Indexed OCR Text

Pages 441-460

- النور -
قوله: ((ليس عليكم)» هذه الجملةُ يجوز أَنْ يكونَ لها محلٌّ من الإعرابِ
وهو الرفعُ نعتاً لثلاث عَوْرات في قراءةٍ مَنْ رفعها كأنه قيل: هُنَّ ثلاثُ عَوْراتٍ
مخصوصةٌ بعدمِ الاستئذانِ، وأنْ لا يكونَ لها محلّ، بل هي كلامٌ مقرِّر للأمرِ
بالاستئذانِ في تلك الأحوالِ خاصةً، وذلك في قراءةٍ مَنْ نصب ((ثلاثَ
عَوْراتٍ)).
قوله: (بَعْدَهُنَّ)) قال أبو البقاء(١): ((التقديرُ: بعد استئذانِهم(٢) فيهنَّ،
ثم حَذَفَ حرفَ الجرِّ والفاعلَ، فبقي: بعد استئذانِهم، ثم حَذَّفَ المصدرَ))
يعني بالفاعل الضميرَ المضافَ إليه الاستئذانُ فإنه فاعلٌ معنويُّ بالمصدر.
وهذا غيرُ ظاهرٍ، بل الذي / يَظْهَرُ أنَّ المعنى: ليس عليكم جناحٌ. ولا عليهم [٦٧٠/ب]
أي: العبيدِ والإِماءِ والصبيانِ، في عَدَمِ الاستئذانِ بعد هذه الأوقاتِ
المذكورة، ولا حاجة إلى التقدير الذي ذكره.
قوله: ((طَوَّافُون)) خبرُ مبتدأ مضمرٍ تقديرُه: هم طَوَّافون، و((عليكم)»
متعلّقٌ به.
قوله: (بَعْضُكم على بعضٍ)) في ((بعضُكم)) ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه
مبتدأٌ، و((على بعضٍ)) الخبرُ، فقدَّره أبو البقاء ((يَطُوْفُ على بعض)». وتكونُ
هذه الجملةُ بدلاً مِمَّا قبلها. ويجوز أن تكونَ مؤكدةً مُبَيِّنة. يعني: أنها أفادَتْ
إفادةَ الجملةِ التي قبلها فكانَتْ بدلاً، أو مؤكِّدةً. وَرَدَّ الشيخ(٣) هذا: بأنه كونٌ
مخصوصٌ فلا يجوزُ حَذْفُه. والجوابُ عنه: أن الممتنعَ الحذفِ إذا لم يَدُلَّ
عليه دليلٌ وقُصِد إقامةُ الجارِّ والمجرورِ مُقَامَه، وهنا عليه دليلٌ ولم يُقْصَدْ إقامةُ
(١) الإملاء ١٥٩/٢.
(٢) الإِملاء: استئذانهنّ.
(٣) البحر ٤٧٢/٦.
٤٤١

- النور-
الجارِّ مُقامَه، ولذلك قال الزمخشري(١): ((خبرُه ((على بعض))، على معنى:
طائف على بعض، وحُذِفَ لدلالةِ ((طَوَّافون)) عليه)).
الثاني: أن يَرْتَفِعَ بدلًا مِنْ ((طوَّافون)) قاله ابن عطية(٢). قال الشيخ(٣):
((ولا يَصِحُّ إِنْ قُدِّر الضميرُ ضميرَ غَيْبةٍ لتقدير المبتدأ ((هم)) لأنَّه يصيرُ التقديرُ:
هم يَطُوف بعضُكم على بعضٍ ، وهو لا يَصِحُّ. فإنْ جَعَلْتَ التقدير: أنتم
يَطُوف بعضُكم على بعضٍ، فيدفَعُه أنَّ قولَه ((عليكم)) يَدُلَّ على أنهم هم
المَطُوفُ عليهم، و(أنتم طَوَّافون)) يَدُلُّ على أنَّهم طائِفون فتعارضا)). قلت:
نختار أنَّ التقديرَ: أنتم، ولا يلزَمُ محذورٌ. قوله: ((فيدفعه إلى آخره)
لا تعارُضَ فيه لأنَّ المعنى: كلِّ منكم ومِنْ عبيدِكم طائِفٌ على صاحبِه، وإن
كان طوافُ أحدِ النوعين غِيرَ طوافِ الآخَرِ؛ لأنَّ المرادَ الظهورُ على أحوالٍ
الشخصِ، ويكونُ ((بعضُكم)) بدلاً من ((طَوَّافون)). وقيل: (بعضُ)) بدلٌ(٤) مِنْ
(عليكم))(٥) بإعادة العاملِ فَأَبْدَلْتَ مرفوعاً مِنْ مرفوعٍ (٦)، ومجروراً من
مجرور. ونظيرُه قولُ الشاعرِ(٧):
٣٤٦٨- فلمَّا قَرَعْنَا النَّبْعَ بِالنَّبْعِ بعضَه
ببعضٍ أبَتْ عِيدانُه أَنْ تكَسِّرا
(١) الكشاف ٧٥/٣.
(٢) المحرر ٣٢٤/١١.
(٣) البحر ٤٧٢/٦ - ٤٧٣. وقال قبل ذلك: ((ولا يصح لأنه إن أراد بدلاً من ((طوافون))
نفسه فلا يجوز لأنه يصير التقدير: هم بعضكم على بعض، وهذا معنى لا يصح.
وإن جعلته بدلاً من الضمير في ((طوّافون)) فلا يصح أيضاً».
(٤) الأصل «بدلاً» ولعله سھو.
(٥) يعني أن ((بعضُكم على بعض)) بدل من ((طوَّافون عليكم)).
(٦) تكرر قوله («مرفوع)) في الأصل.
(٧) البيت للنابغة الجعدي، وهو في ديوانه ٧١، والدرر ١٩٣/١، والخزانة ٥١٤/١،
والهمع ٢٢٦/١.
٤٤٢

- النور -
فـ (بعضُه)) بدلٌ من ((النبعَ)) المنصوب، و ((ببعض)) بدلٌ من المجرورِ
بالباء .
الثالث: أنه مرفوعٌ بفعلٍ مقدَّر أي: يطوفُ بعضُكم على بعضٍ،
حُذِفَ لدلالةِ ((طَوَّافون)) عليه. قاله الزمخشري(١).
وقرأ(٢) ابن أبي عبلة ((طوَّافين)) بالنصبِ على الحال من ضميرٍ
«علیهم) .
آ. (٦٠) قوله: ﴿والقواعِدُ﴾: جمع (قاعِد)) من غيرِ تاءِ تأنيثٍ.
ومعناه: القواعدُ عن النكاحِ، أو عن الحيضِ ، أو عن الاستمتاعِ ، أو عن
الحَبَل، أو عن الجميع. ولولا تَخَصُّصُهُنَّ بذلك لوَجَبَتِ التاءُ نَّحو: ضارِبة
وقاعِدة من القعود المعروف. وقوله: ((من النساء)) وما بعدَه بيانٌ لهن و «القواعدُ»
مبتدأٌ. و((من النساء)) حالٌ و((اللاتي)) صفةً للقواعد لا للنساء. وقوله: ((فليس
عليهنَّ)) الجملةُ خبرُ المبتدأ، وإنما دَخَلَتْ(٣) لأنَّ المبتدأَ موصوفٌ بموصول،
لو كان ذلك الموصولُ مبتدأُ لجاز دخولُها في خبرِهِ، ولذلك مَنَعْتُ أَنْ تكونَ
((اللاتي)) صفةً للنساء؛ إذ لا يبقى مسوِّغُ لدخولِ الفاءِ في خبر المبتدأ. وقال
أبو البقاء(٤): ((ودَخَلَتْ الفاءُ لِما في المبتدأ من معنى الشرطِ؛ لأنَّ الألفَ واللامَ
بمعنى الذي)). وهذا مذهب الأخفش، وتقدم تحقيقُه في المائدة. ولكن هنا
ما يُغْني عن ذلك: وهو ما ذَكَرْتُه من وصفِ المبتدأ بالموصولِ المذكورِ.
و(غيرَ مُتَبَرِّجَاتٍ)) حالٌ مِنْ ((عليهنَّ)). والتبرُّجُ: الظهورُ، مِن الْبُرْج: وهو
البناءُ الظاهرُ. و ((بزينةٍ)) متعلقٌ به.
(١) الكشاف ٣/ ٧٥.
(٢) البحر ٤٧٣/٦.
(٣)
أي: الفاء.
(٤) الإملاء ٢/ ١٥٩.
٤٤٣

- النورفـ
قوله: ((وأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ)) مبتدأُ بتأويل: استعفافُهن، و ((خيرٌ)) خبرُه.
[٦٧١/أ]
آ. (٦١) قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مفاتِحَه﴾: العامةُ على فتح /
الميمِ ، واللامُ مخففةٌ. وابن جبير(١) (مُلَّكْتُم)) بضمِ الميم وكسرِ اللامِ مشددةٌ
أي: مَلَّككم غيرُكم. والعامَّةُ على ((مفاتحَه)) دونَ ياءٍ جمع مِفْتَح. وجَوَّز
أبو البقاء (٢) أن يكون جمعَ ((مِفْتَح)) بالكسر وهو الآلةُ، وأن يكون جمعَ ((مَفْتَحَ))
بالفتح وهو المصدر بمعنى الفتح. وابن جبير(٣) ((مفاتيحه)) بالياء بعد الثاء جمع
مِفْتاح. والأولُ أقيسُ. وقرأ أبو عمرو في روايةٍ هارونَ عنه («مِفْتَاحَه)) بالإِفراد
وهي قراءةُ قتادة.
قوله: ((أو صَديْفِكم)) العامَّةُ على فتحِ الصادِ. وحميد(٤) الخزاز(٥) روى
كسرها إتْباعاً لكسرةِ الدال. والصَّدِيْق يقع للواحِد والجمع كالخَلِيط والقَطِين(٦)
وشبههما.
قوله: ((جميعاً)) حالٌ من («تَأْكُلُوا))، و ((أَشْتاتاً)» عطفٌ عليه وهو جمعُ شَتْ
قوله: ((تَحِيَّةً)) منصوبٌ على المصدرِ مِنْ معنی ((فسَلُّموا)» فهو من باب
فَعَدْتُ جُلوساً. وقد تقدَّم وزن التحيّة(٧). و((مِنْ عند اللَّهِ)) يجوز أن يتعلَّقَ
بمحذوفٍ صفةً لـ ((تخِيةً))، وأَنْ يتعلَّقَ بنفسِ ((تحيّة)) أي: التحية صادرةٌ من
(١) القرطبي ٣١٥/١٢، والبحر ٤٧٤/٦.
(٢) الإملاء ١٦٠/٢.
(٣) انظر في قراءاتها: المحتسب ٢٢٦/٢، والبحر ٤٧٤/٦، والقرطبي ٣١٥/١٢.
(٤) الشواذ ١٠٣، والبحر ٤٧٤/٦.
(٥) حميد بن الربيع أبو القاسم الخزار. روى القراءة عن الكسائي وروى عنه السراج
ولم تذكر وفاته. طبقات القراء ٢٦٥/١.
(٦) القطين: أهل الدار.
(٧) انظر: الدر المصون: ٥٧/٤.
٤٤٤

- النور-
جهةِ الله. و((مِنْ)) لابتداء الغاية مجازاً، إلاّ أنه يُعَكِّر على الوصفِ تأخّرُ الصفةِ
الصريحةِ عن المُؤَولةِ. وقد تقدَّم ما فيه.
آ. (٦٢) قوله: ﴿على أمرٍ جامع﴾: ((جامع)) مِن الإِسنادِ
المجازيِّ؛ لأَنَّه لَمَّا كان سبباً في جَمْعِهِم نُسِبَ الفعلُ إليه مجازاً. وقرأ(١)
اليمانيُّ ((على أَمْرٍ جميعٍ)) فيُحتمل أَنْ تكونَ صيغةَ مبالغةٍ بمعنى مُجَمِّع، وأَنْ
لا تكونَ. والجملةُ الشرطيةُ مِنْ قولِه: ((وإذا كانوا)) وجوابِها عطفٌ على الصلةِ
مِنْ قوله: «آمنوا)) .
قوله: ((لبعضٍ شَأْنِهِم)) تعليلٌ أي: لأجلِ بعضِ حاجتِهم. وأظهر العامَّةُ
الضادَ عند الشينِ، وأدغَمها (٢) أبو عمرٍ فيها لِما بينهما من التقارُبِ؛ لأنَّ الضادَ
من أقصى حافةِ اللسانٍ، والشينَ مِنْ وَسَطِه. وقد اسْتَضْعَفَ جماعةٌ من
النَّحْوبين هذه الروايةَ واسْتَبْعدوها عن أبي عمروٍ رأسٍ الصناعةِ من حيث إن
الضادَ أقوى من الشين، ولا يُذْغم الأقوى في الأضعف. وأساء(٣) الزمخشري
على راويها السوسي .
وقد أجاب الناس (٤) فقال: «وجهُ الإِدغامِ أن الشينَ أشدُّ استطالةٌ من
الضادِ، وفيها نَفْسٌ ليس في الضادِ، فقد صارَتِ الضادُ أنقصَ منها، وإدغامُ
الأنقص في الأزْيد جائزٌ)). قال: ((ویؤِّد هذا أن سيبويه(٥) حکی عن بعض.
(١) البحر ٤٧٦/٦.
(٢) قال صاحب النشر ٢٩٣/١: ((والضاد تدغم في الشين في موضع واحد («لبعض
شأنهم)) في النور حسب لا غير. وقد اختلف فيه فروى إدغامه منصوصاً أبو شعيب
السوسي عن اليزيدي)). وانظر: الإقناع ٢١٦/١.
(٤) كذا في الأصل و(ش) على تقدير الناس ببعضهم.
(٣)
لم يرد في ((الكشاف» ما يفيد ذلك.
(٥) الكتاب ٤٢٢/٢ .
٤٤٥

- النور-
العرب ((الطَّجَعَ)) في ((اضْطجع))، وإذا جاز إدغامُها في الطاءِ فإدغامُها في الشين
أَوْلِى)). والخَصْمُ لا يُسَلِّمُ جميعَ ما ذُكِرَ، وسَنَدُ المَنْعِ واضحٌ.
آ. (٦٣) قوله: ﴿دعاءَ الرسولِ﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ هذا
المصدرُ مضافاً لمفعولِه أي: دعاءَكم الرسولَ بمعنى: أنَّكِم لا تنادُوه باسمِه
فتقولون: يا محمدُ، ولا بكُنيته فتقولون: يا أبا القاسمِ ، بل نادُوه وخاطِبوه
بالتوقير: يا رسولَ الله يا نبيَّ الله. وعلى هذا جماعةٌ كثيرةٌ، وأَنْ يكونَ مضافاً
للفاعل. واختلفت عباراتُ الناسِ في هذا المعنى فقيل: لا تَجْعلوا دعاءه إيَّكم
كدعاءِ بعضٍ لبعضٍ فتتباطُّون عنه، كما يتباطَأُ بعضُكم عن بعضٍ إذا دعاه
لأمرٍ، بل يجبُ عليكم المبادرةُ لأمرِه. واختاره أبو العباس(١)، ويؤيِّدُه قوله:
((فَلْيَحْذَرِ الذين يُخالفونَ عَنْ أَمْرِه)). وقيل(٢): معناه لا تَجْعَلوا دعاءَ الرسولِ ربِّه
مثلَ ما يَدْعو صغيرُكُم كبيرَكم، وفقيرُكم غنيَّكم يَسْأله حاجةً، فرُبَّمَا تُجابُ
دعوتُه، ورُبَّما لا تُجاب. وإنَّ دَعَواتِ الرسولِ عليه السلام مسموعةٌ
مستجابةٌ ... (٣) في التخريجةِ الأخرى.
وقرأ(٤) الحسنُ ((نَبِّكم)) بتقديم النونِ على الباء المكسورةِ [بعدَها](٥) ياءٌ
مشدّدةٌ مخفوضةٌ مكانَ ((بينّكم)) الظرفِ في قراءة العامَّة. وفيها ثلاثةُ أوجهٍ،
أحدها: أنَّه بدلٌ من الرسول. الثاني: أنه عطفُ بيانٍ له لأنَّ النبيَّ [رسولٌ](٦)،
بإضافته إلى المخاطبين صار أشهرَ من الرسول. الثالث: أنَّه نعتٌ. لا يُقال: إنَّه
(١) وهو المبرد. انظر: البحر ٤٧٦/٦.
(٢) تكرر قوله: ((وقيل)) في الأصل.
(٣) كلمة لم أتبينها وسقطت من (ش).
(٤) الإتحاف ٣٠٢/٢، والبحر ٤٧٦/٦ .
(٥) قوله: ((بعدها)) لم يظهر في مصورة الأصل.
(٦) قوله: ((رسول)» لم يظهر في مصورة الأصل.
٤٤٦

- النور-
لا يجوزُ لأنَّ هذا كما قَرَّرْتُمْ أعرفُ، والنعتُ لا يكونُ أعرفَ مِنَ المنعوتِ. بل
إِمَّا أقلُّ أو مساوٍ(١)؛ لأنَّ الرسولَ صار عَلَماً بالغَلَبةِ على محمدٍ صلَّى الله عليه
وسلَّم فقد تَسَاويا تعريفاً.
قوله: ((قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ)) قد تَدُلُّ على التقليلِ مع المضارع إلّ في أفعالِ
اللَّهِ تعالى، فتدُلُّ على التحقيقِ كهذه الآيةِ. وقد رَدُّها بعضُهم إلى التقليلِ لكنْ
إلى متعلَّقِ العلمِ ، يعني أنَّ الفاعِلين لذلك قليلٌ، فالتقليلُ ليس في العِلْمِ بل
في متعلَّقِه .
قوله: ((لواذاً)) فيه وجهان، أحدُهما: أنه منصوبٌ على المصدرِ من معنى
الفعلِ الأولِ؛ إذ التقديرُ: يَتَسَلَّلُون منكم تَسَلُّلاً، أو يُلاوِذُون لِواذاً. والثاني:
أنه مصدرٌ في موضعِ الحالِ أي مُلاوِذين. واللّواذُ: مصدرُ لاوَذَ. وإنَّما
صَحَّتٍ(٢) الواوُ وإنْ انكسَرَ ما قبلها، ولم تُقْلَبْ ياءً كما قُلِبَتْ في قيام وصِيام؛
لأنَّها صَحَّتْ في الفعلِ نحو: لاوَذَ فلو أُعِلَّتْ في الفعلِ أُعِلْتْ في المصدرِ
نحو: القيام والصِّيامِ لقَلْبها ألفاً في قام وصام. فأمَّا مصدرُ لاذَ بكذا يَلُوْذُ بهِ / [٦٧١/ب]
فمعتلّ نحو: لاذَ لِياذاً، مثل: صامَ صِياماً وقام قياماً. واللُّواذُ والمُلاوَذَةُ: التَّسَتُّرُ
يُقال: لَوَذَ فلانٌ بكذا أي: اسْتَتَر به. واللَّوْذُ: ما يَطِيْفُ بالجبل(٣). وقيل:
اللّواذُ: الرَّوَغانُ مِنْ شيءٍ إلى شيءٍ في خُفْيَةٍ. وفي التفسير: أنَّ المنافقين كانوا
يَخْرُجون مُتَّسَترين بالناسِ من غيرِ استئذانٍ حتى لا يُرَوا. والمفاعَلَةُ: لأنَّ كلَّ
منهم يَلُوْذُ بصاحبهِ فالمشاركةُ موجودةٌ.
وقرأ(٤) يزيد بن قطيب (لَواذا) بفتحِ اللامِ، وهي محتملةٌ لوجهين
(١) الأصل «مساوي» وهو سهو.
(٢) انظر: معاني القرآن للزجّاجِ ٥٦/٤، والممتع ٤٩٥، الإملاء ٤٨/١.
(٣) قال في اللسان (لوذ): ((واللّوْذ: حِصن الجبل وجانبه وما يطيف به، والجمع ألواذ».
(٤) انظر: البحر ٦ /٤٧٧ .
٤٤٧

- النور-
أحدُهما: أَنْ تكونَ مصدرَ ((لاذ)) ثلاثياً فتكون مثلَ: طاف طَوافاً. وصَلَحَتْ أَنْ
تكون مصدرَ لاوَذَ، إِلَّ أنَّه فُتِحَتْ الفاءُ إتباعاً لفتحةِ العينِ وهو تعليلٌ ضعيفٌ
يَصْلُحُ لمثلِ هذه القراءةِ.
قوله: ((فَلْيَحْذَرِ الذينَ)) فيه وجهان، أشهرُهما: ــ وهو الذي لا يَعْرِف
النحاةُ غيرَه - أنَّ الموصولَ هو الفاعلُ و((أن تصيبَهم)) مفعولُه أي: فَلْيَحْذَرِ
المخالفون عن أمرِه إصابتهم فتنةٌ. والثاني: أنَّ فاعل ((فَلْيَحْذَرْ) ضميرٌ مستترٌ،
والموصولُ مفعولٌ به . وقد رُدّ علی هذا بوجوهٍ منها: أنَّ الإِضمار على خلافٍ
الأصلِ. وفيه نظرً؛ لأن هذا الإِضمارَ في قوةِ المنطوقِ به، فلا يُقال: هو خلافُ
الأصلِ. ألا ترى أنَّ نحوَ: قُمْ ولْتَقم فاعلُه مضمرُ، ولا يُقال في شيءٍ منه: هو
خلافُ الأصلِ ، وإنما الإِضمارُ خلافُ الأصلِ فيما كان حَذْفاً نحو: ((واسألٍ
القرية»(١) .
ومنها: أنَّ هذا الضميرَ لا مَرْجِعَ له أي: ليس له شيءٌ يعودُ عليه فَبَطَلَ أَنْ
يكونَ الفاعلُ ضميراً مستتراً، وأُجيب: بأنَّ الذي يعودُ عليه الضميرُ هو
الموصولُ الأولُ أي: فَلْيَحْذّرِ المُتَّسَلِّلون المخالِفِينَ عن أمرِهِ، فيكونون قد أُمِرُوا
بالحَذَرِ منهم أي: أُمِروا باجتنابِهِم كما يُؤْمَرُ باجتناب الفُسَّاقِ. وقد رَدُّوا هذا
بوجهين، أحدُهما: أنَّ الضميرَ مفردٌ، والذي يعودُ عليه جمعٌ، ففاتَتِ المطابقةُ
التي هي شرطٌ في تفسيرِ الضمائر. الثاني: أنَّ المُتَسَللين هم المخالِفُون، فلو
أُمِروا بالحَذَرِ عن الذين يُخالِفُوْن لكانوا قد أُمِروا بالحَذَّرِ من أنفسهم، وهو
لا يجوز؛ لأنَّه لا يمكِنُ أَنْ يُؤْمَروا بالحَذَرِ من أنفسهم.
ويمكنُ أَنْ يُجابَ عنِ الأولِ : بأنَّ الضميرَ وإن كان مفرداً فإنما: عاد على
(١) الآية ٨٢ من يوسف.
٤٤٨

- النور -
جمعٍ باعتبارٍ أنَّ المعنى: فليحذَّرْ هو. أي: مِنْ ذِكْرٍ مثل ذلك. وحكى
سيبويه(١) ((ضرَبني وضربْتُ قومَك)) أي: ضربني مَنْ ثَمَّ ومَنْ ذُكِر، وهي مسألةً
معروفةً في النحوِ، أو يكونُ التقديرُ: فليحذَرْ كلُّ واحدٍ من المُتَّسَلَّلين. وعن
الثاني: بأنه يجوزُ أَنْ يُؤْمَرَ الإِنسانُ بالحَذَرِ عن نفسِه مجازاً. يعني أنَّه لا يطاوعُها
على شهواتِها وما تُسَوَّلُه له من السوءِ. كأنه قيل: فَلْيحذرِ المخالفونَ أنفسَهم،
فلا يُطِيْعوها في ما تَأْمُرُهُمْ به، ولهذا يُقال: أَمَر نفسَه ونهاها، وأَمَرَتْه نفسُه باعتبار
المجازِ.
ومنها: أنَّه يَصيرُ قولُه: ((أَنْ تُصِيْبُهُم فتنةٌ أو يُصيبَهم عذاب أليمٌ)» مُفْلَتاً
ضائِعاً؛ لأنَّ((يَحْذَرُ)) يتعدَّى لواحدٍ، وقد أَخَذَه على زَعْمِكم وهو ((الذين
يُخالفون))، ولا يَتْعَدَّى إلى اثنين حتى يَقُولُوا: إنَّ((أنْ تصيبهم فتنةٌ)) في محلِّ
مفعوله الثاني فبقي ضائعاً. وفيه نظرً؛ لأنَّه لا يُسَلَّم ضياعُه؛ لأنه مفعولٌ من
أجله. واعتُرِضَ على هذا: بأنه لم يَسْتكمل شروطَ النصبِ لاختلافِ الفاعلِ ؛
لأنَّ فاعلَ الحَذَرِ غيرُ فاعلِ الإِصابةِ وهو ضعيفٌ؛ لأنَّ حَذْفَ حرفِ الجرِّ يَطَرِهُ
مع أَنْ وأنَّ. فنقول: مُسَلَّمٌ شروطُ النصبِ غيرُ موجودة، وهو مجرورٌ باللامِ
تقديراً، وإنما حُذِفَتْ مع ((أَنْ)) لطولها بالصلة.
و ((يُخالِفُون)) يتعدَّى بنفسِه نحو: خالَفْتُ أَمْرَ زيدٍ، و((إلى)) نحو: خالَفْتُ
إلى كذا، فكيف تَعَدَّى هذا بحرفِ المجاوزةِ؟ وفيه أوجهٌ، أحدها: أنَّه ضُمِّن
معنىْ صَدَّ وَأَعْرَضَ أي: صدَّ عن أمرِهِ وَأَعْرَضَ عنه مخالِفاً له. والثاني: قال
ابن عطية(٢): «معناه يَقَعُ خلافُهم بعدَ / أَمْرِه، كما تقول: كان المطر عن ريحٍ [٦٧٢/أ]
(١) الكتاب ٤١/١ قال: ((فجائز وهو قبيح أن تجعل اللفظ كالواحد كما تقول: هو
أحسن الفتيان وأجمله، وأكرمُ بنيه وأَنْبَلُه)».
(٢) المحرر ٣٣١/١١.
٤٤٩

- النور-
كذا، وعَنْ لما عدا الشيءَ». الثالث: أنها مزيدةٌ أي: يخالفون أمرَه، وإليه نحا
الأخفش (١) وأبو عبيدة(٢)، والزيادةُ خلافُ الأصلِ.
وقُرِىء(٣) ((يُخَلَّفون)» بالتشديد، ومَفْعولُه محذوفٌ أي: يُخَلَّفون أنفسَهم.
آ. (٦٤) قوله: ﴿قد يَعْلَمُ ما أنتمْ عليه﴾: قال
الزمخشري (٤): ((أَدْخَلَ ((قد)) ليؤكِّدَ عِلْمَه بما هم عليه من المخالفةِ عن الدينِ
والنفاق، ويرجع توكيدُ العلمِ إلى توكيدِ الوعيدِ: وذلك أنَّ ((قد)) إذا دَخَلَتْ على
المضارعِ كانت بمعنى ((رُبَّما)) فوافَقَتْ ((رُبَّما)) في خروجِها إلى معنى التكثير
في نحو قوله(٥) :
٣٤٦٩- فإنْ تُمْسِ مهجورَ الفِناءِ فَرُبَّما
أقامَ به بعدَ الوُفودِ وُفودُ
ونحوّ من ذلك قولُ زهير(٦):
٣٤٧٠- أَخي ثقةٍ لا تُهْلِكُ الخمرُ مالَه
ولكنَّه قد يُهْلِكُ المالَ نَائِلُهْ
قال الشيخ (٧): ((وكونُ ((قد)) إذا دَخَلَتْ على المضارعِ أفادَتِ التكثيرَ قُولٌ
(١) لم يشر الأخفش إلى زيادتها في كتابه («معاني القرآن)».
(٢) مجاز القرآن ٦٩/٢.
(٣) البحر ٤٧٧/٦ .
(٤) الكشاف ٧٩/٣.
(٥) البيت لأبي العطاء السِّنْدي، وهو في الحماسة ٣٩١/١، والخزانة ١٦٧/٤،
واللسان (عهد).
(٦) تقدم برقم ١٩٠٢
(٧) البحر ٤٧٧/٦.
٤٥٠

- النور-
لبعضِ النحاة(١). وليس بصحيحٍ، وإنما التكثيرُ مفهومٌ من السِّياق.
والصحيحُ: أنَّ(رُبَّ)) للتقليلِ للشيءٍ(٢)، أو لتقليلِ نظيرِهِ. وإنْ فُهِم تكثيرٌ
فمِنَ السِّياقِ لا منها)».
((ويومَ يُرْجَعُون)) في ((يوم)) وجهان أحدُهما: أنه مفعولٌ به لا ظرفٌ لعطفِه
على قوله: ((ما أنتم عليه)) أي: يعلمُ الذي أنتم عليه مِنْ جميعٍ أحوالِكم،
ويَعْلَمُ يومَ يُرْجَعُون كقولِه: ((إِنَّ اللَّهَ عندَه عِلْمُ الساعةِ لا يُجَلَّها لوقتها إِلَّ هو)).
والثاني: أنه ظرفٌ لشيءٍ محذوف. قال ابن عطية(٣): ((ويجوزُ أَنْ يكونَ
التقديرُ: والعلمُ الظاهرُ لكم - أو نحو هذا - يومَ، فيكونُ النصبُ على الظرفِ)»
انتھی .
وقرأ العامَّةُ ((يُرْجَعون)) مبنياً للمفعول. وأبو عمرو(٤) في آخرين مبنياً
للفاعلِ. وعلى كلتا القراءتين فيجوزُ وجهان، أحدهما: أَنْ يكونَ في الكلامِ
التفاتُ من الخطابِ في قوله: ((ما أنتم عليه)) إلى الغَيْبة في قوله: ((يُرْجَعون)).
والثاني: أنَّ (ما أنتم عليه)) خطابٌ عامٌّ لكلُّ أحدٍ. والضميرُ في ((يُرْجَعُون))
للمنافقين خاصةً، فلا التفات حينئذٍ.
[تمّت بعونه تعالى سورة النور]
(١) انظر: المغني ٢٣١.
(٢) البحر: ((لتقليل الشيء).
(٣)
المحرر ٣٣١/١١.
(٤) السبعة ٤٥٩، والنشر ٢٠٨/٢، والبحر ٤٧٧/٦.
٤٥١

- الفرقان -
سورة الفرقان
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (١) قوله: ﴿ليكونَ﴾: اللامُ متعلقةٌ بـ((نَزَّل)). وفي اسم
(يكون)) ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه ضميرٌ يعودُ على الذي نزّل. أي: ليكونَ الذي
نَزَّل الفرقانَ نذيراً. الثاني: أنه يعودُ على الفرقانِ وهو القرآنُ. أي: ليكون
الفرقانُ نذيراً. الثالث: أنه يعودُ على ((عبدِه)) أي: ليكونَ عبدُه محمد صلَّى الله
عليه وسلَّم نذيراً. وهذا أحسنُ الوجوهِ معنىَّ وصناعةٌ لقُرْبِهِ ممَّا يعودُ عليه،
والضميرُ يعودُ على أقربٍ مذكورٍ. و(للعالمين)) متعلقٌ بـ ((نذيراً)) وإنما قُدِّم
لأجلِ الفواصلِ. ودَعْوى إفادةِ الاختصاصِ بعيدةٌ لعدمِ تأتِّيُها هنا. وَرَجَّح
الشيخ(١) عَوْدَه على ((الذي)) قال: ((لأنه العُمْدةُ المسندُ إليه الفعلُ، وهو مِنْ
وصفِه تعالى كقوله: (إِنَّا كنَّا مُنْذِرين))(٢). و((نذيراً)) الظاهرُ فيه أنه بمعنى مُنْذِر.
وجوزوا أَنْ يكون مصدراً بمعنی الإنذار کالنکیر بمعنی الإنكار ومنه «فکیف کان
عذابي ونُذُرِ))(٣).
آ. (٢) قوله: ﴿الذي له مُلْكُ﴾: يجوز في ((الذي)) الرفعُ نعتاً
للذي الأولِ، أو بياناً، أو بدلاً، أو خبراً لمبتدأ محذوفٍ، أو النصبُ على
(١) البحر ٤٨٠/٦.
(٢) الآية ٣ من الدخان.
(٣) الآية ١٦ من القمر.
٤٥٣

- الفرقان -
المدحِ. وما بعد (نَزَّل)) من تمام الصلة فليس أجنبياً، فلا يضُرُّ الفصلُ به بین
الموصولِ الأول والثاني إذا جَعَلْنا الثاني تابعاً له.
قوله: ((وخَلَقَ)) الخَلْقُ هنا عبارةٌ عن الإِحداث والتهيئةِ لِما يَصْلُح له حتى
يجيءَ قولُه: ((فَقَدَّره تقديراً)) مفيداً؛ إذ لو حَمَلْنا ((خَلَقَ كلَّ شيء)) على معناه
الأصلي من التقدير لصار الكلام: وقَدَّر كلَّ شيءٍ فقدَّره.
آ. (٣) قوله: ﴿وَالَّخَذُوا﴾: يجوزُ أَنْ يعودَ الضميرُ على الكفارِ
الذينُ يَضُمُّهم لَفْظُ ((العالمين))(١)، وأن يعودَ على مَنْ ادَّعى للَّهِ شريكاً ووَلِداً
الدلالةِ قولِه: ((ولم يَتَّخِذْ ولداً، ولم يكن له شريكٌ في المُلْك))، وأَنْ يعودَ على
المُنْذَرين لدلالة ((نذيراً) عليهم.
قوله: ((لا يَخْلُقُون)) صفةٌ لـ ((آلهةً))، وغَلَّبَ العقلاءَ على غيرِهِم؛ لأنَّ
[٦٧٢/ب] الكفارَ/ كانوا يَعْبُدون العقلاءَ كعُزَيْرٍ والمسيح والملائكة وغيرهم کالكواكبٍ
والأصنامِ. ومعنى ((لا يَخْلُقُون)) لا يَقْدِرُوْن على التقدير، والخَلْقُ يُوْصَفُ بِه
العبادُ. قال زهير(٢) : .
٣٤٧١ - وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وبَهْـ
ـضُ القوم يَخْلُقُ ثم لا يَفْري
ويقال: خَلَقْتُ الأَديمَ(٣) أي: قدَّرْتُه. هذا إذا أُريد بالخَلْقِ التقديرُ. فإنْ
أُريد به الإِيجادُ فلا يُوْصَفُ به غير الباري تعالى وقد تقدَّم. وقيل: بمعنى
يَخْتَلِقون، كقوله: ((وَتَخْلُقون إِفْكاً) (٤).
(١) الوارد في الآية ١ ((ليكون للعالمين نذيرا)).
(٢)
تقدم برقم ٢٦١ .
(٣)
الأديم: الجلد.
الآية ١٧ من العنكبوت.
(٤)
٤٥٤

- الفرقان -
آ. (٤) قوله: ﴿اقْتَراه﴾: الهاءُ تعودُ على إفك. وقال أبو
البقاء (١): ((الهاء تعود على ((عَبْدِه)) في أول السورة)) ولا أظنّه إلَّ غَلَطاً، وكأنه
أراد أَنْ يقولَ: الضمير المرفوع في افتراه فَغَلِط.
قوله: ((ظُلْماً) فيه أوجهٌ، أحدُها: أنَّه مفعولٌ به؛ لأنَّ ((جاء)) يتعدَّى بنفسِه
وكذلك ((أتى)). والثاني: أنه على إسقاطٍ الخافضِ أي: جاؤوا بظلمٍ. الثالث:
أنه في موضعِ الحال، فيجيءُ فيه ما في قولك ((جاء زيدٌ عَدْلاً)) من الأوجه .
آ. (٥) قوله: ﴿اكْتَتَبها﴾: يجوز فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أَنْ
يكونَ حالاً من أساطيرُ، والعاملُ فيها معنى التنبيه، أو الإِشارةِ المقدرةِ؛ فإنَّ
((أساطيرُ)) خبرُ مبتدأ محذوفٍ، تقديرُه: هذه أساطيرُ الأوَّلِين مُْتَتَبَةٌ. والثاني:
أن يكونَ في موضع خبرٍ ثانٍ لـ ((هذه)). والثالث: أَنْ يكونَ ((أساطيرُ)) مبتدأً
و ((اكْتَبَها)) خبرُه، واكْتَبها: الافتعالُ هنا يجوزُ أَنْ يكونَ بمعنى أَمَر بكتابتها
كاقتصد واحْتَجم، إذا أَمَر بذلك، ويجوز أَنْ يكونَ بمعنى كَتَّبَها، وهو مِنْ جملةٍ
افترائِهم عليه لأنه [عليه السلام](٢) كان أمِّيَّاً لا يَقْرأ ولا يَكْتب، ويكونُ كقولهم:
اسْتَكَبِّه واصْطَبَّه أي: سكبه وصبَّه. والافتعالُ مُشْعِرٌ بالتكلُّفِ. ويجوز أَنْ يكونَ
مِنْ كَتَبَ بمعنى جَمَعَ، من الكُتْبِ وهو الجَمْعُ، لا من الكتابة بالقلم.
وقرأ(٣) طلحةُ ((اكْتُيِّبَها)) مبنياً للمفعولِ. قال الزمخشري (٤): ((والمعنى:
اكتتبها له كاتِبٌ لأنه كان أمِّيَّاً لا يكتبُ بيدِه، ثم حُذِفَتِ اللامُ فَأَقْضَى الفعلُ إلى
الضمير فصار: اكتتبها إياه كاتبٌ. كقولِه: ((واختار موسى قومَه))(٥) ثم بُني
(١) الإملاء ١٦٠/٢.
(٢) زيادة من ش.
(٣) المحتسب ١١٧/٢، البحر ٤٨٢/٦.
(٤) الكشاف ٨٢/٣.
(٥) الآية ١٥٥ من الأعراف.
٤٥٥

- الفرقان ــ
الفعلُ للضمير الذي هو (إياه)» فانقلب مرفوعاً مستتراً بعد أن كان منصوباً بارزاً،
وبقي ضمير الأساطير على حالِهِ فصارَ ((اكْتُتِبَها)) كما تَرَىْ)).
قال الشيخ(١): ((ولا يَصِحُّ ذلك على مذهبٍ جمهورِ البصريين؛ لأنَّ
((اكتتبها له كاتب)) وَصَل الفعلُ فيه لمفعولين أحدُهما مُسَرَّح، وهو ضميرُ
الأساطير، والآخرُ مقيدٌ، وهو ضميرُه عليه السلام، ثم اتَّسِع في الفعلِ فَحُذِفَ
حرفُ الجر، فصار: اكتتبها إياه كاتبٌ. فإذا بُني هذا للمفعولِ: إنما ينوبُ عن
الفاعلِ المفعولُ المُسَرَّحُ لفظاً وتقديراً لا المسرَّحُ لفظاً، المقيّدُ تقديراً. فعلى
هذا يكون التركيب: اكْتُتِّه لا اكتتبها، وعلى هذا الذي قُلْناه جاء السماعُ. قال
الفرزدق(٢):
٣٤٧٢- ومِنَّا الذي اختير الرجالَ سماحةً
وجوداً إذا هَبَّ الرياحُ الزَّعازِعُ
ولو جاء على ما قَرَّره الزمخشريُّ لجاء التركيبُ: ((ومنا الذي اختيبره
الرجالُ)) لأنَّ ((اخْتِيرِ)) تَعدَّى إلى الرجال بإسقاطِ حرفِ الجرِّ؛ إذ تقديرُه: اختير
من الرِّجال)). قلت: وهو اعتراضٌ حَسَنٌ بالنسبة إلى مذهبِ الجمهورِ، ولكن
الزمخشريَّ قد لا يلتزمه، ویوافق الأخفش والکوفیین، وإذا كان الأخفشُ وهم،
يتركون المَسرِّحَ لفظاً وتقديراً، ويُقيمون المجرورَ بالحرفِ مع وجودِه فهذا أَوْلَی
واحْری.
والظاهر أنَّ الجملةَ مِنْ قولِه ((اكْتَبَها فهي تُمْلَىْ)) مِنْ تَتِمَّةِ قولِ الكفارِ.
وعن الحسن أنَّها من كلامِ الباري تعالى، وكان حَقُّ الكلام على هذا أَنْ يَقْرَأَ
(١) البحر ٤٨٢/٦.
(٢) تقدم برقم ٢٣٠٨، وقال أبو حيان قبل إنشاده البيت: ((في هذا النوع الذي أحد
المفعولين فيه مُسَرَّحُ لفظاً وتقديراً، والآخر مسرح لفظاً لا تقديراً».
٤٥٦

- الفرقان -
((أَكْتَبها) بهمزةٍ مقطوعةٍ مفتوحةٍ للاستفهام كقوله: ((أُقْتَرَى على اللَّهِ كَذِباً أَمْ به
جِنَّةٌ))(١). ويمكنُ أن يُعْتَذَرَ عنه: أنه حَذَفَ الهمزةَ للعلمِ بها كقوله تعالى :
(وتلكَ نِعْمةٌ تمنُّها عليَّ))(٢). وقولِ الآخر(٣):
٣٤٧٣ - أَفْرَحُ أَنْ أُرْزَأَ الكرامَ وَأَنْ
أُوْرَثَ ذَوْداً شَصائِصا نَبْلا
يريدُ: أو تلك، وأَأَفْرَحُ، فَحُذِفَ لدلالةِ الحالِ ، وحَقُّه أَنْ يقفَ على
(الأوَّلين)). قال الزمخشري (٤): ((كيف قيل: اكْتَتَبَها فهي تُمْلَى عليه، وإنما
يُقال: أَمْلَيْتُ عليه فهو یکتتبها؟ قلت: فيه وجهان، أحدُهما: أراد اكتتابَها
وطَلَبَه(٥) فهي تُمْلَى عليه أو كُتِبَتْ له وهو أُمِّيّ فهي تُمْلَى عليه أي: تُلْقَى عليه
مِنْ كتابٍ يَتَحفَّظُها؛ لأنَّ صورةَ الإِلقاءِ على الحافظِ كصورة الإِلقاءِ على
الکاتب».
وقرأ(٦) عيسى وطلحة (تُتْلَى)) بتاءَيْن مِنْ فوقُ، من التلاوة. و «بُكْرَةً
وأَصيلاً)) ظرف زمان للإملاء. والياءُ في ((تملَى)) بدلٌ من اللامِ كقوله:
((فَلْيُمْلِلْ)»(٧) وقد تقدَّمَ(٨).
(١) الآية ٨ من سبأ.
(٢) الآية ٢٢ من الشعراء.
تقدم برقم ٣٤٠.
(٣)
(٤) الكشاف ٨٢/٣.
(٥)
الكشاف: أو طلبه.
(٦) البحر ٤٨٢/٦.
(٧) الآية ٢٨٢ من البقرة.
(٨) قال المؤلف في الدر ٦٥٣/٢: ((ويقال أَمْلِلْت وأمْلَيْت. فقيل: هما لغتان. وقيل:
الياء بدل من أحد المثلين. وأصل المادتين: الإِعادة مرة بعد أخرى.
٤٥٧

- الفرقان -
آ. (٧) قوله: ﴿ما لهِذا﴾: ((ما)) استفهاميةٌ مبتدأةً. والجارُّ بعدَها
خبرٌ. ((ويأكل)) جملةٌ حاليةٌ، وبها تَتِمُّ فائدةُ الإخبار كقوله: ((فما لهم عن
الّذْكِرَة مُعْرِضين))(١). وقد تقدم في النساء(٢) أنَّ لامَ الجرِّ كُتِبَتْ مفصولةٌ من
مجرورِها وهو خارجٌ عن قياسِ الخطّ.
[٦٧٣/أ]
/ والعاملُ في الحالِ الاستقرارُ العاملُ في الجارِّ، أو نفسُ الجارِّ، ذكرَه
أبو البقاء(٣).
قوله: ((فيكونَ)) العامَّةُ على نصبِه. وفيه وجهان، أحدُهما: نصبٌ على
جوابِ التحضيضِ . والثاني قال أبو البقاء (٤): ((فيكونَ منصوبُ على جوابٍ
الاستفهام)) وفيه نظرُ؛ لأنَّ ما بعدَ الفاءِ لا يَتَرَتَّبُ على هذا الاستفهامِ وشرطُ
النصبِ: أن ينعقدَ منهما شرطٌ وجزاءٌ. وَقُرِىءٍ (٥) ((فيكونُ)) بالرفعِ، وهو
معطوفٌ على ((أُنْزِل))؛ وجاز عطفُه على الماضي؛ لأنَّ المرادَ بالماضي
المستقبلُ، إذ التقدير: لولا نُنَزِّلُ.
آ. (٨) قوله: ﴿أو يُلْقَى﴾: ((أو تكونُ)) معطوفان على ((أُنْزِلَ)) لِما
تقدَّمَ مِنْ كونِه بمعنى نُتَزِّل. ولا يجوزُ أَنْ يُعْطفا على ((فيكونَ)» المنصوبِ في
الجواب، لأنهما مُنْدَرجان في التحضيض في حكم الواقعِ بعد (لولا)). وليس
المعنى على أنهما جوابٌ للتحضيضِ فيعطفا على جوابٍه. وقرأ(٦) الأعمش
وقتادةُ ((أو يكونُ له)) بالياء من تحتُ؛ لأن تأنيثَ الجنةِ مجازيٍّ.
(١) الآية ٤٩ من المدثر.
(٢) الآية ٧٨ ((فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً)).
(٣)
الإملاء ١٦٠/٢.
(٤) الإِملاء ١٦٠/٢.
(٥) حكاه أبو معاذ. انظر: الشواذ ١٠٤، والبحر ٤٨٣/٦.
(٦) البحر ٤٨٣/٦.
٤٥٨

- الفرقان -
قوله: ((يَأْكلُ منها)» الجملةُ في موضعِ الرفعِ صفةٌ لـ ((جنةٌ)). وقرأ(١)
الأخَوان ((فَأْكُلُ)) بنون الجمعِ. والباقون بالياء من تحتُ أي: الرسول.
قوله : ((وقال الظالمون)) وَضَعَ الظاهرَ موضعَ المضمرِ، إذ الأصل: وقالوا.
قال الزمخشري(٢): ((وأرادَ بالظالمين إياهم بأعيانهم)). قال الشيخ(٣): ((وقوله
ليس تركيباً سائغاً، بل التركيبُ العربيُّ أَنْ يقولَ: أرادَهم بأعيانهم)).
آ. (١٠) قوله: ﴿جَنَّاتٍ﴾: يجوز أنْ يكونَ بدلاً مِنْ ((خيراً»، وأَنْ
يكونَ عطفَ بيانٍ عند مَنْ يُجَوِّزه في النكراتِ، وأَنْ يكونَ منصوباً بإضمارٍ
أعني. و(«تَجْري من تحتِها الأنهارُ صفةٌ.
قوله: ((ويَجْعَلْ لكَ)) قرأ(٤) ابن كثير وابن عامر وأبو بكر برفع ((ويجعَلُ))
والباقون بإدغامِ لامِ ((يَجْعَلْ)) في لام ((لك)). وأمَّ الرفعُ ففيه وجهان، أحدُهما:
أنَّه مستأنفٌ. والثاني: أنه معطوفٌ على جوابٍ الشرط. قال الزمخشري(٥):
(لأنَّ الشرطَ إذا وقع ماضياً جاز في جوابِهِ الجزمُ، والرفعُ كقولِه(٦):
٣٤٧٤- وإنْ أتاه خليلٌ يومَ مَسْألةٍ
يقولُ لا غائِبُ مالي ولا حَرِمُ
(١) السبعة ٤٦٢، والتيسير ١٦٣، والنشر ٣٣٣/٢، والبحر ٤٨٣/٦، والقرطبي
٥/١٣، والحجة ٥٠٧ .
(٢) الكشاف ٨٢/٣.
(٣) البحر ٤٨٣/٦.
(٤) السبعة ٤٦٢، والحجة ٥٠٨، والبحر ٤٨٤/٦، والنشر ٣٣٣/٢، والقرطبي
٦/١٣، والتيسير ١٦٣ .
(٥) الكشاف ٨٣/٣.
(٦) تقدم برقم ١٢٣١.
٤٥٩

- الفرقان ـ
قال الشيخ(١): ((وليس هذا مذهبَ سيبويه، بل مذهبُه(٢): أنَّ الجواب
محذوفٌ، وأنَّ هذا المضارعَ مَنْوِيُّ به التقديمُ، ومذهبُ المبرد(٣) والكوفيين(٤)
أنه جوابٌ على حَذْفِ الفاءِ. ومذهبُ آخرين: أنه جوابٌ لا على حَذْفِها، بل
لمَّا كان الشرطُ ماضياً ضَعُفَ تأثيرُ ((إِنْ)) فارتفع)). قلت: فالزمخشريُّ بنى قولَه
على هذين المذهبين. ثم قال الشيخ(٥): ((وهذا التركيبُ جائزٌ فصيحٌ. وزعم
بعضُ أصحابِنا أنه لا يجيءُ إلَّ في ضرورة)).
وأمَّا القراءةُ الثانيةُ فتحتمل وجهين، أحدُهما: أنَّ سكونَ اللامِ للجزم.
عطفاً على مَحَلِّ ((جَعَل))؛ لأنَّه جوابُ الشرط. والثاني: أنه مرفوعٌ، وإنما سُكُن
لأجلِ الإِدغام. قاله الزمخشري(٦) وغيرُه وفيه نظرً؛ من حيث إنَّ(٧) مِنْ جملةٍ مَنْ
قرأ بذلك - وهو نافعٌ والأخَوان وحفصٌ - ليس مِنْ أصولهم الإدغامُ، حتى
يُدَّعَى لهم في هذا المكانِ. نعم أبو عمرو أصلُه الإِدغامُ وهو يقرأ هنا بسكونٍ
اللامِ، فُحتمل ذلك على قراءته، وهذا من محاسِنٍ علمِ النحوِ والقراءاتِ
معاً.
وقرأ(٨) طلحةُ بن سليمان ((وَيَجْعَلَ)) بالنصبِ؛ وذلك بإضمارِ ((أنْ)) على
(١) البحر ٤٨٤/٦.
(٢) الكتاب ٤٣٦/١.
(٣) المقتضب ٦٩/٢ .
(٤) نسب صاحب الإنصاف إلى الكوفيين أن التقدير في البيت: يقول إن أتاه خليل،
ولولا أنه في تقدير التقديم لما جاز أن يكون مرفوعاً. الإنصاف ٦٢٦/٢.
(٥) البحر ٤٨٤/٦.
(٦) الكشاف ٨٣/٣. وهو رأي الفراء. انظر: معاني القرآن ٢٦٣/٢.
(٧) في هذا التركيب نظر.
(٨) المحتسب ١١٨/٢، والبحر ٤٨٤/٦.
٤٦٠
. ..--