Indexed OCR Text

Pages 521-540

- الشعراء -
بساكنٍ، فَمِنْ ثَمَّ ضَعُفَتْ. وجوابُ الشيخ بمَنْعِ الملازَمَةِ حَسَنٌ، إلاّ أنه كان
ينبغي أن يُبْدِلَ لفظةً الوقفِ بالابتداء؛ لأنه هو الذي وقع الكلامُ فيه، أعني
الابتداءَ بكلمة ((تَلَقَّفُ)).
آ. (٥١) قوله: ﴿أَنْ كُتَّا﴾: قرأ العامَّةُ بفتح ((أَنْ)) أي: لَأَنْ كُنَّا
مبدأ القول بالإِيمان. وقرأ(١) أبان بن تغلب وأبو معاذ بكسرِ الهمزةِ. وفيه
وجهان، أحدُهما: أنَّها شرطيةٌ، والجوابُ محذوفٌ لفهمِ المعنى أو متقدمٌ عند
مَنْ يُجِيزه. والثاني: أنها المخففةُ من الثقيلة واسْتُغْني عن اللامِ الفارقةِ لإِرشادِ
المعنى إلى الثبوت دونَ النفي، كقوله(٢):
٣٥١١-
وإنْ مالِكٌ كانَتْ كرامَ المعادنِ
وفي الحديث(٣): ((إن كانَ رسولُ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم يُحِبُّ
العَسَلَ)) أي: ليُحبه.
آ. (٥٣) قوله: ﴿حاشِرِين﴾: هو مفعولُ ((أَرْسَلَ)) و((حاشرين))
معناه: حاشرين السحرةَ.
(١) البحر ١٦/٧، المحرر ٦٠/١٢.
(٢) صدره:
ونحن أباة الضيم من آل مالكٍ
وهو للطرماح في ديوانه ٥١٢، والعيني ٢٧٦/٢، والهمع ١٤١/١، والدرر
١١٨/١، والتصريح ٢٤١/١.
(٣) لفظه في البخاري ((يُعجبه)) في كتاب الأشربة، ١٥ باب شرب الحلواء والعسل.
الفتح ٨١/١٠.
٥٢١

- الشعراء-
آ. (٥٤) قوله: ﴿إِنَّ هؤلاءٍ لَشِرْذِمَةٌ﴾: معمولٌ لقولٍ مضمرٍ
أي: قال إنَّ هؤلاءٍ. وهذا القولُ يجوزُ أَنْ یکون حالاً أي: أَرْسَلَهم قائلا ذلك،
ويجوز أَنْ يكونَ مفسِّراً لـ أَرْسَلَ، والشِّرْذِمَةُ: الطائفةُ من الناسِ. وقيل: كلُّ
بقيةٍ مِنْ شيءٍ خسيسٍ يُقال لها: شِرْذِمة، ويقال: ثوبٌ شَرادم أي: أَخْلاقِ،
قال(١):
٣٥١٢- جاء الشتاءُ وقميصي أُخْلاقْ
شراذِمٌ يضحكُ منه الخَلَّقْ
وأنشد أبو عبيدة (٢):
٣٥١٣- [يُحْذَيْنَ] في شَراذِمِ النِّعالِ
آ. (٥٦) قوله: ﴿حاذِرُوْن﴾: قرأ(٣) الكوفيون وابن ذكوان
((حاذِرُون)) بالألفِ، والباقون ((حَذِرُوْن)) بدونِها، فقال أبو عبيدة (٤): ((هما بمعنىٌّ
واحد يُقال: رجلٌ حَذِرٌ وحَذُرٌ وحاذِرٌ بمعنىٌ)) وقيل: بل بينهما فرقٌ. فَالحَذِرُ:
المُتَيَقِّظُ. والحاذِرُ: الخائِفُ. وقيل: الحَذِر: المخلوقُ مَجْبُولاً على الحَذَرِ.
والحاذِرُ: ما عُرِض في ذلك، وقيل: الحَذِرُ: المتسلِّح أي: له شوکةُ سلاحٍ
وأنشد سيبويهِ في إعمال حَذِر على أنه مثالُ مبالغةٍ مُحَوَّلٌ مِنْ حاذر قوله(٥):
(١) رجز لا يُعرف قائله. وهو في تفسير الماوردي ١٧٤/٣، واللسان (خلق ـ شرذم)
والخزانة ١١٤/١. والرواية ((يضحك مني التُّوَّاق))، وهو ابنه.
(٢) مجاز القرآن ٨٦/٢، والمحرر ٦١/١٢.
(٣) السبعة ٤٧١، والنشر ٢٣٥/٢، والبحر ١٨/٧، والتيسير ١٦٥، والقرطبي
١٠١/١٣، والحجة ٥١٧.
(٤) المجاز ٨٦/٢.
(٥) تقدم برقم ٢٥١١. وانظر: الكتاب ٥٨/١.
٥٢٢

- الشعراء -
٣٥١٤ - حَذِرٌ أموراً لا تَضِيْرُ وآمِنْ
ما ليسَ مُنْجِيَه من الأَقْدارِ
وقد زعم بعضُهم أنَّ سيبويهِ لمَّا سأله: هل تحفظُ شيئاً في إعمالَ فَعِل؟
صنع له هذا البيتَ. فعيب على سيبويه: كيف يأخذُ الشواهدَ الموضوعةَ؟ وهذا
غَلَطْ؛ فإن هذا الشخص قد أقرَّ على نفسِه بالكذبِ فلا يُقْدَحُ قولُه في سيبويهِ.
والذي ادَّعى أنَّه صنعَ البيتَ هو اللاحقيُّ(١). وحَذِر يتعدَّى بنفسه، قال تعالى:
(يَحْذَرُ الآخرة)»(٢)، وقال العباس بن مرادس(٣):
٣٥١٥- وإني حاذِرٌ أَنْمِيْ سِلاحي
إلى أوصالٍ ذَيَّالٍ مَنيعِ
وقرأ(٤) ابن السَّميفع وابن أبي عمار(٥) ((حادِرُوْن)) بالدال المهملة من
قولهم: ((عَيْنٌ حَدْرَة)» أي: عظيمة، كقوله(٦):
٣٥١٦ - وعَيْنْ لها حَدْرَةٌ بَدْرَةٌ
(١) أبان بن عبد الحميد من شعراء هارون الرشيد، مطعون في دينه، بصري، توفي سنة
٢٠٠ هـ انظر: الخزانة ٤٥٨/٣، والأعلام ٢٧/١.
(٢) الآية ٩ من الزمر.
اللسان (ذيل)، البحر ١٨/٧، والمحرر ٦٣/١٢.
(٣)
(٤) الشواذ ١٠٦، والمحتسب ١٢٨/٢، والبحر ١٨/٧، والقرطبي ١٣ /١٠١.
(٥) لم أقف على ترجمته.
(٦) عجزه:
ثُقْتْ ماقِيْهِمَا مِنْ أُخُرْ
والبيت لامرىء القيس، وفي ديوان ١٦٦، واللسان (حدر) وبَذْرة: أي تبدر بالنظر.
ومن أخر: أي من مآخير العين.
٥٢٣

- الشعراء -
والمعنى: عظيماً. وقيل: الحادِرُ: القويُّ الممتلىء. وحُكي: رجلٌ
حادِرُ أي: ممتلىءٌ غَيْظاً، ورجلٌ حادِرٌ أي: أحمقُ كأنه ممتلىءٌ مِنَ الحَمَقِ،
قال(١):
٣٥١٧- أُحِبُّ الغلامَ السَّوْءَ من أجلِ أُمِّه
وَأُبْغِضُهُ من بُغْضِها وهو حادِرُ
ويقال أيضاً: رجلٌ حَذُرٍ، بزنة ((يَقُظِ)) مبالغةً في حاذِر، من هذا المعنى
قلت: فقد صار يُقال: حَذِر وحَذُر وحاذر بالدال المعجمة والمهملة، والمعنى
مختلف .
آ. (٥٨) قوله: ﴿ومَقامٍ﴾: قرأ العامَّةُ بفتحِ الميمِ، وهو مكانُ
القيام ، وقتادة(٢) والأعرج بضمِّها. وهو مكانُ الإِقامة.
آ. (٥٩) قوله: ﴿كذلك﴾: فيه ثلاثةُ أوجهٍ، قال الزمخشري (٣).
((يَحْتمل ثلاثةَ أوجهٍ: النُّصبَ على: أُخْرَجْناهم مثلَ ذلك الإِخراج الذي وَصَفْنا.
والجرِّ على أنَّه وصفٌ لِ مَقامٍ أي: ومقامٍ كريمٍ مثل ذلك المَقامِ الذي كان
لهم. والرفعُ على أنه خيرٌ لمبتدأ محذوفٍ أي: الأمر كذلك)). قال الشيخ (٤):
((فالوجهُ الأولُ لا يَسُوُْ؛ لأنه يُؤُوْل إلى تشبيهِ الشيءِ بنفسِهِ، وكذلك الوجهُ
[٦٨١/ب] الثاني لأنَّ / المَقامَ الذي كان لهم هو المَقامُ الكريمُ فلا يُشَبَّهُ الشيءُ بنفسِهِ»
قلت: وليس في ذلك تُشبيهُ الشيءٍ بنفسِه؛ لأنَّ المرادَ في الأول: أَخْرَجْناهم
إخراجاً مثلَ الإِخراجِ المعروفِ المشهورِ، وكذلك الثاني.
(١) لم أهتدٍ إلى قائله وهو في اللسان (حدر) والبحر ١٨/٧.
(٢) البحر ١٩/٧.
(٣) الكشاف ١١٥/٣.
(٤) البحر ١٩/٧.
٥٢٤

- الشعراء -
قوله: ((وَأَوْرَثْناها)) عطفٌ على ((فَأَخْرَجْناهم)).
آ. (٦٠) قوله: ﴿فَأَتْبَعُوْهم﴾: العامَّةُ بقطع الهمزة مِنْ أَتْبَعَه
أي: ألحقه نفسَه، فحذف الثاني، وقيل: يُقال: أتبعه بمعنى اتَّبعه بوصل
الهمزة أي: لحقه، والحسن(١) والحارث الذماري بوصلها وتشديدِ التاءِ وهي
بمعنى اللَّحاق.
قوله: ((مُشْرِقِيْن)) منصوبٌ على الحالِ. والظاهرُ أنه من الفاعلِ. ومعنى
مُشْرِقين أي: داخِلين في وقتٍ الشروقِ كأصبح وأمسى أي : دخَلَ في هذين
الوقتين، وقيل: داخلين نحو: المَشْرق كأَنْجَدَ وأَتْهَمَ، وقيل: مُشْرقين بمعنى
مُضيئين. وفي التفسير: أنَّ بني إسرائيل كانوا في نُوْر، والقِبْطَ في ظُلمة، فعلى
هذا يكون ((مُشْرِقِين)) حالاً من المفعول، وعندي أنه يجوزُ أَنْ يكونَ حالاً من
الفاعل والمفعول، إذا جَعَلْنا (مُشْرِقِين)) داخلين في وقتِ الشُّروق، أو في مكانٍ
المَشْرِق؛ لأنَّ كلّ من القبيلين كان داخِلاً في ذلك الزمانِ، أو في ذلك المكان.
آ. (٦١) قوله: ﴿فَلَمّا تَراءَى الجَمْعان): قرأ العامَّةُ ((تراءى»
بتحقيقِ الهمزة، وابن وثاب(٢) والأعمش من غير همزٍ. وتفسيرُه أن تكونَ الهمزةُ
مخففةً بينَ بينَ، لا بالإِبدال المحض؛ لئلا تجتمعَ ثلاثُ أَلِفاتٍ: الأولى الزائدةُ
بعد الراءِ، والثانيةُ المبدلةُ عن الهمزةِ، والثالثةُ لامُ الكلمة، لكن الثالثة لا تَثْبُتُ
وَصْلاً، لحذفِها لالتقاء الساكنين. ثم اختلف القراء في إمالة هذا الحرف
فأقول: هذا الحرف إمَّا أَنْ يُؤْقَفَ عليه أو لا. فإن وُقِفَ عليه: فحمزةُ يُميل ألفَه
الأخيرةَ لأنها طرفٌ منقلبةً عن ياء. ومن ضرورةٍ إمالتِها إمالةُ فتحةِ الهمزةِ
(١) الإِتحاف ٣١٦/٢، والبحر ١٩/٧.
(٢) انظر في قراءاتها: الإتحاف ١٠٧/٢، والسبعة ٤٧١، والنشر ٦٦/٢، والتيسير
١٦٥، والبحر ١٩/٧.
٥٢٥

- الشعراء -
المُسَهَّلَةِ؛ لأنه إذا وُقف على مثلِ هذه الهمزةِ سَهَّلَها على مقتضى مذهبِهِ،
وأمال الألفَ الأولى إتْباعاً لإِمالةِ فتحةِ الهمزةِ. ومِنْ ضرورةٍ إمالَتِها إمالةٌ فتحةٍ
الراءِ قبلَها. وهذا هو الإِمالةُ لإِمالةٍ .
وغيرُه من القُرَّاءِ لا يُميل شيئاً من ذلك، وقياسُ مذهبِ الكسائيِّ أَنْ يُمْيَلَ
الألفَ الأخيرةَ وفتحةَ الهمزةِ قبلها. وكذا نقله ابنُ الباذش(١) عنه وعن حمزةً.
وإن وُصِلَ: فإنَّ ألفَه الأخيرةَ تَذْهَبُ لالتقاء الساكنين، ولذهابِهَا تَذْهَبُ
إمالةُ فتحةِ الهمزة وتبقى إمالةُ الألف الزائدة. وإمالةُ فتحةِ الراءِ قبلَها عنده
اعتداداً بالألفِ المحذوفةِ. وعند ذلك يُقال: حُذِفَ السببُ وبقي المُسَبِّبُ؛ لأن
إمالةَ الألفِ الأولى إنما كان لإِمالةِ الألفِ الأخيرةِ كما تقدَّم تقریرُه، وقد ذَهَبَتِ
الأخيرةُ، فكان ينبغي أَنْ لا تُمال الأولى لذهابِ المُقْتضي لذلك، ولكنه راعى
المحذوفَ، وجعلَه في قوةِ المنطوقِ، ولذلك نحا عليه أبو حاتمٍ فقال: ((وقراءةُ
هذا الحرفِ بالإِمالةِ مُحالٌ)) قلت: وقد تقدَّم في الأنعام عند ((رأى القمر))(٢)
و ((رأى الشمس)(٣) ما يُشْبه هذا العملَ فعليك باعتبارِهِ ثَمَّة.
قوله: ((لَمُدْرَكُوْنَ» العامَّةُ علی سکونِ الدالِ اسمَ مفعولٍ مِنْ أَدْرك أي :
المُلْحَقُون. وقرأ(٤) الأعرج وعبيد بن عمير بفتح الدالِ مشدَّدةً وكسرٍ الراء(٥).
قال الزمخشري (٦): ((والمعنى: متابِعُون في الهَلاك على أيديهم. ومنه بيت
الحماسة (٧) :
(١) الإِقناع له ٢٨٨/١.
(٢) الآية ٧٧.
(٣) الآية ٧٨، وانظر: الدر المصون ١٤/٥.
(٤) القرطبي ١٠٦/١٣، والبحر ٢٠/٧.
(٦) الكشاف ١١٥/٣.
(٥)
لَمُدَّرِكَون.
(٧) البيت لأبي الحبال البراء بن ربعي، وهو في الحماسة ٤٠٨، والبحر ٢٠/٧.
٥٢٦

- الشعراء -
٣٥١٨ - أَبَعْدَ بَني أُمِّيْ الذين تتابَعُوا
أُرَجِّيْ الحياةَ أُم مِنَ الموتِ أُجْزَعُ
يعني: أن أدَّرَك على افْتَعَل لازمٌ بمعنى فَنِي وَاضْمَحَلٌّ. يقال: ادَّرَكْ
الشيءُ يَدَّرِكُ فهو مُدَّرِك أي: فَنِيَ تتابعاً، ولذلك كُسِرَت الراءُ. وممِّنْ نَصَّ على
كسرِها أبو الفضلِ الرازي قال(١): ((وقد يكون ((اتَّرَكَ)) على افْتَعَل بمعنى أَفْعَلَ
متعدِّياً، ولو كانَتِ القراءةُ مِنْ هذا لَوَجَبَ فتحُ الراءِ، ولم يَبْلُغْني عنهما - يعني
عن الأعرجِ ﴿ وَعُبيد إلَّ الكسرُ)).
آ. (٦٣) قوله: ﴿فَانْفَلَقَ﴾: قبلَه جملةٌ محذوفةٌ أي: فضربَ
فانفلقَ. وزعم ابنُ عُصْفور أنَّ المحذوفَ إنما هو ضَرَبَ وفاءُ انفلقَ، وأن الفاءَ
الموجودة هي فاء ((فَضَرَبَ))، فأبقى من كلٍ ما يَدُلُّ على المحذوفِ. أبقى الفاءَ
مِنْ ((فضرب)) لِتَدُلِّ على ((ضَرَبَ)) وأبقى ((انفلق)) لِتَدُلَّ على الفاء المتصلة به،
وهذا كلامٌ متهافتٌ.
واختلفَ القُراء(٢) في ترقيقِ راءِ ((فِرْق)) عن ورشٍ لأجلِ القاف.
وقُرِىء(٣) ((فِلْقِ)) بلامٍ بَدَلِ الراءِ لموافقةِ ((فانفلقَ)). والطّوْدُ: الجبلُ العظيمُ / [٦٨٢/أ]
المتطاولُ في السماءِ.
آ. (٦٤) قوله: ﴿وَأَرْلَفْنا﴾: أي: قَرَّبْنا مِنَ النجاةِ. و((ثَمَّ) ظرفُ
مكانٍ بعيدٍ. و ((الآخَرين)) هم موسى وأصحابُه، وقرأ(٤) الحسن وأبو حيوة
(١) انظر: البحر ٢٠/٧.
(٢) انظر: الإتحاف ٣١٧/٢.
(٣) قال في الشواذ ١٠٧: ((حكاه يعقوب)). وانظر: البحر ٢٠/٧.
(٤) انظر في قراءاتها: المحتسب ١٢٩/٢، والبحر ٢٠/٧، والقرطبي ١٠٧/١٣.
٥٢٧

٠٠
- الشعراء -
((وزَلَفْنا)» ثلاثياً، وقرأ أُبَيِّ وابن عباس وعبد الله بن الحارث بالقاف أي:
أَزْلَلْنا(١). والمرادُ بالآخرين في هذه القراءة فرعونُ وقومُه .
آ. (٧٠) قوله: ﴿إِذْ قال﴾: العاملُ في ((إذ» (نَبَ)) أو اتْلُ. قاله
الحوفي. وهذا لا يتأتَّى إلَّ على كونٍ ((إذ)) مفعولاً به. وقيل: ((إذ)) بدلٌ مِنْ ((نْبَأ)»
بدلُ اشتمالٍ، وهو يُؤُوْلُ إلى أنَّ العاملَ فيه ((اتْلُ)) بالتأويلَ المذكورِ.
قوله: ((وقومِه)) الهاءُ تعودُ على (إبراهيم)) لأنَّهَ المُحَدَّثُ عنه. وقيل: تعودُ
على أبيه، لأنَّهِ أقربُ مذكورٍ، أي: قال لأبيه وقومٍ أبيه، ويؤيِّده ((إنِّي أَراك
وقومَك))(٢)، حيث أضافَ القومَ إليه.
آ. (٧١) قوله: ﴿نَعْبُدُ أَصْناماً﴾: أَتَوْا في الجوابِ بالتصريحِ
بالفعل لَيَعْطِفُوا عليه قولَهم ((فَنَظَلُّ)) افتخاراً بذلك وابتهاجاً به، وإلاّ فكان قولُهُم
(أصناماً)) كافياً، كقوله تعالى: ((قل العفوَ)(٣) (قالوا خيراً)(٤).
آ. (٧٢) قوله: ﴿هل يَسْمَعُوْنَكم﴾: لا بُدَّ مِنْ محذوفٍ أي:
يسمعون دعاءَكم، أو يَسْمَعُوْنكم تَدْعُون. فعلى التقديرِ الأولِ : هي متعديةٌ
لواحدٍ اتفاقاً، وعلى الثاني: هي متعديةٌ لاثنين، قامَتِ الجملةُ المقدرَّةُ مَقام
الثاني. وهو قولُ الفارِسيِّ. وعند غيرِهِ الجملةُ المقدَّرَةُ حالٌ. وقد تقدَّمَ تحقيقُ
(١) أي: أهلكنا.
(٢) الآية ٧٤ من الأنعام.
(٣) ((ويسألونك ماذا ينفقون، قل العفو)).
الآية ٢١٩ من البقرة.
(٤) ((ماذا أنزل ربكم، قالوا خيراً)). الآية ٣٠ من النحل.
٥٢٨

- الشعراء -
القولَيْن. وقرأ(١) قتادة ويحيى بن يعمر بضمُّ الياءِ وكسرِ الميمِ، والمفعولُ
الثاني محذوفٌ. أي: يُسْمِعُونَكم الجوابَ.
قوله: ((إذ تَدْعُوْن)) منصوبٌ بما قبلَه، فما قبله وما بعده ماضيان معنىً،
وإنْ كانا مستقبلَيْنِ لفظاً، لعملِ الأولِ في ((إذه، ولعَمَلِ ((إذ)) في الثاني. وقال
بعضُهم: ((إذ) هنا بمعنى إذا. وقال الزمخشري(٢): ((إنه على حكاية الحال.
الماضيةِ، ومعناه: اسْتَحْضِروا الأحوالَ [الماضيةَ](٣) التي كنتم تدَّعُونها فيها،
[وقولوا] (٤): هل سَمِعُوكم أو أَسْمَعُوا، وهو أبلغ في التُّبْكِيْتِ)). وقد تقدَّم أنه
قُرِىءَ بإدغامٍ ذال ((إذ)) وإظهارها في التاء(٥). وقال ابنُ عطيةً(٦): ويجوز فيه
قياسُ (مُذَّكِر)) ونحوه. ولم يَقْرَأُ به أحدٌ. والقياسُ أن يكون اللفظُ به
(إدَّدْعون))(٧) والذي مَنْعَ من هذا اللفظِ اتصالُ الدالِ الأصلية في الفعل،
فكَثُرَتْ المتماثلاتُ)) قلت: يَعْني فيكون اللفظُ بدالٍ مشددةٍ مهملٍ ثم بدالٍ
ساکنٍ مهملةٍ أيضاً».
قال الشيخ (٨): ((وهذا لا يَجُوز؛ لأنَّ هذا الإِبدالَ(٩) إنما هو في تاءِ
الافتعالِ بعد الدالٍ والذالِ والزايِ نحو: ادَّهَنَ واوَّكَرَ وازْدَجَر، وبعد جيمٍ
(١) المحتسب ١٢٩/٢، والقرطبي ١٠٩/١٣، والبحر ٢٣/٧.
(٢) الكشاف ١١٦/٣.
(٣) من الكشاف.
(٤) من الكشاف.
(٥) قال في الإتحاف ٣١٧/٢: ((وأدغم ذال إذ تَدْعُون أبو عمرو وهشام وحمزة والكسائي
وخلف».
(٦) المحرر ٦٦/١٢.
(٧) رسمه في مطبوعة المحرر: إذ ددعون .
(٨) البحر ٢٣/٧.
(٩) أي إبدال التاء دالاً.
٥٢٩

- الشعراء-
شذوذاً نحو: ((اجْدَمَعُوا)) في ((اجتمعوا))، أو في تاء الضميرِ بعد الدالٍ والزاي.
نحو ((فُزْدُ)) في ((فُزْتُ))(و((جَلَدُّ)) في ((جَلَدْتُ)) أو تاء (تَوْلَج)) قالوا فيها: ((دَوْلج))،
وتاء المضارعة ليس شيئاً مِمَّا ذَكر(١). وقوله(٢): ((والذي مَنَعَ إلى آخرِه) يَقْتضي
جوازَه لو لم يُؤْجَدْ ما ذُكِر، فعلى مقتضى قولِه يجوز أَنْ تقولَ في إذْ تَخْرِج:
ادَّخْرُج، ولا يقول ذلك أحدٌ، بل يقولون: اتَّخْرُج، فيُدغمون الذالَ في التّاءِ»(٣).
آ. (٧٤) قوله: ﴿كذلك﴾: منصوبٌ بـ ((يَفْعَلون)) أي: يَفْعَلون
مثلَ فِعْلِنَا. ويَفْعَلُون في محلِّ نصبٍ مفعولاً ثانياً لـ ((وَجَدْنا)).
آ. (٧٧) قوله: ﴿عَدُوٌّ﴾: اللغةُ العاليةُ إفرادُ ((عَدُوّ) وتذكيرُه. قال
تعالى: ((هم العدوُّ)(٤). وإنما فُعِل به ذلك تَشْبِيهاً بالمصادرِ نحو: الوَلُوع
والقَبُول. وقد يُقال: أعداءُ وعَدُوَّة. وقوله: ((عَدُوِّ لي)) على أصلِه مِنْ غيرِ تقديرٍ
مضافٍ ولا قلبٍ. وقيل: الأصنامُ لا تُعادِي لأنها جَمادٌ، فالتقديرُ: فإنَّ عُبَّادَهم
عدوِّ لي. وقيل: بل في الكلامِ قَلْبٌ، تقديرُه: فإِنِّي عدوٍّ لهم. وهذان
مرجوحان لاستقامةِ الكلامِ بدونهما.
قوله: «إلّ رَبَّ العالمین)) فیہ وجهان، أحدهما: أنَّه منقطعً أي: لكنْ رِبُّ
العالمين ليس بعدُوّ لي. وقال الجرجاني: ((فيه تقديمٌ وتأخيرٌ أي: أَفَرَأَيْتُمْ
ما كنتم تَعْبُدُوْنَ أنتم وآباؤكم الأَقْدمون، إلَّ ربَّ العالمين فإنهم عدوًّلي،
[٦٨٢/ب] و ((إلَّ)) بمعنى / ((دون)) و ((سوى)). والثاني: أنه متصلٌ. وهو قول الزجاج(٥)؛
لأنهم كانوا يَعْبدون اللَّه تعالى والأصنامَ .
(١) قال أبو حیان: فلا تبدل تاؤه.
(٢) أي قول ابن عطية .
(٣) قال أبو حيان: ((بل إذا أدغم مثل هذا أبدل من الذال تاء، وأدغم في التاء)».
(٤) الآية ٤ من المنافقون.
(٥) معاني القرآن ٩٣/٤.
:
٥٣٠

- الشعراء -
آ. (٧٨) قوله: ﴿الذي خَلَقني﴾: يجوز فيه أوجهٌ: النصبُ
على النعتِ لـ ((رَبَّ العالمين)) أو البدلِ، أو عطفِ البيانِ، أو على إضمارٍ
أعني. والرفعُ على خبرِ ابتداءِ مضمٍ أي: هو الذي خلقني أو على الابتداءِ.
و[قوله]: ((فهو يَهْدِينِ)) جملةٌ اسميةٌ في محلٌّ رفعٍ خبراً له. قال
الحوفي: ((ودَخَلَتِ الفاءُ لِما تَضَمَّنه المبتدأُ مِنْ معنى الشرط)). وهذا مردودٌ؛ لأنَّ
الموصولَ مُعَيِّنَ ليس عامَّاً، ولأنَّ الصلةَ لا يمكنُ فيها التجدُّدُ، فلم يُشْبِهِ
الشرطَ. وتابع أبو البقاء(١) الحوفيِّ ولكنه لم يتعرَّضْ للفاء. فإنْ عَنَّى ما عناه
الحوفيُّ فقد تقدَّمَ ما فيه. وإن لم يَعْنِهِ فيكونُ تابعاً للأخفش(٢) في تجويزِه زيادةَ
الفاءِ في الخبر مطلقاً نحو: ((زيدٌ فاضربه))، وقد تقدَّم تحريرُه.
آ. (٧٩) قوله: ﴿والذي هو يُطْعِمُنِي): يجوز أن يكونَ
مبتدأً، وخبرُه محذوفٌ. وكذلك ما بعده. ويجوزُ أَنْ يكونوا أوصافاً للذي
خَلَقني. ودخولُ الواوِ جائزٌ. وقد تقدَّم تحقيقُه في أولِ البقرةِ كقوله(٣):
٣٥١٩- إلى المَلِكِ القَرْمِ وابنِ الهُمامِ
وليثِ الكتيبةِ في المُزْدَحَمْ
وأثبت(٤) ابنُ أبي إسحاقَ - وتُروى عن عاصم(٥) أيضاً - ياء المتكلمِ
في ((يَسْقِيْنِ)) و((يَشْفِينْ)) و((يُحْيِيْنِ)). والعامَّةُ ((خَطِيئَتي)) بالإِفرادِ. والحسن(٦)
(١) الإملاء ١٦٨/٢.
(٢) انظر أمثلة على زيادة الفاء عند الأخفش في ((معاني القرآن)): ١٢٤ - ١٢٥ -
٢٢٢.
(٣) تقدم برقم ١٢١. وانظر: الدر المصون ٩٧/١.
الإِتحاف ٣١٧/٢، والنشر ٣٣٦/٢، والبحر ٢٥/٧، والمحرر ٦٧/١٢.
(٤)
(٥) كذا في الأصل، ولعل الصواب: ((نافع، كما في المظان السابقة.
(٦) الإتحاف ٣١٧/٢، والقرطبي ١١١/١٣، والبحر ٢٥/٧.
٥٣١

- الشعراء-
«خطاياي» جمعَ تکسیرٍ.
آ. (٨٥) قوله: ﴿مِنْ وَرَثَةٍ﴾: إمَّا أَنْ يكونَ مفعولاً ثانياً أي:
مستقِرّاً أو كائناً مِنْ وَرَثَةٍ، وإمَّا أَنْ يكونَ صفةً لمحذوفٍ هو المفعولُ الثاني،
أي: وارِئاً مِنْ وَرَثَةِ .
آ. (٨٨) قوله: ﴿يومَ لا يَنْفَعُ﴾: بدلٌ مِنْ «يوم)» قبلَه. وجعل
ابنُ عطية (١) هذا من كلامِ اللَّهِ تعالى إلى آخر الآياتِ مع إعرابِه (يومَ لا ينفعُ» بدلاً
مِنْ ((يوم يُبْعَثون)). ورَدَّهِ الشيخُ(٢): بأنَّ العامِلَ في البدلِ هو العامِلُ في المبدلِ
منه، أو آخرُ مثلُه مقدَّرٌ. وعلى كِلا هذين القولَين لا يَصِحُّ لاختلافِ المتكلِّمين.
آ. (٨٩) قوله: ﴿إِلَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ﴾: فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه
منقطِعٌ أي: لكنْ مَنْ أتىْ اللَّهَ بقَلْبٍ سليمٍ فإنه ينفَعُه ذلك. وقال
الزمخشري(٣): ((ولا بُدَّ لك مع ذلك مِنْ تقديرِ مضافٍ وهو الحالُ المرادُ بها
السلامةُ، وليست من جنسِ المالِ والبنينَ، حتى يَؤول المعنى إلى: أنَّ البنينَ
والمالَ لا ينفعانٍ، وإنما ينفعُ سَلامُ القلبِ، ولو لم يُقَدَّرِ المُضافُ لم يَتَحصَّلْ
للاستثناءِ معنى)).
قال الشيخ (٤): ((ولا ضرورةَ تَدْعُو إلى حذفِ المضافِ كما ذكر)). قلت:
إنما قَدَّرَ المضافَ ليُتَوَهَّمَ دخولُ المستثنى في المستثنى منه؛ لأنه متى لم يُتَوَّهَّمْ
ذلك لم يَقعِ الاستثناءُ، ولهذا مَنَعوا: ((صَهَلَتِ الخيلُ إلَّ الإِبِلَ)) إلَّ بتأويلٍ.
(١) المحرر ١٢/ ٧٠.
(٢) البحر ٢٨/٧.
(٣) الكشاف ١١٨/٣.
(٤) البحر ٢٦/٧.
٥٣٢

- الشعراء -
الثاني: أنه مفعولٌ به لقوله(١): (لا يُنْفَعُ)) أي: لا ينفعُ المالُ والبنونَ إلَّا
هذا الشخصَ فإنه ينفَعُه مالُه المصروفُ في وجوهِ البِرِّ، وبنوه الصلحاءُ، لأنه
عَلَّمهم وأحسنَ إليهم. الثالث: أنه بدلٌ مِن المفعولِ المحذوفِ، أو مستثنى
منه، إذ التقديرُ: لا ينفعُ مالٌ ولا بنونَ أحداً من الناس إلاَّ مَنْ كانت هذه صفته.
والمستثنى منه يُحْذَفُ كقوله(٢):
٣٥٢٠-
ولم يَنْجُ إلَّ جَفْنَ سيفٍ ومِثْزرا
أي: ولم يُنْجُ بشيءٍ. الرابع: أنه بدلٌ مِنْ فاعلٍ ((يَنْفَعُ)) فيكون مرفوعاً.
قال أبو البقاء(٣): ((وغَلَّبَ مَنْ يَعْقِلُ فيكون التقديرُ: إلَّ مالُ مَنْ، أو بنومَنْ فإنه
ينفع نفسه وغيره بالشفاعة)».
قلت: وأبو البقاء خَلَط وجهاً بوجهٍ: وذلك أنه إذا أرَدْنا أن نجعلَه بدلاً من
فاعل ((ينفع)) فلنا فيه طريقان، أحدهما: طريقةُ التغليب أي: غَلَّبنا البنين على
المالٍ ، فاستثنى من البنين، فكأنه قيل: لا ينفعُ البنونَ إِلَّ مَنْ أتى مِن البنين
بقلبٍ سليم فإنه ينفع نفسه بصلاحِه، وغيرَه بالشفاعةِ.
والطريقة الثانية: أَنْ تُقَدِّر مضافاً محذوفاً قبل ((مَنْ)) أي: إلَّ مالُ مَنْ أوبنو
مَنْ فصارَتِ الأوجُه خمسةً.
ووجَّه الزمخشريُّ (٤) اتصالَ الاستثناءِ، بوجهين، أحدُهما: إلَّ حالَ مَنْ
أتىْ اللَّهَ بقلبٍ سليمٍ ، وهو مِنْ قوله(٥):
(١) رسمت في الأصل ((لقو)).
(٢) تقدم برقم ٣١٤.
(٣) الإملاء ١٦٨/٢.
(٤) الكشاف ١١٨/٣.
(٥) تقدم برقم ٦٦٥ .
٥٣٣

- الشعراء-
٣٥٢١-
تَجِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيِعُ
((وما ثوابُه إلَّ السيفُ)) ومثاله(١) أن يقال: هل لزيدٍ مالٌ وبنون؟ فيقال:
مالُه وبُنُوه سلامةُ قلبِهِ. تريد نَفْيَ المالِ والبنين عنه، وإثباتَ سلامةٍ قلبِه بدلاً
عن ذلك. والثاني قال: ((وإن شِئْتَ حَمَلْتَ الكلامَ على المعنى وجَعَلْتَ المَالَ
والبنين في معنى الغِنَى، كأنه قيل: يومَ لا يَنْفع غِنَى إِلَّ غَنِى مَنْ أَتَى؛ لأنَّ غِنى
الرجلِ في دينه بسلامةِ قلبِهِ، كما أنَّ غِناه في دنياه بمالِه وبنيه .)).
آ. (٩١) قوله: ﴿وَبُرِّزَتْ﴾: قرأ(٢) مالك بن دينار ((وبَرَزَتْ))
بفتح الباء والراء خفيفةً، مبنياً للفاعل، مسنداً للجحيم فلذلك رُفعَ .
[٦٨٣/أ]
آ. (٩٤) قوله: ﴿فَكُبْكِبُوا﴾: أي: أُلْقُوا، وَقُلِبَ بعضُهم / على
بعض. قال الزمخشري(٣): ((الكَبْكَبَةُ تكريرُ الكَبِّ. جَعَلَ التكريرَ في اللفظِ
دليلاً على التكريرِ في المعنى)). وقال ابن عطية (٤) نحواً منه، قال: ((وهو
الصحيحُ لأنَّ تكريزُ الفعلِ بَيِّنٌ نحو: صَرَّ وصَرصَرَ)) وهذا هو مذهب
الزجاج(٥). وفي مثل هذا البناءِ ثلاثةُ مذاهبَ، أحدها: هذا. والثاني(٦):
- وهو مذهبُ البصريين - أنَّ الحروفَ كلَّها أصولٌ. والثالث - وهو قول
الكوفيين - أنَّ الثالثَ مُبْدَلٌ من مثلِ الثاني، فأصل كَبْكَبَ: كَبَّبَ بثلاثٍ
(١) الكشاف: وبيانه.
(٢) البحر ٢٧/٧.
(٣) الكشاف ١١٩/٣
(٤) المحرر ٦٩/١٢.
(٥) معاني القرآن ٩٤/٤. قال: ((وحقيقة ذلك في اللغة تكرير الانكباب، كأنه إذا أُلقي
ينكبُّ مرةً بعد مرةٍ حتى يستقرَّ فيها)).
(٦) انظر في المسألة: الارتشاف ٢٤/١.
٥٣٤

- الشعراء -
باءات. ومثلُه: لَمْلَمَ وَكَفْكَفَ. هذا إذا صَحِّ المعنى بسقوطِ الثالث. فأمّا إذا
لم يَصِحَّ المعنى بسقوطِه كانَتْ كلُّها أصولاً من غيرٍ خلافٍ نحو: سِمسِم
وخِمْخِم(١) .
وواو ((كُبْكِبوا)» قيل: للأصنام؛ إجراءً لها مُجْرى العقلاءِ. وقيل:
لعابديها .
آ. (٩٦) قوله: ﴿وهم فيها يَخْتصمون﴾: جملةٌ حاليةٌ
معترضةٌ بين القولِ ومعمولِه، ومعمولُه الجملةُ القسميةُ.
آ. (٩٧) قوله: ﴿إِنْ كُثَّا لَفي﴾: مذهبُ البَصْريين: أنَّ((إنْ))
مخففة واللامَ فارقةٌ، ومذهبُ الكوفيين: أنَّ ((إنْ)) نافية، واللامَ بمعنى ((إلَّ))(٢).
آ. (٩٨) قوله: ﴿إِذ نُسَوِّيْكم): ((إذ) منصوبٌ: إمَّا بـ (مُبِين))،
وإمَّا بمحذوفٍ أي: ضَلَلْنا في وقتٍ تَسْويتنا لكم باللّه في العبادةِ. ويجوز على
ضَعْفٍ أَنْ يكونَ معمولاً لـ ((ضلال))، والمعنى عليه. إلَّ أنَّ ضعفَه صناعيَّ:
وهو أنَّ المصدرَ الموصوفَ لا يَعْمَلُ بعد وصفِه.
آ. (١٠١) قوله: ﴿حميم): الحميمُ: القريبُ مِنْ قولهم ((حامَّةٌ
فلانٍ)) أي: خاصَّتُه. وقال الزمخشري (٣): ((الحميمُ مِنَ الاحتمام، وهو من
الاهتمام، أو من الحامَّةِ وهي الخاصَّةُ، وهو الصديقُ الخالص)) والنفي هنا
يَحْتمل نفيَ الصديقِ من أصلِه، أو نفيَ صفتِه فقط فهو من باب(٤):
(١) الخمخم: نبات تُعْلَفُ حَبَّه الإِبلُ.
(٢) انظر: الإنصاف ٦٤٠.
(٣) الكشاف ١١٩/٣.
(٤) تقدم برقم ١٠٨٨.
٥٣٥

- الشعراء-
٣٥٢٢- على لاحِبٍ لا يُهْتَدَى بمنارِهِ
والصديقُ: يحتمل أَنْ يكونَ مفرداً، وأَنْ يكونَ مُسْتَعملاً للجمع، كما
يُسْتعمل العدوُّ له يقال: هم صدیق وهم عدو.
آ. (١٠٢) قوله: ﴿فَلَوْ أنَّ﴾: يجوزُ أَنْ تكونَ المُشْرَبَةَ معنى
التمني، فلا جوابَ لها على المشهورِ. ويكون نصبُ ((فنكونَ)) جواباً للتمني
الذي أَفْهَمَتْه ((لو)) ويجوزُ أَنْ تكونَ على بابِها، وجوابُها محذوفٌ أي : لَوَجَدْنا
شُفَعاءَ وأصدقاءَ أو لَعَمِلْنا صالحاً. وعلى هذا فَنَصْبُ الفعلِ بـ ((أَنْ)) مضمرةٌ
عطفاً على ((كَرَّةً)» أي: لو أنَّ لَنا كَرَّةً فكوناً، كقولها (١):
٣٥٢٣- لَلُبْسُ عُباءةٍ وتَقَرَّ عيني
آ. (١٠٥) قوله: ﴿كَذَّبَتْ قومُ﴾: إِنَّمَا أَنَّثَ فعلَ القومِ؛ لأنه
مؤنثٌ بدليلٍ تصغيره على قُوَيْمَة. وقيل: لأنَّه بمعنى ((أُمَّة))(٢) ولمَّا كانَتْ آحادُه
عقلاءَ ذكوراً وإناثاً عاد الضميرُ عليه باعتبارٍ تغليبِ الذكورِ فقيل: ((لهم أخوهم)).
وحَذَفَ مفعولَ («تَّقون)) أي: ألا تتَّقون عقابَ الله .
آ. (١١١) قوله: ﴿واتَّبِعَك الأَرْذَلُون﴾: جملةٌ حاليةٌ مِنْ
كاف («لك)). وقرأ(٣) عبد الله وابن عباس وأبو حيوة ((وأَتْباعُك)) مرفوعاً، جمعَ
(١) تقدم برقم ٧٠١ .
(٢) أليست العلة لمجيء الفعل مؤنثاً كون فاعله اسم جمع، حيث يجوز لذلك التذكير
والتأنيث، فجاء هنا التأنيث، وجاء في موضع آخر التذكير كقوله: ((إذْ هَمَّ قومٌ)) ..
(٣) انظر في قراءاتها: المحتسب ١٣١/٢، والنشر ٣٣٥/٢، والإتحاف ٣١٨/٢،
والبحر ٣١/٧، والقرطبي ١٢١/١٣.
٥٣٦

- الشعراء -
تابع كصاحِب وأَصْحاب، أو تَبْعِ كشريف وأشراف، أو تَّبَع كـ بَرَم(١) وأَبْرام.
وفي رفعه وجهان، أحدهما: أنَّه مبتدأ، ((والأَرْذَلُون)) خبرُه. والجملةُ حاليةٌ
أيضاً. والثاني: أنه عطفُ على الضميرِ المرفوعِ في ((نُؤْمِنُ)) وحَسَّن ذلك
الفصلُ بالجارِّ. و((الأرذلون)) صفتُه.
وقرأ اليماني ((وأتباعِك)) بالجرِّ عطفاً على الكاف في ((لك)). وهو ضعيفٌ
أو ممنوعٌ عند البصريين. (٢) وعلى هذا فيرتفع («الأرْذَلُون)) على خبر ابتداء
مضمر أي: هم الأرذلون. وقد تقدَّم مادة ((الأرْذَل)) في هود(٣).
آ. (١١٢) قوله: ﴿وما عِلْمِي﴾: يجوز في ((ما)) وجهان،
أحدهما : - وهو الظاهر - أنها استفهامية في محل رفع بالابتداء. و((علمي))
خبرها. والباء متعلقة به. والثاني: أنها نافيةٌ. والباءُ متعلقةً بـ((عِلْمي)) أيضاً.
قاله الحوفي، ويحتاج إلى إضمار خبر ليصير الكلامُ به جملةً.
آ. (١١٣) قوله: ﴿لو تَشْعُرون﴾: جوابُها محذوفٌ، ومفعولُ
((تَشْعُرون)) أيضاً.
وقرأ(٤) الأُعْرج وأبو زرعة ((لو يَشْعُرون)) بياء الغَيْبة، وهو التفاتٌ.
ولا يَحْسُنُ عَوْدُه على المؤمنين .
آ. (١١٨) قوله: ﴿فَتْحاً﴾: يجوز أَنْ يكونَ مفعولاً به، بمعنى
المفتوحِ /، وأَنْ يكونَ مصدراً مؤكّداً.
[٦٨٣/ب]
(١) البَرَم: الذي لا يدخل مع القوم في الميسر لبخله.
(٢) انظر: الإِنصاف ٤٦٣.
(٣) انظر: الدر المصون ٣١٠/٦.
(٤) البحر ٣١/٧.
٥٣٧

- الشعراء-
قوله ((ونَجَّنِي)) المُنَجِّى منه محذوفٌ لفهمِ المعنى أي: مِمَّا يَحُلِّ بقومي.
و (من المؤمنين)) بيانٌ لقوله ((مَنْ معي)).
آ. (١١٩) قوله: ﴿الَشْحُون﴾: أي المَمْلوءُ المُؤْقَرُ(١). يقال:
شَحَنَها عليهم خَيْلاً ورجالاً. والشَّحْناء: العَداوةُ؛ لأنها تملَّ الصدورَ إِحْباً.
والفُلْكُ هنا مفردٌ بدليلٍ وَصْفِه بالمفردِ. وقد تقدَّم الكلامُ عليه في البقرةِ(٢).
آ. (١٢٨) قوله: ﴿تَعْبَثُون﴾: جملةٌ حاليةٌ من فاعلِ (تَبْنُون)).
والرِّيع بكسر الراء وفتحها: جمع رِيْعة. وهو في اللغةِ المكانُ المرتفعُ. قال ذو
الرمة (٣) :
٣٥٢٤ - طِراقُ الخَوافي مُشْرِفٌ فوقَ رِيْعَةٍ
نَدَىْ ليلِه في رِيْشِه يَتَرَقْرَقُ
وقال أبو عبيدة(٤): ((هو الطريقُ)) وأنشد للمسيِّب بن عَلَس يصفُ
فُعُناً(٥) :
٣٥٢٥- في الآلِ يَخْفِضُها ويَرْفَعُها
رِيْعْ يَلُوْحُ كأنه سَخْلُ
(١) الموقر: المحمول حملاً ثقيلاً.
(٢) انظر: الدر المصون ٢٠٠/٢.
(٣) ديوانه ٤٨٨/١، واللسان (ريع) ومجاز القرآن ٨٨/٢، والقرطبي: ٨٨/١٣.
وطراق: بعضه على بعض. ويترقرق: يذهب ويجيء. والخوافي: ما دون القوادم
من الجناح.
(٤) مجاز القرآن ٨٨/٢ ولم يَرِدْ بيت المسيب في المجاز. وقال القرطبي ١٢٢/١٣:
وهو قول الضحاك والكلبي ومقاتل والسدي وابن عباس.
(٥) اللسان (ربع)، والقرطبي ١٢٢/١٣.
٥٣٨

- الشعراء -
واختلفَ المفسِّرون في العبارة عنه على أقوالٍ كثيرةٍ. والرَّيْعُ بالفتح:
ما يَحْصُل مِنَ الخَراج.
آ. (١٢٩) قوله: ﴿قَخْلُدون﴾: العامَّةُ على تخفيفِه مبنياً
للفاعلِ . وقتادَةُ(١) بالتشديدِ مبنياً للمفعول. ومنه قولُ امرىء القيس(٢):
٣٥٢٦ - وهَلْ يَنْعَمَنْ إلَّ سَعِيْدٌ مُخَلَّدٌ
قليلُ الهُمومِ ما يَبِيْتُ بِأَوْجالٍ
و((لَعَلَّ)) هنا على بابِها. وقيل: للتعليل. ويؤيِّده قراءةُ(٣) عبدِ الله ((كي
تَخْلُدون)) فقيل: للاستفهام، قاله زيد بن علي. وبه قال الكوفيون. وقيل:
معناها التشبيهُ أي: كأنكم تَخْلُدُون. ويؤيِّدُه ما في حرفٍ أُبَيّ ((كأنكم
تَخْلُدون)). وقُرِىء ((كأَنَّكم خالِدُون)». وكم مَنْ نَصَّ عليها أنَّها تكونُ للتشبيهِ.
والمصانعُ: جمعُ مَصْنَعَة، وهي بِرَكُ الماء. وقيل: القصور. وقيل (٤):
بُروجُ الحمام.
آ. (١٣٠) قوله: ﴿وإذا بَطَشْتُمْ﴾: أي: وإذا أَرَدْتُمْ. وإنما
احْتَجْنا إلى تقديرِ الإِرادة لئلا يَتَّحدَ الشرطُ والجزاءُ. و((جَبَّارِين)) حالٌ.
آ. (١٣٢) قوله: ﴿أَمَدَّكم بأَنْعامٍ﴾: فيه وجهان، أحدهما:
أنَّ الجملةَ الثانيةَ بيانٌ للأولى، وتفسيرٌ لها. والثاني: أَنَّ («بأَنْعامٍ » بدلٌ مِنْ قوله:
(١) الرواية عن قتادة ((تُخْلدون)) بفتح اللام كما في البحر ٣٢/٧، والمحتسب ١٣٠/٢.
والرواية عن علقمة ((تُخَلَّدون)) كما في البحر ٣٢/٧،
(٢)
تقدم برقم ٣٠٠.
انظر في قراءاتها: البحر ٣٢/٧، والشواذ ١٠٧، والقرطبي ١٢٤/١٣.
(٣)
(٤) وهو قول السدي كما في الماوردي ١٨١/٣.
٥٣٩

- الشعراء-
((بما تَعْمَلُوْن)) بإعادةِ العاملِ كقولِه: ((اتَّبِعوا المرسلين. أَتَّبِعوا مُنْ
لا يَسْألُكم))(١). قال الشيخ(٢): ((والأكثرون لا يَجْعَلُون هذا بدلاً، وإنما
يَجْعلونه تكريراً(٣) وإنما يَجْعلون بدلاً بإعادةِ العاملِ إذا كانَ حرفَ جرّ مِنْ غِيرٍ
إعادةٍ متعلَّقِه نحو: ((مَرَرْتُ بزيدٍ بأخيكَ)) ولا يقولون: ((مَرَرْتُ بزيدٍ، مزرتُ
بأخيك)» على البدلِ».
آ. (١٣٦) قوله: ﴿أم لم تَكُنْ من الواعِظين﴾: معادِلٌ
لقوله: ((أَوَعَظْتَ))، وإنما أتى بالمعادِلِ كذا، دونَ قولِه: ((أم لم تَعِظُ)) لتواخي
القوافي، وأَبْدَىْ له الزمخشريُّ (٤) معنىٌ فقال: ((وبينهما فرقٌ؛ لأنَّ المعنى:
سواءٌ علينا أَفَعَلْتَ هذا الفعلَ - الذي هو الوعظُ - أم لم تَكُنْ أصلاً مِنْ أهلِه
ومباشرَتِه، فهو أبلغُ في قِلَّةِ اعْتِدادِهم بوَعْظِه. مِنْ قولِك: ((أَمْ لم تَعِظْ)).
وقرأ العامَّةُ ((أَوَعَظْتَ)) بإظهارِ الظاءِ قبل التاءِ، وَرُوِيَ عن أبي عمروٍ
والكسائيِّ وعاصمٍ، وبها(٥) قرأ الأعمشُ وابن محيصن بالإِدْغام، وهي
ضعيفةٌ؛ لأنَّ الظاءَ أقوى ولا يُدْغَمُ الأقوى في الأضعفِ، على أنَّه قد جاء من
هذا في القرآنِ العزيزِ أشياءُ متواترةٌ يجبُ قَبولُها نحو: ((زُحْزِحَ عن))(٦) و ((لَئِنْ
بَسَطْتَ))(٧) .
(١) الآية ٢١ من يس.
(٢) البحر ٣٣/٧.
(٣) قال: ((من تكرار الجمل وإن كان المعنى واحداً ويسمى التتبيع)).
(٤) الكشاف ١٢٢/٣ .
(٥) القرطبي ١٢٥/١٣، والبحر ٣٣/٧.
(٦) الآية ١٨٥ من آل عمران ..
(٧) الآية ٢٨ من المائدة.
٥٤٠