ما رَزَقْناكم) متعلَّقٌ بشركاء. [وما في ((ممَّا)) بمعنى النوع](٢)
تقديرُ ذلك كلِّه: هل شركاءُ فيما رَزَقْناكم كائنون مِن النوع الذي مَلَكِنْه أَيْمانُكم
مستقِرُّون لكم. فكائنون هو الوصفُ المتعلِّقُ به ((ممَّا مَلَكَتْ)) ولَمَّا تقدَّم صار
حالاً، و ((مستقُّون» هو الخبرُ الذي تعلَّق به ((لكم)).
والثاني: أنَّ الخبرَ «ممَّا مَلَكَتْ)) و ((لكم)) متعلُّقٌ بما تَعَلَّق به الخبرُ،
أو بمحذوفٍ على أنه حالٌ مِنْ ((شركاء)) أو بنفس ((شركاء)» كقولك: ((لك في
الدنيا مُحِبٌّ)) فـ((لك)) متعلقٌ بـ مُحِبّ. و((في الدنيا)» هو الخبرُ.
قوله: ((فأنتم فيه سواء)» هذه الجملةُ جوابُ الاستفهامِ الذي بمعنى
النفي، و((فيه)) متعلُّقٌ بـ ((سَواء)).
قوله: ((تَخافونهم)» فيه وجهان، أحدهما: أنها خبرٌ ثانٍ لـ أنتم. تقديرُه:
(١) أن تسبق بنفي أو استفهام، وأن تدخل على نكرة.
(٢) ما بين معقوفين لم يظهر في مصورة الأصل، أثبتناه من ش.
٤١

- الروم -
فأنتم مُسْتَوُوْن معهم فيما رَزَقْناكِم، خائفوهم كخَوْفِ بعضكم بعضاً أيها السادة.
والمرادُ نَفْيُ الأشياء الثلاثة أعني الشِّرْكةَ والاستواءَ مع العبيد وخوفَهم إياهم.
وليس المرادُ ثبوتَ الشركة ونَفْيَ الاستواءِ والخوفِ، كما هو أحدُ الوجهين في
قولك: ((ما تأتينا فتحدِّثْنَا)) بمعنى: ما تأتينا مُحدِّثاً بل تأتينا ولا تحدثنا، بل
المرادُ نفِيُ الجميع كما تقدَّم.
وقال أبو البقاء(١): ((فأنتم فيه سَواءٌ)) الجملةُ في موضع نصبٍ على جوابٍ
الاستفهام أي: ((هل لكم فَتَسْتَوُوا)) انتهى. وفيه نظرٌ؛ كيف جَعَل جملةٌ اسمية
حالَّةٌ محلّ جملةٍ فعلية، ويَحْكُمُ على موضع الاسمية بالنصب بإضمارِ ناصبِ؟
هذا ما لا يجوزُ ولو أنهِ فَسَّر المعنى وقال: إنَّ الفعلَ لوحَلَّ بعدَ الفاءِ لكان
منصوباً بإضمار ((أن)) لكان صحيحاً. ولا بُدَّ أَنْ يُبَيِّنَ أيضاً أنَّ النصبَ على
المعنى الذي قَدَّمْتُه مِنْ نَفْيِ الأشياءِ الثلاثة.
والوجه الثاني: أنَّ((تخافونهم)) في محلِّ نصبٍ على الحال من ضمير
[٧١٢/ أ] الفاعل / في ((سَواء)) أي: فتساوَوْا خائِفاً بعضكم بعضاً مشاركته له في المال.
أي: إذا لم تَرْضَوا أن يشارِكَكم عبيدُكم في المال فكيف تُشرِكون بالله مَنْ هو
مصنوعٌ له؟ قاله أبو البقاء(٢).
وقال الرازي(٣) معنى حسناً، وهو: ((أنَّ بين المَثَلِ والمُمَثَّلِ بِه مشابهةً
ومخالفةٌ. فالمشابهةُ معلومةٌ، والمخالفةُ مِنْ وجوه: قوله: ((مِنْ أنفسكم)) أي:
مِنْ نَسْلِكْم مع حقارةِ الأنْفس ونَقْصِها وعَجْزِها، وقاسَ نفسَه عليكم مع جلالتِها.
وعظمتِها وقُدْرَتِها. قوله: ((ممَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكم)) أي: عبيدِكم والمِلْكُ طارىءٍ(٤).
(١) الإِملاء ١٨٦/٢.
(٢) الإملاء ١٨٦/٢.
(٣) البحر ١٧٠/٧ .
(٤) الأصل: ((طارِ)).
٤٢
٠٠

- الروم -
قابلٌ للنقلِ بالبيع وللزوالِ بالعِثْقِ، ومملوكُه تعالى لا خروجَ له عن المِلْكِ،
فإذا لم يَجُزْ أَنْ يُشْرِكَكم مملوكُكُم، وهو مِثْلُكم إذا تحرَّرَ مِنْ جميعِ الوجوهِ،
ومثلُكم في الآدميَّةِ حالةَ الرِّق فكيف يُشْرَكُ باللَّهِ تعالى مملوكُه(١) مِنْ جميع
الوجوهِ، المباينُ له بالكلية؟ وقوله: ((فيما رَزَقْنَاكم)) يعني أنه ليس(٢) لكم في
الحقيقة، إنما هو لله تعالى ومَنْ رَزَقه حقيقةً. فإذا لم يَجُزْ أَنْ يَشْرَكَكم فيما هو
لکم، من حیث الاسمُ، فکیف یکون له تعالى شريكٌ فیما له من جهة
الحقيقة؟)) انتهى وإنما ذكرْتُ هذا المعنى مَبْسوطاً لأنَّه مبِيِّنٌ لِما ذكرته مِنْ وجوهِ
الإِعراب.
وقوله: ((كَخِيْفَتِكم)) أي: خِيْفَةً مثلَ خِيْفتكم. والعامّةُ على نصب
(أنفسَكم)) لأنَّ المصدرَ مضافٌ لفاعلِه. وقرأ(٣) ابن أبي عبلة بالرفع على إضافةٍ
المصدرِ لمفعولِه. واستقبح بعضهُم هذا إذا وُجِد الفاعلُ. وقال بعضُهم: ليس
بقبيحٍ بل يجوزُ إضافته إلى كلٍ منهما إذا وُجدا. وأنشد(٤):
٣٦٤٩- أَفْنَى تِلادي وما جَمَّعْتُ مِنْ نَشَبٍ
قَرْعُ القواريزِ أفواهَ الأباريقِ
بنصب «الأفواه)) ورَفْعِها.
قوله: ((كذلك نُفَصِّل)) أي: مثلَ ذلك التفصيلِ البَيِّنِ نُفَصِّل. وقرأ(٥)
(١) البحر: فكيف يشرك الله مملوكه.
(٢) البحر: أن الميسِّر لكم.
(٣) البحر ١٧١/٧ .
(٤) تقدم برقم ١٣٦٠.
(٥) البحر ١٧١/٧، والسبعة ٥٠٧، وقال: ((عياش عن أبي عمرو)) ولعله العباس
ابن الفضل.
٤٣

- الروم -
أبو عمرو في رواية ((يُفَصِّلُ)) بياء الغيبة رَدًّا على قوله: ((ضَرَبَ لكم)). والباقون
بالتكلم رَدًّا على قوله: ((رَزَقْناكم)).
آ. (٣٠) قوله: ﴿حَنِيفاً﴾: حالٌ مِنْ فاعل ((أَقِمْ)) أو مِنْ مفعولِه
أو مِن («الدِّين)).
قوله: ((فِطْرَةَ الله)) فيه وجهان، أحدهما: أنه مصدرٌ مؤكِّدُ لمضمون
الجملة كقوله: ((صِبْغَةَ اللَّهِ)(١) و ((صُنْعَ الله))(٢). والثاني: أنه منصوبٌ بإضمارٍ
فِعْل. قال الزمخشري (٣): ((أي: الزموا فطرةَ الله، وإنما أَضْمَرْتُه عَلَى خطابٍ
الجماعة لقوله: ((مُنِبْن إليه)). وهو حالُ من الضمير في ((الزَموا)). وقولُهِ:
((واتَّقوه، وأقيموا، ولا تكونوا)) معطوفٌ على هذا المضمر)). ثم قال: ((أو عليكم
فطرة)). ورَدَّه الشيخُ(٤): ((بأنَّ كلمةَ الإِغراءِ لا تُضْمَرُ؛ إذ هي عِوَضٌ عن
الفعلِ، فلو حَذَفْتَها لَزِمَ حَذْفُ العِوَضِ والمُعَوَّضِ منه. وهو إحجافٌ)). قلت:
هذا رأيُ البصريين. وأمَّا الكسائيُّ وأتباعُه فُجيزون ذلك.
آ. (٣١) قوله: ﴿مُنِيْبِين﴾: حالٌ مِنْ فاعل ((الزموا)» المضمرِ كما
تقدَّم، أو مِنْ فاعل ((أَقِمْ)) على المعنى؛ لأنَّه ليس يُرادُ به واحدٌ بعينه، إنما
المرادُ الجميعُ. وقيل: حالٌ من الناس إذا أُريد بهم المؤمنون .. وقال
الزجَّاجِ(٥): ((بعد قوله: وَجْهَكَ)) معطوفٌ محذوف تقديره: فأقمْ وجهَك وأمتك.
فالحالُ من الجميع. وجاز حَذْفُ المعطوفِ لدلالةِ ((مُنيبين» عليه كما جاز حَذْفُه
(١) الآية ١٣٨ من البقرة.
(٢) الآية ٨٨ من النمل.
(٣) الكشاف ٢٢٢/٣.
(٤) البحر ١٧١/٧ .
(٥) معاني القرآن ١٨٥/٤.
٤٤

- الروم -
في قوله: ((يا أيُّها النبيُّ))(١) أي: والناسُ لدلالة ((إذا طَلَّقْتم)) عليه. كذا زعم
الزجَّاج في ((يا أيُّها النبيُّ)). وقيل: على خبرٍ كان أي: كونوا مُنِيبين؛ لدلالة
قوله: «ولا تكونوا)).
آ. (٣٢) قوله: ﴿فَرِحُون﴾: الظاهر أنَّه خبرُ ((كلُّ حِزْب)) وجَوَّزَ
الزمخشريُّ (٢) أَنْ يرتفعَ صفةً لـ((كل)) قال: ((ويجوز أن يكونَ ((من الذين))
منقطعاً مَمَّا قبله. ومعناه: من المفارقين دينهم كلّ حزب فَرِحین بما لديهم،
ولكنه رَفَع فرحين وصفاً لـ ((كل)) كقوله(٣):
٣٦٥٠- وكلُّ خليلٍ غيرُ هاضمِ نَفْسِهـ
قال الشيخ (٤): ((قَدَّر أولا ((فرحين)) مجروراً صفةٌ لـ حِزْب ثم قال: ولكنه
رُفِع على الوصف لـ ((كل)) لأنك إذا قلتَ: (مِنْ قومِك كلُّ رجلٍ صالح)) جاز
في ((صالح)) الخفضُ نعتاً لرجل وهو الأكثر، كقوله(٥):
٣٦٥١- جادَتْ عليه كلُّ عينٍ ثَرَّةٍ
فَتَّرَكْنَ كلَّ حديقةٍ کالدِّرْهمِ
وجاز الرفعُ نعتاً لـ ((كل)) كقوله(٦):
(١) الآية ١ من الطلاق.
(٢) الكشاف ٢٢٢/٣.
(٣) تقدم برقم ٥٨٠.
(٤) البحر ١٧٢/٧ .
(٥) تقدم برقم ٢٤٨ .
(٦) البيت لابن أحمر وهو في الكتاب ٢٧٢/١ واللسان هوج. ولهت: حَنَّتْ. شبَّه
صوت الريح المعصفة الشديدة بصوت الناقة التي حَنَّت إلى ولدها المفقود. والزبر:
الإِحکام.
٤٥

- الروم -
٣٦٥٢ - وَلِهَتْ عِليه كلُّ مُعْصِفَةٍ
هُوْجَاءُ ليسْ لِلْبُّها: زَبْرُ
برفع ((هوجاء)) صفةً لـ ((كل)). انتهى. وهو تقريرٌ حسنٌ.
آ. (٣٣) قوله: ﴿إِذا فريقٌ﴾: هذه ((إذا)» الفجائيةُ وقعَتْ جوابَ
[٧١٢/ب] الشرطِ لأنها كالفاء في أنها للتعقيبِ، ولا تقع أولَ / كلامٍ ، وقد تجامِعُها الفاءُ
زائدةً(١).
آ. (٣٤) قوله: ﴿لِيَكْفُرُوا﴾: يجوز أن تكونَ لامَ كي، وأَنْ
تكونَ لامَ الأمرِ، ومعناه التهديدُ نحو: ((اعْمَلوا ما شِئْتُمْ))(٢).
قوله: ((فَتَمَتَّعُوْ) قرأ العامَّة بالخطاب فيه وفي ((تَعْلِمون)). وأبو العاليةِ(٣)
بالياء فيهما، والأولُ مبنيٌّ للمفعول. وعنه ((فَيَتَمَتَّعوا)) بياءٍ قبل التاء. وعن
عبد الله ((فَلْيَتْمَتعوا)) بلامِ الأمر.
آ. (٣٥) قوله: ﴿سُلْطاناً﴾: أي: بُرْهاناً وحُجَّة. فإنْ جَعَلْنَاه
حقيقةً كان ((يتكلم)) مجازاً، وإنْ جَعَلْناه حقيقةً كان ((يتكلم)) مجازاً، وإنْ جَعَلْناه
على حذف مضاف أي: ذا سلطان كان ((يتكلّم)) حقيقةً. وقال أبو البقاء (٤) هنا:
((وقيل: هو جمعُ سَلِيْطٍ كـ رَغِيف ورُغْفان)) انتهى. وهذا لا يجوزُ لأنه كان ينبغي
أَنْ يُقال: فهم يتكلمون. و((فهو يتكلمُ)) جوابُ الاستفهام الذي تضمِّنَتْه ((أم))
المنقطعةُ.
(١) عقد ابن هشام في المغني ٢٢١ فصلاً للحديث عن هذه الفاء وهي ما بين زائدة
وعاطفة وسببية .
الآية ٤٠ من فصلت.
(٢)
(٣) انظر في قراءاتها: المحتسب ١٦٣/٢، والبحر ١٧٣/٧، والقرطبي ٣٣/١٤.
(٤) الإملاء ١٨٦/٢.
٤٦

- الروم -
آ. (٣٩) قوله: ﴿لِيَرْبُوَ﴾: العامَّةُ على الياءِ مِنْ تحتُ مفتوحةً،
أسند الفعلَ لضمير الرِّبا أي: ليزدادَ. ونافع(١) بتاءٍ مِنْ فوقُ مضمومةً خطاباً
للجماعة. فالواوُ على الأولِ لامُ كلمة، وعلى الثاني كلمةُ ضميرٍ لغائبين(٢).
وقد تقدَّمتْ قراءتا ((آتيتم)) بالمدِّ والقصرِ في البقرة(٣).
قوله: ((المُضْعِفُوْن)) أي: أصحابُ الأضعاف. قال الفراء(٤): ((نحو
مُسْمِن، ومُعْطِش أي: ذي إِبِل سمانٍ وإيل عِطاش)). وقرأ(٥) أُبَيَّ بفتح
العين، جعله اسمَ مفعولٍ.
وقوله: ((فأولئك هم)) قال الزمخشري(٦): ((التفاتٌ حسن، كأنه [قال](٧)
لملائكته: فأولئك الذين يريدون وجهَ اللَّهِ بصدقاتِهم هم المُضْعِفون.
والمعنى: هم المُضْعِفُون به؛ لأنه لا بُدَّ مِنْ ضميرٍ يَرْجِعُ إلى ما)) انتهى. يعني
أنَّ اسم الشرط متى كان غيرَ ظرفٍ وَجَبَ عَوْدُ ضميرٍ من الجواب عليه. وتقدَّم
ذلك في البقرة عند قوله: ((قل مَنْ كان عَدُوًّاً لجبريل))(٨) الآية. ثم قال:
(١) (لِتُرْبُوْ)) السبعة ٥٠٧، والنشر ٣٤٤/٢، والحجة ٥٥٩، والبحر ١٧٤/٧،
والقرطبي ٣٩/١٤، والتيسير ١٧٥ .
(٢) قال ابن زنجلة في الحجة: ((وفاعل الربا القوم الذين خوطبوا. المعنى: لتُرْبوا أنتم
أي: تعطون العطية لتزدادوا بها أنتم)) وحجته أنها كتبت في المصاحف بألف بعد
الواو.
(٣) انظر: الدر المصون ٤٧٤/٢، قرأ الجمهور بالمدِّ وَقَصَرَ ابن كثير.
(٤) معاني القرآن ٣٢٥/٢، قال الفراء: ((كما تقول العرب أصبحتم مُسْمِنين مُعْطِشين إذا
عَطِشَتْ إبلهم أو سَمِنت)).
(٥) الشواذ ١١٦، منسوبة لمحمد بن كعب، والبحر ١٧٤/٧ .
(٦) الكشاف ٢٢٤/٣.
(٧) من الكشاف.
(٨) الآية ٩٨ من البقرة.
٤٧

- الروم -
((ووجهٌ آخرُ: وهو أَنْ يكونَ تقديرُه: فَمُؤْتُوْه فأولئك هم المُضْعَفُون. والحَذْفُ
لِما في الكلامِ مِن الدليلِ عليه. وهذا أسهلُ مَأْخَذاً، والأولُ أمْلًّا بالفائدة)).
آ. (٤٠) قوله: ﴿اللَّهُ الذي خَلَقَكم): يجوز في خبر الجلالة
وجهان، أظهرهما: أنه الموصولُ بعدها. الثاني: أنه الجملةُ مِنْ قولِه ((هل مِنْ
شركائِكم مَنْ يَفْعَلُ)) والموصولُ صفةٌ للجلالة. وقَدِّر الزمخشري(١) الرابط بين
المبتدأ والجملةِ الواقعةِ خبراً فقال: ((وقوله: ((مِنْ ذلكم)) هو الذي رَبَطِ الجملةَ
بالمبتدأ؛ لأنَّ معناه مِنْ أفعاله)). قال الشيخ(٢): ((والذي ذكره النحويون أنَّ اسمَ
الإشارةِ يكون رابطاً إذا أُشيرَ به إلى المبتدأ، وأمَّا ((ذلك)) هنا فليس إشارةً إلى
المبتدأ لكنه شبيه بما أجازه الفراءُ مِن الربطِ بالمعنى، وخالفه الناسُ، وذلك في
قوله: ((والذين يُتَوَفَّون منكم ويَذَرُوْن أزواجاً يتربَّصْن))(٣) قال(٤): ((التقدير:
يتربَّصُ أزواجُهم)). فقدر الرَّبْط بمضافٍ إلى ضميرٍ الذين فحصل به الربطُ،
كذلك قدَّر الزمخشريُّ ((من ذلكم)): ((مِنْ أفعالِه)) بمضافٍ إلى الضميرِ العائد
إلى المبتدأ)).
قوله: ((مِنْ شركائِكم)) خبرٌ مقدمٌ و ((مِنْ)) للتبعيض. و «مَنْ يَفْعَلُ)) هو
المبتدأ و ((مِنْ ذلكم)) متعلَّقُ بمحذوفٍ لأنه حالٌ مِنْ («شيء)) بعده؛ فإنَّه في
الأصل صفةٌ له. و((مِنْ)) الثالثةُ(٥) مزيدةٌ في المفعولِ به؛ لأنه في حَيِّزِ النفي
المستفادِ من الاستفهام. والتقدير: ما الذي يَفْعَلُ شيئاً مِنْ ذلكم مِنْ شركائكم.
(١) الكشاف ٢٢٤/٣.
(٢) البحر ٧/ ١٧٥ .
(٣) الآية ٢٣٤ من البقرة.
(٤) قدَّر في معاني القرآن ١٥٠/١: ((ومن مات عنها زوجها تربَّصت فترك الأول بلا خبر
وقُصد الثاني؛ لأن فيه الخبر والمعنى)).
(٥) في قوله ((مِنْ شيء)).
٤٨

- الروم -
وقال الزمخشري(١): ((ومِنْ الأولى والثانية(٢) كلُّ واحدةٍ مستقلةٌ بتأكيدٍ لتعجيز
شركائهم وتجهيل عَبْدَتهم)). قال الشيخ (٣): ((ولا أَدْري ما أراد بهذا الكلام؟))
وقرأ(٤) الأعمش ((تُشْرِكون)) خطاباً.
آ. (٤١) قوله: ﴿بما كَسَبَتْ﴾: أي بسببٍ كَسْبهم. والباءُ
متعلقةٌ بـ ((ظَهَر))، أو بنفس الفساد، وفيه بُعْدُ.
قوله: ((لِيُذِيقَهم)) اللامُ للعلةِ متعلقةٌ بـ ((ظهر)». وقيل: بمحذوفٍ أي:
عاقبهم بذلك لِيُذِيقَهم. وقيل: اللامُ للصيرورةِ. وقرأ(٥) قنبل ((لنُذِيْقَهم)) بنون
العظمة. والباقون بياء الغيبة.
آ. (٤٣) قوله: ﴿لا مَرَدَّ له﴾: المَرَدُّ مصدر رَدَّ. و ((مِن الله))
يجوز أن يتعلَّقَ بـ يأتي أو بمحذوفٍ يدلُّ عليه المصدر أي: لا يَرُدُّهُ من الله
أحدٌ. ولا يجوز أن يعملَ فيه ((مَرَدّ» لأَنَّه كان ينبغي أَنْ يُنَوَّنَ؛ إذ هو من قبيل
المطوّلات(٦).
(١) الكشاف ٢٢٤/٣.
(٢) عبارة الكشاف: والثالثة.
(٣) سقط هذا القول من مطبوعة البحر. وقد يكون عدمُ فهم أبي حيان لعبارة
الزمخشري مَرَدُّه تصحيف أو تحريف وقع في نسخة ((الكشاف)) التي يقرأ فيها، حيث
إن ((مِنْ)) عنده زائدة للتأكيد في المواضع الثلاثة .
(٤) وهي قراءة حمزة والكسائي أيضاً. انظر: الإتحاف ٣٥٨/٢، والحجة ٥٥٩، والنشر
٢٨٢/٢، والبحر ١٧٦/٧ .
(٥) وهي أيضاً رواية عن شبل عن ابن كثير. انظر: السبعة ٥٠٧، والنشر ٣٤٥/٢،
والبحر ١٧٦/٧، والقرطبي ٤١/١٤، والحجة ٥٦٠، والتيسير ١٧٥ .
(٦) أي الشبيه بالمضاف.
٤٩

- الروم -
آ. (٤٤) قوله: ﴿فعليه كُفْرُه﴾: و((فلانْفسِھم يَمْهَدون)) تقدیم
الجارَّيْنِ يُفيد الاختصاصَ بمعنى: أن ضَرَرَ كفرِ هذا ومنفعةَ عملٍ هذا
لا يتعدَّاه.
آ. (٤٥) قوله: ﴿لَيَجْزِيَ﴾: في متعلَّقِه أوجهٌ، أحدها:
(يَمْهدون)». والثاني ((يَصَّدَّعون)»، والثالث محذوف. قال ابن عطية(١): «تقديره
ذلك ليجزيّ. وتكون الإِشارةُ إلى ما تقرر مِنْ قوله ((مَنْ كفر)) و((مَنْ عمل)) ..
وجعل الشيخُ(٢) قسيمَ قوله ((الذين آمنوا وعملوا)) محذوفاً لدلالة قوله: ((إنه
لا يُحِبُّ الكافرين)) عليه. هذا إذا عَلَّقْنا اللام بـ((يَصَّدَّعون)) أو بذلك المحذوفِ
قال: ((تقديرُه ليجزيَ الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ مِنْ فَضْلِه والكافرين
بعَذْلِه)).
[٧١٣/أ]
آ. (٤٦) قوله: ﴿الرياحَ﴾: قرأ العامَّةُ ((الرياح)) جمعاً / لأجل.
مبشِّراتٍ. والأعمش (٣) بالإِفراد، وأراد الجنس لأجلِ ((مبشِّرات)).
قوله: ((ولِيُذِيْقَكم)) إمَّا عطفٌ على معنى ((مُبَشِّرات))؛ لأنَّ الحالَ والصفةً
يُفْهِمان العلةَ، فكأنَّ التقديرَ: ليبشِّرَ وليذيقَكم، وإِمَّا أَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ،
أو (٤) وليذيقَكم أرسلها، وإمَّا أَنْ تكون الواوُ مزيدةً على رأيٍ، فتعلَّقَ اللامُ
بـ ((أَنْ يُرْسِلَ)).
آ. (٤٧) قوله: ﴿وكان حَقّاً﴾: بعضُ الوَقَفَةِ يقف على ((حقاً)
ويَبْتدِىء بما بعدَه، يجعلُ اسمُ كان مضمراً فيها و ((حقاً» خبرُها. أي: وكان
(١) المحرر ٢٦٧/١٢.
(٢) البحر ١٧٧/٧.
(٣) البحر ١٧٨/٧.
(٤) كذا في الأصل لعلها ((أي)).
٠٠

- الروم -
الانتقامُ حقاً. قال ابن عطية (١): ((وهذا ضعيفٌ؛ لأنه لم يَدْرِ قَدْرَ ما عَرَضَه في
نَظْمِ الآية)) يعني الوقفَ على ((حَقًّاً). وجعل بعضُهم ((حَقًّاً» منصوباً على
المصدر، واسمُ كان ضميرُ الأمرِ والشأن، و((علينا)) خبرٌ مقدمٌ، و((نَصْرُ)) مبتدأ
مؤخرٌ. وبعضُهم جَعَلَ ((حقًا)) منصوباً على المصدر أيضاً، و((علينا)) خبرٌ مقدم،
و (نَصْرُ)) اسمٌ مؤخر. والصحيحُ أنَّ (نَصْر)) اسمها، و((حَقّاً) خبرُها، و ((علينا))
متعلقٌ بـ ((حَقاً)) أو بمحذوفٍ صفةٌ له.
آ .. (٤٩) قوله: ﴿مِنْ قَبْلِه﴾: فيه وجهان، أحدهما: أنه تكريرٌ
لـ ((مِنْ قبلِ)) الأولى على سبيلِ التوكيد. والثاني: أَنْ يكونَ غيرَ مکررٍ. وذلك
أن يُجعلَ الضميرُ في ((قَبْله)) للسحاب. وجاز ذلك لأنه اسمُ جنسٍ يجوز تذكيرُه
وتأنيثُه، أو للريح، فتتعلَّقُ ((مِنْ)) الثانيةُ بـ ((يُنْزِّل)). وقيل: يجوزُ عَوْدُ الضمير
على ((كِسَفا)) كذا أطلق أبو البقاء(٢). والشيخ(٣) قَيَّده بقراءةٍ مَنْ سَكَّن السين.
وقد تقدَّمَتْ قراءاتُ ((كِسَفًا) في ((سبحان))(٤). وللناس في هذا الموضعِ كلامٌ
كثيرٌ رأيتُ ذِكْرَه لتوضيحِ معناه.
وقد أبْدى كلَّ من الشيخَيْن: الزمخشريِّ وابنٍ عطية فائدةَ التأكيدِ
المذكور. فقال ابن عطية(٥): ((أفادَ الإِعلامَ بسرعةٍ تَقَلَّب قلوبِ البشر من
الإِبلاسِ إلى الاستبشار؛ وذلك أن قوله ((مِنْ قبلِ أَنْ يُنَزِّل عليهم)) يحتملُ
الفُسْحَةَ في الزمانِ، أي: من قبلِ أَنْ يُنْزِّل بكثيرٍ كالأيّامِ ونحوِهِ فجاء ((مِنْ
قبله))، بمعنى أنَّ ذلك متصلٌ بالمطر فهو تأكيدٌ مفيدٌ».
(١) المحرر ٢٦٨/١٢.
(٢) الإملاء ١٨٧/٢.
(٣) البحر ١٧٨/٧ وهو مذهب ابن عطية في المحرر ٢٦٨/١٢.
(٤) انظر: المحرر ٤٠٩/٧ .
(٥) المحرر ٢٦٩/١٢.
٥١

- الروم -
وقال الزمخشري (١): ((ومعنى التوكيد فيه الدلالةُ على أن عَهْدَهم بالمطرِ
قد بَعُدَ فاسْتحكم يَأْسُهم وتمادَى إِبْلاسُهم، فكان استبشارُهم على قَدْرِ
اغتمامهم بذلك)». وهو كلامٌ حسنٌ.
إلَّ أنَّ الشيخَ لم يُرْتَضِه منهما فقال(٣): ((ما ذكراه من فائدةِ التأكيدِ(٣) غيرُ
ظاهرٍ، وإنما هو لمجرَّدِ التوكيد ويُفيد رَفْعَ المجازِ فقط)). انتهى. ولا أدري عدمُ
الظهور لماذا؟ وقال قطرب: ((وإنْ كانوا مِنْ قبلِ التنزيل مِنْ قبل المطر. وقيل:
التقديرُ مِنْ قبلِ إنزالِ المطرِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَزْرعوا. ودَلَّ المطرُ على الزرع؛ لأنه
يَخْرج بسببِ المطر. ودلَّ على ذلك قولُه ((فَرَأَوْهِ مُصْفَرًّاً) يعني الزرعَ. قال
الشيخ (٤): ((وهذا لا يَسْتقيم؛ لأنَّ ((مِنْ قبل أَنْ يُنَزِّلَ)) متعلِّقٌ بـ((مُبْلِسِيْن))
ولا يمكن مِنْ قَبْل الزَّرْعِ أَنْ يتعلَّقَ بمُبْلِسين؛ لأنَّ حرفَيْ جرّ لا يتعلَّقان بعاملٍ.
واحدٍ إلَّ بوساطةِ حرفِ العطف أو البدلِ، وليس هنا عطفٌ والبدلُ لا يَجوزِ؛
إذ إنزالُ الغيثِ ليس هو الزرعَ ولا الزرعُ بعضَه. وقد يُتَخَّلُ فيه بدلُ الاشتمالِ
بتكلّفٍ: إمَّا لاشتمالِ الإِنزالِ على الزَّرْع، بمعنى: أنَّ الزرعَ يكون ناشِئاً عن
الإِنزال، فكأن الإِنزالَ مُشْتمِلٌ عليه. وهذا على مذهبٍ مَنْ يقول: الأولُ مشتملٌ
على الثاني)».
وقال المبردُ: ((الثاني السحابُ؛ لأنهم لَمَّا رَأَوْا السحابَ كانوا راجين
المطرَ)) انتهى. يريد مِنْ قبل رؤيةِ السحاب. ويحتاج أيضاً إلى حَرْفِ عطفٍ
ليصِحَّ تعلُّقُ الحرفين بـ (مُبْلِسين)). وقال الرمَّاني: ((من قبلِ الإِرسال)).
(١) الكشاف ٢٢٦/٣.
(٢) البحر ١٧٩/٧.
(٣) أي: في قوله: ((من قبله)).
(٤) البحر ١٧٩/٧.
٥٢

- الروم -
والكرماني: ((من قَبْلِ الاستبشارِ؛ لأنه قَرَنه بالإِبلاس، ولأنه مَنَّ عليهم
بالاستبشار)). ويحتاج قولُهما إلى حرفِ العطفِ لِما تقدَّم، وادِّعاءُ حرفِ العطفِ
ليس بالسهلِ ؛ فإِنَّ فيه خلافاً: بعضُهم يَقيسُه، وبعضُهم لا يقيسه. هذا كلُّه في
المفردات. أمَّا إذا كان في الجمل فلا خلافَ في اقتياسِه .
آ. (٥٠) قوله: ﴿إلى آثارٍ﴾: قرأ(١) ابن عامر والأخوان وحفص
بالجمع، والباقون بالإِفراد. وسلام بكسرِ الهمزة وسكون الثاء، وهي لغةٌ فيه.
وقرأ العامَّةُ ((كيف يُحْيِي)) بياء الغَيْبة أي: أثر الرحمة فيمَنْ قرأ بالإِفراد،
ومَنْ قرأ بالجمع فالفعلُ مسندٌ لله تعالى، وهو مُحْتَمَلٌ في الإِفراد أيضاً.
والجحدري(٢) وأبو حيوة وابن السَّمَيْفع ((تُحْيي)) بتاء التأنيث. وفيها تخريجان،
أظهرهما: أنَّ الفاعلَ عائدٌ على الرحمة. والثاني قاله أبو الفضل: عائدٌ على
أثر، وأَنَّثَ ((أَثر)) لاكتسابه بالإِضافةِ التأنيثَ، كنظائرَ له تقدَّمَتْ(٣). ورُدَّ عليه:
بأن شرطَ ذلك كَوْنُ المضافِ بمعنى المضاف إليه، أو مِنْ سببِه لا أجنبياً، وهذا
أجنبيٌّ. و((كيف يُحْيِي)) مُعَلِّقٌ لـ (انظرْ)) فهو في محلٌّ نصب على / إسقاطِ [٧١٣/ب]
الخافضِ. وقال أبو الفتح: ((الجملةُ مِنْ ((كيف يُحْيي)» في موضعِ نصبٍ على
الحال حَمْلًا على المعنى)). انتهى وكيف تقع جملةُ الطلب حالاً؟
آ. (٥١) قوله: ﴿فَرَأَوْه﴾: أي: فَرَأَوْا النباتَ، لدلالة السياق
عليه، أو على الأثر؛ لأنَّ الرحمةَ هي الغيث، وأثرُها هو النبات. وهذا ظاهرٌ
على قراءةِ الإِفراد، وأمَّا على قراءة الجمع فيعودُ على المعنى. وقيل: الضمير
(١) السبعة ٥٠٨، والقرطبي ١٤ /٤٥، والبحر ١٧٩/٧، والتيسير ١٧٥، والحجة
٥٦١، والنشر ٣٤٥/٢.
(٢) المحتسب ١٦٥/٢، والقرطبي ٤٥/١٤، والبحر ١٧٩/٧.
(٣) كقولهم: ((ذهبَتْ أهلُ اليمامة)).
٥٣

- الروم-
السَّحابِ. وقيل: للريح. وقرأ(١) جناح بن حبيش ((مُصْفارًا)) بألفٍ. و ((لَظَلُوا))
جوابُ القسمِ الموطَّأ له بـ ((لَئِنْ))، وهو ماضٍ لفظاً مستقبلٌ معنى كقوله:
((ما تَبِعُوا قِبْلَتَك))(٢).
وتقدَّم الكلامُ على نحوِ ((فإنَّكَ لا تُسْمِعُ)) إلى آخره في الأنبياء(٣) وفي
النمل(٤)، وكذلك في قراءَتَيْ ((ضعف)) وما الفرقُ بينهما في الأنفال(٥)؟.
والضميرُ في ((مِنْ بعدِه)) يعودُ على الاصفرارِ المدلولِ عليه بالصفة
کقوله(٦):
٣٦٥٣- إذا نُهِي السَّفيهُ جَرَى إِليه
أي: إلى السَّفَهِ لدلالة ((السَّفيه)) عليه.
آ. (٥٥) قوله: ﴿ما لَبِثُوا﴾: جوابُ قولِه «يُقْسِم)) وهو على
المعنى، إذ لوحُكي قُولُهم بعينِه لقيل: ما لَبِثْنا. و((كذلك)) أي: مِثْلَ ذلك
الإِفك كانوا يُؤُفَكون.
آ. (٥٦) قوله: ﴿في كتاب الله﴾: الظاهرُ أنه متعلِّقٌ بـ ((لَبِشْتَمْ))
بمعنى فيما وَعَدَ به في كتابه من الحشرِ والبعث. وقال قتادة: على التقديم
(١) الشواذ ١١٦، والبحر ١٧٩/٧.
(٢) الآية ١٤٥ من البقرة.
(٣) انظر إعرابه للآية ٤٥.
(٤) انظر إعرابه للآية ٨٠.
(٥) قرأ عاصم وحمزة بفتح الضاد والباقون بضمها. وعن حفص خلاف في الروم.
انظر: الدر ٦٣٦/٥
(٦) تقدم برقم ١٣٨٧ .
٥٤

- الروم -
والتأخيرٍ، والتقدير: ((وقال الذين أُوْتُوا العلم في كتابِ الله لقد لَّبِثْتُمْ، و((في))
بمعنى الباء أي: العلم بكتاب الله. وصدورُه عن قتادةَ بعيدٌ.
والعامَّةُ على سكون عَيْن ((البعث)). والحسنُ(١) بفتحها. وقُرِىء
بكسرِها. فالمكسورُ اسمٌ، والمفتوحُ مصدرٌ.
قوله: ((فهذا يومُ)) في الفاءِ قولان، أظهرهما: أنها عاطفةٌ هذه الجملةَ
على ((لَقَدْ لَبِْتُمْ)). وقال الزمخشري(٢): ((هي جوابُ شرطٍ مقدرٍ كقوله(٣):
٣٦٥٤-
فقد چِئْنا خُراسانا
كأنه قيل: إنْ صَحَّ ما قُلتم: إنَّ خراسان أقصى ما يُراد بكم، وآن لنا أن
نَخْلُصَ، وكذلك إنْ كنتم منكرينَ للبعث فهذا يومُ البعث)) ويشير إلى البيت
المشهور وهو:
قالوا: خراسان أقصى ما يُراد بنا
ثم القُفولُ فقد جِثْنا خُراسانا
قوله: ((لا تَعْلَمُوْن)) أي البعثَ أي: ما يرادُ بكم، أو لا يُقَدَّرُ له مفعولٌ
أي: لم يكونوا مِنْ أولي العلم. وهو أبلَغُ.
آ. (٥٧) قوله: ﴿فيومئذٍ﴾: أي: إذ يقعُ ذلك، ويقولُ الذين
أوتوا العلمَ تلك المقالة.
(١) المحتسب ١٦٦/٢، والقرطبي ٤٨/١٤، والبحر ١٨٠/٧.
(٢) الكشاف ٢٢٧/٣ .
(٣) تقدم برقم ٣٤٧٨ .
٥٥

- الروم-
قوله: ((لا يَنْفَعُ)) هو الناصبُ لـ ((يومئذٍ)) قبله. وقرأ الكوفيون(١) هنا وفي
غافر(٢) بالياءِ مِنْ تحتُ. وافقهم نافعٌ على ما في غافر، لأن التأنيثَ مجازيٌّ
ولأنه قد فُصِل أيضاً. والباقون بالتأنيث فيهما مراعاةً لِلَّفْظِ.
قوله: ((ولا هم يُسْتَعْتَبون)) قال الزمخشري (٣): ((مِنْ قولك: اسْتَعْتَبَنِي
فلانٌ فَأَعْتَبْتُه أي: استرضاني فَأَرْضَيْتُه، وكذلك إذا كنتَ جانياً عليه .. وحقيقةٌ
أَعْتَبْتَهِ: أَزَلْتَ عَتْبَه ألا ترى إلى قوله(٤):
٣٦٥٥- غَضِبَتْ تميمٌ أَنْ يُقتُّل عامرٌ
يومَ النسارٍ فَأُعْتِبُوا بِالصَّيْلَمِ
كيف جعلهم غِضاباً؟ ثم قال: ((فَأُعْتِبوا)) أي: أُزيل غَضَبُهم. والغضب
في معنى العَتْبِ. والمعنى: لا يُقال لهم: أرْضُوا ربَّكم بتوبة وطاعةٍ. ومثلُه قولُه
تعالى: «فاليومَ لا يَخْرُجون منها ولا هم يُسْتَعْتَبُون)»(٥) فإنْ قلتَ: كيف جُعِلوا
غيرَ مُسْتَعْتِبين في بعضِ الآيات وغيرَ مُعْتَبين في بعضها، وهو قولُه: ((وإنْ
يَسْتَغْيِبُوا فما هم من المُعْتَبين))(٦). قلت: أمَّا كونُهم غيرَ مُسْتَعْتِبين فهذا معناه،
وأمَّا كونُهم غيرَ مُعْتَبين فمعناه: أنهم غيرُ راضين بما هم فيه، فشُبِّهَتْ حالُهم
بحالٍ قومٍ جُني عليهم فهم عاتِبون على الجاني، غيرُ راضين عنه بما هم
(١) السبعة ٥٠٩، والنشر ٣٤٦/٢، والبحر ١٨١/٧، والتيسير ١٧٦، والقرطبي
١٤ / ٤٩، والحجة ٥٦٢ .
(٢) الآية ٥٢.
(٣) الكشاف ٢٢٧/٣.
(٤)
تقدم برقم ٣١٤٩.
(٥) الآية ٣٥ من الجاثية
(٦) الآية ٢٤ من فصلت:
٥٦

- الروم -
فيه(١). فإنْ يَسْتَعتبوا الله أي يَسْألوه إزالة ما هم فيه فما هم مِن المجابين))
انتھی .
وقال ابن عطية(٢): ((ويَسْتَعْتِبون بمعنى يَعْتِبون كما تقول: يَمْلك
ويَسْتملك. والبابُ في استفعل طلبُ الشيءِ، وليس هذا منه؛ لأنَّ المعنى كان
يَفْسُدُ؛ إذ كان المفهومُ منه: ولا يُطْلَبُ منهم عُتْبِىْ)). قلت: وليس فاسداً لِما
تقدَّم مِنْ قولٍ أبي القاسم.
آ. (٥٨) قوله: ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهم﴾: إنما وُحِّد هنا، وجُمع بعده
في قوله: ((أنتم)) لنكتّةٍ: وهو أنه تعالى أخبر في موضعٍ آخرَ فقال: ((وَلَيْنْ جئتَهم
بكل آية))(٣) أي جاءَتْ بها الرسلُ. فقال الكفار: ما أنتم أيها المدَّعون الرسالةَ
كلُّكم إلّ كذا.
آ. (٥٩) قوله: ﴿كذلك يَطْبَعُ﴾: أي: مثلَ ذلك الطبعِ يطبعُ.
آ. (٦٠) قوله: ﴿ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ﴾: العامَّةُ من الاستخفاف
بخاء معجمة وفاء. ويعقوب (٤) وابن أبي إسحاق بحاءٍ مهملةٍ وقاف من
الاستحقاق. وابن أبي عبلة ويعقوب بتخفيف نون التوكيد. والنهي من باب
قولهم ((لا أُرَيَنَّكَ ههنا).
[تَمَّت بعونه تعالى سورة الروم]
(١) لم يرد قوله: ((بما هم فيه)) في الكشاف.
(٢) المحرر ٢٧٢/١٢ .
(٣) ليس ثمة آية بهذا اللفظ، والآية ١٤٥ من البقرة ((ولئن أتيتَ الذين أوتوا الكتاب بكل
آية ما تبعوا قبلتك)).
(٤) انظر في قراءاتها: النشر ٢٤٦/٢، والإتحاف ٣٦٠/٢، والمحتسب ١٦٦/٢،
والبحر ١٨٢/٧.
٥٧

- لقمان -
سورة لقمان
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (٢) قوله: ﴿الكتاب الحكيم﴾: قيل: فَعيل بمعنى مُفْعَل
وهذا قليلٌ قالوا: أَعْقَدْتُ اللبنَ فهو عَقِيْدٌ أي مُعْقَد، أو بمعنى فاعِل، أو بمعنى
ذي الحِكْمة، أو أصلُه: الحكيم قائلُه، ثم حُذِف / المضافُ وأُقيم المضافُ إليه [٧١٤/أ]
مُقَامَه، وهو الضميرُ المجرورُ، فانقلب مرفوعاً، فاستتر في الصفةِ. قاله
الزمخشري(١) وهو حَسَنُ الصناعةِ .
آ. (٣) قوله: ﴿هدىَّ ورحمةً﴾: العامَّةُ على النصبِ على الحال
مِنْ ((آيات)) والعاملُ ما في اسمِ الإشارةِ من معنى الفعل، أو المدح(٢).
وحمزة(٣) بالرفعِ على خبرِ مبتدأ مضمرٍ. وجَوَّز بعضُهم أَنْ يكونَ ((هدىٌ)»
منصوباً على الحال حالَ رَفْع («رحمة)». قال: ((ويكون رَفْعُها على خبرِ ابتداءٍ
مضمرٍ أي: وهو رحمَةً». وفيه بُعْدُ.
(١) الكشاف ٢٢٩/٣.
(٢) قوله: ((أو المدح)) معطوف على ((الحال)).
(٣) السبعة ٥١٢، والحجة ٥٦٣، والبحر ١٨٣/٧، والتيسير ١٧٦، والقرطبي
٥٠/١٤، والنشر ٣٤٦/٢.
٥٩

- لقمان-
آ. (٤) قوله: ﴿الذين يُقيمون﴾: صفةٌ أو بدلٌ أوبيانٌ لِما قبلَهِ،
أو منصوبٌ أو مرفوعٌ على القطعِ . وعلى كل تقديرٍ فهو تفسيرٌ للإِحسان. وسُئِل
الأصمعيُّ عن الألمعيِّ. فأنشد(١):
٣٦٥٦- الأَلْمَعِيُّ الذي يَظُنُّ بك الظُّـ
ـظَنَّ كأنْ قد رَأَى وقد سمعا
يعني أنَّ الألمعيَّ هو الذي إذا ظَنَّ شيئاً كان كمَنْ رآه وسَمِعه.
كذلك المحسنون هم الذين يُفْعلون هذه الطاعاتِ. ومثلُه: وسُئِل
بعضُهم عن الهَلُوع فلم يَزِدْ أَنْ تلا «إذا مَسَّه الشرُّ جَزُوْعاً وإذا مَسَّه الخيرُ
مُنُوعاً)(٢) .
آ. (٦) قوله: ﴿َهْوَ الحديثِ﴾: من بابِ الإِضافةِ بمعنى ((مِنْ))
لأنَّ اللهو يكون حديثاً وغيره كبابٍ ساجٍ وجُبَّةٍ خَزّ. وقيل: هو على حذف
مضاف أي: يشتري ذَواتِ لَّهْوِ الحديثِ؛ لأنها نزلتْ في مشتري المغنّيات.
والأولُ أبلغُ .
قوله: ((لِيُضِلَّ)) قرأ(٣) ابن كثير وأبو عمروٍ ((لِيَضِلَّ)) بفتح حرفِ المضارعةِ.
والباقون بضمِّه، مِنْ أضَلَّ غيرَه، فمفعولُه محذوفٌ. وهو مُسْتَلْزِمُ للضلالِ؛ لأنَّ
مَنْ أَضَلَّ فقدِ ضَلَّ مِنْ غِيرِ عكسٍ . وقد تقدَّمَ ذلك في سورة إبراهيم (٤). قال
(١) البيت لأوس بن حجر وهو في ديوانه ٥٣، ومعاهد التنصيص ١٤٥/١، والخصائص
٣٠٦/٣. والبيت من المنسرح.
(٢) الآيتان ٢٠، ٢١ من المعارج، ووردتا في الأصل بالتقديم والتأخير. وهو سهو.
(٣) البحر ١٨٤/٧، والتيسير ١٣٤، والقرطبي ٥٦/١٤، والحجة ٥٦٣، والنشر
٢٢٩/٢.
(٤) انظر: الدر المصون ١٠٣/٧.
٦٠