Indexed OCR Text
Pages 581-600
- النمل - قوله: ((ظُلْماً وعُلُوّا)) يجوزُ أَنْ يكونا في موضعِ الحالِ أي: ظالمين عالِين، وأَنْ يكونا مفعولاً مِنْ أجلهما أي: الحامِلُ على ذلك الظُّلْمُ والعُلُوُّ. وقرأ(١) عبد الله وابن وثاب والأعمش وطلحة ((وعِلِيّاً) بكسر العينِ واللامٍ، وقُلْبِ الواوِ ياءً. وقد تقدَّم تحقيقُه في ((عِيًّا)) في مريم(٢). ورُوي عن الأعمش وابن وثاب ضمُّ العين كما في ((عِيّا)). وقرىء(٣) ((وغُلُوَّ) بالغينِ مُعَجَمَةً، وهو قريبٌ من هذا المعنى. قوله: ((كيف كان عاقبةُ)) ((كيف)) خبرً مقدمٌ. و((عاقبةُ)) اسمُها، والجملةُ في محلّ نصبٍ على إسقاطِ الخافضِ ؛ لأنها مُعَلَّقَةٌ لـ ((انْظُرْ)) بمعنى تَفَكَّرْ. آ. (١٥) قوله: ﴿وقالا﴾: قال الزمخشري (٤): فإن قلتَ: أليس هذا موضعَ الفاءِ دونَ الواو كقولك: ((أَعْطَيْتُه فَشَكر)) و ((مَنَعْتُه فَصَبَر))؟ قلت: بلى. ولكنَّ عَطْفَه بالواوِ إشعارٌ(٥) بأنَّ ما قالاه بعضُ ما أَحْدَثَ فيهما إيتاءُ العِلْمِ وشيءٌ من مَواجبِهِ، فأضمرَ ذلك ثُمَّ عَطَفَ عليه التحميدَ، كأنه قال: ولقد آتيناهُما عِلْماً فَعَمِلا به، وعَلَّماه وعَرَفاه حَقَّ مَعْرِفَتِه وقالا: الحمد)) انتهى. وإنما نَكَّر ((عِلْماً) تَعْظيماً له أي: علماً سَنِيّاً، أو دلالةً على التبعيضِ لأنه قليلٌ جداً بالنسبة إلى عِلْمِه تعالى. آ. (١٧) قوله: ﴿من الجنِّ﴾: وما بعدَه بيانٌ لجنودِهِ، فيتعلَّق بمحذوفٍ. ويجوزُ أَنْ يكونَ هذا الجارُّ حالاً، فيتعلَّقُ بمحذوفٍ أيضاً. (١) انظر في قراءات ((وعُلُوّا)): البحر ٥٨/٧، والكشاف ١٣٩/٣. (٢) انظر: الدر المصون ٥٦٩/٧. (٣) ذكرها في الإملاء ١٧٢/٢ من غير نسبة. (٤) الكشاف ١٣٩/٣. (٥) الأصل إشعاراً وهو سهو. ٥٨١ - النمل - قوله: ((يُؤْزَعُون)) أي: يُمْنَعُون ويُكَفُّون. والوَزْعُ: الكَفُّ والِحْسُ، يقال: وَزَعَه يَزَعُهُ فهو وازِعٌ ومَوْزُوْعٍ، وقال عثمان رضي الله عنه: ((ما يَزَُ [٦٩٠/أ] السلطانُ أكثرُ مِمَّا يَزَغُ القرآنُ))(١) وعنه(٢): / ((لا بُدَّ للقاضي مِنْ وَزَغَةٍ))(٣). وقال الشاعر(٤): ٣٥٤٤- ومَن لم يَزَعْه لُبُّه وحَياؤه فليس له مِنْ شَيْبٍ فَوْدَيْه وازِعُ وقوله: ((أَوْزِعْني أَنْ أشكرَ)) بمعنى: أَلْهِمْني، من هذا؛ لأن تحقيقه: اجعلني بحيث أَزَّعُ نفسي عن الكفر. آ. (١٨) قوله: ﴿حتى إذا﴾: في المُغَيًّا بـ ((حتى)) وجهانِ، أحدهما: هو يُوْزَعُونَ؛ لأنَّه مُضَمَّنٌ معنى: فهم يسيرون ممنوعاً بعضُهم مِنْ مفارقةٍ بعضٍ حتى إذا. والثاني: أنَّه محذوفٌ أي: فسارُوا حتى. وتقدَّم الكلامُ(٥) في ((حتى)» الداخلةِ على «إذا» هل هي حرفُ ابتداءٍ أو حرفُ جرّ؟ قوله: ((وادي)) متعلقٌ بـ((أَتَوْا)) وإنما عُدِّيَ بـ ((على)) لأنَّ الواقعَ كذا؛ لأنّهم كانوا محمولِيْنَ على الرِّيح فهم مُسْتَعْلُون. وقيل: هو مِنْ قولِهِم: أَتَيْتُ عليه، إذا اسْتَقْصَيْتَه إلى آخره والمعنى: أنهم قَطّعوا الواديَ كلَّه وبَلَغُوا آخرَه. (١) قال ابن الأثير في النهاية ١٨٠/٥: ((أي من يكفُ عن ارتكاب العظائم مخافة السلطان أكثرُ ممِّنْ يَكْفُّه مخافة القرآن والله تعالی». (٢) الأصل ((وعن)) والتصحيح من ش. (٣) نسبه ابن الأثير في النهاية ١٨٠/٥ للحسن وروايته فيه: ((لا بد للناس مِنْ وَزّعة)» وشرحه بقوله: أي مَنْ يكفُّ بعضهم عن بعض، يعني السلطان وأصحابه)) .. (٤) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٥١/٧. والفَوْد: معظم شعر الرأس مما يلي الأذن. (٥) انظر: الدر المصون ٤٣٦/٣. ٥٨٢ - النمل - ووقف القُراءُ كلُّهم على ((وادٍ)) دونَ ياءٍ اتِّباعاً للرَّسْمِ، ولأنها محذوفةٌ لفظاً لالتقاء الساكنين في الوصلِ، ولأنها قد حُذِفَتْ حيث لم تُحْذَفْ لالتقاءِ الساكنين نحو: ((جابُوا الصخرَ بالواد))(١) فَحَذَفُها وقفاً - وقد عُهِدَ حَذْفُها دونَ التقاء ساكنين - أَوْلَىْ. إِلَّ الكسائيَّ(٢) فإنه وَقَفَ بالياء قال: ((لأنَّ المُوْجِبَ للحذفِ إنما هو التقاءُ ساكنين بالوصلِ، وقد زالَ فعادَتِ اللامُ»، واعتَذَر عن مخالفةِ الرسمِ بقوةِ الأصلِ . والنَّمْلُ اسمُ جنسٍ معروفٌ، واحده نَمْلة، ويقال: نُمْلَة ونُمْلٌ بضمِّ النونِ وسكونِ الميم، ونُمُلَةٌ ونٌمُّلٌ بضمهما ونَمُلَة بالفتح والضم، بوزن سَمُرة، ونَمُل بوزن رَجُل. واشتقاقُه من التنمُّلِ لكثرةِ حركتِه. ومنه قيل للواشي: المُنْمِل، يقال: أَنْمَلَ بين القومِ يُنْمِلُ أي: وَشَىْ، وتَمَّ لكثرةِ تَرَدُّدِه وحركتِه في ذلك، قال(٣): ٣٥٤٥_ ولَسْتُ بذي نَيْرَبٍ فِيهِمُ ولا مُنْمِشٍ فيهمُ مُنْمِلُ ويقال أيضاً: نَمَلَ يَنْمُلُ فهو نَمِل ونَمِّال. وتَنَمَّل القوم: تفرَّقوا للجمع تفرُّقَ النملِ. وفي المثل: ((أجمعُ مِنْ نملة))(٤). والنَّمْلَةُ أيضاً: فُرْجَةً تخرج في الجَنْب تشبيهاً بها في الهيئة، والنَّمْلَة أيضاً: شَقُّ في الحافِرِ، ومنه: فَرَسٌ مَنْمولُ القوائم. والأَنْمُلَة طرفُ الإِصْبَعِ مِنْ ذلك لِدِقَّتِها وسُرْعَةِ حركتِها. والجمعُ: أَنامِل. (١) الآية ٩ من الفجر. (٢) السبعة ٤٧٨، والنشر ١٣٨/٢ - ١٣٩، والإتحاف ٣٢٤/٢. (٣) تقدم برقم ١٤١٢ . (٤) مجمع الأمثال ١٨٨/١. ٥٨٣ - النمل - قوله: ((قالَتْ نَهْلَةٌ)) هذه النملةُ هنا مؤنثةٌ حقيقيةٌ بدليلٍ لَحاقٍ علامةٍ التأنيثِ فِعْلَها؛ لأنَّ نملةً يُطْلَقُ على الذَّكَرِ وعلى الأنْثى، فإذا أُريد تمييزُ ذلك قيل: نَمْلَةٌ ذَكَرٌ ونملةٌ أنْثى نحو: حَمامةٌ ويَمامةٌ. وحكى الزمخشري(١) عن أبي حنيفةَ رضي الله عنه: أنه وقف على قتادةً وهو يقول: سَلُوني. فَأَمَرَ مَنْ سأله عن نملةٍ سليمان: هل كانت ذكراً أو أنثى؟ فلم يُجب. فقيل لأبي حنيفة في ذلك؟ فقال: كانَتْ أنثى. واستدل بلَحاقِ العلامةِ. قال الزمخشري(٢): (وذلك أنَّ النَّمْلَةَ مثلُ الحمامةِ والشاةِ في وقوعِهما على المذكَّرِ والمؤنثِ فَيُمْيِّزُ بينهما بعلامةٍ نحو قولهم : حمامٌ ذَكَرٌ وحمامَةً أُنثى، وهو وهي» انتهى . إلَّ أنَّ الشيخَ (٣) قد رَدَّ هذا فقال: ((وَلَحاقُ التاءِ في ((قَالَتْ)) لا يَّدُلُّ على أنَّ النملةَ مؤنثٌ، بل يَصِحُّ أن يُقال في المذكر: ((قالت نملة))؛ لأنَّ (نملة)) وإنْ كانّتْ بالتاء هو ممَّا لا يتميّزُ فيه المذكرُ من المؤنث، وما كان كذلكِ كالنَّمْلَةِ والقَمْلة مِمَّا بَيْنَه في الجمعِ وبين واحدِه تاءُ التأنيثِ من الحيوان، فإنَّه يُخْبَرُ عنه إخبارُ المؤنثِ، ولا يَدُلُّ كونُه يُخْبَرُ عنه إخبارُ المؤنثِ على أنه ذَكَرٌ أو أنثى ؛ لأنَّ التاءَ دخلت فيه للفَرْقِ لا للدلالةِ على التأنيثِ الحقيقيِّ، بل دالةٌ على الواحدِ من هذا الجنسِ))، قال: ((وكان قتادةُ بصيراً بالعربيةِ. وكونُه ◌ُفْحِمَ يَدُلُّ على معرفتِه باللسانِ؛ إذْ عَلِم أنَّ النملةَ يُخبرَ عنها إخبارُ المؤنث، وإنْ كانَتْ تنطلقُ على الأنثى والذكرٍ إِذْ لا يَتَمَّيَّزُ فيه أحدُ هذين. ولحاقُ العلامةِ لا يَدُلُّ، فلا يُعْلَمُ التذكيرُ والتأنيثُ إلَّ بوحي من اللَّهِ تعالى)) قال: ((وأمَّا استنباطُ تأنيثِه من كتابٍ اللَّهِ بـ ((قالَتْ)) ولو كان ذَكَراً لقيل: قال، فكلامُ النحاةِ على خِلافه، وأنَّه لا يُخْبر [٦٩٠/ب] عنه إلّ إخبارُ المؤنثِ سواءً كان ذكراً أم أنثى))، قال: ((وأمَّا تشبيهُ الزمخشري/ (١) الكشاف ١٤١/٣. (٢) الكشاف ١٤١/٣ (٣) البحر ٦١/٧ . ٥٨٤ - النمل - النملةَ بالحمامةِ والشاةِ ففيهما قَدْرٌ مشتركٌ يتميّزُ فيهما المذكرُ من المؤنثِ فیمکن أَنْ يقول: حمامةٌ ذَكَرٌ وحمامةٌ أنثى فتمييزُه بالصفة، وأمَّا تمييزُه بـ هو وهي فإنه لا يجوزُ. لا تقول: هو الحمامةُ ولا هو الشاةُ، وأمَّا النملةُ والقملةُ فلا يَتَمَيَّزُ فيه المذكرُ من المؤنثِ فلا يجوز في الإخبار إلّ التأنيثُ، وحكمُه حكمُ المؤنثِ بالتاءِ من الحيوان(١) نحو: المرأة، أو غيرِ العاقل كالدابَّة، إلّ إنْ وَقَعَ فَصْلٌ بين الفعلِ وبين ما أُسْنِدَ إليه من ذلك، فيجوزُ أَنْ تَلحق العلامةُ وأن لا تَلْحَقَها على ما تقرَّر في علم العربية» انتهى. أَمَّا ما ذكره ففيه نظرٌ: من حيث إنَّ التأنيثَ: إمَّا لفظيٍّ أو معنويُّ، واللفظيُّ لا يُعتبر في لحاقِ العلامةِ البتة، بدليلِ أنه لا يجوز: ((قامَتْ ربعةُ)) وأنت تعني رجلاً؛ ولذلك لا يجوز: قامت طلحةُ ولا حمزةُ عَلَمَيْ مذكرٍ، فَتَعَيِّنَ أن يكونَ اللَّحاقُ إنما هو للتأنيثِ المعنويِّ، وإنما تعيِّن لفظُ التأنيثِ والتذكيرِ في بابِ العددِ على معنى خاصٍّ أيضاً: وهو أنَّا ننظر إلى ما عامَلَتٍ العربُ ذلك اللفظَ به من تذكيرٍ أو تأنيثٍ، من غيرِ نَظَرٍ إلى مدلولِه فهناك له هذا الاعتبارُ، وتحقيقُه هنا يُخْرِجُنا عن المقصودِ، وإنما نَبَّهْتُك على القَدْرِ المحتاج إليه . وأمّا قولُه: ((وأمَّا النملةُ والقَمْلةُ فلا يَتَمَيُِّ) يعني: لا يُتَوَصَّلُ لمعرفةِ الذّكرِ منهما ولا الأنثى بخلافِ الحمامةِ والشاةِ؛ فإنَّ الاطلاع على ذلك ممكنُ فهو أيضاً ممنوعٌ. قد يمكن الاطلاعُ على ذلك، وإنَّ الاطلاع على ذكوريَّةِ الحمامةِ والشاةِ أسهلُ من الاطلاعِ على ذُكورِيَّةِ النملةِ والقملةِ. ومَنْعُه أيضاً أن يقال: هو الشاةُ، وهو الحمامة، ممنوعٌ. (١) أبو حيان: ((العاقل)). ٥٨٥ - النمل - وقرأ(١) الحسن وطلحة ومعتمر بن سليمان(٢) النَّمُل ونَمُلة بضم الميم وفتح النون بزنةٍ رَجُل وَسَمُرَة. وسليمان التميمي(٣) بضمتين فيهما. وقد تقدَّم أن ذلك لغاتٌ في الواحِدِ والجمعِ . قوله: ((لا يَحْطِمَنَّكم)) فيه وجهان، أحدهما: أنه نهيٌ. والثاني: أنه جوابٌ للأمرٍ، وإذا كانَ نَهْياً ففيه وجهان، أحدُهما: أنه نهيٌ مستأنِفٌ لا تَعَلُّقَ له بما قبله من حيث الإِعرابُ، وإنما هو نهيٌ للجنودِ في اللفظِ، وفي المعنى للنّمْلِ أي: لا تكونوا بحيث يَحْطِمَوْنَكُمْ كقولهِم: ((لا أُرَيَنَّك ههنا)). والثاني: أنه بدلٌ من جملةِ الأمرِ قبلَه، وهي ادْخلوا. وقد تَعَرَّضَ الزمخشريُّ (٤) لذلك فقال: ((فإنْ قلتَ: لا يُحْطِمَنْكم ما هو؟ قلت: يُحتمل أَنْ يكونَ جواباً للأمرِ، وأَنْ يكونَ نهياً بدلاً من الأمرِ. والذي جَوَّزَ أَنْ يكونَ بدلاً أنه(٥) في معنى: . لا تكونوا حيث أنتم، فَيَحْطِمَنَّكم، على طريقةِ ((لا أُرَيَنَّكَ ههنا)) أرادَتْ: لا يَحْطِمنكم جنودُ سليمان، فجاءت بما هو أبلغُ. ونحوُهُ ((عَجِبْتُ من نفسي ومن إشفاقِها)). قال الشيخ(٦): ((أمَّا تخريجُه على أنه جوابٌ للأمرِ فلا يكون ذلك إلاّ على قراءةِ الأعمشِ فإنه مجزومٌ، مع أنه يُحْتمل أن يكونَ استئنافَ (١) انظر في قراءاتها: المحتسب ١٣٧/٢، والبحر ٦١/٧، والقرطبي ١٦٩/١٣، والشواذ ١٠٨. (٢) الأصل ومعمر والتصحيح من المظان. وهو معتمر بن سليمان أبو محمد التيمي البصري. حدث عن منصور بن المعتمر، وحدث عنه ابن المبارك توفي سنة ١٨٧ . انظر: سير الأعلام ٤٧٨/٨. (٣) سليمان بن بنت شُرَحِبيل محدّث دمشق، حدَّث عن إسماعيل بن عياش وجَدَّث عنه البخاري وأبو عبيد. توفي سنة ٢٣٣. انظر: سير الأعلام ١٣٦/١١. (٤) الكشاف ١٤٢/٣. (٥) الأصل ((لأنه)) بإقحام اللام. والتصحيح من الكشاف. (٦) البحر ٦٢/٧. ٥٨٦ --- - النمل - نهي (١). قلت: يعني أنَّ الأعمشَ قرأ(٢) (لا يَحْطِمْكم)) بجزم الميمِ، دونَ نونٍ توکید. قال: ((وأمَّا مع وجودِ نون التوكيد فلا يجوزُ ذلك، إلَّ إنْ كان في شعرٍ، وإذا لم يَجُزْ ذلك في جواب الشرطِ إلَّ في الشعر فأحرى أَنْ لا يجوزَ في جوابٍ الأمرِ إلَّ في الشعرِ. وكونُه جوابَ الأمرِ متنازعٌ فيه على ما قُرِّرَ في علمِ النحوِ. ومثالُ مجِيءٍ النونِ في جواب الشرطِ قولُ الشاعر(٣): ٣٥٤٦- نَبَّتُّمْ نباتَ الخَيْزُرانةِ في الثَّرَى حديثاً متى ما يأتِك الخيرُ يَنْفَعا وقول الآخر (٤): ٣٥٤٧- فمهما تَشَأْ منه فَزارةٌ تُعطِكُمْ ومهما تَشَأْ منه فَزارةُ تَمْنعا قال سيبويه(٥): ((وهو قليلٌ في الشعرِ شَبَّهوه بالنهيِ حيث كان مجزوماً غيرَ واجب)) قال: ((وأما تخريجُه على البدلِ فلا يجوزُ لأنَّ مدلولَ (١) البحر: نفي. (٢) البحر ٦١/٧. (٣) البيت للنجاشي الشاعر. وهو في الكتاب ١٥٢/٢، والخزانة ٥٦٣/٤، والعيني ٣٤٤/٤، والهمع ٧٨/٢، والدرر ٩٧/٢. والشاهد ((ينفعا)» جواب الشرط حيث أكد بالنون المنقلبة ألفاً. والشاعر يهجو قوماً، ويصفهم بحدثان النعمة. والرواية المشهورة: الخيزرانيّ، وهو كل نبتٍ ناعم وأراد بالخير المال. وفي البيت وصاحبه كلامٌ طويل في الخزانة . (٤) البيت لعوف بن عطية بن الخَرع، أو الكميت بن ثعلبة، وهو في الكتاب ١٥٢/٢، والخزانة ٥٥٩/٤، والعيني ٣٣٠/٤، والتصريح ٢٠٦/٢، والهمع ٧٩/٢، والدرر ٩٨/٢. (٥) الكتاب ١٥٢/٢. ٥٨٧ - النمل - ((لا يَحْطِمَنَّكم)) مخالفٌ لمدلولِ ((ادْخُلوا)). وأمَّا قولُه لأَنَّه بمعنى: لا تكونوا [٦٩١/أ] حيث أنتم فَيَحْطِمَنَّكم فتفسيرُ معنى لا إعراب / والبدلُ من صفةِ الألفاظِ. نعم لو كان اللفظُ القرآنيُّ: لا تكونوا بحيث لا يَحْطِمَنْكم(١) لتُخُيِّلَ فيه البدلُ؛ لأنَّ الأمرّ بدخولِ المساكنِ نهيّ عن كونهم بظاهرِ الأرضِ. وأمَّا قوله: ((إنه أراد لا يحْطِمَنَّكم جنودُ سليمان إلى آخرِه)» فيسوُِّ زيادةَ الأسماءِ وهي لا تجوزُ، بل الظاهرُ إسنادُ الحكمِ إلى سليمانَ وإلى جنودِهِ. وهو على حَذْفِ مضافٍ أي: خيلُ سليمانَ وجنودُه، أو نحو ذلك، مما يَصِحُّ تقديره)). انتهى. أمَّا مَنْعُه كونَه جوابَ الأمر مِنْ أجلِ النون فقد سبقه إليه أبو البقاء(٢) فقال: ((وهو ضعيفٌ؛ لأنَّ جوابَ الشرطِ لا يؤكَّدُ بالنونِ في الاختيار)). وأمّا مَنْعُهُ البدلَ بما ذَكَّر فلا نُسَلُّم تغايُرَ المدلولِ بالنسبةِ لِما يَؤُول إليه المعنى. وأمَّا قوله: ((فُيُسَوِّغُ زيادةَ الأسماءِ) لم يُسَوِّغ ذلك، وإنما فَسَّر المعنى. وعلى تقدير ذلك فقد قيل به. وجاء الخطابُ في قولها ((ادْخُلوا)) كخطابِ العقلاء لَمَّا عُوْمِلوا معاملتهم. وقرأ أُبَيِّ ((ادْخُلْنَ))(٣)، ((مَساكِنَكُنَّ))(٤)، ((لا يَحْطِمَنْكُنَّ))(٥) بالنونِ الخفيفةِ جاءَ به على الأصل. وقرأ(٦) شهر بن حوشب ((مَسْكَنَكُمْ)) بالإِفراد. وقرأ(٧) الحسن وأبو رجاء وقتادة وعيسى الهمداني بضمُّ الياءِ، وفتحِ الحاءِ، (١) البحر: لا تكونوا حيث أنتم لا يحطمنكم. (٢) الإملاء ١٧٢/٢. (٣) البحر ٦١/٧ . (٤) البحر ٦١/٧، والقرطبي ١٧٠/١٣. (٥) نسبها القرطبي ١٧٠/١٣ إلى سليمان التيمي. وفي البحر ٦١/٧ أن قراءة أُبيّ لا يَحْطِمَنْكم. (٦) البحر ٦١/٧، والقرطبي ١٧٠/١٣. (٧) الإتحاف ٣٢٤/٢، والبحر ٦١/٧، والقرطبي ١٧٣/١٣. ٥٨٨ - النمل - وتشديدِ الطاءِ والنونِ، مضارعَ حَطَّمه بالتشديد. وعن الحسن (١) أيضاً قراءتان: فتحُ الياءُ وتشديدُ الطاءِ مع سكونِ الحاءِ وكسرِها. والأصل: لا يَحْتَطِمَنَّكم فأَدْغَم. وإسكانُ الحاءِ مُشْكِلٌ تقدَّم نظيرُه في ((لا يَهِدِّي))(٢) ونحوِه. وقرأ ابن أبي إسحاقَ ويعقوبُ وأبو عمروٍ في روايةٍ بسكونِ نونِ التوکیدِ (٣). قوله: ((وهم لا يَشْعُرون)) جملة حالية. والحَظْمُ: الكَسْر. يقال منه: حَطَمْتُه فحَطِمَ ثم اسْتُعمِل لكلِّ كَسْرٍ مُتَناهٍ(٤). والحُطامُ: ما تكسَّريّيْاً، وغَلَبَ على الأشياءِ التافهةِ. والحُطَمُ: السائق السريع كأنه يَحْطِمُ الإِبل قال (٥): ٣٥٤٨- قد لَفَّها الليلُ بِسَوَّاقٍ حُطَمْ ليس براعي إيِلٍ ولا غَنَمْ ولا بجَزَّارٍ على ظهرٍ وَضَمْ والحُطَّمَةُ: من دَرَكاتِ النار. ورجلٌ حُطَمة: للأكولِ. تشبيهاً لبطنه بالنارٍ كقوله (٦): (١) البحر ٦١/٧. (٢) الآية ٣٥ من يونس. وانظر: الدر ١٩٨/٦. (٣) لا يَحْطِمَنْكُمْ وهي رواية عبيد عن أبي عمرو. ولم يرتض ابن مجاهد في السبعة ٤٧٩ هذه الرواية. وانظر: النشر ٢٤٦/٢، والبحر ٦١/٧، والقرطبي ١٧٠/١٣. (٤) انظر: عمدة الحفاظ ١٣٠. (٥) الأبيات لرشيد بن رميض أو الحطم القيسي أو أبي زغبة الخزرجي، وهي في الكتاب ١٤/٢، والمقتضب ٥٥/١، وابن يعيش ١١٣/٦، واللسان: حطم - زيم. والضمير في لفَّها للإِبل أي جمعها. والحطم: الشديد السوق للإبل كأنه يحطم ما مرَّ به لشدة سوقه. (٦) لم أهتد إلى قائله، وهو في عمدة الحفاظ ١٢٩. ٥٨٩ - النمل- ٣٥٤٩- كأنمَّا في جَوْفِه تَثُّوْرُ آ. (١٩) قوله: ﴿ضاحكاً﴾: قيل: هي حالٌ مؤكدةً؛ لأنَّها مفهومةٌ مِنْ تَّبَسَّمَ. وقيل: بل هي حالٌ مقدرةً فإنَّ التبسُّمَ ابتداءُ الضحكِ. وقيل: لَمَّا كان التبسُّمُ قد يكون للغَضَبِ، ومنه: تَّبَسِّم تَّبَسُّمَ الغَضْبانِ، أتنى بضاحكاً مبيّناً له. قال عنترة(١): ٣٥٥٠- لمَّا رآني قد قَصَدْت أُرِيْدُه أَبْدى نواجِذَه لِغَيْرٍ تَبَسَّمِ وتَبَسَّمَ تفعَّل، بمعنى بَسَمَ المجرد. قال(٢): ٣٥٥١- وتَبْسِمُ عِن أَلْمَىْ كأن مُنَّوَّراً تَخَلَّلَ حُرَّ الرَّمْلِ دِعْصٌ لِنْه نَدِي وقال بعض المُؤَلَّدين(٣): ٣٥٥٢- كأنَّما تَبْسِمُ عن لؤلؤٍ : : مُنَضَّدٍ أو بَرَدٍ أو أَقَاحِ وقرأ(٤) ابن السميفع ((ضَحِكاً)) مقصوراً. وفيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنّه مصدرٌ مؤكّدٌ لمعنی تَبَّم لأنه بمعناه. والثاني : أنه في موضع الحال فهو في (١) ديوانه ٢١٢، الجمهرة ٤٩٧/٢. (٢) البيت لطرفة، وهو في ديوانه ٩، واللسان (لما) ألمى: أسمر اللثاث. والمنور: الأقحوان ظهر نورُه. تخلل حُرّ الرمل: توسّطه ونبت بينه. والدعص: كثيب الرمل. الندي: في أسفله الماء. (٣) لم أقف عليه. (٤) المحتسب ١١٣٩/٢، والبحر ٦٢/٧. ٥٩٠ - النمل - المعنى كالذي قبله. الثالث: أنه اسمُ فاعل كفَّرِح؛ وذلك لأنَّ فِعْلَه على فَعِل بكسر العين وهو لازم فَهو كَفَرِح وبَطٍ (١). قوله: ((أَنِ اشْكُرْ)) مفعولٌ ثانٍ لَأَوْزِعْني لأنَّ معناه أَلْهِمْني. وقيل: معناه اجْعَلني أَزَعُ شكرَ نعمتك أي: أكُفُّه وأمنعُه حتى لا ينفلتَ مني، فلا أزال شاكراً. وتفسير الزَّجاج(٢) له بـ ((امْنَعْني أن أكفَر نعمتَك)) من بابٍ تفسيرِ المعنى باللازم. آ. (٢٠) قوله: ﴿ما ليَ لا أُرى الهُدْهُدَ﴾: هذا استفهامُ توقيفٍ، ولا حاجةً إلى ادِّعاء القَلْب، وأنَّ الأصلَ: ما للهدهد لا أراه؟ إذ المعنى قويٌّ دونه. والهُدْهُدُ معروفٌ. وتصغيره على هُدَيْهِد وهو القياس. وزعم بعضُ النحويين أنه تُقْلَبُ ياءُ تصغيره ألفاً، فيقال: هُداهِد. وأنشد(٣): / [٦٩١/ب] ٣٥٥٣- کھُداهِدٍ كَسَرَ الرماةُ جناحَه يَدْعو بقارعةِ الطريق هَذِيْلا كما قالوا دُوابَّة وشُوابَّة، في: دُوَيْبَّة وشُوَيَّة. ورَدَّه بعضُهم: بأن الهُداهِد الحَمامُ، الكثيرُ ترجيعِ الصوتِ. تزعُمُ العربُ أن جارحاً في زمان الطُّوفانِ، اخْتَطَفَ فرخَ حمامةٍ تسمَّى الهديل. قالوا: فكلُّ حمامةٍ تبكي فإنما تبكي على الهدیل. (١) انظر: الارتشاف ٢٣٣. (٢) فسَّر الزجاج اللفظة في معاني القرآن ١١٢/٤، بقوله: ((معنى أوزعني ألهمني وتأويله في اللغة كفّني عن الأشياء إلاّ عن شكر نعمتك أي كفّني عما يباعدُ منك)). (٣) البيت للراعي، وهو في ديوانه ١٣٨، واللسان (هدد) والخصائص ٩٥/٢، وجمهرة أشعار العرب ٩٤٠/٣. والهديل: فرخ الحمام وفي اللسان أن الهُداهد طائر يشبه الحمام ونسب اللحياني المذهب الذي ذكره السمين للكسائي، ثم قال: أنكر الأصمعي ذلك ولا أعرفه تصغيراً. ٥٩١ - النمل - قوله: ((أم كان)) هذه (أم)) المنقطعةُ وقد تقدَّم الكلامُ فيها(١). وقال ابن عطية(٢): ((قوله مالي لا أرى الهدهد)) مَفْصَدُ الكلامِ: الهُدْهُدُ غاب، ولكنه أَخَذَ اللازمَ عِن مُغَيِِّه: وهو أَنْ لا يَراه، فاستفهم على جهةِ التوقُّفِ عن اللازم ، وهذا ضَرْبٌ من الإِيجازِ. والاستفهامُ الذي في قوله: ((مالي)) نابَ منابَ الألفِ التي تحتاجُها أم)). قال الشيخ (٣): ((فظاهرُ كلامِه أنَّ ((أم)) متصلةٌ، وأن الاستفهامَ الذي في قولِه «مالي)» ناب منابَ ألفِ الاستفهام. فمعناه: أغاب عني الآن فلم أَرَهُ حال التفقُّد أم كان مِمِّنْ غابَ قبلُ، ولم أَشْعُرْ بِغَيْبَتِه؟)). قلت: لا يُظَنُّ بأبي محمد ذلك، فإنه لا يَجْهَلُ أنَّ شَرْطَ المتصلةِ تَقَدُّمُ همزةٍ الاستفهامِ أو التسوية لا مطلقُ الاستفهام . آ. (٢١) قوله: ﴿عذاباً﴾: أي: تَعْذِيباً، فهو اسمُ مصدرٍ أو مصدرٌ على حَذْفِ الزوائد كـ ((أَنْبَتَكُمْ من الأرض نباتاً))(٤). وقد كتبوا ((أو لَّ اذْبَحَنَّه)) بزيادة ألفٍ بين لامِ ألفٍ والذال. ولا يجوز أن يُقرأ بها. وهذا كما تقدم أنهم كتبوا («ولّ اوْضَعوا خلالَكم)) (٥) بزيادة ألف بين لام ألف والواو. قوله: ((أَوْلَيَأْتِيِنِّي) قرأ(٦) ابنُ كثيرٍ بنون التوكيد المشددة (٧)، بعدها نونُ الوقايةِ. وهذا هو الأصلُ. واتّبع مع ذلك رَسْمَ مصحفِه. والباقون بنونٍ مشدِّدَةٍ (١) انظر: الدر المصون ١ /٤٥٥. (٢) المحرر ١٠٢/١٢. (٣) البحر ٦٤/٧. (٤) الآية ١٧ من نوح. (٥) الآية ٤٧ من التوبة. (٦) انظر في قراءاتها: السبعة ٤٧٩، والنشر ٣٤٠/٢، والحجة ٢٥٤، والبحر ٥٦/٧، والتيسير ١٦٧، والقرطبي ١٨٠/١٣. (٧) لَيَأْتِيَنَِّي. ٥٩٢ - النمل - فقط. والأظهرُ أنها نونُ التوكيدِ الشديدةِ، تُوُصِّل بكسرِها لياءِ المتكلم. وقيل بل هي نونُ التوكيدِ الخفيفةِ أُدْغِمَتْ في نونِ الوقايةِ. وليس بشيءٍ لمخالَفَةِ الفعلين قبلَه. وعيسى بن عمر (١) بنونٍ مشددةٍ مفتوحة لم يَصِلُها بالياءِ(١). آ. (٢٢) قوله: ﴿فَمَكَثَ﴾: قرأ(٢) عاصم بفتحِ الكافِ. والباقون بضمِّها. وهما لغتان. إلَّ أنَّ الفتحَ أشهرُ، ولذلك جاءت الصفة على ((ماكِث)) دون مَكِيْث(٣). واعْتُذِر عنه بأنَّ فاعِلًا قد جاء لفَعُل بالضمّ نحو: حَمُض فهو حامِض، وخَثُرَ فهو خائِرٌ، وفَرُهَ فهو فارِهٌ. قوله: ((غيرَ بعيدٍ)) يجوزُ أَنْ يكونَ صفةً للمصدرِ أي: مُكْثاً غيرَ بعيدٍ، وللزمان أي: زماناً غيرَ بعيدٍ، وللمكان أي: مكاناً غيرَ بعيدٍ . والظاهرُ أنَّ الضمير في («مكث)) للهُذْهُدِ. وقيل: لسليمان عليه السلام. تم الجزء الثالث، بحمد الله وعونه وحُسْن توفيقه على يد مؤلفه العبد الفقير إلى الله تعالى أحمد بن يوسف ابن محمد بن مسعود بن إبراهيم الشافعي الحلبي. وذلك في شهورٍ سنة ثلاث وثلاثين وسبعمئة. أحسن الله تقضِّها في خير وعافية. ويتلوه في الجزء الرابع إن شاء الله تعالى قوله: من سبأ قرأ البزي (١) لَيَأْتِيْنُ. (٢) السبعة ٤٨٠، والحجة ٥٢٥، والبحر ٦٥/٧، والقرطبي ١٨٠/١٣، والنشر ٣٣٧/٢، والتيسير ١٦٧ . (٣) لأن صفةً فَعُل: فعيل نحو: شَرُف فهو شريف. انظر: الارتشاف ٢٣٣/١. ٥٩٣ - النمل - / بسم الله الرحمن الرحيم [٦٩٢/أ] آ. (٢٢) قوله: ﴿مِنْ سَبَأ﴾: قرأ(١) البَزِّيُّ وأبو عمروٍ بفتحِ الهمزةِ، جعلاه اسماً للقبيلة، أو البُقْعَةِ، فَمَنَعاه من الصرفِ للعَلَمِيَّةِ والتأنيث. وعليه قولُه(٢) : ٣٥٥٤- مِنْ سُبَأَ الحاضرينَ مَأْرِبَ إِذ يَبْنُون مِنْ دونِ سَيْلِهَا العَرِما وقرأ قنبل بسكونِ الهمزةِ، كأنه نوى الوقفَ وأَجْرَىْ الوَصْلَ مُجْرَاهِ. والباقون بالجَرِّ والتنوينِ، جعلوه اسماً للحَيِّ أو المكانِ. وعليه قولُه(٣): ٣٥٥٥_ الوارِدُون وتَيْمُ فِي ذُرا سَبٍّ قد عَضَّ أعناقَهم جِلْدُ الجواميسِ وهذا الخلافُ جارٍ بعينِه في سورة سَبّأ(٤). وفي قوله: ((مِنْ سَبٍ بِنٍّ) فيه من البديع: ((التجانُسُ)) وهو تَجْنِيسُ التصريفِ. وهو عبارةٌ عن انفرادِ كلِّ كلمةٍ من الكلمتين عن الأخرى بحرفٍ كهذه الآيةِ. ومثلُه: ((تَفْرَحون في الأرضِ بغير (١) السبعة ٤٨٠، والنشر ٣٣٧/٢، والحجة ٥٢٥، والتيسير ١٦٧، والبحر ٦٦/٧، والقرطبي ١٣ /١٨١، والشواذ ١٠٩. (٢) البيت للنابغة الجعدي وهو في ديوانه ١٣٤، ويُنسب أيضاً لأمية بن أبي الصلت، وهو في ديوانه ٤٩٠، والكتاب ٢٨/٢، والقرطبي ١٨١/١٣، واللسان (سبأ)، والكشاف ١٤٤/٣ والحاضرون: المقيمون على الماء. والعرم: السدود. (٣) لم أهتد إلى قائله، وهو في القرطبي ١٨١/١٣، والبحر ٦٦/٧، والكشاف ١٤٤/٣. (٤) الآية ١٥ ((لقد كان لِسبأ)). ٥٩٤ - النمل - الحقِّ، وبما كنتم تَمْرَحون))(١) وفي الحديث: ((الخيلُ مَعْقُوْدُ بنواصِيها الخیرُ))(٢). وقال آخر(٣): ٣٥٥٦ - للَّهِ ما صَنَّعَتْ بنا تلك المَعاجِرُ والمحَاجِرْ وقال الزمخشري (٤): ((وقوله: ((مِنْ سَبأ بنّبأ)) مِنْ جنسِ الكلامِ الذي سَمَّاه المُحْدَثون بالبدِيع. وهو من محاسنِ الكلامِ الذي يتعلَّقُ باللفظِ، بشرط أَنْ يجيْءَ مطبوعاً، أو يصنَعه عالمٌ بجَوْهَرِ الكلامِ ، يَحْفَظُ معه صحةً المعنى وسَدادَه، ولقد جاء هنا زائداً على الصحةِ فَحَسُنَ وبَدُعَ لفظاً ومعنىٍّ. ألا ترى أنه لو وُضِع مكان ((بنّبًا)» ((بخبر)» لكان المعنى صحيحاً، وهو كما جاء أصَحُّ؛ لِما في النبأ من الزيادة التي يطابقُها وصفُ الحال)). يريد بالزيادة: أنَّ النبأ أخصُّ من الخبرِ؛ لأنه لا يُقال إلّ فيما له شَأْنٌّ من الأخبارِ بخلافِ الخبرِ فإنه يُطْلَقُ على ماله شَأْنٌ، وعلى ما لا شأنَ له، فكلُّ نبأ خبرٌ مِنْ غيرِ عكسٍ . وبعضُهم يُعَبِّرُ عن نحوِ ((مِنْ سَبَا بِنّبًا)) في علم البديع بالتَّرْدِيد. قاله صاحب ((التحرير))(٥). وقال (١) الآية ٧٥ من غافر. (٢) رواه البخاري. انظر: فتح الباري ٦٤/٦، ٥٦ كتاب الجهاد والسير، ٤٣ باب الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة. وأحمد في المسند ١٣/٢، ٢٨ . (٣) لم أهتد إلى قائله. وهو في البحر ٦٦/٧. والمعاجر: ضرب من ثياب اليمن. والمحاجر: ج مُحْجِر وهو ما أحاط بالعين. (٤) الكشاف ١٤٤/٣. (٥) لعله التحرير والتحبير لأقوال أئمة التفسير لابن النقيب. انظر: كشف الظنون ٣٥٨/١. ٥٩٥ ۔ - النمل :- غيرُه: إنَّ التردِيدَ عبارةٌ عن رَدِّ أعجاز البيوت على صدورِها، أو رَدِّ كلمةٍ من النصفِ الأولِ إلى النصف الثاني. فمثالُ الأولِ قولُه(١): ٣٥٥٧- سَرِيعٌ إلى ابنِ العَمِّ يَلْطِمُ وَجْهَه وليس إلى داعي الخَنا بسّريعٍ ومثالُ الثاني قولُهِ (٢): ٣٥٥٨- والليالي إذا نَأَيْتُمْ طِوالٌ والليالي إذا ذَنَوْتُمْ قِصَارُ وقرأ ابن كثير في روايةٍ ((مِنْ سَباً)) مقصوراً منوّناً. وعنه أيضاً: ((مِنْ سَبْأَ» بسكونِ الباءِ وفتحِ الهمزةِ، جعله على فَعْل ومَنْعَه من الصرفِ لِما تقدَّم. وعن الأعمش ((مِنْ سَبْءٍ)) بهمزةٍ مكسورةٍ غيرِ منونةٍ. وفيها إشكالٌ؛ إذ لا وجه للبناءِ. والذي يظهر لي أنَّ تنوينَها لا بدَّ أَن يُقْلَبَ ميماً وصلا ضرورةَ ملاقاتِّهِ للباء، فسمعها الراوي، فظنَّ أنه كَسَر مِنْ غيرِ تنوينٍ. ورُوِيَ عن أبي عمروٍ (( مِنْ سَبًّا)) بالألفِ صريحةً كقولهم: (تَفَرَّقُوا أَيْدِيْ سَبا))(٣). وكذلك قُرِىء ((بنّا)) بألفٍ خالصةٍ، وينبغي أَنْ یکونا لقارِیٍ واحدٍ. و ((سَبَأ)» في الأصلِ اسمُ رجلٍ مِنْ قَحْطانَ، واسمه عبد شمس، وسَبَأْ (١) البيت للأقَيْشِر في ابن عمٍ له موسر. وهو في دلائل الإعجاز ١٥٠، والخزانة ٢٨١/٢، وقوله: ((الخنا) لعله ((الندى)) كما في ((دلائل الإعجاز)) لأن الشاعر يهجو ابن عمه الذي لطمه . (٢) لم أهتد إلى قائله. وهو في البحر ٦٦/٧. (٣) في اللسان (سبأ): (أي: متفرقين شُبهوا بأهل سبأ لمًّا مزَّقهم الله في الأرض فأخذ كلَّ طائفة منهم طريقاً على حِدّة. واليد: الطريق. والعرب لا تهمز ((سبأ)» في هذا الموضع لأنه كثر في كلامهم فاستثقلوا فيه الهمزة وإن كان أصله مهموزاً)). وانظر المثل في: مجمع الأمثال ٢٧٥/١، والمستقصى للزمخشري ٨٨/٢. ٥٩٦ - النمل - لقبٌ له. وإنما لُقِّبَ به لأنه أولُ مَنْ سَبِى، وَوُلِدَ له عشرةُ أولادٍ، تيامَنَ ستةٌ وهم: حِمْيَرُ وكِنْدَةُ والأَزْدُ وأَشْعَرُ وخَتْعَمُ وبُجْلَةُ، وتشاءَمَ أربعةٌ وهم: لَخْمٌ وجُذامُ وعامِلَةٌ وغَسَّانُ. آ. (٢٣) قوله: ﴿وَأُوْتِيَتْ﴾: يجوزُ أَنْ تكونَ معطوفةً على «تَمْلِكُهم)). وجاز عَطْفُ الماضي على المضارع؛ لأنَّ المضارعَ بمعناه أي: مَلَكَتْهُمْ. ويجوز أَنْ يكونَ في محلّ نصبٍ على الحالِ من مرفوعٍ («تَمْلِكُهم»، و «قد» معها مضمرةً عند مَنْ یری ذلك. وقوله: ((مِنْ كلِّ شَيْءٍ)) عامٌّ مخصوصٌ بالعَقْلِ لأنها لم تُؤْتَ ما أُوْتِيَه سُلَیْمانُ. قوله: ((ولها عَرْشٌ)) يجوزُ أَنْ تكونَ هذه جملةً مستقلةً بنفسِها سِيْقَتْ للإِخبارِ بها، وأَنْ تكونَ معطوفةً على ((أُوْتِيَتْ))، وأَنْ تكونَ حالاً مِنْ مرفوعٍ (أُوْتِيَتْ)). والأحسنُ أَنْ تُجْعَلَ الحالُ الجارَّ، و((عَرْشٌ)) مرفوعٌ به، وبعضُهم يَقِفُ على ((عَرْشٌ))، ويَقْطَعُه عن نَعْتِهِ. قال الزمخشري(١): ((ومِنْ نَوْكَى (٢) القُصَّاص مَنْ يقفُ على قولِه: ((ولها عَرْشَ)) ثم يَبْتَدِىءُ ((عظيمٌ وَجَدْتُها)) يريد: أمرٌ عظيمٌ أَنْ وَجَدْتُها، فَرَّمِن استعظامِ الهُدْهُدِ عرشَها فوقع في عظيمةٍ وهي مَسْخُ كتابِ الله))(٣). قلت: النُّوْكَى: الحَمْقَىْ جمعَ أَنْوَك. وهذا الذي ذكره مِنْ أَمْرِ الوقف (٤) نقله الدانيُّ عن نافعٍ ، وقَرَّره، وأبو بكربن الأنباري، ورفعه إلى (١) الكشاف ١٤٤/٣. (٢) الأنوك: الأحمق والجاهل والعَبِيُّ. جمعها نَوْكى ونُوْك ولعل مقصوده المعنى الثالث. (٣) استنكره كذلك النحاس في كتاب القطع والائتناف ٥٣٥ . (٤) انظر: القرطبي ١٨٥/١٣. ٥٩٧ - النمل - بعضِ أهل العلمِ ، فلا ينبغي أَنْ يُقال: ((نَوْكَىْ القُصَّاص)). وخرّجه الدانيُّ على أَنْ يكونَ ((عظيم)) مبتدأ و ((وَجَدْتُها)) الخبرُ. وهذا خطأً كيف يُبْتدأ بنكرةٍ مِنْ غَيْرٍ مُسَوِّغٍ ، ويُخْبَرُ عنها بجملةٍ لا رابطَ بينها وبينَه؟ والإِعرابُ ما قاله الزمخشريُّ(١): مِنْ أنَّ عظيماً صفةٌ لمحذوفٍ خبراً مقدماً [و ((وَجَدْتُها)) مبتدأٌ مؤخرٌ مُقَدَّراً معه حرفُ مصدريٍّ أي : أمرٌ عظيمٌ وُجْداني إياها وقومها غيرَ عابدي اللَّه تعالى. آ. (٢٤) قوله: ﴿وَجَدْتُها﴾: هي التي بمعنى ◌َلَقْتُ](٢) [٦٩٢/ب] وأَصَبْتُ / فتتعدَّى لواحدٍ، فيكونُ ((يَسْجُدون)) حالاً مِنْ مفعولِها وما عُطِفَ عليهِ. قوله: ((ألاّ يَسْجُدوا)) قرأ(٣) الكسائيُّ بتخفيف ((ألا))، والباقون بتشديدها. فأمَّا قراءةُ الكسائيِّ فـ ((ألا)) فيها تنبيهٌ واستفتاحٌ، و ((يا)) بعدها حرفُ نداءٍ أو تنبيهٍ أيضاً على ما سيأتي و (اسْجُدوا)) فعلُ أمرٍ. وكان حُقُّ الخَطِّ على هذه القراءةِ أن يكونَ ((يا اسْجُدوا))، لكنَّ الصحابةَ أسقطُوا ألفَ ((يا)) وهمزة الوصلِ من ((اسْجُدوا)) خَطَّأَ لَمًّا سَقَطا لفظاً، ووَصَلُوا الياءَ بسين ((اسْجُدوا))، فصارَتْ صورتُه (يَسْجُدوا)» كما ترى، فاتَّحدت القراءتان لفظاً وخَطَاً واختلفتا تقديراً . واختلف النحويون في ((يا)» هذه: هل هي حرفُ تنبيهٍ أو للنداءِ، والمنادَى محذوفٌ تقديرُه: يا هؤلاءِ اسْجُدوا؟ وقد تقدَّم ذلك عند قوله: ((يَا لَيْتَني)) في سورة النساء(٤). والمرجَّحُ أَنْ تكونَ للتنبيهِ؛ لئلا يُؤَدِّيَ إلی حَذْفٍ کثیرٍ مِنْ غیرِ بقاءِ ما يَدُلُّ على المحذوفِ. ألا ترى أنَّ جملةَ النداءِ حُذِفَتْ، فلو ادِّعَيْتَ (١) لم يرد في الكشاف. (٢) ما بين معقوفين مخروم في الأصل أثبتناه من (ش). (٣) انظر في قراءاتها: السبعة ٤٨٠، والتيسير ١٦٧، والبحر ٦٨/٧، والحجة ٥٢٦، والقرطبي ١٨٥/١٣، والشواذ ١٠٩. (٤) الآية ٧٣. وانظر: الدر المصون ٣٤/٤. ٥٩٨ - النمل - حَذْفَ المنادَى كَثُرَ الحذفُ ولم يَبْقَ معمولٌ يَدُلُّ على عامِلِه، بخلافٍ ما إذا جَعَلْتَها للتنبيهِ. ولكنْ عارَضَنَا هنا أنَّ قبلَها حرفَ تنبيهٍ آخرَ وهو ((ألا)). وقد اعْتُذِرَ عن ذلك: بأنه جُمِع بينهما تأكيداً. وإذا كانوا قد جَمَعُوا بين حرفين عامِلَيْنِ للتأکید کقوله(١): ٣٥٥٩- فَأَصْبَحْنَ لا يَسْأَلْنَنِي عَنْ بما به فغيرُ العامِلَيْنِ أَوْلَى. وأيضاً فقد جَمَعُوا بين حَرْفَيْنِ عامِلَيْنِ مُتَّحِدَّيْ اللفظِ والمعنى، كقوله(٢): ٣٥٦٠- فلا واللَّهِ لا يُلْفَى لِما بي ولا لِلِما بهم أبداً دَواءُ فهذا أَوْلَى. وقد كَثُرَ مباشرةُ ((يا)) لفعلِ الأمرِ وقبلَها ((ألا)) التي للاستفتاح كقوله(٣) : . ٣٥٦١ - ألا يا اسْلَمِي ثُمَّ اسْلمي ثُمَّتَ اسْلَمي ثلاثَ تحيَّاتٍ وإنْ لَمْ تَكَلَّمي وقوله(٤): ٣٥٦٢- ألا يا اسْلَمي يا دارَ مَيَّ على الچِلى ولا زالَ مُنْهَلاً بجَرْعائِكِ القَطْرُ (١) تقدم برقم ٩١٦. (٢) تقدم برقم ١٣٨٣. (٣) لم أهتد إلى قائله وهو في ابن يعيش ٣٩/٣. (٤) البيت لذي الرمة، وهو في ديوانه ٥٥٩، وأمالي الشجري ١٥١/٢، والعيني ٦/٢، والهمع ١١١/١، والدرر ٨١/١. منهلًا: سائلاً. الجرعاء: المرتفع. ٥٩٩ - النمل - وقوله(١) : ٣٥٦٣- ألا يا اسلمي ذاتَ الدَّماليجِ والعِقْدِ وذَاتَ اللَّاتِ الجُمِّ والفاحِمِ الجَعْدِ وقوله(٢) : ٣٥٦٤- ألا يا اسْلمي يا هندُ هندّ بني بدرٍ وإن كان حَيَّانا عِداً آخرَ الدهرِ وقوله (٣) : ٣٥٦٥- ألا يا اسْقِياني قبلَ حَبْلِ أبي بكرٍ لعل منايانا قُرُبْنَ ولا نَدْرِي وقوله (٤) : ٣٥٦٦- ألا يا اسْقِياني قبلَ غارةِ سِنْجالٍ (١) البيت للعُدَيْل بن الفرخ العَجْليّ، وهو في الحماسة ٣٧٧/١، وبرواية الثنايا الغُرِّ، والدماليج: ج ◌ُمْلُج ودُمْلوج وهو ضرب من الحليّ. والجُمّ: ضرب من الصَّدَف .: (٢) البيت للأخطل، وهو في ديوانه (صالحاني) ١٢٨، وأمالي الشجري ١٥١/٢، والإنصاف ٩٩، وابن يعيش ٢٤/٢ . (٣) لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر ٦٩/٧. (٤) البيت للشماخ. وعجزه: وقبل منایا قد حَضَرْنَ وآجالٍ وهو في ديوانه ٤٥٦، والكتاب ٣٠٧/٢، واللسان سنجل. ٦٠٠