Indexed OCR Text
Pages 561-580
- الشعراء - آ. (٢٠٩) قوله: ﴿ذِكْرَىْ﴾: يجوزُ فيها أوجهً، أحدُها: أنها مفعولٌ مِنْ أجله. وإذا كانَتْ مفعولاً مِنْ أجلِه ففي العاملِ فيه وجهان، أحدهما: (مُنْذِرُوْن))، على أنَّ المعنى: مُنْذِرون لأجلِ الموعظةِ والتذكرةِ. الثاني: ((أَهْلَكْنا». قال الزمخشري(١): ((والمعنى: وما أهلَكْنا مِنْ أهلٍ قريةٍ ظالمين إلّ بعدَما الزَمْناهم الحُجَّةَ بإرسالِ المُنْذَرِين إليهم ليكون [إهلاكُهم](٢) تذكرةً وعبرةً لغيرِهم فلا يَعْصُوا مثلَ عصيانِهم)» ثم قال: ((وهذا الوجهُ عليه المُعَوَّل)). قال الشيخ (٣): ((وهذا لا مُعَوَّلَ عليه؛ فإنَّ مذهبَ الجمهورِ أنَّ ما قبل (إلاّ)) لا يعمل فيما بعدها، إلّ أَنْ يكونَ مستثنى، أو مستثنى منه، أو تابعاً له غيرَ معتمدٍ على الأداة نحو: ((ما مررت بأحدٍ إلَّ زيدٌ من عمروٍ))، والمفعولُ له ليس واحداً من هذه(٤). ويتخرَّج مذهبُه على مذهبٍ الكسائي والأخفشِ ، وإن كانا لم يَنُصًّا على المفعولِ له بخصوصيَّته)). قلت: والجواب ما تقدَّم قبلَ ذلك مِنْ أنَّه يختارُ مذهبَ الأخفش. الثاني من الأوجهِ الأَوَلِ: أنَّها في محلٌّ رفع خبراً لمبتدأ محذوفٍ أي: هذه ذِكْرى . وتكونُ الجملةُ اعتراضيةٌ. الثالث: أنها صفةٌ لـ مُنْذِرُوْن: إمَّا على المبالغةِ، وإمَّا على الحذفِ أي: مُنْذروْن ذَوو ذكرى، أو على وقوعٍ المصدرِ وقوعَ اسمِ الفاعلِ أي: مُنْذِرون مُذكِّرون. وقد تقدَّم تقريرُ ذلك. الرابع: أنها في محلّ نصبٍ على الحال أي: مُذكُّرین، أو ذوي ذکریُ، أو جُعِلوا نفسَ الذكرى مبالغةٌ. الخامس: أنها منصوبةٌ على المصدرِ المؤكّد. (١) الكشاف ١٣٠/٣. (٢) من الكشاف. (٣) البحر ٤٥/٧ . (٤) قال: ((فلا يجوز أن يتعلق بأهلكنا)). ٥٦١ - الشعراء - وفي العاملِ فيها حينئذٍ وجهان، أحدُهما: لفظُ ((مُنْذِرُون)) لأنّه مِنْ معناها فهما کـ «فَعَدْتُ جلوساً». والثاني: أنه محذوفٌ مِنْ لفظها أي: تَذْكُرون ذِكْری. وذلك المحذوفُ صفةٌ لـ «مُنْذِرون)). آ. (٢١٠) قوله: ﴿وما تَنَزَّلَتْ به الشياطينُ﴾: العامَّةُ على [٦٨٧/أوب] الياء (١)/ ورفعِ النونِ، وهو جمعُ تكسيرٍ. وقرأ(٢) الحسن البصري وابن السَّمَيْفع والأعمشُ بالواوِ مكانَ الياءِ، والنونُ مفتوحةً إجراءً له مُجْری جمعِ السلامة. وهذه القراءةُ قد رَدَّها جمعٌ كثيرٌ من النحويين. قال الفراء(٣): ((غَلِطَ الشيخُ ظنَّ أنها النونُ التي على هِجاءَيْن))(٤). وقال النضر بن شميل: ((إِنْ جاز أن يُحْتَجَّ بقولِ العَجَّاجِ ورؤبةَ فهلا جازٌ أَنْ يُحْتَجَّ بقولِ الحسنِ وصاحبِه يعني محمد بن السميفع، مع أنَّا نعلُم أنَّهما لم يُقْرآ به إلَّ وقد سَمِعا فيه)). وقال النحاس(٥): ((هو غَلَطُّ عند جميعِ النَّحْويين)). وقال المهدويُّ: ((هو غيرُ جائزٍ في العربية)). وقال أبو حاتم: (هي غلطٌ منه أو عليه)). وقد أَثْبَتَ هذه القراءةَ جماعةٌ من أهلِ العلمِ، ودفعوا عنها الغَلَطَ، فإنَّ القارىءَ بها من العلمِ بمكانٍ مَكينٍ، وأجابوا عنها بأجوبةٍ صالحةٍ. فقال(٦) النضر بن شميل: ((قال يونس بن حبيب: سمعتُ أعرابياً يقول: ((دخلتُ بساتِينَ من ورائها بسأتُون)) فقلت: ما أشبه هذا بقراءةِ الحسنِ)) وخرّجها بعضُهم على أنها جمعُ شَيَّاط بالتشديد مِثالَ مبالغةٍ، مثلَ ((ضَرَّابِ)) و((قَتَّال))، على أَنْ يكونَ مشتقاً من شاط يَشِيْطِ أي: أَحْرَقَ، ثم جُمِع جَمْعَ سلامةٍ مع تخفيفِ الياءِ فوزنُه (١) سقطت الورقة ٦٨٧ بوجهيها من الأصل وأثبتناها من ش. (٢) الإتحاف ٣٢١/٢، والمحتسب ١٣٣/٢، والبحر ٤٦/٧، والقرطبي ١٤٢/١٣. (٣) معاني القرآن ٢٨٥/٢. (٤) عبارة الفراء: ((ظن أنه بمنزلة المسلمين والمسلمون». (٦) البحر ٤٦/٧: (٥) إعراب القرآن ٥٠٣/٢. ٥٦٢ - الشعراء - فَعَالُون مخففاً مِنْ فعَّالين بتشديد العين. ويَدُلُّ على ذلك أنَّهما وغيرهما قرؤُوا بذلك أعني بتشديدِ الياءِ (١). وهذا منقولٌ عن مؤرج السدوسي ووجَّهها آخرون: بأنَّ آخِرَه لَمَّا كان يُشْبِهُ آخرَ يَبْرِين وفِلَسْطين أُجْرِي إعرابُه تارةً على النونِ، وتارةٌ بالحرفِ كما قالوا: هذه يَبْرِينُ وفِلَسْطينُ ويبرونَ وفلسطونَ. وقد تقدَّم القولُ في ذلك في البقرة(٢). والهاء في ((به)) تعود على القرآن. وجاءت هذه الجمل الثلاث(٣) منفيةً على أحسنٍ ترتيبٍ(٤) نفى أولاً تنزيلَ الشياطين به؛ لأنَّ النفيَ في الغالبِ يكونُ في الممكنِ، وإِنَّ كان الإِمكانُ هنا منتفياً. ثم نفى ثانياً اْبِغَاءَ ذلك أي: ولو فُرِضَ الإِمكانُ لم يكونوا أهلًا له، ثم نفى ثالثاً الاستطاعةَ والقُدْرَةَ، ثم ذكر علةَ ذلك، وهي انعزالُهُم عن السَّماع من الملأ الأعلى؛ لأنهم يُرْجُمُون بالشُّهُبِ لو تَسَمَّعوا. آ. (٢١٣) قوله: ﴿فتكونَ﴾: منصوبٌ في جوابٍ النهي. آ. (٢١٦) قوله: ﴿فإنْ عَصَوْكَ﴾: في هذه الواوِ وجهان، أحدُهما: أنَّها ضميرُ الكفارِ أي: فإنْ عَصاك الكفارُ في أَمْرِك لهم بالتوحيدِ . الثاني: أنها ضميرُ المؤمنين أي: فإنْ عَصاك المؤمنون في فروعِ الإِسلام وبعضِ الأحكامِ بعد تصديقك والإِيمانِ برسالتك. وهذا في غاية البعد. (١) انظر: البحر ٤٦/٧. (٢) الدر المصون ٢٨/٢. (٣) الأصل «الثلاثة» وهو سهو. (٤) انظر: البحر ٤٦/٧ . ٥٦٣ - الشعراء - آ. (٢١٧) قوله: ﴿وَتَوَكَّلْ﴾: قرأ(١) نافعُ وابنُ عامرِ بالفاءِ. والباقون بالواوٍ. فأمَّا قراءةُ الفاءِ فإنَّه جَعَلَ فيها ما بعد الفاءِ كالجزاءِ لِما قبلها مُتَرَتِباً عليه، وقراءةُ الواوِ لمجرَّدٍ عَطْفِ جملةٍ على أخرى. آ. (٢١٨) قوله: ﴿الذي يَرَاكِ﴾: يجوزُ أنْ يكونَ مِرفوعَ المحلِّ خبراً لمبتدأ محذوفٍ، أو منصوبَه على المدحِ ، أو مجرورَهُ على النعتِ أو البدلِ أو البيانِ. آ. (٢١٩) قوله: ﴿وَتَقَلَّبَك﴾: عطفٌ على مفعول ((يَراك)) أي: ويرى تَقْلُبَك. وهذه قراءةُ العامَّةِ. وقرأ(٢) جناح بن حبيش بالياء مِنْ تحتُ مضمومةً، وكسر اللامِ ورفعِ الباء جَعَلَه فعلاً، مضارع ((قَلَّب) بالتشديد، وعَطَّفه على المضارعِ قبلَه، وهو ((يراك)) أي: الذي يُقَلِّبُك. آ. (٢٢١) قوله: ﴿على مَنْ تَنَزَّلُ﴾: متعلَّقٌ بـ ((تَنَزَّلُ)) بعده. وإنما قُدِّمَ لأنَّ له صدَر الكلامِ ، وهو مُعَلِّقٌ لِما قبله مِنْ فعلِ التنبئةِ لأنَّها بمعنى العِلْمِ . ويجوزُ أَنْ تكونَ هنا متعديةً لاثنين فتسدَّ الجملةُ المشتملةُ على الاستفهامِ مَسَدَّ الثاني؛ لأن الأولَ ضميرُ المخاطبين، وأَنْ تكونَ متعدِّيةً لثلاثة فتسدٍّ مَسْدَّ اثنين. وقرأ(٣) البزي ((على مَنْ تُنَزَّلُ)) بتشديد التاء [مِنْ تنزَّل](٤) في الموضعين، والأصل تَتَنَزَّلُ بتَاءَيْن، فأدغم. والإِدغامُ في الثاني سَهْلٌ لتحرُّكِ (١) السبعة ٤٧٣، والنشر ٣٣٦/٢، والحجة ٥٢٢، والبحر ٧ /٤٧، والتيسير ١٦٧، والقرطبي ١٣/ ١٤٤. --- (٢) الشواذ ١٠٨، والبحر ٤٧/٧. (٣) الإتحاف ٣٢٢/٢، والنشر ٢٣٢/٢، ٢٣٤/٢. (٤) زيادة من نسخة عارف حكمت. ٥٦٤ - الشعراء - ما قبل المُدْغَمِ ، وفي الأول صعوبةً لسكونِ ما قبلَه، وهو نونُ ((مَنْ)) وقد تقدَّم تحقيقُ هذا في البقرة عند قوله: ((ولا تَّيَّمِّمُوا الخبيثَ))(١). آ. (٢٢٣) قوله: ﴿يُلْقُوْن﴾: يجوزُ أَنْ يعودَ الضميرُ على ((الشياطين))، فيجوزُ أَنْ تكونَ الجملةُ مِنْ ((يُلْقُون)) حالاً، وأَنْ تكونَ مستأنفةٌ. ومعنى إلقائهم السمعَ: إنصاتُهم إلى الملأ الأعلى لِيَسْتَرِقُوا شيئاً، أو يُلْقُوْن الشيءَ المسموعَ إلى الكهنةِ. ويجوزُ أَنْ يعودَ على ((كلِّ أَفَّاكٍ أثيمٍ)) من حیثُ إنّه جَمْعٌ في المعنى. فتكونُ الجملة: إِمَّا مستأنفةً، وإمَّا صفةً لـ ((كلَّ أَنَّكٍ) ومعنى الإلقاء ما تقدَّم. وقال الشيخ (٢) - حالَ عَوْدِ الضميرٍ على ((الشياطين))، وبعدما ذكر المعنيين المتقدِّمين في إلقاءِ السَّمْعِ - قال: ((فعلى معنى الإِنْصاتِ يكونُ (يُلْقُوْن) استئنافَ إخبار، وعلى إلقاءِ المسموع إلى الكَهَنَةِ يُحْتَمَلُ الاستئنافُ، واحْتُمِلَ الحالُ من ((الشياطين)) أي: تَنَزَّل على كلٍّ أَفَّكٍ أثيمٍ مُلْقِيْنَ ما سَمِعُوا)). انتهى. وفي تخصيصِه الاستئنافَ بالمعنى الأولِ ، وتجويزِه الوجهين في المعنى الثاني نظرٌ؛ لأنَّ جوازَ الوجهين جارٍ في المعنّيْنَ فُيُحتاج في ذلك إلى دليلٍ . آ. (٢٢٤) قوله: ﴿يَتْبِعُهُمْ﴾: قد تقدَّمَ أن نافعاً(٣) يقرأ بتخفيف التاء ساكنة وفتح الباء في سورة الأعراف عند قوله: ((لا يَتَّبِعُوكم)) (٤) والفرقُ بين المخفَّفِ والمثقَّلِ، فَلْيُنْظَرْ ثَمَّة. وسكْن(٥) الحسنُ العينَ، ورُوِيَتْ عن (١) الآية ٢٦٧ من سورة البقرة. وانظر: الدر المصون ٦٠٠/٢. (٢) البحر ٤٨/٧ . (٣) السبعة ٤٧٤، والنشر ٢٧٤/٢، والبحر ٤٨/٧، والحجة ٥٢٢. (٤) الآية ١٩٣. وانظر: الدر المصون ٥٣٧/٥. (٥) البحر ٤٨/٧. ٥٦٥ - الشعراء- أبي عمروٍ، وليسَتْ ببعيدةٍ عنه كـ ((يَنْصُرْكم))(١) وبابِهِ. وروى(٢) هارونُ عن بعضِهم نصبَ العينِ وهي غلط. والقولُ بأنَّ الفتحةَ للإتباعِ خطأً. والعامَّةُ على رَفْعِ ((الشعراءُ)) بالابتداءِ. والجملةُ بعدَه الخبرُ، وقرأ(٣) عيسى بالنصب على الاشتغال. آ. (٢٢٥) قوله: ﴿يَهْمُوْنَ﴾: يجوزُ أنْ تكون هذه الجملةُ خبرً : (أنَّ)). وهذا هو الظاهرُ؛ لأنَّه مَحَطُّ الفائدةِ. و((في كل وادٍ)) متعلقٌ به. ويجوزُ أَنْ يكونَ ((في كل واٍ)) هو الخبرَ، و ((يهيمون)) حالٌ من الضميرِ في الخبر. والعاملُ ما تَعَلَّق به هذا الخبرُ أو نفسُ الجارِّ، كما تقدَّم في نظيرِهِ غيرَ مرة. ويجوزُ أَنْ تكونَ الجملةُ خبراً بعد خبرٍ عند مَنْ يرى تعدُّدَ الخبرَ مطلقاً وهذا من بابِ الاستعارةِ البليغةِ والتمثيلِ الرائعِ ، شبَّ جَوَلانَهم في أفانينِ القولِ وطرائقٍ المدحِ والذمِّ والتشبيهِ (٤) وأنواعِ الشعرِ بِهَيْمِ الهائمِ في كلُّ وادٍ وطريقٍ. والهائِمُ: الذي يَخْبِط في سَيْرِه ولا يَقْصِدُ موضعاً معيناً. هام على وجهه: أي ذَهَبَ. والهائِمُ: العاشِقُ من ذلك. والهيمانُ: العَطْشانُ. والهُيام: داءٌ يأخذُ الإِبلّ من العطشِ . وجمل أَهْيَمُ، وناقةٌ هَيْماءُ. والجمع فيهما: هِیم. قال تعالى: ((فشاربون شُرْبَ الهِيْم))(٥). والهيام من الرَّمْلِ: اليابسُ كأنهم تَخْيِّلُوا فيه معنى العطش . (١) الآية ١٦٠ آل عمران. وانظر: الدر ٣٦١/١. (٢) نسبت في الشواذ ١٠٨ إلى يعقوب في رواية هارون عنه. وانظر: البحر ٤٨/٧. (٣) البحر ٤٨/٧، والقرطبي ١٥٢/١٣. (٤) نسخة عارف: ((التشبيب)). (٥) الآية ٥٥ من الواقعة. ٥٦٦ - الشعراء - آ. (٢٢٧) قوله: ﴿أَيَّ مُنْقَلَبٍ﴾: منصوبٌ على المصدرِ. والناصبُ له ((يَنْقَلِبُوْن)) وقُدَّمَ لتضمُّنِهِ معنى الاستفهامِ. وهو مُعَلَّق لـ ((سَيَعْلَمُ)) سادًّاً مَسَدَّ مفعولَيْها. وقال أبو البقاء(١): «أَيُّ مُنْقَلبٍ صفةٌ لمصدرٍ محذوفٍ أَيْ: يُنْقلبون انقلاباً أيَّ مُنْقَلَبٍ. ولا يعملُ فيه ((سَيَعْلم)) لأنَّ الاستفهامَ لا يعمل فيه ما قبله)). وهذا الذي قاله مردودٌ: بأنَّ أَيّأُ الواقعةَ صفةً لا تكونُ استفهاميةً، وكذلك الاستفهاميةُ لا تكونُ صفةً لشيء، بل هما قِسْمان، كلٍّ منهما قِسْمٌ برأسِه. و((أيّ)) تنقسمُ إلى أقسامٍ كثيرةٍ(٢) وهي: الشرطيةُ، والاستفهاميةُ، والموصولةُ، والصفةُ والموصوفةُ (٣) عند الأخفش خاصة، والمناداةُ نحو: يا أيُّهذا، والمُوْصِلَةُ لنداءِ ما فيه أل نحو: يا أيُّها الرجلُ، عند غير الأخفش (٤). والأخفشُ يجعلُها في النداءِ موصولةً. وقد أَتْقَنْتُ ذلك في ((شرح التسهيل)). وقرأ(٥) ابن عباس والحسن ((أيُّ مُنْفَلَتٍ يَنْفَلِتُون)) بالفاءِ والتاءِ من فوقُ. من الانفلاتِ، ومعناها واضحٌ. والله أعلم. [تَمَّت بعونه تعالى سورة الشعراء] (١) الإملاء ١٧٠/٢. (٢) انظر: المغني ١٠٩/١. (٣) نحو: مررت بأيٍ معجب لك. أما الأخفش فقد ذهب إلى أن أياً لا تكون كذلك، وهي في قولنا: ((يا أيها الرجل» (٤) الموصولة، حذف العائد وهو صدر صلتها والمعنى: يا من هو الرجل. انظر: المغني ١٠٩/١. (٥) القرطبي ١٥٣/١٣، والبحر ٤٩/٧. ٥٦٧ - النمل - سورة النمل بسم الله الرحمن الرحيم آ. (١) قوله: ﴿وكتاب﴾: العامَّةُ على جَرِّه عطفاً على القرآن، وهل المرادُ نفسُ القرآنِ فيكونَ من عطفٍ بعضِ الصفاتِ على بعضٍ ، والمدلولُ واحدٌ، أو اللوحُ المحفوظُ أو نفس السورةِ؟ وقيل: القرآنُ والكتابُ عَلَمان للمنزَّلِ على نبيّنا محمدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم، فهما كالعبَّاسِ وعَبَّاس. يعني فتكون أل فيهما لِلَمْحِ الصفةِ. وهذا خطأٌ؛ إذ لو كانا عَلَمَيْن لما (١) وُصِفا بالنكرةِ، وقد وُصِف ((قرآن)) بها في قوله: ((تلك آياتُ الكتابِ وقرآنٍ مُبِينٍ)) في سورة الحجر(٢). ووُصِفَ بها ((كتاب)) كما في هذه الآيةِ الكريمةِ. والذي يُقال: إنه نكرةٌ هنا لإِفادةِ التفخيم، كقوله تعالى: ((في مَفْعَدٍ صِدْقٍ)»(٣). وقرأ ابن أبي عبلة ((وكتابٌ مبينٌ)) برفعِهما، عطفٌ على ((آياتُ)) المُخْبِرِ بها عن ((تلك)). فإن قيل: كيف صَحَّ أَنْ يُشارَ لاثنين، أحدُهما مؤنثٌ، والآخرُ مذكرٌ باسم إشارةِ المؤنثِ ولو قلتَ: ((تلك هندٌ وزيدٌ)) لم يَجُزْ؟ فالجواب من ثلاثة أوجه: أحدُهما: أنَّ المرادَ بالكتابِ هو الآياتُ؛ لأنَّ الكتابَ عبارةٌ عن (١) قوله: ((لما)) سقط من نسخة عارف. (٢) الآية ١ . (٣) الآية ٥٥ من القمر. ٥٦٩ - النمل- [٦٨٨/أ] آياتٍ مجموعةٍ فلمَّا كانا شيئاً واحداً/ صَحَّتِ الإِشارةُ إليهما بإشارةِ الواحدِ المؤنثِ. الثاني: أنَّه على حَذْفِ مضافٍ أي: وآياتُ كتابٍ مبين. الثالث: أنه لَمَّا وَلِيَ المؤنثَ ما يَصِحُّ الإِشارةُ به إليه اكتُفي به وحَسُنَ، ولو أُوْلِيَ المذكر لم يَحْسُنْ. ألا تراك تقولُ: ((جاءَتْني هندٌ وزيدٌ)) ولو حَذَفْتَ ((هند)» أو أَخَّرْتَها لم يَجُزْ تأنيثُ الفعلِ . آ. (٢) قوله: ﴿هُدَىَّ وبُشْرَى﴾: يجوزُ فيهما أوجهُ، أحدُها: أنَّ يكونا منصوبَيْنِ على المصدرِ بفعلٍ مقدرٍ مِنْ لفظِهما أي: يَهْدِي هُدىً ويُبَشِّر بُشْرَى. الثاني: أن يكونا في موضعِ الحالِ من («آياتُ)). والعاملُ فيها ما فِي ((تلك)) مِنْ معنى الإِشارة. الثالث: أَنْ يكونا في موضعِ الحالِ من (القرآن)). وفيه ضعفٌ من حيث كونُه مضافاً إليه. الرابع: أَنْ يكونَ حالاً من ((كتاب)) في قراءة مَنْ رَفَعه. ويَضْعُفُ في قراءة مَنْ جرَّهُ لِما تقدَّمَ مِنْ کونِه في حكمِ المضافِ إليه لعَطْفِه عليه. الخامس: أنهما حالان من الضمير المستترِ في ((مبين)) سواءً رَفَعْتَه أم ◌ِجَرَرْتَه. السادس: أَنْ يكونا بَدَلَيْن مِنْ ((آيات)). السابع: أَنْ يكونا خبراً بعد خبرِ. الثامن: أن يكونا خبرَيْ ابتداءٍ مضمرٍ أي: هي هدئٍّ وبُشْری. آ. (٣) قوله: ﴿الذين يُقيمون﴾: يجوزْ أَنْ يكونَ مجرورٌ المحلِّ نعتاً للمؤمنين، أو بدلاً، أو بياناً، أو منصوبَه على المدحِ أو مرفوعَه على تقدیرٍ مبتدأ أي: هم الذین. قوله: ((وهم بالآخرةِ هم يُوْقنون)) ((هم)) الثاني تكريرٌ للأول على سبيلٍ التوكيدِ اللفظيِّ. وفهم الزمخشري(١) منه الحَصْرَ أي: لا يُوقِنُ بالآخرةِ حِقٌّ الإِيقانِ إلَّ هؤلاءِ المتصفونَ بهذه الصفاتِ. و ((بالآخرة)) متعلقٌ بـ ((يُوقنون)» (١) الكشاف ١٣٥/٣ - ١٣٦. ٥٧٠ - النمل - ولا يَضُرُّ الفصلُ بينهما بالتوكيدِ. وهذه الجملةُ يُحتمل أَنْ تكونَ معطوفةٌ على الصلةِ داخلةً في حَيِّزِ الموصولِ، وحينئذٍ يكون قد غايَرَ بين الصلتينِ لمعنىّ: وهو أنَّه لَمَّا كان إقامةُ الصلاة وإيتاءُ الزكاةِ ممَّا يتكرَّرُ ويتجدَّدُ أتى بالصلتين جملةً فعليةً فقال: ((يُقيمون)) و ((يُؤْتُون)). ولمَّا كان الإِيقانُ بالآخرةِ أمراً ثابتاً مطلوباً دوامُه أتى بالصلةِ جملةً اسميةً مكرَّراً فيها المسندُ إليه مُقَدَّماً فيها المُوْقَنُ به الدالُّ على الاختصاصِ ليدلَّ على الثباتِ والاستقرارِ. وجاء بخبرِ المبتدأ في هذه الجملةِ فعلاً مضارعاً، دلالةً على أنَّ ذلك مُتَجَدِّدٌ كلَّ وقتٍ غيرُ منقطعٍ. ويُحتمل أَنْ تكونَ مستأنفةً غيرَ داخلةٍ في حَيِّز الموصولِ . قال الزمخشري(١): ((ويُحتمل أَنْ تَتِمَّ الصلةُ عنده)» أي: عند قولِه: ((وهم)). قال: ((وتكونُ الجملةُ اعتراضيةً)) يريد أنَّ الصلةَ تَمَّتْ عند ((الزكاةِ» فيجوزُ في ذلك. وإلَّ فكيف يَصِحُّ إذا أَخَذْنا بظاهرٍ كلامِه أنَّ الصِّلةَ تَمَّتْ عند قوله ((وهم))؟ وتسميتُه هذا اعتراضاً يعني من حيث المعنى، وسياقُ الكلام، وإلّ فالاعتراضُ في الاصطلاحِ لِما يكون بين متلازِمَيْنٍ من مبتدأ وخبرٍ، وشرط وجزاءٍ، وقَسّمٍ وجوابِهِ، وتابعٍ ومتبوعٍ ، وصلةٍ وموصولٍ، وليس هنا شيءٌ من ذلك. آ. (٥) قوله: ﴿الأخْسرون﴾: في أَفْعَل قولان، أحدهما: - وهو الظاهرُ - أنَّها على بابِها من التفضيل، وذلك بالنسبة إلى الكفّار من حيث اختلافُ الزمانِ والمكانِ. يعني: أنَّهم أكثرُ خُسْراناً في الآخرةِ منهم في الدنيا، أي: إنَّ خُسْرانَهم في الآخرة أكثرُ من خُسْرانِهم في الدنيا. وقال جماعةٌ منهم الكرماني: ((هي هنا للمبالغةِ لا للشِّرْكة؛ لأن المؤمن لا خُسْران له في الآخرةِ البتة)). وقد تقدَّمَ جوابُ ذلك: وهو أنَّ الخسرانَ راجعٌ إلى شيءٍ واحدٍ. باعتبار اختلاف زمانِه ومکانِه . (١) الكشاف ١٣٥/٣. ٥٧١ - النمل- وقال ابن عطية(١): ((الأخْسرون جمع ((أَخْسَّر)) لأنَّ أَفْعَلَ صفةً لا يُجْمَعُ، إلاَّ أن يُضافَ فَتَقْوىُ رتبتُه في الأسماء، وفي هذا نظرٌ)). قال الشيخ(٢): ((ولا نظرَ في أنَّه يُجمع جَمْعَ سلامةٍ أو جمعَ تكسيرٍ إذا كان بأل، بل لا يجوزُ فیه إلّ ذلك، إذا كان قبله ما يُطابِقُه في الجمعيَّةِ. فتقول: ((الزيدون هم الأفضلون والأفاضل)) و((الهندات هنَّ الفُضْلَيَاتُ، والفُضُلُ. وأمَّا قوله: ((لا يُجْمَّعُ إلَّ أَنْ يُضَافَ)) فلا يَتَعَيِّنُ إِذ ذَاكِ جَمْعُه، بل إذا أُضيف إلى نكرةٍ لا يجوزُ جَمْعُه، وإن أضيف إلى معرفةٍ جاز فيه الجمعُ والإفرادُ». آ. (٦) قوله: ﴿لَتُلَّقَّى): ((لَقِيَ)) مخفّفاً يتعدَّى لواحدٍ، وبالتضعيف يتعدّى لاثنين فأُقيم أَوَّلُهما هنا مُقَامَ الفاعلِ، والثاني ((القرآنَ)). [٦٨٨/ب] وقول من قال: إنَّ أصلَه تَلَقَّنَ بالنون / تفسيرُ معنىً فلا يَتَعَلَّقُ به مُتَعَلَّقٌ، فَإِنَّ النونَ أُبْدِلَتْ حرفَ عِلٍ. آ. (٧) قوله: ﴿إِذ قال﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ منصوباً بإضمار اذكُرْ أو تَعَلَّمْ مقدَّراً مدلولاً عليه بـ عَليم أو بـ حَليم. وفيه ضعفٌ لتقُّدِ الصفةِ بهذا الظرفِ. قوله: (بشِهابٍ قَبَسٍ)) قرأ(٣) الكوفيون بتنوين ((شهاب)) على أنَّ قَبَساً بدلٌ مِنْ ((شهاب)) أو صفةٌ له؛ لأنه بمعنى مَقْبوس كالقَبَضِ (٤) والنَّقْضِ(٥). والباقون (١) المحرر ٩٠/١٢. (٢) البحر ٥٤/٧ . (٣) السبعة ٤٧٨، والنشر ٣٣٧/٢، والقرطبي ١٥٦/١٣، والتيسير ١٦٧، والبحر ٥٥/٧، والحجة ٥٢٢. (٤) قال في اللسان (قبض): ((والقَبَضُ بالتحريك بمعنى المقبوض وهو منا جُمع من الغنيمة قبل أن تُقْسِّم)). (٥) النَّقَضُ: ما انتكث ثم أُعيد غَزْلُه. ٥٧٢ - النمل - بالإِضافةِ على البيانِ؛ لأن الشهابَ يكون قَبَساً وغيره. والشِّهابُ: الشُّعلةُ. والقَبَس: القطعةُ منها، تكونُ في عُوْدٍ وغيرِ عُوْد. و((أَوْ)) على بابِها من التنويع. والطاء في ((تَصْطَلُون)) بدلٌ مِنْ تاءِ الافتعال(١) لأنه مِنْ صَلِيَ بالنار. آ. (٨) قوله: ﴿تُوْدِيَ﴾: في القائمِ مَقامَ الفاعلِ ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه ضميرُ موسى، وهو الظاهرُ. وفي ((أَنْ)) حينئذٍ ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنَّها المُفَسِّرَةُ لتقدُّمِ ما هو بمعنى القول. والثاني: أنها الناصبةُ للمضارعِ، ولكنْ وُصِلَتْ هنا بالماضي. وتقدَّم تحقيقُ ذلك، وذلك على إسقاطِ الخافضِ أي: نُوْدِي موسى بأَنْ بُوْرِك. الثالث: أنها المخففةُ، واسمُها ضميرُ الشأنِ، و(بُوْرِك)) خبرُها، ولم يَحْتَجْ هنا إلى فاصلٍ؛ لأنه دعاءٌ، وقد تقدَّم نحوه في النور في قوله: ((أَنْ غَضِب)(٢) في قراءته فعلاً ماضياً. قال الزمخشري (٣): ((فإن قلتَ: هل يجوزُ أن تكونَ المخففةَ من الثقيلةِ، والتقدير: بأنَّهُ بُورك. والضميرُ ضميرُ الشأنِ والقصةِ؟ قلت: لا لأنه لا بُدَّ مِنْ ((قد)». فإنْ قلتَ: فعلى إضمارِها؟ قلت: لا يَصِحُّ لأنها علامةٌ ولا تُحْذَفُ)). انتهى. فمنع أَنْ تكونَ مخففةً لِما ذُكِر، وهذا بناءً منه على أَنَّ ((بُوْرِكَ)) خبرٌ لا دعاءٌ. أمّا إذا قُلْنا: إنه دعاءً كما تقدَّم في النورِ فلا حاجةَ إلى الفاصلِ كما تقدَّم. وقد تقدَّم فيه استشكالٌ: وهو أنَّ الطلبَ لا يَقَعُ خبراً في هذا البابِ فكيف وَقَعَ هذا خبراً لـ ((أَنْ)) المخففةِ وهو دُعاءٌ؟ (١) أصله تَصْتَلِيُون وزنه تَفْتَعِلون وقعت تاء الافتعال بعد الصاد فقلبت طاء فصار تَصْطَلِيُوْن استثقلت الضمة على الياء فحذفت فالتقى ساكنان، فحذفت اللام، ثم ضم ما قبل الواو لكيلا تنقلب الواوياء لانكسار ما قبلها وسكونها فيلتبس الجمع بالمفرد. (٢) الآية ٩ من النور وهي قراءة نافع. انظر: السبعة ٤٥٣. (٣) الكشاف ١٣٧/٣. ٥٧٣ - النمل - الثاني من الأوجهِ الأُوَلِ: أنَّ القائمَ مَقامَ الفاعلِ نفسُ ((أَنْ بُوْرِكَ)) على حَذْفِ حرفِ الجرِّ أي: بأَنْ بُوْرِكَ. و((أَنْ)) حينئذٍ: إِمَّا ناصبةً في الأصلِ ، وإمّا مخففةٌ. الثالث: أنه ضميرُ المصدرِ المفهومِ من الفعلِ أي: نُودي النداءُ، ثم فُسِّر بما بعدَه. ومثلُه ((ثم بدا لهم مِنْ بعدِ ما رَأَوا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّه))(١). قوله: ((مَنْ في النارِ)) ((مَنْ)) قائمٌ مقامَ الفاعلِ لـ ((بُوْرك)). وبارَكَ يتعدّى بنفسِه، ولذلك بُني للمفعولِ. يقال: بارَكَكَ اللَّهُ، وبارَكَ عليكَ، وبارَك فيك، وبارك لك، وقال الشاعر (٢): ٣٥٣٩- فَبُوْرِكْتَ مَوْلُوداً ويُوْرِكْتَ ناشِئاً وبُوْرِكْتَ عند الشِّيْبِ إِذْ أَنْتَ أَشْيَبُ وقال عبدُ الله بن الزبير(٣): ٣٥٤٠- فبُوْرِكَ فِي بَنِيْكَ وفي بَنِيهِمْ إذا ذُكِروا ونحن لك الفِداءُ وقال آخر (٤): ٣٥٤١- بُوْرِك الميِّتُ الغرِيبُ كما بُوْ رِكَ نَضْحُ الرُّمَّانِ والزيتونِ والمرادُ بـ ((مَنْ)): إمَّا الباري تعالى، وهو على حَذْفٍ مضافٍ أي: مَنْ (١) الآية ٣٥ من يوسف . (٢) لم أهتدٍ إلى قائله، وهو في القرطبي ١٥٨/١٣، والبحر ٥٥/٧. (٣) البحر ٥٥/٧، والماوردي ١٨٩/٣. (٤) البيت لأبي طالب ابن عبد المطلب وهو في اللسان (برك) والبحر ٥٥/٧ . ٥٧٤ - النمل - قُدْرَتُه وسُلْطانه في النار. وقيل: المرادُ به موسى والملائكةُ، وكذلك بمَنْ حولَها. وقيل: المرادُ بـ ((مَنْ)) غيرُ العقلاءِ وهو النورُ والأمكنةُ التي حولها. قوله: ((وسبحانَ الله)» فيه أوجهٌ، أحدها: أنَّه من تتمَّةِ النداءِ أي: نُؤْدِي بالبركةِ وتَنْزِيُّهِ ربِّ العزّةِ. أي: نُودي بمجموعِ الأمرَيْنِ. الثاني: أنه من كلام. اللَّهِ تعالى مخاطِباً لنبيّنا محمدٍ عليه الصلاةُ والسلامُ، وهو على هذا اعتراض بين أثناءِ القصةِ. الثالث: أنَّ معناه: وبُوْرِكُ مَنْ سَبَّحِ اللَّهَ. يعني أنه حَذَفَ ((مَنْ)) وصلتَها وَأَبْقَى معمولَ الصلةِ إذ التقدير: بُوْرِكَ مَنْ في النار ومَنْ حَوْلَها، ومَنْ قال: سبحان الله و ((سُبْحانَ)) في الحقيقةِ ليس معمولاً لـ ((قال)) بل لفعلٍ مِنْ لفظِهِ، وذلك الفعلُ هو المنصوبُ بالقول. آ. (٩) قوله: ﴿إِنَّه أنا اللَّهُ﴾: في اسمٍ ((إِنَّ)) وجهان، أظهرهما: أنه ضميرُ الشأن. و ((أنا الله)) مبتدأ وخبرُه، و((العزيز الحكيم)» صفتان لله. والثاني: أنه ضميرٌ راجعٌ إلى ما دلَّ عليه ما قبله، يعني: أنَّ مُكَلِّمَكَ أنا، و((الله)) بيانٌ لـ((أنا)). واللَّهُ العزيزُ الحكيمُ صفتان للبيانِ. قاله الزمخشري(١). قال الشيخ(٢): ((وإذا حُذِفَ الفاعلُ وبُنِيَ الفعلُ للمفعولِ فلا يجوزُ أَنْ يعودَ الضميرُ على ذلك / المحذوفِ، إذ قد غُيِّرَ الفعلُ عن بنائِه له. [٦٨٩/أ] وُزِمَ على أَنْ لا يكونَ مُحَدَّثً عنه، فَعَوْدُ الضميرِ إلیه مِمَّا يُنافي ذلك؛ إذ يصيرُ مُعْتَنَیَ به)». قلت: وفيه نظرً؛ لأنَّه قد يُلْتَفَتُ إليه. وقد تقدَّم ذلك في قوله في البقرة ((فَمَنْ عُفِيَ له))(٣) ثم قال: ((وأداءٌ إليه)) قيل: أي الذي عفا، وهو وليُّ الدم، (١) الكشاف ١٣٨/٣. (٢) البحر ٥٦/٧. الآية ١٧٨. وانظر: الدر ٢٥٢/٢ . (٣) ٥٧٥ - النمل - على ما تقدَّم تحريره (١). ولَئِنْ سُلِّم ذلك فالزمخشريُّ لم يَقُلْ: إنه عائدٌ على ذلك الفاعلِ ، إنما قال: راجعٌ إلى ما دَلَّ عليهِ ما قبلَه، يعني مِن السِّياقِ. وقال أبو البقاء (٢): ((ويجوزُ أَنْ يكونَ ضميرَ (رَبّ)) أي: إنَّ الرَّبَّ أنا الله، فيكون (أنا)) فَصْلاً، أو توكيداً، أو خبرَ إِنَّ، واللّهُ بدلٌ منه)). آ. (١٠) قوله: ﴿وأَلْقٍ﴾: عطفٌ على ما قبلَه من الجملةِ الاسميةِ الخبريةِ. وقد تقدَّم أَنَّ سيبويهِ لا يَشْترط تناسُبَ الجملِ ، وأنه يُجيز ((جاء زيدٌ ومَنْ أبوك)) وتقدَّمت أدلّتُه في أول البقرة. وقال الزمخشري (٣): ((فإنْ قلتَ: علامَ عَطَفَ قِولَه: ((وأَلْقِ عصاكَ؟)) قلت: على قولِه: ((بُوْرِكَ)) لأِنَّ المعنى: نُوْدِيَ أَنْ بُوْرِكَ. وقيل له: أَلْقِ عَصاك (٤). والدليلُ على ذلك قولُه: ((وأَنْ أَلْقِ عَصاك)) بعد قُولِهِ: ((يا موسى(٥) إنَّه أنا اللَّهُ)) على تكريرِ حرفِ التفسيرِ كما تقول: ((كتبْتُ إليه أَنْ حُجَّ واعْتَمِرْ) وإنْ شِئْتَ: أَنْ حُجَّ وَأَنِ اعْتَمِرْ)). قال الشيخ(٦): ((وقولُه: (إنه معطوفٌ على ((بُوْرِكَ)) منافٍ لتقديرِه ((وقيل له: أَلْقٍ عصاك)) لأنَّ هذه جملةٌ معطوفةٌ على ((بُوْرِكَ)) وليس جُزْؤها الذي هو معمول ((وقيل)) معطوفاً على ((بُوْرِكَ))، وإنما احتاج إلى تقديرِ ((وقيل له: أَلْقٍ)) لتكونَ جملةً خبريةً مناسِبَةً للجملةِ الخبريةِ التي عُطِفَتْ عليها. كأنه يَرَى في العطفِ تناسُبَ الجملِ المتعاطفةِ. والصحيحُ أَنَّه لا يُشْتَرَطُ ذلكِ)) ثم ذكرَ مذهبٌ سيبويه . (١) انظر: الدر ٢٥٦/٢. (٢) الإِملاء ١٧٢/٢. (٣) الكشاف ١٠١٣٨/٣ (٤) الكشاف: ((لأن المعنى: نودي أن بورك وأن ألقٍ عصاك كلاهما تفسير لـ نودي، والمعنى: قيل له بورك مَنْ في النار وقيل له ألق)». (٥) الأصل أن يا موسى. (٦) البحر ٥٦/٧. ٥٧٦. - النمل - قوله: ((تَهْتُ) جملةٌ حاليةٌ مِنْ هاءِ (تَراها)) لأنَّ الرؤيةَ بَصَرِيَّةٌ. قوله: ((كأنّها جانٌّ)) يجوزُ أَنْ تكونَ حالاً ثانيةً، وأَنْ تكونَ حالاً من ضمير (تَهْتَزُّ) فتكونَ حالاً متداخلةٌ. وقرأ(١) الحسن والزهري وعمرو بن عبيد ((جَأَنَّ)) بهمزةٍ مكانَ الألفِ، وتقدَّم تقريرُ هذا في آخرِ الفاتحةِ عند ((ولا الضالِّين))(٢). قوله: ((ولم يُعَقِّبْ)) يجوز أن يكونَ عطفاً على ((وَلَّى))، وأَنْ يكونَ حالاً أخرى. والمعنى: لم يَرْجِعْ على عَقِهِ. كقوله(٣): ٣٥٤٢- فما عَقُّبوا إذا قيلَ: هل مَنْ مُعَقُّبٍ ولا تَزَلُوا يومَ الكَرِيهةِ مَنْزِلا آ. (١١) قوله: ﴿إِلَّ مَنْ ظَلَّمَ﴾: فيه وجهان، أحدُهما: أنه استثناءٌ منقطعٌ؛ لأنَّ المرسلين مَعْصُومون من المعاصي. وهذا هو الظاهرُ الصحيحُ. والثاني: أنه متصلٌ. ولأهلِ التفسيرِ فيه عباراتٌ ليس هذا موضعَها. وعن الفراء(٤): أنَّه متصلٌ لكن من جملةٍ محذوفةٍ، تقديرُه: وإنما يَخاف غيرُهم إِلَّ مَنْ ظَلَمْ. وردَّه النحاس(٥): بأنَّه لوجاز هذا لجازَ ((لا أضرب القوم إلَّ زيداً) أي: وإنما أَضْرِبُ غيرَهم إلَّ زيداً، وهذا ضدُّ البيانِ والمجيءُ بما لا يُعْرَفُ معناه . وقَدَّره الزمخشري(٦) بـ ((لكن)). وهي علامةٌ على أنه منقطعٌ، وذكر كلاماً (١) المحتسب ١٣٥/٢، والبحر ٥٦/٧. (٢) الآية ٧ من الفاتحة. وانظر: الدر ٧٤/١. (٣) لم أهتدٍ إلى قائله وهو في البحر ٥٧/٧، والكشاف ١٣٨/٣. (٤) معاني القرآن ٢٨٧/٢. (٥) إعراب القرآن ٥١٠/٢. (٦) الكشاف ١٣٨/٣. ٥٧٧ - النمل - طويلاً. فعلى الانقطاع يكونُ منصوباً فقط على لغةِ الحجاز. وعلى لغةٍ تميمٍ يجوزُ فيه النّصبُ والرفعُ على البدلِ من الفاعلِ قبلَه. وأمَّا على الاتصالِ فيجوزُ فيه الوجهان على اللغتين، ويكون الاختيارُ البدلَ؛ لأنَّ الكلامَ غيرُ موجّبٍ. وقرأ(١) أبو جعفر وزيد بن أسلم ((ألا)) بفتح الهمزة وتخفيف اللام جعلاها حرفَ تنبيهٍ. و(مَنْ)) شرطيةٌ، وجوابُها ((فإني غفورٌ)). والعامَّةُ على تنوينِ ((حُسْناً» .. ومحمد(٢) بن عيسى الأصبهاني غیرَ منَوَّن، جعله فُعْلى مصدراً كُرُجْعَى فمنعَها الصرفَ لألفِ التأنيثِ. وابنُ مقسم بضم الحاء والسين منوناً. ومجاهد وأبو حيوة ورُوِيَتْ عن أبي عمروٍ - بفَتْخِهما. وقد تقدَّم تحقيقُ القراءتين في البقرة(٣) . ٤ آ. (١٢) قوله: ﴿أَخْرُجْ﴾: الظاهرُ أنه جوابٌ لقوله ((أَدْخِلْ)) أي: إِنْ أَدْخَلْتَها تَخْرُجْ على هذه الصفةِ، وقيل: في الكلامِ حَذْفٌ تقديرُه: وأَدْخِلْ يدَك تَدْخُلْ، وأَخْرِجْهَا تَخْرُجْ. فَحَذَفَ من الثاني ما أَثْبَتَه في الأولِ، ومن الأولِ ما أَثْبته في الثاني. وهذا تقديرُ ما لا حاجةٌ إليه. قوله: ((بَيْضاءَ)) حالٌ مِنْ فاعلِ (تَخْرُجْ)). و((مِنْ غَيرِ سُوْءٍ)) يجوزُ أَنْ تكونَ حالاً أخْرى، أو مِن الضميرِ في ((بَيْضاء)) أو صفةً لـ ((بَيْضاء)). قوله: ((في تِسْعِ)) فيه أوجهً، أحدُها: أنه حالٌ ثالثة. قاله أبو البقاء (٤). (١) المحتسب ١٣٦/٢، والبحر ٥٧/٧. (٢) انظر في قراءاتها: الإتحاف ٣٢٤/٢، والبحر ٥٧/٧. (٣) انظر: الدر ١ /٤٦٦. (٤) الإملاء ١٧٢/٢. ٥٧٨. - النمل - يعني: مِنْ فاعل يَخْرُجْ)) / أي: آيةٌ في تسعِ آياتٍ. كذا قدَّره، والثاني: أنها [٦٨٩/ب] متعلقةٌ بمحذوفٍ أي: اذهَبْ في تسعِ . وقد تَقَدَّم اختيارُ الزمخشري(١) لذلك في أولِ هذا الموضوعِ عند ذِكْر الْبَسْملةِ، ونَظّره بقولِ الآخرِ (٢): ٣٥٤٣- وقُلْتُ إلى الطّعامِ فقالَ منهم وقولهم: ((بالرّفاهِ والبنين))، وجَعَلَ هذا التقديرَ أعربَ وأحسنَ. الثالث: أَنْ يتعلُّقَ بقولِه: «وأَلْقِ عَصاك وأَدْخِلْ». قال الزمخشري (٣): ((ويجوزُ أَنْ يكونَ المعنى: وأَلْقِ عَصاكَ وَأَدْخِلْ يَدك في تسع آياتٍ أي: في جملةٍ تسعِ آياتٍ. ولقائلٍ أَنْ يقول: كانَتِ الآياتُ إحدى عشرةَ منها اثنتان: اليدُ والعَصا. والتِّسْعُ: الفَلْقُ والطَّوفانُ والجَرادُ والقُمَّلُ والضفادِعُ والدَّمُ والطَّمْسَةُ والجَدْبُ في بَواديهم، والنَّقْصانُ في مزارِعهم) انتهى. وعلى هذا تكونُ ((في)) بمعنى ((مع)) لأنَّ اليدَ والعَصا حينئذٍ خارجتان مِن التِّسْعِ، وكذا فعلَ ابنُ عطية (٤)، أعني أنه جَعَلَ ((في تِسْع)) متصلاً بـ((أَلْقٍ) و((أَدْخِلْ)) إلَّ أَنَّه جَعَلَ اليدَ والعَصا مِنْ جملةٍ التسعِ . وقال: ((تقديرُهُ نُمَهِّد لكَ ذلك، وتُيَسِّر في [جملةٍ](٥) تسعٍ)). وجَعَلَ الزجاجُ(٦) أنَّ ((في)) بمعنى ((مِنْ)) قال: كما تقول: خُذْ لي من الإِبل عشراً فيها فَحْلان أي: منها فَحْلان)». (١) الكشاف ١٣٨/٣، قال: ((والمعنى اذهب في تسع آيات)). (٢) عجزه: زعيمٌ نَحْسُد الأنَسَ الطعاما وهو لسمير بن الحارث، في الخزانة ٤/٣، والنوادر ١٢٤ . (٣) الكشاف ١٣٨/٣ . المحرر ١١ /٩٦. (٤) من «المحررة. (٥) (٦) معاني القرآن ١١٠/٤. ٥٧٩ - النمل : - قولُه: ((إلى فِرْعَوْنَ)) هذا متعلُّقٌ بما تَعَلَّقَ به ((في تسعٍ))، إذا لم تَجْعَلْه حالاً، فإنْ جَعَلْناه حالاً عَلَّقْناه بمحذوفٍ، فقدَّره أبو البقاء (١) ((مُرْسَلًا إلى فرعون)). وفيه نظرٌ؛ لأنَّه كونٌ مقيدٌ وسبَقَه إلى هذا التقديرِ الزجاجُ(٢)، وكأنهما أرادا تفسيرَ المعنىْ دُونَ الإِعرابِ. وجَوَّزَ أبو البقاء(٣) أيضاً أن تكونَ صفةً لآيات، وقدَّره: ((واصلةً إلى فرعونَ)). وفيه ما تقدّم. آ. (١٣) قوله: ﴿مُبْصِرَةً﴾: حالٌ، ونَسَبَ الإِبصارَ إليها مجازاً؛ لأنَّ بها تُبْصِرُ، وقيل: بل هي مِنْ أَبْصَرَ المنقولةِ بالهمزةِ مِنْ بَصِرَ أي : إنها تُبْصِرُ غيرَها لِما فيها من الظهور. ولكنه مجازٌ آخرُ غيرُ الأولِ ، وقيل: هو بمعنى مفعول نحو: ماءٌ دافِقُ أي: مَدْفُوق. وقرأ(٤) علي بن الحسين وقتادة بفتح الميم والصادِ أي: على وزنِ ((أَرْضُ مَسْبَعَةٌ)) ذاتُ سِباعٍ، ونصبُها على الحالِ أيضاً، وجَعَلها أبو البقاء(٥) في هذه القراءةِ [مفعولاً مِنْ أجله. وقد تَقَدَّم ذلك](٦) . آ. (١٤) قوله: ﴿وَاسْتَيْقَنَّتْها﴾: يجوزُ أَنْ تكونَ هذه الجملةُ معطوفةً على الجملةِ قبلَها. ويجوزُ أَنْ تكونَ حالاً مِنْ فاعلِ ((جَحَدُوا)) وهو أبلغُ في الذَّمِّ. واسْتَفْعل هنا بمعنىْ تَفَعَّل نحو: اسْتَعظم واسْتَكْبر، بمعنى: تَعَثَّم وتكبِّر. (١) الإملاء ١٧٢/٢. (٢) لم يرد هذا التقدير للزجاج في كتابه («معاني القرآن)». (٣) الإملاء ١٧٢/٢ . (٤) المحتسب ١٣٦/٢، البحر ٥٨/٧. (٥) الإِملاء ١٧٢/٢. (٦) ما بين معقوفين لم يظهر في مصورة الأصل، وأثبتناه من ش. ٥٨٠